المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( بانت سعاد ) بشرح العلامة د. محمد محمد أبو موسى


أحمد الرشيدي
03-11-2007, 09:46 PM
قصيدة كعب بن زهير - رضي الله عنه - ( بانت سعاد / البردة ) من عيون الشعر العربي ، وحسبها شرفا أنها أنشدت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسنها ، وخلع على كعب بردته الشريفة إكراما له...

وقد شرح أستاذي العلامة الدكتور محمد محمد أبو موسى - حفظه الله - هذه القصيدة في كتابه ( قراءة في الأدب القديم ) ، فقال :

" سنحاول تقسيم القصيدة على وفق ما جرى فيها من معان يمكن أن نسميها مقاصد ، وكان حازم [ القرطاجني ] يسميها فصولا ، وربما وجدنا الفصل أو القسم ، أو المقطع يتكون من عدة معانٍ جزئية ، وقد تطول هذه المعاني الجزئية ؛ فنستحسن أن نفردها ، وكل هذا من باب تنظيم المادة المدروسة لا غير ، قال - رضي الله عنه - :

بانَتْ سُــعادُ فقَلْبِي اليــومَ مَتْبُولُ = مُتَيَّـمٌ إثْرَهــا لَم يُفْـدَ مَكْبـولُ

وما سعادُ غَــدَاةَ البَيْنِ إذ رَحَلُــوا = إلا أَغَنُّ غَضِيـضُ الطَّرْفِ مَكْحـولُ

تَجْلو عَوَارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتَسَـمَتْ = كأنَّـهُ مُنْهَــلٌ بالرَّاحِ مَعلُــولُ

شُجَّتْ بِــذِي شَبمٍ مِن مــاءِ مَعْنِيَةٍ = صافٍ بـأَبْطَحَ أَضْحى وَهْوَ مَشمُولُ

تَنْفِي الرِّيَــاحُ القَــذَى عَنهُ وأَفْرَطُهُ ‍= مِن صَوْبِ سـارِيَةٍ بِيضٌ يَعَـاليـلُ

فيَا لها خُلَّةً لـو أَنَّهَــا صَدَقَتْ ‍= مِيعادَها أَو لَو انَّ النُّصْحَ مَقبولُ

لكنَّهَـــا خُلَّةٌ قَد سِيطَ مِن دَمِهَــا ‍= فَجْـعٌ وَوَلْـعٌ وإخلافٌ وتَبديـلُ

فما تدومُ على حـالٍ تكونُ بِهـــا ‍= كَمـا تَلَوَّنُ في أثـوابِهـا الغـولُ

ولا تَمَسَّـكُ بالعَهدِ الــذي زَعَمَتْ = إلا كَما يُمسِـكُ المـاءَ الغَرابيـلُ

فلا يَغُرَّنْكَ مـــا مَنَّتْ وَما وَعَدَتْ ‍= إنَّ الأَمـانِيَّ والأحـلامَ تَضليـلُ

كــانَت مَواعيـدُ عُرْقوبٍ لها مَثَلا = ومـا مَواعيدُهـا إلا الأَبـاطيـلُ

أرجو وآمُــلُ أنْ تَدنو مَوَدَّتُهــا = وما اخَـالُ لدينـا مِنكِ تَنويــلُ

أمسَتْ سُــعادُ بأرضٍ لا يُبَلِّغُهــا = إلا العِتـاقُ النَّجِيباتُ المَـرَاسـيلُ


في هذا القسم ذكر كعب رضوان الله عليه مفارقةَ سعاد ، ولوعة هذا الفراق ، وأن قلبَه متبول ، مِنْ قولِهم ( تَبَلَه الحب ) إذا أسقمه وأضناه ، وأنه متيم أي : مُدَلَّه ، وذاهب العقل ، وأنه كالأسير لم يُعط الفداء ، فيُسْتنقذ ، وأنه مكبول ، من قولهم ( كَبَلَه ) كضربه ، إذا وضع في رجله ( الكَبْل ) وهو القيد ، ثم وصف سعاد ، وأنها كالغزال الأغن الذي في صوته غُنَّةٌ ، والغنة صوت لذيذ يخرج من الأنف ، وأن هذا الغزال غضيض الطرف : أي فاتره ، ثم ذكر ابتسامتها ، وأنها تجلو أي : تكشف عوارض ذي ظلم أي : أسنانها ، والظلم بفتح الظاء ماء الأسنان ، ثم وصف هذا الماء ، وأنه قد مُزج بخمر ، وهي الراح ، مزج بها مرة بعد مرة ، والنهل الشرب الأول ، والعلل الشرب بعد الشرب ، وكعب يقول : كأن ماء أسنانها قد مزج بالخمر ، مرة بعد مرة ، ثم أن هذا الخمر يُمزج بالماء ، فوصف كعب الماء الذي مُزج به الخمر ، وأنه ذو شَبَم : أي بارد ، والشَّبَمُ البرد ، وأنه من ماء مَحْنِيَةٍ : أي ما انحنى من الوادي فيه رمل ، وحصى ، وماؤه من أطيب الماء ، وأبرده ، وأنقاه ، والأبطح مسيل فيه دقاق الحصى ، وقياس جمعه الأباطح ، وجاء بطاح بكسر الباء على غير قياس ، والمشمول الذي ضربته ريح الشمال ، ثم استمر في وصف الماء الذي مزجت به الراح ، فذكر أن الرياح تنفي عنه القذى ، وهو الأذى الذي يصيب الماء ، وأنه أفرطه أي : ملأه من صوب سحابة سارية ، سحاب أبيض يجيء مرة بعد مرة ، وهذا معنى قوله ( يعاليل ) ، وقوله ( بيض ) فاعل ( أفرطه ) .

ثم رجع الشاعر إلى سعاد ، وقال متعجبا ( فيا لها خلة ) ، والخلة : الصديقة ؛ لأن محبتها تتخلل القلب ، وقوله ( لو أنها صدقت ) وكأنه شرط التعجب والاستعظام ، ثم استدرك وقال أنها خلة قد سيط من دمها : أي خلط في دمها فجع : وهي الداهية ، وولع : وهو الكذب ، وإخلاف : وهو الخُلف ، والتبديل : وهو التغيير ، وأنها لا تدوم على حال ، وإنما تتلون كما تتلون الغول ، ولا تمسك وعدا كما أن الغرابيل لا تمسك الماء ، ثم تركها واتجه إلى المخاطب ، وقال : لا يغرنَّك منها وعد ؛ لأن وعودها وأمانيها تضليل ، وأن مواعيدها كمواعيد عرقوب ، وعرقوب رجل من العمالقة ، قال ابن هشام : وكان من خبره أنه وعد أخا له ثمرة نخلة ، وقال ائتني إذا طلع النخل ، فلما أطلع قال إذا بلح ، فلما بلح قال إذا أزهى ، فلما أزهى قال إذا أرطب ، فلما أرطب ، قال إذا صار تمرا ، فلما صار تمرا جذه من الليل ، ولم يعطه شيئا ؛ فضربوا به المثل في الإخلاف ، فقالوا : أخلف من عرقوب .

وقوله ( أرجو وآمل ) رجوع إلى الرجاء والأمل ، وهو يقطع بأن ذلك لن يكون ، وهذا معنى قوله ( وما لهن طوال الدهر تنويل أي عطاء ، ثم ذكر أن سعاد صارت إلى أرض لا يبلغه إليها إلا العتاق الكرام النجيبات من الإبل ، وأخذ يصف ناقته هذه التي يرتحل عليها إلى سعاد .

وبعد هذا البيان اللازم ننظر في بيان آخر هو أقرب إلى طبيعة الشعر ، وبناء معانيه ، وهو علاقات المعاني ، وطريقة تكوينها ، وبيان الروابط التي بين الجزئيات المكونة للنص ، وهذه خطوة تتبعها خطوة ثانية ، وهي دراسة أحوال المعاني الجزئية وتركيبها .

أما بيان العلاقات والروابط التي ربطت جزئيات هذا النص ، وأقامت بناءه الشعري ، فإنك تراها في قراءة النص مرة ثانية ، وعيوننا معقودة على هذه القواطع ، والفواصل ، وأول ما تراه فيها قوله ( بانت سعاد ) وهي جملة خبرية ترتب على معناها قوله ( فقلبي اليوم متبول ... ) إلى آخر البيت لأن كل هذه أخبار متعددة ، وهذه الفاء [ فقلبي ] كشفت هذا الترتيب ، ودلَّتْ على أن ما دخلت عليه فرع مما قبلها ، وقوله ( وما سعاد غداة البين ) إلى آخر البيت معطوف على قوله ( بانت سعاد ) ولا يصح أن يعطف على قوله ( فقلبي .... ) ؛ لأنه ليس ليس مترتبا على بانت سعاد ، وإنما هو وصف لحسنها .

وجملة ( تجلو عوارض ذي ظلم ) إما أن يكون خبرا آخر عن سعاد ، وإما أن تكون مستأنفة لبيان المعنى الذي دلت عليه ، وهي في الحالتين لا تخرج عن كونها وصفا من جهة المعنى لسعاد ، والبيتان بعد هذا البيت امتداد لمعنى هذا البيت ؛ لأنه لما شبه ماء الثغر بماء نُهِل بالخمر وعُلَّ بها ، نقل الكلام إلى الماء الذي شجت به الخمر : أي كسرت به حدتها ، ووصفه بأنه ماء محنية صاف ، وأن رياح الشمال تهب عليه ، وتنفي القذى عنه إلى آخر ما ترى ، وهكذا تصير هذه الأبيات الثلاثة كأنها جملة واحدة .

وقوله ( فيالها خُلَّة ) بنى به البيت على هذا التعجب ، وهذه الفاء ربطت هذا المقطع بأوصاف سعا ، ورتَّبته على هذه الأوصاف ، وكأن سعاد هي قطب رحى الشعر في هذه الأبيات ، يروح بها ويغدو ، وتجتذب نحوها كل جمل النص ، وقوله ( لو أنها صدقت ) ( لو ) فيه معناها التمني ، وهو هنا يتمنى لو كانت صدقت حتى يتم له التعجب والاستعظام ، ويتمنى - أيضا - لو أن النصح مقبول : أي لو أن نصحه لها مقبول ، وقد ذكر ابن هشام أن الألف والام في ( النصح ) خلف عن الإضافة ، والأصل نصحها ، وأن الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وقوله ( لكنها خلة قد سيط من دمها ) استدراك كما ترى ، وقوله ( فما تدوم ) هذه الفاء آذنت بأن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، وأن تغيُّرها إنما هو لأنها قد سيط من دمها خُلْفٌ ، ووَلْعٌ ، وقوله ( وما تَمَسَّك بالعهد ) معطوف على تدوم ، داخل في حيز الفاء الدالة على الترتيب ، وقوله ( فلا يغرنك ) إلى آخر البيت مترتب على قوله ( فما تدوم وما عطف عليه ) ، وتأمل ترتب معان على معان هي مترتبة على ما قبلها ، وكيف تتفرع من الفروع فروع ، وقوله ( كانت مواعيد عرقوب ) تأكيد لقوله ( فلا يغرنك ) وداخل فيه ، وقوله ( أرجو وآمل ) معنى مستأنف يشبه القل الذي يتم به هذا المقطع .

وتأمل قوله ( بانت سعاد ) وما في كلمة بانت من الحنين واللوعة ، والمفاجأة بالفقد ، وهي كلمة رحبة تبسط معناها على أحوال كثيرة ، ثم إن هذه الجملة ليس فيها صنعة ، وإنما هي فعل وفاعل ، وإنما كانت الإصابة في اختيار كلمة البين ، وجعله مفتتح الكلام ، وأول ما يسمع ، وأو ما يطرق القلب ، ووراء ذلك من شجن النفس ما وراءه ، وقد ذكر ابن هشام أن القصائد التي أولها بانت سعاد تزيد على خمسمائة قصيدة ، ومعنى هذا أنها جملة مُعْرِقة في الشعر ، وأنها مِفتاح النغم ، وأول الإنشاد ، وكعب يُردف هذا البين الذي افتتح به إنشاده بقوله ( فقلبي اليوم متبول ) فيذكر القلب ، والتَّبْل الذي هو الضنا ، والسقم مع البين ، ثم يُتبع ذلك بقوله ( متيم ) فيعيد الميم ، والتاء ، من متبول ، وكأنه يقوي الإنشاد ، ويرتقي بالمعنى ؛ لأن المتيم الذي أذهله ما يجد ، وهو غير ذي الضنا والسقم ؛ لأن هذا فيه قدر من ذهاب العقل ، وليس الجسم فحسب ، ثم يُلح عليه ما يجد ، فيضيف ( لم يفد ) أي أسير لم يستنقذ ، ويدخل بالصورة مدخلا آخر ، فيجعل فلبه أسيرا ، ثم يزيد ، فيضع القيد أو الكبل ليس في قدميه ، وإنما يضع فيه قلبه ، ويعيد الصوت الأول الذي هو ( متبول ) والشَّبه بين مكبول ومتبول ، شبه في الوزن ، وأول الكلمة وآخرها ، وكأنه يرد عجز النغم إلى صدره ، ويرجع صوت شجنه ونوحه على قلبه .

وترى هذا بصورة أوضح إذا نظرتَ إلى مُفتتح أخر بهذه الجملة ، وذلك قول ربيعة بن مقروم الضبي ، وهو شاعر مخضرم ، قال :


بانت سعاد فأمسى القلبُ مَعْمودا = وأخْلَفَتْكَ ابنةُ الحُرِّ المواعيدا

ويا بعد ما بينهما ، كعب يقول ( فقلبي ) ، ولم يقل ( فأمسى قلبي ) ، فجعل ما أصابه أثرالبين ، ولم ينتظر المساء ، وإنما جلب الهم إلى ربيعة هذا المساء ، وما أخصب المساء في الشعر وأغرزه ، ثم إن ربيعة اكتفى بخبر واحد ، ثم وثب إلى المعاتبة ، وكعب ألح في شعره على بيان حاله ، ولم ينتقل إلى المعاتبة ، وإنما انتقل إلى شيء من محاسن سعاد ، فقال :


وما سعادُ غَــدَاةَ البَيْنِ إذ رَحَلُــوا ‍= إلا أَغَنُّ غَضِيـضُ الطَّرْفِ مَكْحـولُ

*****

أسأل الله أن يطيل في عمرك بالصحة والعافية وحسن العمل ، ويمتعنا بك ، ويسبغ عليك من فضله إنه الكريم القدير

أحمد حسن محمد
03-11-2007, 10:37 PM
أخي الغالي الأستاذ الفاضل أحمد الرشيدي..

بوركت يداك اللتان نقلتا لنا هذا القدر من الدراسة في تراثنا الأصيل..

وإن كنت بينكم تلميذاً يتعلم وييستنشق من عبير محبتكم وفكركم..


فقد شدني مبدؤه النقدي في القراءة في تلك الفقرة فقط: " ويعيد الصوت الأول الذي هو ( متبول ) والشَّبه بين مكبول ومتبول ، شبه في الوزن ، وأول الكلمة وآخرها ، وكأنه يرد عجز النغم إلى صدره ، ويرجع صوت شجنه ونوحه على قلبه .
"
أما الباقي، فالدراسة تعليمية إلى حد كبير، يقوم فيها موقف الشارح حد بيان المعاني، وأدى بعض جهد في الربط وهي مهمة من مهمات الشرح أكثر منها (في حالتنا هذه) من مهمات الكشف.

دمت بخير يا أستاذي النبيل

أحمد الرشيدي
04-11-2007, 06:16 AM
( 2 )

أبدأ من حيث توقف الشيخ العلامة أستاذي الدكتور محمد محمد أبو موسى - حفظه الله - :

" ... ، فقال :


وما سعادُ غَدَاةَ البَيْنِ إذ رَحَلُـوا = إلا أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ

والبيت بُني على تَكرار سعاد ، وهو من وضع المظهر موضع المضمر ، واسم المحبوب كما يقول ابن هشام يُلْتَذُّ بإعادته ، ثم إن البيت معقود على صفة تشبيه سعاد بالظبي ، وقد حُذف ، ,ودلَّتْ عليه صفته ؛ لأن الأغن صفة لازمة للظبي ، ولو كانت سعاد هي المرادة لقال غنَّاء ، وكلمة أغن كأن كلمات متبول ، ومتيم ، ومكبول قد مهدت لها ؛ لأن التجانس الذي بينها مضمر فيه الغناء ، وهذا القصر الذي جاء بالنفي والاستثناء ، وهي أم باب القصر ، يؤكد أن سعاد ليست من النساء ، وإنما هي أغن لا غير ،فالذي بان هو الأغن ، أو قل هو الغِناء ، أو المسرة ، أو كل ما يَبْتهج له القلب ، وعلى طريقة كعب في التَّقصي لم يَكتف بما تسمع الأذن من كلمة أغن ، وإنما أضاف ما تراه العيون في محاسن العيون ، فقال ( غضيض الطرف ) أي فاتره ، وهو وصف صالح للظبي ، وللحسناء ، ومثله ( مكحول ) التي كأنها تُرجع نغم مكبول ، ومتبول ، وهذه الأوصاف التي تجري على المشبه والمشبه به تشير إلى وحدة الطرفين ، وتُبرز ما بينهما من الاشتراك ، وبعد هذا ينتقل إلى الثغر ، فيقول :


تَجْلو عَوَارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتَسَمَتْ = كأنَّـهُ مُنْهَـلٌ بالـرَّاحِ مَعـلُـولُ

ويبدأ الحديث في هذا البيت بالفعل المضارع الذي كأنه يجعل المعنى حاضرا بين يديك ، وكأن الأفعال المضارعة في الكلام الحُرِّ مزايا تعكس لك الصور والأحداث ، فلا تسمعها بأذنك فقط ، وإنما تراها بعينك - أيضا - وها أنت وكأنك ترى سعاد ، وهي تبتسم ، فتكشف ابتسامتها عوارض أي مقاطع أسنان ذات ماء ، وكأن الشاعر يجعلك تذوقُه بعينك [ وأنا أقول لله أنت ما أرفع قدرك ما رأيت مثلك ولا رأى أحد من طلابك مثلك ] فيذكر أنه معلول بالراح أي الخمر ، يعني ذابت في هذا الثغر خمر ، وهذه الخمر شُجَّت بماء أي كسرت حِدَّتُها به ، قال ابن هشام : " يقال في الخمر إذا خلط بها الماء مزجت ، وهو عام في كل مزج ، فإن أريد أن المزاج رقَّقها قيل شُعْشِعَتْ ... ، فإن أريد أن الماء كَسَر سَوْرتها قيل شُجَّتْ ، وإن أريد المبالغة في ذلك قيل قتلت" ثم انتقل إلى وصف الماء الذي كسرت به حدة الراح ، فقال ( شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ ) والشَّبَم البارد ، ولم يقل ببارد ، وإنما ذكر كلمة ( ذي ) بمعنى صاحب ؛ لأن الماء البارد قد تتغير برودته ، أما الماء ذو الشبم ، فلا يتغير ، وترى هذا في الفرق بين قولك هو كريم ، وهو ذو كرم ، وهو صادق ، وهو ذو صدق ... ، ثم تابعَ أصول هذا الماء ، وكأنه يتقصى خبره ، وحكايته ، ونسبه ، فهو ماء محنية ، وماؤها طيب ، وهو صاف ، وبأبطح أي مكان مرتفع ، وإذا جاء الضحى الذي هو مَظِنَّةُ ذهاب برد الماء لاقته الشمال - وهذا كثير في الشعر - فيذكر أن الرياح تنفي القذى عنه ، ويكرر الفعل المضارع ، فيريك الرياح ، وهي قائمة على نقائه ، وصفائه ، وكأنه يُمهد لهذه الصور الحية في الفعل المضارع لما قال قبله ( أَضْحى وَهْوَ مَشمُولُ ) فآثر الجملة الاسمية ؛ لأن دوام الشمال عليه أدعى لاستمرار برده ، وهكذا نرى دقائق الصنعة البلاغية ، ويستمر الشاعر حتى يصل بكَ إلى نبعه ، وأنه يمده سحاب من بعده سحاب ( بِيـضٌ يَعَاليـلُ ) .

قلتُ وهذا كثير في الشعر ، وله صور متعددة ، كما أن ذكر العوارض وفروع البشام وأخضر من نعمان والأراك ، وغير ذلك مما يتعلق بالثغر فيه صور كثيرة ، وصنعة جليلة ، وشِعره حيٌّ ، وكثير الدوران ، ولا أعرف لجرير بيتا أكثر دورانا ، وأسعد طالعا من قوله :


أتذكر يوم تَصْقلُ عارِضَيْها = بعُودِ بَشَامةٍ سُقِي البَشامُ

وهذا باب من أبواب الشعر لا يزال مطويا على محجبات يستعذب السعي نحوها رجال رزقوا محبة البيان ، ولكن ليس على طريقة أن الابتسام كشف وتجلية للحقيقة التي يتوق الإنسان إلى رفع أستارها ، أقول هذا إغراب شديد ، والذي يمتعنا بالشعر هو أن نظل في حومة تراكيبه بحيث نسمع نغمه ، ونرى صوره ، ولا نخرج من المساحة المحيطة به والتي تترامى فيها وجوه الدلالات ، والله أعلم .

وبعد ما بين كعب أوصاف سعاد التي أضْرَمت توقه إليها نقل الكلام إلى أفاعيلها التي أحدثت في نفسه انكسارا ، وارتدادا حادا في تيار نفسه ، وقبل هذا الكلام أشير إلى رأي أراه ولم أقرأه لأحد مما يؤخذ عنهم العلم ، وإنما استحكم في نفسي ، وأنا أقرأ حر الشعر ، وهو أننا لو حورنا هذه الأبيات قليلا ، وخلعنا منها سعاد ، ونظرنا إليها من جهة بيانها عن حال من أحوال التعلق الشديد ، والتوق المتوقد من غير أن ننظر إلى المتعلق به ، أو المتوق إليه لصارت متضمنة الإشارة إلى حال كعب ، وتعلقه بعفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومناشدته له صلوات الله وسلامه عليه ، والذي صرف الشعر عن الإشارة الظاهرة إلى هذا هو ذكر سعاد التي تقَنَّعَتْ بها هذه الإشارة ، وللشعراء تمويهات ، وخدع ، وأستار حتى تكون أغراضهم من دونها ستر ، وكأنهم يعابثون العقول والنفوس ، ويلعبون بها ، وأبو نواس يقول :


وإن جَرَتِ الألفاظُ يوما بِمِدْحَةٍ = لِغَيْرِكَ إِنْسانا فأنتَ الذي أَعْنِي

يعني أنه يُجري في كلامه اللغة على وجهٍ ، وهو يريد غيره ، وهذا أبعد في الخفاء ، أو الإخفاء ، وكأن المتنبي قد وقع في نفسه هذا المعنى ، فقال :


وظَنُّونِي مَدَحْتُهم قديما = وأنتَ بما مَدَحتُهم مُرادِي

وذكروا أن الأعشى لما قال قصيدته :


رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غُدْوةً أجْمَالها = غَضْبَى عليكَ فما تقولُ بَدَالَها
هذا النَّهارُ بدا لَها مِنْ همِّها = ما بالُها بالليلِ زالَ زوالُها
سفهًا ، وما تدري سميةُ وَيْحَها = أَنْ ربَّ غانية صَرَمْتُ وِصالَها

سُئل مَنْ سمية التي نَسَبْتَ بها ؟ فقال : لا أعرفها ، وإنما هو اسم أُلقي في روعي ، وكأنه يريد أن يقول : إنه يَصْرِمُ وصال من يعزم على صَرْمِه ، وإنما ذكر سمية الغانية ؛ لأن صرم الغواني أظهر في عزيمة الجلد .

وكل هذا يؤكد أن الدلالة الحرفية للشعر ليست ضربة لازب ، وإنما هو وحي تكفي إشارته ، وليس بالهذر طولت خطبه ، ورحم الله أبا عُبادة ؛ فقد كان يعرف طبع الشعر .

ومن الخطأ أن تَرْفُض الدلالة الحرفية للشعر لِتَفْرِضَ عليه دلالة تتوهمها ، كأن تقول : إن سعاد التي بانت هنا هي الأمن الذي طار عن كعب لمَّا توعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما نقول فقط : إن البين وما يَعْقُبه من هموم النفس يوحي وحيا بحال كعب ، وأن الشعر هنا يومئ ببنانٍ خَفِيةٍ إلى حاله رضوان الله عليه .

واعلم أن هذا ، وإن كان لا يدخل في باب التمثيل البلاغي ، فإنه يسبح حوله ، وإن شئتَ أدخلتَه في باب معنى المعنى أي المعاني التي وراء المعاني ، ولا ضير أن تكون وراءها بمسافة أبعد ، أو تكون في باب مستتبعات التراكيب ، وهو باب جليل غيَّبه غبار العجمة . [ أشهد الله على حبك ، وأنك لم تأل جهدا في تعليمنا علم علمائنا ، وأني تعلمتُ منكَ ما لم أتعلمه من غيرك ] .

واعلم أن التَّمَثُّل بالشعر باب أوسع من المجازات ، والكنايات ، وهو باب الإشارات التي قد تكون قريبة ، وقد تكون بعيدة ، ويقوم هذا الباب الجليل على انتزاع الشعر من دوائر السياق ، ونفض بعض دلالاته ، وإصباغ دلالات جديدة عليه ، والخروج بالمعاني إلى مساحات أوسع ، وفضاءات أشمل ، ذكر الشيخ عبد القاهر أن الحسن البصري - رحمه الله - كان يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر ، وكان من أوجعها عنده :


اليومَ عِنْدَكَ دَلُّها ودَلالُها = وغدا لغيركَ كفُّها والمِعْصَمُ

والبيت قيل في النساء ، ولكن الحسن كان ينقله إلى معان كثيرة ، ويُفَتِّح فيه معاني أخرى ، وتراه أهمل الدل ، والدلال ، والكف ، والمعصم ، أعني أهمل دلالاتها المرادة في البيت ، وجعل ذلك كله إشارات إلى ما يملك على المرء قلبه من دنيا ، أو جاه ، أو مال ، أو ولد ،أو ما شئتَ من هاجس لم يتولد من الكلام ساعة تَولَّد .

وأرجع إلى ما قلتُه من أن كعبا رضوان الله عليه نقل الكلام من أوصاف حسن سعاد إلى أوصاف أفاعيلها التي أحدثت انكسارا ، وارتدادا حادا في تيار نفسه ، وصوَّرتْ تضاربا وتناقضا وحيرة وتصادما ، وذلك قوله :


فَيا لها خُلَّةً لو أَنَّهَـا صَدَقَـتْ = مِيعادها أَو لَو انَّ النُّصْحَ مَقبـولُ

*****

أقف عند هذا القدر من شرح الشيخ على أن أكمله - إن شاء الله - فشرحه لها في حدود ثلاث وستين صفحة ، ورحم الله من علمني حرفا .

أحمد حسن محمد
04-11-2007, 08:04 AM
أما هنا فالشعر كان يقطر من فم قلمه النبيل..


الأستاذ أحمد الرشيدي

أشكرك والله لأنك أطلعتنا على تراث معلم كان رائعاً بالفعل وبقي هذا واضحا جدا..


ولكن كان لي استفسار أيها الحبيب..

بشأن الاستدلال بأبيات (المتنبي والأعشى) من أن مدحهم لغيره هو في الأصل مدح له دون غيره..

ألا يمكن أن يكون هذا من باب المبالغة فقط؟

يعني ليس من باب "الكلام لك يا جارة" حتى نستنتج النتيجة التي لست ضدها بالطبع، ولعالمنا الجليل مكانه. ولكن فقط أستفسر في قيمية المقدمات..

وبقي أن أعتذر عن مداخلتيّ إذا كانتا سببتا ضيقاً

د. محمد حسن السمان
04-11-2007, 11:43 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخ الغالي الأديب والباحث الدكتور أحمد الرشيدي

أجد نفسي وقد تملكني الاعجاب , من مدى جمال الرحلة التي قضيت , وأنا أقرأ مستمتعا متأملا متفكرا , هذا الشرح الراقي والمدهش , لقصيدة كعب بن زهير المشهورة " بانت سعاد " , للأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى , فكنت مع جمال وعذوبة وقوة القصيدة , والتي زادها شرفا , أنها ألقيت بين يدي الرسول الأعظم :
" وحسبها شرفا أنها أنشدت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسنها ، وخلع على كعب بردته الشريفة إكراما له..."
كما كنت بين حنايا الابداع في الشرح , الذي تطاول ليكون أنموذجا أكاديميا , في الشرح الأدبي العالي , وتعمّق ليلامس الجزئيات ببصيرة نافذة , مع الاحساس المرهف , بالمفردات ومدلولاتها , وأبعادها النفسية والتعبيرية , ثم تركيب الجزئيات ضمن أطر الاحاطة بالصورة الشعرية , وإن كنت أعي أن القصيدة , وهي إحدى درر الشعر العربي , وهذا ما يعين الباحث أو القارئ , على التحرك بمساحات مشرعة , من التفكير والاحاسيس والتذوق , فإنني أسجّل إعجابي بالقدرة العالية , التي تميّز بها الشرح ,على فتح مساحات رائعة , للابحار في التذوق , واستخراج مكنونات لايصل إليها , إلا صاحب باع علمي , وبعد معرفي , ومقدرة غير اعتيادية على التذوق الأدبي .
تقبل محبتي وتقديري

أخوك
د. محمد حسن السمان

أحمد الرشيدي
05-11-2007, 03:35 AM
( 3)

أبدأ من حيث توقف الشيخ العلامة أستاذي الدكتور محمد محمد أبو موسى - حفظه الله - :

" ... ، وذلك قوله :


فَيا لها خُلَّةً لو أَنَّهَـا صَدَقَـتْ = مِيعادها أَو لَو انَّ النُّصْحَ مَقبولُ

تأمل التعجب والاستعظام والإقبال في جملة ( فيالها خلة ) ثم تحسَّس الندم ، والضياع ، والفقد في قوله ( لو أنها صدقت ) و( لو ) هنا يظهر فيها معنى التمني ، وإنما يكون التمني في المستبعد ، أو المستحيل ، والاستبعاد في التمني استبعاد يشارف المستحيل ، وهكذا صِدقُها ، وبهذا يتراجع المعنى الذي في صدر البيت ؛ لأنه شَرَطه بهذا المستحيل ، وهذا ما أردتُه بالانكسار والارتداد والتضارب والتناقض ، وكل هذا وأكثر منه في طرفي البيت ، أوله رغبة متوهجة في الإقبال ، ثم ما تلبث هذه الرغبة أن يَصدمها الشرط المستحيل ، ومثل هذه المعاني من طينة الشعر ، وحُرِّ معدنه .

ثم إن إشراقة الأمل التي صدمها هذا المستحيل توارت بعد هذه الجملة ، وانطلق الكلام يؤكد المعنى الثاني ، وهو معنى اليأس منها ، وظلَّتْ هذه الإشراقةُ متوارية حتى ظهرت خافتة بعد ستة أبيات ، وذلك في قوله " أرجو وآمل أن تدنو مودتها " وسأبيِّنُ وجهها هناك ، والمهم هنا هو متابعة تحليله لمعنى اليأس ، قال :


لكنَّهَا خُلَّةٌ قَد سِيـطَ مِـن دَمِهَـا = ‍فَجْـعٌ وَوَلْـعٌ وإخـلافٌ وتَبديـلُ

قال ابن هشام : موقع ( لكن ) وما بعدها مما قبلها كموقعها في قولك : لو كان عالما لأكرمته ، لكنه ليس بعالم ، في أن ما بعدها توكيد لمفهوم ما قبلها مع زيادة عليه ، انتهى كلامه رحمه الله ، والشاعر يكرر كلمة ( خُلَّة ) وكأنه يَسْتَمْسِكُ بها ، ومعناها كما قلتُ : مَنْ تَتَخلَّلُ مودتُه قلبك ، مع أنه يبالغ في وصف أفاعيلها الصارفة له عنها ، كما بالغ في وصف المعاني الداعية له إليها ، وهذا من التضارب ، أو المقابلة في المعنى ، وكأنه بهاتين المبالغتين يُظهر لنا حَيْرتَه وتمزقه .

وقوله ( قد سِيط من دمها ) جملة صفة لـ ( خلة ) وقد أكدها بـ ( قد ) وهذا من الكلام الذي ترى فيه الخبر لا تتم به الفائدة ، وإنما تتم الفائدة بأوصاف الخبر ؛ لأن قوله " لكنها خلة " جملة تامة من ( لكن ) واسمها وخبرها ، وليست تامة من حيث المعنى ، وهذا يجعل الصفات التي نسميها توابع من جوهر بناء الجملة ، وعليها يتوقف معناها ، وسِيطَ : خُلِط ، وإنما يُقال : خُلِط دمها من كذا ، ولا يقال : سِيط من دمها إلا على سبيل القلب ، ولفظ الشاعر يقول : إن الفَجْعَ والوَلْعَ والإخلاف والتبديل ، سيط أي خُلط دمها ، والمعنى المراد خلط دمها بهذه الأشياء ، ولم تخلط هذه الأشياء من دمها ، ولهذا قلتُ : إنه من القلب ، وفيه اعتبار لطيف كما هو شرط قبوله عند العلماء ، وهذا الاعتبار اللطيف هو أن هذه المذمومات التي هي الفجع والولع والإخلاف والتبديل إنما كانت كذلك لأنها خُلطتْ من دمها ، أعني شابها ، وخالطها شوب من دمها ، وفيه مِن حدَّة الرفض ما ترى ، وقوله :


فما تدومُ على حالٍ تكـونُ بِهـا = ‍كَما تَلَـوَّنُ فـي أثوابِهـا الغـولُ

تفريع على هذه الصفات مجتمعة ؛ لأن مَنْ سِيط دمها بهذه الأشياء ، فلا تدوم على حال ، وازدادتْ حِدَّة الشاعر ، وازداد غيظ من هذه الخلة ، بهذا التشبيه ( كما تلون في أثوابها الغول ) وقد أظهر فيه التغيير والتبديل ، وعدم دوامها على حال ، ثم إنه ذكر الغول ، ولها معانٍ كثيرةٌ ، فهي الداهية ، والهلكة ، والموت ، والحية ، وشيطان يأكل الناس ، ودابة زعم تأبط شرا أنه قتلها ، وغير ذلك مما يدخل كله في باب المكروه ، والفزع المخيف ، ثم إنه لما شبه الخلة بالغول ، وألحقها بها رجع ، وجعل للغول ثوبا ، فألحق الغول بالمرأة ، يعني ألحق المشبه بالمشبه به ، ثم رجع وألحق المشبه به بالمشبه ، وهذا مِن دقيق الصنعة ، وكأنه يُقرب كلا من الآخر ، فتزداد المشابهة ، والمقاربة ، والمداخلة ، وقوله :


وما تَمَسَّكُ بالعَهدِ الـذي زَعَمَـتْ = إلا كَما يُمسِـكُ المـاءَ الغَرابيـلُ

معطوف على ( تدوم ) ، وداخل في حيز الفاء الذي دخلت عليه ؛ لأنه معه متفرع على الأوصاف التي سيط من دمها ، ويلاحظ أنه كرر فعل ( المسك ) بصيغتين الأولى في الشطر الأول قال :
( وما تَمَسَّكُ ) بالعهد ، وأصله تتمسك مضارع تَفعَّل ، وفيها معاناة ، ومعالجة ، ومكابدة ، والثانية في قوله : ( كما يُمْسِك ) وهو مضارع ( أمسك ) ، وذلك لأن التمسُّك بالعهد معالجة ومعاناة ومكابدة ، وهذا بخلاف إمساك الغرابيل الماء ، وهذا من دقيق الملاحظات .

وفي البيت تشبيه كالبيت الأول ، ولكنه ليس فيه فزع الغول ، ولا هوله ، وإنما فيه أنه لا عهد لها البتة ، وأنها لا تحفظ ، ولا تضبط ، وفي البيتين تشابه شديد في بناء الجمل ، تأمل :

" فما تدوم على حال "
" وما تمسك بالعهد "
" كما تلون في أثوابها الغول "
" كما يمسك الماء الغرابيل "

وهذا التشابه في بناء الجمل إنما هو من تشابه المعاني التي حُذِيَتْ الجمل على حذوها ، وهذان معنيان جعلهما الشاعر شيئا واحدا ، وعطف ثانيهما على أولهما ، ثم فرَّعهما معا على الصفات السابقة ، ثم يعود الشاعر ، ويُفَرِّعُ على هذا التفريع معنى آخر ، وهو قوله :


فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وَما وَعَـدَتْ = إنَّ الأَمانِـيَّ والأحـلامَ تَضليـلُ

والنهي هنا نهي نصح وإرشاد ، والكلام بُني على التجريد ؛ لأنه يوجه هذا الخطاب إلى نفسه ، ولا يستقيم الكلام إلا على هذا ؛ لأنه ليس من المقبول أن يقول لغيره في شأن صاحبته أو خلته " فلا يغرنك ما منت وما وعدت " لأن هذا لا يقال عن امرأة يُمكن أن تكون لكل مخاطب ، والتجريد طريقة فذة في بناء المعاني ، وكأن الشاعر ينتزع من نفسه نفسا ثانية ، يحاورها ، ويحادثها حتى تكتمل وتسخو صور الحوار والمناقلة ، وحتى تنكسر ( الرَّتابة ) أعني ما عليه مألوف الكلام ، ثم إن في التجريد ومخاطبة الشاعر نفسه تحريكا للمخاطب ، وإن كان غير مراد بالخطاب ، وكأن الشاعر يُقبل عليه ، ويقترب منه ، ويبُثُّه كلامه وشعره وحواره ، ثم إن إبراز الضمير المخاطب في الكلام يورِثُه حيوية ، ومؤانسة للقارئ ، أو السامع ، ولعل هذا يرجع إلى شيء مما قاله البلاغيون في الالتفات ، وأنه يورث الكلام تطرية وتنشيطا .

وتأمل قوله " ما منَّتْ وما وعدتْ " وفيه رمز خفي ، وأنها وعدت بعد ما منَّت ، وهذا ترتيب واقع ، ومطابق ؛ لأنها تُمني ، ثم تعد [ لله أنت ] ولم يذكر ما منَّتْ به ، ولا ما وعدت به ، وإنما نُزِّل الفعلُ المتعدي منزلة اللازم ؛ لأن المراد أن يكون منها تمنٍّ ، وأن يكون منها موعدة مع صرف النظر عن المُتَمنَّى ، والموعود به ، فكل هذا من التمويه ، والخداع ، والمخاتلة ، وعبث الشعر بالأنفس . [ ما رأيتُ مثلك فهما وفقها في الشعر ]

وقوله " إن الأماني والأحلام تضليل " جملة مستأنفة استئنافا بيانيا بعد الجملة الطلبية ، وهذا من مألوف الكلام ، وهو من باب شبه كمال الاتصال ، ويفيد تأكيد الجملة الطلبية نهيا كانت أو أمرا ؛ لأنه بيان لعلة الأمر أو النهي ، وهو بهذا الاستئناف يجعل وعدها حلما من الأحلام ، ثم يجعل أمانيها وأحلامها في ماهية الأضاليل ، وهذا من الحكم المنتزعة من الكلام السابق ، وهو ضرب من بلاغة الكلام لا تجده إلا عند أهله ، وكان زهير إماما في هذا ، وقد أكثر منه أبو الطيب كما يقول حازم وأحسن بثَّه .

وبعد ما جعل كعب هذه الخلة من باطل الأماني ، ومن أضغاث الأحلام رجع وأكد المعنى بقوله :


كانَت مَواعيدُ عُرْقوبٍ لهـا مَثَـلا = ومـا مَواعيدُه إلا الأَضاليلُ

وقد فصل هذا البيت عن الذي قبله لأنه هو نفسه ، والشيء لا يُعطف على نفسه ، وهو مِن كمال الاتصال ، والمعنى فيه راجع إلى المعنى في البيت قبله ، فمواعيد عرقوب ، هو الأضاليل التي نهى عن الاغترار بها ، وقوله " كانت " كلمة واقعة ؛ لأنها أفادت أن هذا مَثَلُها في الزمن الغابر ، وأنها عُرِفتْ بذلك ، وشُهرت به ، وأنها اتخذت مواعيد عرقوب مثلا تحتذي به ، ولاحظ أنه جعل مواعيد عرقوب رأس البيت ، وهي مواعيد من محض الكذب ، والخداع ، والجملة الحالية في الشطر الثاني " وما مواعيده إلا الأضاليل ) بُنِيَتْ على القصر الذي يفيد أن مواعيده ليست إلا الأضاليل ، وجاء بالنفي والاستثناء المفيد تأكيد هذا المعنى ، ثم هي جملة اسمية ، وفيها من التوكيد ما ليس في الجملة الفعلية لمعنى الاستمرار والدوام فيها ، ثم جاء بـ ( الواو) وكأنها جملة مستقلة ، أو خبر يُرْدَفُ على الخبر الأول ، ثم هي تُشْبِه جملة الشطر الثاني في البيت قبلها " إن الأماني والأحلام تضليل ) مِنْ جهة أنها انتزاع معنى شامل من الكلام قبلها ، ثم هي تُشْبه جملة الشطر الثاني من البيت بعدها " وما إخال لدينا منك تنويل " في أنها جملة حالية بالواو . وأول هذا البيت " أرجو وآمل أن تدنو مودتها " وذكر ابن هشام أن الرجاء هو الأمل ، وإنما عطف عليه لاختلاف اللفظ كقوله تعالى : (( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله )) وقول الشاعر " أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ".

وقوله " أرجو وآمل أن تدنوا مودتها " بعد كل هذا الذي ذكره من مواعيدها ، وخُلْفِها وتَبَدُّلها ، وتغيرها أمر غريب ، وفيه شدة التعلق ، وإنما بالغ كعب في بيان خُلْفِها ، وتبدلها ليؤكد بعد ذلك رجاءه وأمله في مودتها ، وما وراء ذلك مما لا يستطيع الخلاص منه ، والتغلب عليه ، كأنه يركض وراء السراب ، والأوهام ، وأنه لا يستطيع إلا ذلك ، ثم إن هذا البيت مقدمة لازمة لذكر الأرض التي أمست بها سعاد ، وذكر رحلته إليها ، وما كان له أن يركب إليها بعد قوله " كانت مواعيد عرقوب لها مثلا " وإنما ركب إليها بعد قوله " أرجو وآمل أن تدنو مودتها " [ وأنا أقول أسأل الله أن يريك كعبا في جنات النعيم ]

ولاحظ أن القطع بأنه لا أمل في تنويلها قد خَفَّتْ حِدَّتُه هنا ؛ لأنه بدل من يُعَعِّبَ بمثل قوله " وما مواعيده إلا الأباطيل ) أو بقوله " إن الأماني والأحلام تضليل " عقَّب بقوله " وما إخال لدينا منك تنويل " وهي رواية ابن هشام ، وهي جيدة ؛ لأن ( إخال ) معناه أظن ، فهو يظن النفي ولا يقطع به كما كان يقطع ، ثم إنه لفت لفة بالغة الوعي والدقة ، وهي تحويل الحديث عنها من طريق الغائب إلى طريق المخاطب ، واتجه إليها على بُعْد الدار ، وخاطبها وفي هذا اقتراب وتودد ، وقد قلتُ : إن التعجب والاستعظام للخلة كان إشراقه في قوله " فيا لها خلة " ثم غابت ، ثم ظهرت خافتة ، وإنما أردت هذا البيت .

ثم إن هذا البيت بُني على الاستئناف ، وابتدأ به معنى هو رجاؤه ، وأمله أن تدنو مودتها ، وهذا المعنى الذي ابتدأه كأنه يَرُوغ به ، ويَئِل إليه من سطوة اليأس والإحباط الآخذ بنفسه والذي انتهى حديثه عنه بقوله " كانت مواعيد عرقوب لها مثلا " ثم استأنف حديثا آخر عن الأرض التي أمست بها سعاد ...

أحمد حسن محمد
14-12-2007, 07:26 PM
أخي الدكتور الكبير أحمد الرشيدي، جئت لأذكر هنا شيئاً!

لقد علقت التعليق الثاني، وأجد فيه من الإجحاف ما فيه، وسوء الأدب، ولكن العذر لأني كنت أحسب أن الدراسة كاملة في المشاركة الأولى لكم، على أساس أننا إذا كان الأمر أكثر من مشاركة فنكتب في النهاية كلمة "يتبع..".

فوالله ما أسامح نفسي حتى تقول إنك سامحتني هنا، ورحم الله شيخنا بعد هذا السحر النقدي والتحليلي الرائع..

وأسأل الأخ المسئول عن التصرف هنا أن يحذف مشاركتي الثاني فهي تشبه شيئا غير مناسب مشبوكا في شيء رائع وجميل

يُمنى سالم
23-12-2007, 03:40 AM
الأستاذ الفاضل/ أحمد الرشيدي

اختيار رائع وشرح جميل ووافي

شكراً لذائقتك الرائعة


أفتقدتك الأروقة

تحيتي

عبدالعزيز
13-04-2008, 01:03 AM
بارك الله فيك وفي الدكتور محمد أبو موسى
اتحفنا بالمزيد .

د.محمد إياد العكاري
29-04-2008, 02:37 AM
ماشاء الله ماشاء الله
فماجاء القطر إلامن مزون الخير
وما انهمل الغيث إلا من غمائم البر
هنا الجمال والبيان تسلسل بعقود الجمان
أدباً ودراسةً وتحليلاً ونقدا
شكر الله لكم أستاذنا الرشيدي الفاضل ما حملت لنا من اليراع والابداع
والري والروي
مودتي وتقديري وإكباري وشوقي والسلام

ناديه حسين
18-05-2008, 04:59 AM
يعطيك ربي العافيه يادكتور احمد

هل من مزيد ؟

ارجوا ذلك

ودمت بخير

أعشى قيس
26-05-2008, 04:09 PM
السلام عليك يا دكتور أحمد الرشيدي وبعد ...
شكرا على الشرح الممتع والشيق الذي يفضي بالجمال لا الكمال والسؤال هنا دون الإجابة هو ما دمت إطلعت على الناحية الادبية في شعر كعب بن زهير فهل إطلعت على الناحية الدينية وما جاء فيها من إنكار لبعض الأحاديث أو تضعيف لها ونحن نأسف جدا على ما يحصل من علماء الأمة في اللغة العربية حيث البحث في كتب اللغة العربية دون اللجوء للكتب الدينية مع انها أصح منها بكثير بل يجلبون الغالب اللغوي ويغفلون عن الجانب الديني قال تعالى (( يوم يأتي تأويله )) قال بعض علماء السلف الصالح أن يوم القيامة يأتي تأويل القرآن فيصعق من في السموات والأرض معا ذلك بحثك طيب جدا وفيه من الجهد اكثير الذي تشكر عليه .
أخوك عمر الرشيدي.

أحمد حسن محمد
26-05-2008, 06:51 PM
السلام عليك يا دكتور أحمد الرشيدي وبعد ...
شكرا على الشرح الممتع والشيق الذي يفضي بالجمال لا الكمال والسؤال هنا دون الإجابة هو ما دمت إطلعت على الناحية الادبية في شعر كعب بن زهير فهل إطلعت على الناحية الدينية وما جاء فيها من إنكار لبعض الأحاديث أو تضعيف لها ونحن نأسف جدا على ما يحصل من علماء الأمة في اللغة العربية حيث البحث في كتب اللغة العربية دون اللجوء للكتب الدينية مع انها أصح منها بكثير بل يجلبون الغالب اللغوي ويغفلون عن الجانب الديني قال تعالى (( يوم يأتي تأويله )) قال بعض علماء السلف الصالح أن يوم القيامة يأتي تأويل القرآن فيصعق من في السموات والأرض معا ذلك بحثك طيب جدا وفيه من الجهد اكثير الذي تشكر عليه .
أخوك عمر الرشيدي.


أيها الأستاذ الكريم الذي أطل علينا بهذه المسكية الرائعة قرابة وعلماً، لقد شوقت فكري وقلبي إلى أن يعرف الكثير عن ذلك الأمر الذي تكرمت علينا بالحديث عنه بشأن الأحاديث وشعر كعب؛ فهل تكرمنا بمزيد من التوضيح والتفصيل أو الإشارة إلى مراجع يمكننا الاستفادة بها ومنها..

شكرا لك على كل حال
ولأستاذي الحبيب د. أحمد الرشيدي

احترامي

فواز شمر
18-11-2008, 05:32 PM
تحية عربية للأحرار

وتحية خاصة لك يا أخي احمد الرشيدي ولكن اذا سمحت لي وبعد اذنك

مع احترامي الشديد لك ولصاحبكم :


الشيخ العلامة أستاذي الدكتور محمد محمد أبو موسى - حفظه الله -



اللهم امين ويحفظ جميع ابناء الامه العربيه والاسلاميه

اخي الكريم هناك وجهات نظر للأدباء في شرح قصيدة (( البرده ))


وهذا رأي وانا اتوقع كلامه قريب لصواب للدكتور عدنان النحوي وهذا نصه :


مناسبة القصيدة :



كان زهير بن أبي سلمى قد رأى في آخر حياته وهو نائم أن سبباً

من السماء مُدَّ له ، وكان كلّما حاول الإمساك به قبض عنه . فلّما أصبح

روى هذه الرؤيا لابنيه كعب وبجير ، ثمّ فسَّرها بأنه سيظهر نبيٌّ داعية

لدين جديد ، وطلب من ولديه اتباعه ، فلّما ظهر الإسلام جاء " بجير " رضي الله عنه

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه ، وتأخّر كعب عن ذلك .

ويقول أبو الفرج : خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم

حتى بلغا " أبرق العزّاف " . فقال كعب لبجير : الحق الرجل ، وأنا مقيم هاهنا ، فانظر

ما يقول لك . فقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسمع منه وأسلم .

فلّما بلغ ذلك كعباً قال :

فـهل لك فيما قلـتُ ويحك هـل لكا ** ألا أبـلغـا عنّـي بُجـيراً رسـالـة

علـى أيّ شـيء غـير ذلـك دلّكـا ** فبـيّن لنـا إن كنتَ لسـتَ بفـاعـل

عليـه وما تُلفـي عليـه أباً لـكـا ** عـلى خُـلُقٍ لم أُلـفِ يـوماً أباً لـه

ولا قـائـلٍ إمـا عثرتَ : لـعاً لـكا ** فـإن أنـت لم تفعـلْ فلسـتُ بآسفٍ

وأنهـلـك المأمـون منـها وعـلّكا ** سقـاك أبـو بكـر بـكـأسٍ رويّـةٍ

وتأتي هذه الأبيات بروايات مختلفة في المصادر المتعددة التي ترويها ، وأرسل كعب

بهذه الأبيات إلى أخيه بجير ، فأبلغ بجير بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله "

وذلك عند انصرافه من الطائف .

إلــى قـولــه :

فلما بلغ كعباً الكتابُ ، ضاقت عليه الأرض ، وأتى مزينة لتجيره ، فأبت ذلك عليه

فحينئذ ضاقت عليه الأرض وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان من عدوّه

وقالوا إنه مقتول .

فقال هذه القصيدة التي عرفت بالبردة ، وجاء بها النبي صلى الله عليه وسلم تائباً مسلماً .

ذلك أنه خرج حتى قدم المدينة ، ودخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم

في المسجد وجلس بين يديه ، فوضع يده في يده ، ثمّ قال : يا رسول الله

إن كعب بن زهير قد جاءك ليستأمن منك تائباً مسلماً .

فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به ؟ قال : نعم !

قال : أنا يا رسول الله كعب بن زهير .

فقال : الذي يقول ما قال . ثمّ أقبل على أبي بكر فاستنشده الشعر.

فأنشده أبو بكر" سقاك به المأمون به كأساً روّية …"! فقال كعب : لم أقل هكذا .

وإنما قلت :

وأنهـلـك المأمـون منـها وعـلّكا ** سقـاك أبـو بكـر بـكـأسٍ رويّـةٍ

فقال رسول الله : مأمون والله ! ووثب عليه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله


دعني وعدوّ الله أضرب عنقه . فقال : دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً .


فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم .

ثم قرأ قصيدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل إلى قوله :

مُهَـنَّـدٌ من سيـوف الله مسلـول ** إنّ الرسـول لنـور يستـضـاء بـه

رمى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بردة كانت عليه ، وبذل بعد ذلك

معاوية رضي الله عنه عشرة آلاف درهم ليشتريها من كعب

فقال كعب : ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً .

ولما مات كعب اشتراها معاوية بعشرين ألف درهم .


اما شرح الابيات قـال :

أهمّ ما قيل عن مطلع القصيدة وما فيه من شبهة الغزل :

إني أومن أن مطلع القصيدة ومحورها يحملان موضوعاً ينأى عن التشبيب والغزل

في موقف ينافي التّغزّل وأسبابه مهما كان عادة الشعراء العرب من افتتاح قصائدهم .

فهذا موقف جديد لم يعرفه شعراء العرب ، خارج عن عادتهم التي ألفوها .

وهو موقف أجلّ من كلّ موقف عرفه شاعر قبل ذلك . وكان كعب ابن زهير

يدرك ذلك حقَّ الإدراك ، ويُدرك أنّ عليه أن يتخيّر أطيب أسلوب يخاطب

به النبوة الخاتمة ، وأطهر كلمة يقولها بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم .

فلا يُعقل أن يبتدئ إيمانه بعظمة الإسلام بالتشبيب بفتاة حقيقية أو خيالية .


وكذلك فلم يكن النسيب عادة مفروضة في مطلع كلّ قصيدة عند العرب فكثير من الشعراء

لم يبدأوا به ، واختاروا أسلوباً آخر أقرب للمناسبة والجوّ الذي تقال فيه .

وذلك نحو معلقة لبيد بن ربيعة العامري :


بمـنىً تـأبَّـد غَـولـها فرجـامها ** عفـت الديار محلُّـها فمـقـامـها

خـلَـقاً كمـا ضَمِـنَ الوُحيَّ سلامها ** فـمدافـع الريَّـان عُـري رسـمها

حِـججٌ خَلَـونَ حـلالُـها وحرامهـا ** دمـنٌ تجـرَّم بـعـد عهـد أنيسـها


ولذلك لسنا ملزمين أن نفترض أن قصيدة كعب يجب أن تبدأ بالغزل والتشبيب

لمجرّد اتباع قاعدة التزمها بعضهم ولم يلتزمها آخرون .


وأمر آخر وهو أن كعباً كان في حالة نفسية قلقة مضطربة خائفة وفي معاناة شديدة قاسية

وفي عزلة مهلكة وخطر حقيقي يتهدد حياته ، فأنّى له أن يُفكّر في الغزل والتشبيب

في هذه الظروف ، وأنّى له أن يفكّر في النساء وغرامهن ولهوهنّ و وصف أجسامهنّ ؟!

كلا ! إننا نؤمن أنه كان في حالة فكرية نفسية تبعده كلّ البعد عن أجواء

الغزل والنسيب والتشبيب . ونؤمن كذلك أن القصيدة لا بدّ أن تخرج من حقيقة

المعاناة التي يمرّ بها وأن تعرض القضية الحقيقية الجديدة التي يعيش بها وأن تصور

هذه المعاناة وتلك الحقيقة تصويراً أميناً يعبق بالصدق وجلاء الشعور ووضوح الموقف

حتى يلمس رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمة التصوير وعبقرية الفنّ المؤثر

وأمانة الصدق الفوّاح من كلماتها ، لتكون هي الرسالة الحقيقية التي يريد أن يبلغها

رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال تصوير فنّي مبدع متميز .

ولعلّ الله سبحانه وتعالى أعان كعباً في ذلك ، فجاءت القصيدة

روعةً فنيّة وإبداعاً عبقرياً ، شغل الأدباء المسلمين على مرّ العصور ، وآثار إعجاب

النبي محمد صلى الله عليه وسلم .


إلــى قـولــه :


ولا بدّ لنا ،من أجل فهم القصيدة ومطلعها ومحورها، أن نعيش مع كعب رضي الله عنه

لحظات نتابع فيها نفسيته وفكره ، وخوفه وقلقه ، وأحلامه وآماله، من خلال الأحداث

التي سبق عرضها والأخطار التي أحدقت به والمصير الذي آل إليه .

لقد كان كعب شاعراً جاهلياً . وكانت الجاهلية بكلّ أعرافها وأفكارها ملكت عليه

نفسه حتى ظنّ أنها هي الحق وهي التي تستحق الحبّ والولاء .

ولقد بلغ من ذلك من نفسه حدّاً دفعه إلى أن يتنكّر لوصية أبيه

ويرفض رأي أخيه ، ثم يرتكب الإثم العظيم الذي لا يصدر إلا عن كافر

محارب لله ولرسوله ، حين هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم هجاءً أعلن فيه

رفضه للإسلام وتمسّكه بجاهليته ودنياه وأهوائه ونزواته

وما ورثه عن آبائه من هذه الجاهلية .

لقد كان هذا هو حبّه الأول الذي ملك عليه نفسه ، وحدّد على أساسه موقفه ورأيه وكلمته .

هذه هي النقطة الهامة الأولى التي تنكشف لنا من حياة كعب ، ومن قصيدته كما سنبين .

ولا بدّ لكعب أن يُشير إلى هذه المرحلة من حياته في قصيدته ويعلن توبته منها

فكيف عبّر عن ذلك ؟!


هذا رابط المقال بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

موقع رابط أدباء الشام

http://www.odabasham.net/show.php?sid=821

واعتذر عن الاطاله ولكن حبيت اوضح ان هناك اختلاف بالاراء الادباء

ولكم خالص الشكر

سلام فؤاد
22-11-2008, 11:12 PM
شكرا للفائدة الكبيرة

أفادك الله

أهداب الليالي
18-01-2009, 01:21 AM
في ظلال دوحك - إبداعًا و نقلا - يشكو الثراء فاقته لـ فيض قلم

أديبنا القدير د. أحمد
نسابق الزمن لـ يمهلنا اعتكافا في محراب التفرد

بانتظار المزيد
كن بـ خير
ودي
http://3n8aa.jeeran.com/BigRose.gif

أهداب