المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء


مازن دويكات
25-08-2009, 03:48 PM
الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء

رواية للطاهر وطّار

رواية طازجة في إنجازها ومنجزها، وساخنة في أحداثها المستمرة التي لن تنتهي ما دام أبطالها صُنّاع السواد، على قيد الذل والمهانة، رواية مخالفة للأسلوب الروائي العام، في التجربة الروائية العربية، وعند الطاهر وطار على وجه الخصوص، لا أدري هل هو اعتذار مسبق من الطاهر وطار ، أم هي إشارة على سرعة الإنجاز حين يقول " لكن ضغط الظروف العالمية ، والوضعية في العراق، والعالم العربي والإسلامي فرض على رواية لم أعايشها سنوات عديدة كما هو الشأن لباقي أعمالي " فلا غرابة ، إن أسلوبية هذه الرواية باعتمادها على الصوت والصورة وبابتعادها كلياً عن مخزون الذاكرة كل هذا جاء ليؤكد على إشارة الطاهر وطار الإعتذارية، وعلى الرغم من ارتباط هذه الرواية بنصين روائيين آخرين.. " الشمعة والدهليز " و" الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي " إلا أن المتلقي لا يحتاج لهذه المرجعية في تعامله مع أحداثها قرائياً ونقدياً لأن المفتتح لا تتعدد مساربه، وما عرفناه عن الولي الطاهر لا يلزمنا بإضافات نحتاجها من المرجعيات السابقة, لقد قسّم الطاهر وطار روايته إلى تسعة أقسام معنونة تفسيرياً أو دلالياً وفي بعض الأحيان جاء العنوان مغايراً، على سبيل السخرية التي انطبعت بها غالبية أجزاء الرواية.
يكاد يكون القسم الأول من الرواية " التحديق في الزمن" مغايراً في الأسلوب متدرجاً في الأقسام التي تليه، وتتوقف المغايرة حين ظهور شاشة العرض المشهدي التي عرضُها المحيط والخليج، نلحظ في هذا القسم اعتماد الطاهر وطار على سردية الاسترجاع التي تحقق التوازي والمسايرة بين الماضي والحاضر بآنيته ، وهذا السرد فيه اعتماد على الذاكرة ومخزونها إلى درجة النبش وتستطيح الغائص فيها، " الموازاة بين الولي الطاهر وبلاره من جهة ومسيلمة الكذاب وسجاح من الجهة الأخرى، مع ملاحظة اعتماد الأبعاد الصوفية في المحتوى وأجواء ألف ليلة وليلة الكرنفالية في الشكل، فنداءات بلاره:
"اصعد يا مولاي"، تذكّرنا بليالي شهرزاد. بعد ذلك يأخذ السرد بالتفلت من مركزيته حتى يلامس قوس الدائرة في الطرف الآخر، وهذه الملامسة بمثابة النفاذ من سردية الذاكرة إلى سردية " الصوت والصورة " إن هذا السرد يتجلى في قسم " رسالة من تحت السواد الدامس " والذي تبدأ فيه الأحداث حين تنفتح أمام الولي الطاهر شاشة تلفاز لا يحدها نظر، بصوت ينبعث بجميع اللغات لكنها موجزة في لغة واحدة يفهمها المرء دون أن يدرك أي لغة هي.
إن عدم ظهور الصورة خارج عن الإرادة قد يكون من خلل فني ما، وقد يكون من رقابة سرية لا يعلم إلا الله عدد الأنظمة التي تتلقى أوامرها ومن ثم تفرضها على الرعية والرعيان والقطيع، لذلك نعلم أن الصورة التي اسودّ عليها النور هي لرئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية وهو يلقي خطابه من على متن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن. نلاحظ أن الذاكرة السردية أو سردية الذاكرة، أبطل مفعولها، فالحدث يجيء ساخناً جداً ومؤطراً بالصورة ومفسراً بالصوت.
إن أجزاء الرواية من بعد " رسالة من تحت السواد الدامس " يحرك أحداثها مراسل حقيقي لمحطة فضائية حقيقية ولكن المتطلب الفني في الرواية، حوّله من مفرد الشخصية والمكان إلى جمعي الشخوص في أمكنة متعددة وحيث يكون الحدث. إن المراسل عبد الرحيم الفقرا المتعدد تم اختياره بعناية فنية ملفتة أتراه الناطق باسم الفقراء كحنظلة في رسومات ناجي العلي! إن تسارع الحدث فرض على الرواية سرداً إخبارياً إعلامياً لا يحتمله سرد الاسترجاع، والتأمل, إزاء بانوراما عربية من المحيط إلى الخليج وفي هذا المشهدية المتمددة والمتبدلة بسرعة الضوء قد يتم التنازل عن الصوت والاكتفاء بالصورة فقط.
سأجيز لنفسي وأقول، أن السخرية نقيض الرفاهية وأن الهزل نقيض المعاناة بمعنى أن الفرق بين السخرية والهزل يتوازى مع الفرق بين الرفاهية والمعاناة. تكتسب رواية الطاهر وطار ميزة أخرى شديدة الوضوح تتمثل في اعتماده روح السخرية على قلة هذا الجانب في الرواية العربية، وذلك لصعوبته، خاصة وأنه يتحول عند أي خطأ في التوظيف إلى النقيض الذي قد يذهب إلى حدّ الثقل والملل. إذن نحن أمام فن تعتريه بعض الخطورة وقد تجاوزها الطاهر وطار معتمداً على خبرته الطويلة وعلى غنى الأحداث المتطابقة مع مقولة شر البلية ما يضحك، إن مثل هذا الظلام الدامس يحتاج إلى سخرية سوداء ربما القهقهة الداخلية تتحول إلى رعد يفجر الكتل السوداء على رؤوس صانعيها، .. فالثقافة البدوية لم تختف هنا، وليس غريباً أن تختفي لمجرد ظهور العمارات الزجاجية الشاهقة والطرق العريضة المستقيمة، والسيارات الأسيوية الفارهة، وحلول الويسكي محل لبن " الحلال " والنوق.
من الملاحظ أن تماهي البداوة في الظاهرة الأسيوية الوافدة لم يترك من هذه الكائنات سوى الدشداشة والعقال، وهذا هو عمى البصر بمجازة وعمي البصيرة بانجازه، وما ضرَّ هذا العمى المزدوج حتى لو أصبحت السماوات كتل من السواد الدامس الأبدي؟ إن سخرية الطاهر وطار بلغت أوجها في تعامله مع إسرائيل ككيان مصطلحي يفترض أن يتم التحفظ عليه عند الذكر بمزدوجين ولكن المسألة عند الطاهر وطار ليس مجرد تحفظ إنه الرفض بعينه الذي تمثل بعملية عكس المزدوجين ومن ثم حشر إسرائيل كمصطلح مرفوض بين هذين المزدوجين المعكوسين، سخرية لا منطوقة ولا مهموسة إنها سخرية بصرية لا يدركها عميان هذه الأمة، إنها أيضاً سخرية مرمزة ولكن يدركها عميان البصر.

ريم بدر الدين
27-08-2009, 10:26 PM
مساء الورد
عرض رائع للرواية و قراءة تضعنا على قائمة المتشوقين لقراءتها لندخل في عوالمها أكثر
أشكرك يا مازن
و مكانها في القراءات النقدية
تحيتي لك

مازن دويكات
07-09-2009, 06:16 PM
مساء الورد
عرض رائع للرواية و قراءة تضعنا على قائمة المتشوقين لقراءتها لندخل في عوالمها أكثر
أشكرك يا مازن
و مكانها في القراءات النقدية
تحيتي لك



الف شكر يا ريم على النقل, تحياتي وتقديري لأبداعك الجميل.
دائماً يسعدني مرورك
ويفرحني حضورك.
دمت بكل خير.