أحمد حسن محمد
30-10-2007, 01:31 PM
]
من داخل كهف يا أمي = محفور في أحقر دخلةْ
من بين ذراعي جزّار = مأفونٍ , ما أتّفه ! شكله
يعطيني بعضا من وقتٍ= مابين الجولة والجولة
***
تقدمة
القصيدة رسالة من أغرب أساليب التعبير التي يمكنني أن أتفاعل معها أو تمارس قراءتَها عيناي، أو يلمس جوانبَها عقلي.
إن أغرب ما في الرسالة أنها قالت ولم تقل، وأثبتت ولم تثبت، وصرّحت بما أخفت.
فالشاعر الكبير –وبالرغم من أن القصيدة مكتوبة في زمنه الأول، بالضبط حسب التاريخ المدرج تحتُ كان في الثالثة والعشرين أو ما قبلها- إلا أنه يبدو أنه قد "تعلم الأبجدية" بكاملها. وكان لديه خبرة حياتية في صيغ التعبير والإلماح والإشارة المفهمة التي تحمل معاني أكثر مما لو قال بها غيرُهُ.
تحليل أولىّ
الرسالة الفعلية المنطوقة أو المكتوبة التي اطلعت عليها الأم بدأت في البيت الرابع من القصيدة، أو من البيت الخامس وكلا الاحتمالين قائمان وغير متعارضين.. وإن كنت أرجح البيت الرابع باعتبار المد المثبت كتابياً في "ها ذي" وكأنه تأكيد كتابي لطول الزفرة التي تطلقها تلك الفتاة المقيمة في كهفها سابق الذكر.
ترى ما معنى تلك الأبيات الثلاثة الأولى التي تقدمت القصيدة. وخصوصًا إذا عرفنا أن معاني هذه الأبيات الثلاثة لا تتفق تماماً مع ما تقوله الفتاة/المرسلة في رسالتها إلى أمّها من ذكر محاسن (أو ما تعتقده محاسن) ومميزات حياتها الجديدة التي اختارتها رغم اعتراض الآخرين جميعا.
فهي "من داخل كهف"، والكهف "محفور". وأين كان محفوراً؟ "في أحقر دخله". وما كان يحدث هناك؟ "لقد كانت "بين ذراعي جزّار"؟ وكيف كانت تتم العلاقة؟ يبدو أنه كان هناك نوع من الإكراه، أو لنقل نوع من الاشمئزاز الواضح في تعبير الفتاة عن موقفها بين ذراعي ذلك الرجل في ذلك المكان..
الشاعر الذي يملك من السنوات 23 سنة رسم لوحة عالمية لشخصية تلك المومس. بل هي لوحة عالمية لأنها ترصد أهم جوانب الشخصية الإنسانية. الشخصية التي تطلعنا على أشياء كثيرة من حياتها، ليس المهم أن يكون إخبارها بهذه الأشياء صحيحاً صحة كاملة أو ناقصة، ولكن المهم أن تحس بتوازن ما؛ لأنها أثبتت نجاحها أو على الأقل عدم فشلها –ولو كذباً- أمام الجمهور الذي كان ينتظر -بحكم المقدمات – النتيجة ممثلة في الاعتراف بالفشل وثبوته.
معنى كلامي أن المرسِلة التي بدأت رسالتها ترسم لنا زوايا إنسانية أو نفسية من شخصيتها رصد لها الشاعر العظيم محاولات تعبيرية جادة وكثيرة.
إن الأبيات الثلاثة الأولى تمثل رسالة أخرى، ولكنها رسالة لم تكتبْ ولم تُرْسَلْ؛ لسبب واضح: هو أننا لا نحب أن نسقط في عيون الآخرين حين يعلمون حقيقتنا.
وهنا نجد المبرر الأكبر في تنكير كلمات العنوان: "رسالة إلى أم"، فإننا لدينا الآن رسالتان. حقاً هما مختزلتان في واحدة (إذ الرسالة الأولى غير المنطوقة موجودة بحذافيرها في الرسالة المنطوقة أو المكتوبة ولكن بطريقة الاستنتاج لا القراءة الأولى فحسب). الأولى رسالة إلى أم، والثانية رسالة إلى أم. ومن ثم: فعلينا باعتبار الرسالة غير المنطوقة الأولى، والرسالة المنطوقة أو المكتوبة الثانية؛ فيجب أن نفكر في الأمر من ناحيتين: ناحية ظاهرة للعيان (ويكون رد فعلها الاعتراض والاحتجاج على تصرفات بنتها) وناحية أخرى (تناسب مقام الرسالة غير المنطوقة، تلك التي تستفز حالة من الرثاء للمرسلة. تلك الحالة التي لا يمكن للأم فيها اختيار فهي رغم كل شيء تحب ابنتها وتخاف عليها) إلا أن المنطوق له الظاهر، والمسكوت عنه له الجوهر الأول للأم.
المومس الهاربة:
ظهرت أمامنا في موقفين:
-المومس العارية:
وذلك في الأبيات الثلاثة الأولى، فهي بالفعل تتكسب من هذه المواقف التي تحقِّرها أمام نفسها (كهف، أحقر دخله، ذراعي جزار، بين الجولة والجولة، بعضاً من وقت) إنه رسم حقيقيّ لطريقة كسبها وهي في أشد مواقفها صراحة.
و/
الكهف .-------- الظلام ، التخفّي ، رمزية الفرج (ومن ثم يكون بقية الوصف احتقار ذاتي لنفسها ولذلك المكان الذي تتكسب منه / بالمناسبة أنها لم تذكره في نهاية الرسالة المنطوقة /)
أحقر دخله------ الاحتقار الضَميريّ للموقف بأكمله
.. بعضًا من وقت ----------- كلمة توحي –من طريق التحليل- بإجباريات حياتية في عمر تلك المومس.
المومس المكتسية:
:
وهي ما نراها في تلك الرسالة المكتوبة أو المنطوقة أو الظاهرة للعيان
هاذي هي بدء رسالاتي = من بعد الغيبة والعزلة
حينما التقيت بالشاعر علمني شيئا مهمًا جدا، وهو - - أن أختصر كلماتي فتصيب الهدف.
- ليس هناك حرف مجانيّ.
- لا بد أن تدرس وتفكر كثيراً قبل أن تتكلم قليلاً.
نعم كانت هذه وصايا فمه وقلبه وعينيه وإشارات يديه، وحينما رأيت هذه القصيدة أرسلت إليه باستدراكي لكتابة "هذي" بـ"هاذي".
- أبي، إنها تكتب هذي باعتبار عرف إملائي في اختصار ألف المدّ.
كان جوابه واضحًا، وكالعادة. قال لي:
- أحمد، ليس هناك حرف مجانيّ.
وأيًّ كان الأمر من معيارية الخطأ والصواب، فإنه لا ينكر الآن أحد أن الكلمة المكتوبة بهذه الطريقة لها ميزان بلاغي قصد إليه شاعرنا.
وبناء على ما قدمت من مقدمة "المومس العارية" وما قبلها، فإنني يمكنني الآن أن اكتشف شيئاً من سرّ هذه الفكرية التي لم يصرّح بها الشاعر في الكلمة وإن كان ألمح إليها بشكل كتابيّ. لقد وقفنا عند أن الرسالة المكتوبة أو المنطوقة تبدأ من البيت الرابع "هاذي هي بدء رسالاتي=من بعد الغيبة والعزلة" ومن ثَمَّ فمهما كانت فائدة الموقف الذي تعيشه بين ذراعي جزار بالنسبة لحياتها، فإن الرسالة غير المنطوقة قد أظهرت لنا الكثير عن إحساسها السيئ بهذه الحياة. إنه هم طويل تعانيه ولعلنا نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن النكتة السوداء التي تصيب قلب الإنسان إذا ارتكب ذنباً، ونكتة أخرى إلى جوارها إلا أن يسودّ قلبه كله. وكذلك نذكر حالة النيورستينا أو الإعياء النفسي الذي يصيب الإنسان بسبب ما يشبعه من حاجاته بطريقة غير طبيعية.
هنا "ها" امتداد الهاء التي تناسب مقام الزفر، والتعب، والألم المبرح، وحالة الإعياء النفسي التي تودي بصاحبها إنسانًا خاملاً يود لو ينجده أحد وإن كابر.
إن الألف المنطوقة/المكتوبة كانت بمثابة التأكيد لوجودها.. ووجودها يعنى به امتداد الهاااااء الزافرة. لعلها تسجَّلُ الآن ميزة لشاعرنا وحده في تلك المعادلة فهي توكيد لفظي من الدرجة ذاتها التي في "اسكن أنت..".
وتكررت الهاء في "هي"، وقبلها حرف الذال المكسور.. الذال الذي نشأ في العربية لمعاني الذكورة والقوة... القوة التي انكسرت بمدة الياء في تلك الفتاة التي طمعت في حياة راقية سعيدة لذيذة، ولكنها تحولت إلى قوة نفسية خائرة واضحة تماماً في الرسم البارع في الأبيات الأولى من القصيدة.
لابد أن نذكر أن الدافع لكتابة تلك الرسالة كان متمثلاً في الرغبة العارمة لدى المرأة في التنفيس عن نفسها. إنها كتبتها لتشكو، ولتشكو فقط إلا أن تطوّرا نفسيا حادثاً فيما بعد بسبب الإحساس بالنقص والاضطهاد ومن ثم محاولة الاتزان النفسي بالإهانة أو التهديد أو من باب "أخذته العزة بالإثم" سيقابلنا وينهي القصيدة رمزية من قبل الشاعر أن "حياة هذه الفتاة استمرت على ما هي عليه".
"السؤال بعد الغيبة والعزلة" هو السبب المعلن، ولكن التنفيس هو السبب الحقيقي. لقد كانت المرأة تمارس تدميرها الذاتي الذي لخصته لنا عبقرية شاعر في العشرينيات من عمره في لقطات الثلاثة أبيات الأولى.
إن عاطفة الحنين تبدأ الخطاب كالعادة من إلقاء السلام أو الدعاء به. بعدها تعبير واضح لا يمكن معه أن ينكر أحد أن تهديد الفتاة لأمها فيها بعد كان محض محاولة للاتزان النفسي ودفع الاتهام عن نفسها وليس فعلاً لأنها تلوم أهلها أو تهددهم.
"أتمنى أن أطبع قبلة" جملة في غاية البساطة، بساطة الإنسان التي تقرب فهمه وتوضحه أمام الآخرين. الفتاة بدأت رسالتها احتياجاً للمساعدة النفسية والبوح الهامس المستغيث.
"أن الثم كالأمس يديك" إنه –رغم كل اختلافات بين الحياتين الأولى والثانية- إلا أن حنينها إلى الماضي الذي يمثّله قلب الأم ما زال يتأكد في قلبها، والدليل أنها كررت معنى الشطر السابق بألفاظ أخرى وتعبير أوسع وأكثر صراحة محبة وتلذذاً بذكر مثل ذلك الفعل الذي يشبع إحساسها بالحنين.
إن الوقوف على متحرك هنا، أشاع في روحي مذاقا خاصاً لموقف الكلام. حينما تحاول أن تطابق بين أسلوب الشاعر في إلقاء القصيدة وبين ما أراده من العروض التي وقفت على حركة وليس ساكنٍ.
إنه موقف نفسي تعيشه الفتاة، موقف عبّرت عنه في طبع القبلة، وأعادت وزادت في "لثم" وأي شيء ستلثمه الفتاة؟ إنها تاريخها الأبيض الذي لم تكن فيه حالات نيورستينا قاتلة ولا كهف ولا دخلة حقيرة ولا جولات نحر متعبة. إنها يدا أمها التي تحبها، وتأخذها بين ذراعيها أخذة غير الأخذة.
ما بين "ذراعي جزار" ------ حياة غير نظيفة (رسالة غير منطوقة)!!
وبين "يديك" --------- الحياة الأولى البيضاء يحتاج الأمر إلى التوقف.. توقف عروضيّ وتوقف القراءة..
توقف على حركة النفس في إطار روحي فريد من الشوق والإحساس بالغربة.
لكن الخطاب يكتمل، ولابد أن يكتمل كما أن الحياة لا تتوقف في إحساس ما، وكما أن الفتاة لن تعود إلى حياتها الأولى بقرار من الشاعر إذ ذكر آخر بيت في حياة الفتاة أن دولتها صارت في "صدرها، ونهدها".
"أن أسال عن أختي نجلة"
"نجلة" قد يكون ذكرها من بدهيات الرسائل أو الخطابات بحكم أنها من الأهل، ولكن باعتبارين:
أولهما: وصية الشاعر لابنه: "ليس هناك حرف مجاني يا أحمد"
وثانيهما: أنه لو كان من البدهيات فلماذا أحجمت عن ذكر "الأب" إلا في موضع آخر بمعنى آخر. و"نجلة" مثّلت بالنسبة لي هنا أشياء منها:
- إنها تمثل الوجه الآخر من طهارة الطين، وحياة الفطرة التي هجرتها المرسلة
- إنها تمثل الحضن الآخر الطيب بعد الأم.
- إنها في "اللفظ المسند إلى ياء المتكلم" إثبات روحي لاستمرار الانتماء الفعلي إلى ذلك العالم الذي هجرته.
.
يتبع
من داخل كهف يا أمي = محفور في أحقر دخلةْ
من بين ذراعي جزّار = مأفونٍ , ما أتّفه ! شكله
يعطيني بعضا من وقتٍ= مابين الجولة والجولة
***
تقدمة
القصيدة رسالة من أغرب أساليب التعبير التي يمكنني أن أتفاعل معها أو تمارس قراءتَها عيناي، أو يلمس جوانبَها عقلي.
إن أغرب ما في الرسالة أنها قالت ولم تقل، وأثبتت ولم تثبت، وصرّحت بما أخفت.
فالشاعر الكبير –وبالرغم من أن القصيدة مكتوبة في زمنه الأول، بالضبط حسب التاريخ المدرج تحتُ كان في الثالثة والعشرين أو ما قبلها- إلا أنه يبدو أنه قد "تعلم الأبجدية" بكاملها. وكان لديه خبرة حياتية في صيغ التعبير والإلماح والإشارة المفهمة التي تحمل معاني أكثر مما لو قال بها غيرُهُ.
تحليل أولىّ
الرسالة الفعلية المنطوقة أو المكتوبة التي اطلعت عليها الأم بدأت في البيت الرابع من القصيدة، أو من البيت الخامس وكلا الاحتمالين قائمان وغير متعارضين.. وإن كنت أرجح البيت الرابع باعتبار المد المثبت كتابياً في "ها ذي" وكأنه تأكيد كتابي لطول الزفرة التي تطلقها تلك الفتاة المقيمة في كهفها سابق الذكر.
ترى ما معنى تلك الأبيات الثلاثة الأولى التي تقدمت القصيدة. وخصوصًا إذا عرفنا أن معاني هذه الأبيات الثلاثة لا تتفق تماماً مع ما تقوله الفتاة/المرسلة في رسالتها إلى أمّها من ذكر محاسن (أو ما تعتقده محاسن) ومميزات حياتها الجديدة التي اختارتها رغم اعتراض الآخرين جميعا.
فهي "من داخل كهف"، والكهف "محفور". وأين كان محفوراً؟ "في أحقر دخله". وما كان يحدث هناك؟ "لقد كانت "بين ذراعي جزّار"؟ وكيف كانت تتم العلاقة؟ يبدو أنه كان هناك نوع من الإكراه، أو لنقل نوع من الاشمئزاز الواضح في تعبير الفتاة عن موقفها بين ذراعي ذلك الرجل في ذلك المكان..
الشاعر الذي يملك من السنوات 23 سنة رسم لوحة عالمية لشخصية تلك المومس. بل هي لوحة عالمية لأنها ترصد أهم جوانب الشخصية الإنسانية. الشخصية التي تطلعنا على أشياء كثيرة من حياتها، ليس المهم أن يكون إخبارها بهذه الأشياء صحيحاً صحة كاملة أو ناقصة، ولكن المهم أن تحس بتوازن ما؛ لأنها أثبتت نجاحها أو على الأقل عدم فشلها –ولو كذباً- أمام الجمهور الذي كان ينتظر -بحكم المقدمات – النتيجة ممثلة في الاعتراف بالفشل وثبوته.
معنى كلامي أن المرسِلة التي بدأت رسالتها ترسم لنا زوايا إنسانية أو نفسية من شخصيتها رصد لها الشاعر العظيم محاولات تعبيرية جادة وكثيرة.
إن الأبيات الثلاثة الأولى تمثل رسالة أخرى، ولكنها رسالة لم تكتبْ ولم تُرْسَلْ؛ لسبب واضح: هو أننا لا نحب أن نسقط في عيون الآخرين حين يعلمون حقيقتنا.
وهنا نجد المبرر الأكبر في تنكير كلمات العنوان: "رسالة إلى أم"، فإننا لدينا الآن رسالتان. حقاً هما مختزلتان في واحدة (إذ الرسالة الأولى غير المنطوقة موجودة بحذافيرها في الرسالة المنطوقة أو المكتوبة ولكن بطريقة الاستنتاج لا القراءة الأولى فحسب). الأولى رسالة إلى أم، والثانية رسالة إلى أم. ومن ثم: فعلينا باعتبار الرسالة غير المنطوقة الأولى، والرسالة المنطوقة أو المكتوبة الثانية؛ فيجب أن نفكر في الأمر من ناحيتين: ناحية ظاهرة للعيان (ويكون رد فعلها الاعتراض والاحتجاج على تصرفات بنتها) وناحية أخرى (تناسب مقام الرسالة غير المنطوقة، تلك التي تستفز حالة من الرثاء للمرسلة. تلك الحالة التي لا يمكن للأم فيها اختيار فهي رغم كل شيء تحب ابنتها وتخاف عليها) إلا أن المنطوق له الظاهر، والمسكوت عنه له الجوهر الأول للأم.
المومس الهاربة:
ظهرت أمامنا في موقفين:
-المومس العارية:
وذلك في الأبيات الثلاثة الأولى، فهي بالفعل تتكسب من هذه المواقف التي تحقِّرها أمام نفسها (كهف، أحقر دخله، ذراعي جزار، بين الجولة والجولة، بعضاً من وقت) إنه رسم حقيقيّ لطريقة كسبها وهي في أشد مواقفها صراحة.
و/
الكهف .-------- الظلام ، التخفّي ، رمزية الفرج (ومن ثم يكون بقية الوصف احتقار ذاتي لنفسها ولذلك المكان الذي تتكسب منه / بالمناسبة أنها لم تذكره في نهاية الرسالة المنطوقة /)
أحقر دخله------ الاحتقار الضَميريّ للموقف بأكمله
.. بعضًا من وقت ----------- كلمة توحي –من طريق التحليل- بإجباريات حياتية في عمر تلك المومس.
المومس المكتسية:
:
وهي ما نراها في تلك الرسالة المكتوبة أو المنطوقة أو الظاهرة للعيان
هاذي هي بدء رسالاتي = من بعد الغيبة والعزلة
حينما التقيت بالشاعر علمني شيئا مهمًا جدا، وهو - - أن أختصر كلماتي فتصيب الهدف.
- ليس هناك حرف مجانيّ.
- لا بد أن تدرس وتفكر كثيراً قبل أن تتكلم قليلاً.
نعم كانت هذه وصايا فمه وقلبه وعينيه وإشارات يديه، وحينما رأيت هذه القصيدة أرسلت إليه باستدراكي لكتابة "هذي" بـ"هاذي".
- أبي، إنها تكتب هذي باعتبار عرف إملائي في اختصار ألف المدّ.
كان جوابه واضحًا، وكالعادة. قال لي:
- أحمد، ليس هناك حرف مجانيّ.
وأيًّ كان الأمر من معيارية الخطأ والصواب، فإنه لا ينكر الآن أحد أن الكلمة المكتوبة بهذه الطريقة لها ميزان بلاغي قصد إليه شاعرنا.
وبناء على ما قدمت من مقدمة "المومس العارية" وما قبلها، فإنني يمكنني الآن أن اكتشف شيئاً من سرّ هذه الفكرية التي لم يصرّح بها الشاعر في الكلمة وإن كان ألمح إليها بشكل كتابيّ. لقد وقفنا عند أن الرسالة المكتوبة أو المنطوقة تبدأ من البيت الرابع "هاذي هي بدء رسالاتي=من بعد الغيبة والعزلة" ومن ثَمَّ فمهما كانت فائدة الموقف الذي تعيشه بين ذراعي جزار بالنسبة لحياتها، فإن الرسالة غير المنطوقة قد أظهرت لنا الكثير عن إحساسها السيئ بهذه الحياة. إنه هم طويل تعانيه ولعلنا نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن النكتة السوداء التي تصيب قلب الإنسان إذا ارتكب ذنباً، ونكتة أخرى إلى جوارها إلا أن يسودّ قلبه كله. وكذلك نذكر حالة النيورستينا أو الإعياء النفسي الذي يصيب الإنسان بسبب ما يشبعه من حاجاته بطريقة غير طبيعية.
هنا "ها" امتداد الهاء التي تناسب مقام الزفر، والتعب، والألم المبرح، وحالة الإعياء النفسي التي تودي بصاحبها إنسانًا خاملاً يود لو ينجده أحد وإن كابر.
إن الألف المنطوقة/المكتوبة كانت بمثابة التأكيد لوجودها.. ووجودها يعنى به امتداد الهاااااء الزافرة. لعلها تسجَّلُ الآن ميزة لشاعرنا وحده في تلك المعادلة فهي توكيد لفظي من الدرجة ذاتها التي في "اسكن أنت..".
وتكررت الهاء في "هي"، وقبلها حرف الذال المكسور.. الذال الذي نشأ في العربية لمعاني الذكورة والقوة... القوة التي انكسرت بمدة الياء في تلك الفتاة التي طمعت في حياة راقية سعيدة لذيذة، ولكنها تحولت إلى قوة نفسية خائرة واضحة تماماً في الرسم البارع في الأبيات الأولى من القصيدة.
لابد أن نذكر أن الدافع لكتابة تلك الرسالة كان متمثلاً في الرغبة العارمة لدى المرأة في التنفيس عن نفسها. إنها كتبتها لتشكو، ولتشكو فقط إلا أن تطوّرا نفسيا حادثاً فيما بعد بسبب الإحساس بالنقص والاضطهاد ومن ثم محاولة الاتزان النفسي بالإهانة أو التهديد أو من باب "أخذته العزة بالإثم" سيقابلنا وينهي القصيدة رمزية من قبل الشاعر أن "حياة هذه الفتاة استمرت على ما هي عليه".
"السؤال بعد الغيبة والعزلة" هو السبب المعلن، ولكن التنفيس هو السبب الحقيقي. لقد كانت المرأة تمارس تدميرها الذاتي الذي لخصته لنا عبقرية شاعر في العشرينيات من عمره في لقطات الثلاثة أبيات الأولى.
إن عاطفة الحنين تبدأ الخطاب كالعادة من إلقاء السلام أو الدعاء به. بعدها تعبير واضح لا يمكن معه أن ينكر أحد أن تهديد الفتاة لأمها فيها بعد كان محض محاولة للاتزان النفسي ودفع الاتهام عن نفسها وليس فعلاً لأنها تلوم أهلها أو تهددهم.
"أتمنى أن أطبع قبلة" جملة في غاية البساطة، بساطة الإنسان التي تقرب فهمه وتوضحه أمام الآخرين. الفتاة بدأت رسالتها احتياجاً للمساعدة النفسية والبوح الهامس المستغيث.
"أن الثم كالأمس يديك" إنه –رغم كل اختلافات بين الحياتين الأولى والثانية- إلا أن حنينها إلى الماضي الذي يمثّله قلب الأم ما زال يتأكد في قلبها، والدليل أنها كررت معنى الشطر السابق بألفاظ أخرى وتعبير أوسع وأكثر صراحة محبة وتلذذاً بذكر مثل ذلك الفعل الذي يشبع إحساسها بالحنين.
إن الوقوف على متحرك هنا، أشاع في روحي مذاقا خاصاً لموقف الكلام. حينما تحاول أن تطابق بين أسلوب الشاعر في إلقاء القصيدة وبين ما أراده من العروض التي وقفت على حركة وليس ساكنٍ.
إنه موقف نفسي تعيشه الفتاة، موقف عبّرت عنه في طبع القبلة، وأعادت وزادت في "لثم" وأي شيء ستلثمه الفتاة؟ إنها تاريخها الأبيض الذي لم تكن فيه حالات نيورستينا قاتلة ولا كهف ولا دخلة حقيرة ولا جولات نحر متعبة. إنها يدا أمها التي تحبها، وتأخذها بين ذراعيها أخذة غير الأخذة.
ما بين "ذراعي جزار" ------ حياة غير نظيفة (رسالة غير منطوقة)!!
وبين "يديك" --------- الحياة الأولى البيضاء يحتاج الأمر إلى التوقف.. توقف عروضيّ وتوقف القراءة..
توقف على حركة النفس في إطار روحي فريد من الشوق والإحساس بالغربة.
لكن الخطاب يكتمل، ولابد أن يكتمل كما أن الحياة لا تتوقف في إحساس ما، وكما أن الفتاة لن تعود إلى حياتها الأولى بقرار من الشاعر إذ ذكر آخر بيت في حياة الفتاة أن دولتها صارت في "صدرها، ونهدها".
"أن أسال عن أختي نجلة"
"نجلة" قد يكون ذكرها من بدهيات الرسائل أو الخطابات بحكم أنها من الأهل، ولكن باعتبارين:
أولهما: وصية الشاعر لابنه: "ليس هناك حرف مجاني يا أحمد"
وثانيهما: أنه لو كان من البدهيات فلماذا أحجمت عن ذكر "الأب" إلا في موضع آخر بمعنى آخر. و"نجلة" مثّلت بالنسبة لي هنا أشياء منها:
- إنها تمثل الوجه الآخر من طهارة الطين، وحياة الفطرة التي هجرتها المرسلة
- إنها تمثل الحضن الآخر الطيب بعد الأم.
- إنها في "اللفظ المسند إلى ياء المتكلم" إثبات روحي لاستمرار الانتماء الفعلي إلى ذلك العالم الذي هجرته.
.
يتبع