مشاهدة النسخة كاملة : زمّار الحي لا يطرب
د. سلطان الحريري
27-10-2007, 01:50 PM
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»زمار الحي لا يطرب
- بقلم : د. سلطان الحريري
" إن من غرائب ما يقع في القدوة الفكرية أن الناس في الأغلب لا يحترمون رأي المفكر إلا بعد أن يموت"
عبارة قالها زكي مبارك منذ عقود من الزمن لفتت انتباهي وأنا أنوي كتابة مقالي هذا، وكان الشيخ محمد عبده يتندر بمعاصريه؛ فيقول: إنهم لا يحترمون غير الرأي المنصوص عليه في كتاب قديم بَعُدَ عهد صاحبه بالحياة والأحياء.
نعم إننا نقدس عبارة:( قال القدماء)، ولا نلتفت إلى ما قال المعاصرون، وبذلك فإن الأموات يسيطرون على الجماهير سيطرة روحية وعقلية لا يرتاب فيها إنسان، ولو كان من أكابر الحكماء.
والمشكلة أن الكثير من الكبار الذين نراهم بعين المعاصرة، لم يكونوا كذلك بين أبناء عصرهم الذي عاشوا فيه، ولكن العصور السابقة كانت لا تعقّ كبارها، كما يحدث في عصرنا، ويبدو أن للموت قدسية رائعة فهو يرفع الأموات إلى آفاق لم تخطر لهم في بال، ألم تسمعوا أن كلمة الموت أصبحت مرادفة لكلمة الخلود"
لا أنوي بمقدمتي هذه أن أتبرأ من الماضي، ولا أريد أن أتنكب المعاصرة، ولكنني أريد أن أركز على فكرة أن: ( زمار الحي لا يطرب)، ولعل ممن يعيشون بين ظهرانينا، ممن هم أعظم قيمة من أولئك الذين نراهم في كتبهم بعد موتهم، ولكنها سنة جرى عليها العرب في أيامنا، ولاسيما في مجال الأدب.
ولعل من المناسب أن أدس بين سطوري فكرة غياب العمالقة هذه الأيام، والتي تطفو على السطح، وأقصد بهم عمالقة الأدب، فأين منا العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم... إنهم ذهبوا بأجسادهم، ولكن كتبهم وأدبهم ماثلة بيننا عيانا، وأصدق ما قيل في هذا قول زكي مبارك: " ما الموت. وما تكريم الأموات؟ إن كان الموت أن يتهدم جسمي يوما فهذا سيقع، وإن كان الموت أن آرائي ستموت فذلك أكذوبة من أظرف الأكاذيب، فآرائي ستسيطر على الناس إلى آخر الزمان.
أنا أموت! إنكم مخطئون..لن يذهب من الوجود غير هذا الهيكل الذي يذرع الأرض من ( سنتريس إلى باريس)..
إنها دعوة مني أيها الأحبة إلى تكريم أدب الكبار الذين يعيشون بين ظهرانينا، قبل موتهم، وليس من أسباب أجدها لذلك إلا ما أسلفت من طبيعتنا التي تقدس الماضي بكل ما فيه، إلى جانب أن الإعلام يسلط الأضواء على أشخاص دون غيرهم، بدافع المتاجرة والتلميع، ويبدو أن مقولة: ( لا يطفو على السطح إلا الفارغ) تصدق على ما نعيشه في أيامنا هذه إلى حد كبير.
لقد أتى على هذه الأمة حين من الدهر تأخرت فيه عن ركب الحضارة الإنسانية فسادها ركود فكري خيل لناظريه أنه النهاية، ثم تحركت الأيام فإذا هي تنتفض ليزول القبر والكفن، وتعود من جديد إلى معركة الصراع الأزلي، معبأة القوى، مرهفة العزيمة، تزداد كل صباح إيمانا بنفسها وبمستقبلها وإمكانياتها، على كثرة المثبطات وتتابع الصدمات، ولقد يكون وراء هذا الانتفاض عوامل لا تكاد تحصى من دينامكية الزمن وجبرية التاريخ، ولكن مما لا خلاف فيه أن الأديب واحد من أهم العوامل إن لم يكن أهمها..
ومن الطبيعي أن الاعتراف بدور أدبائنا المعاصرين في البناء لا يراد به وصفه بالكمال، ولا الرضى عن كل ما تزخر به السوق من إنتاج الأقلام.. فالأدب الذي نتحدث عنه إنما هو أدب العمالقة الذين يمثلون عبقرية هذه الأمة في الوطن والمهجر، ولا شأن بحديثنا لأولئك ألأقزام الذين يسمون أنفسهم أو تسميهم بعض الهيئات أدباء.. وكذلك لا ننكر أن في أدبنا، على جلاله قصورا ملموسا إذا قيس ببعض آثار الأمم المعاصرة، ولكن علينا أن نتذكر حقيقة مهمة وهي أن الأدب صورة من الحياة العامة، وحسبه فضلا أن يفي بحاجتها وفق سنن التطور، وإذا كان ضروريا أن يسبق خطواتها أحيانا فإلى الحد الذي صور تطلع صلته بواقعها الراهن.
على أن ثمة جانبا من النقص لا مندوحة عن التذكير به هنا؛ لأنه يسجل مدى التباعد بين أدبنا المعاصر وجماهيرنا العربية؛ فالأدب إنما يحقق رسالته كاملة بمقدار ما يحقق من التجاوب بينه وبين السواد الأعظم من الناس، وما نلحظه هذه الأيام انقطاع الأديب بواقع لغته وتفكيره إلى طبقة خاصة لا تمثل مجموع الأمة، والجماهير الغالبة مشغولة عنه كذلك بواقعها الذي لا يلبث أن يوفر لنفسه لغته وتفكيره الملائم، ومن ثم يستيقظ الأدب المعاصر على جمهور حرم ضياء المعرفة، إلى جانب حرمانه سلائق اللغة، حتى أصبح من المتعذر أن يصل صوت الأديب إلى أسماع هؤلاء إلا من وراء حجاب.
ولعل غياب كلمة الحق عند أدبائنا غيبهم عن الظهور والانتشار، وقد قال زكي مبارك الذي أعكف هذه الأيام على قراءة كتاب له: " حدثني قلبي بأن الشرق لم ينحط من قلة القلوب، وإنما انحط من قلة العزائم، وتذكرت أن الأمم العظيمة هي التي يوجد فيها رجل شجعان يقولون الحق حين تخرس ألسنة الجبناء"..
فلنبحث عن هؤلاء الكبار، ولنكبر بهم، حتى نخرج من واقعنا المزعج، الذي يجد الأديب فيه نفسه معزولا عن سواد أمته، ولا يجد من يضعه في المكان الذي يناسبه.
فهل يتحقق حلمنا بأن نكرم كبارنا وهم أحياء ؟«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
د. نسيبة بنت كعب
27-10-2007, 02:45 PM
إنها دعوة مني أيها الأحبة إلى تكريم أدب الكبار الذين يعيشون بين ظهرانينا، قبل موتهم، وليس من أسباب أجدها لذلك إلا ما أسلفت من طبيعتنا التي تقدس الماضي بكل ما فيه، إلى جانب أن الإعلام يسلط الأضواء على أشخاص دون غيرهم، بدافع المتاجرة والتلميع، ويبدو أن مقولة: ( لا يطفو على السطح إلا الفارغ) تصدق على ما نعيشه في أيامنا هذه إلى حد كبير.
مناشدة مهمة من أديب له وزنه ولا يعرف للحقد والحسد سبيل
نعم ياعزيزى ولكن لكى يحدث هذا يجب ان تنتزع الغيرة والحقد وعدم حب الخير للأخرين من القلوب
يكرمون الاموات لأنه ماتوا ولن يظهر لهم أثر ولن يتنافسوا او يكون لهم وجود مزعج
دمت صادقا ً
احتراماتى
شاهين أبو الفتوح
27-10-2007, 04:54 PM
وما نلحظه هذه الأيام انقطاع الأديب بواقع لغته وتفكيره إلى طبقة خاصة لا تمثل مجموع الأمة، والجماهير الغالبة مشغولة عنه كذلك بواقعها الذي لا يلبث أن يوفر لنفسه لغته وتفكيره الملائم، ومن ثم يستيقظ الأدب المعاصر على جمهور حرم ضياء المعرفة، إلى جانب حرمانه سلائق اللغة، حتى أصبح من المتعذر أن يصل صوت الأديب إلى أسماع هؤلاء إلا من وراء حجاب.
أخي الحبيب كبير المقام الأديب العربي السامق د . سلطان الحريري
ها أنت تثير بقلمك -بحنان- مسألة فكرية تهم مستقبل الأمة إنطلاقا من ماضيها وحاضرها ، وكم أتمنى أن يصل صوتك أيها الأديب الصادق إلى كل من يهمه أمرها .. وبلا حجاب !
دمت لنا مفكرا منيرا
محبتي الخالصة
شاهين
عماد تريسي
27-10-2007, 05:19 PM
أديبنا الراقي الدكتور سلطان الحريري
ما أصدق مقالك و رسالته السامية , و هو يدعو للتحلّق حول
الأدباء النبلاء و إكرامهم , الذين يصنعون للأمة قصور المجد و العلياء .
تلكم القصور التي بنوها و يبنونها من عصارات فكرهم الثري ,
فيُحكمون رصف أسسها , و يرسخون جدرانها بأدبهم السامق .
هم صنّاع الحياة قبل غيرهم , فمن شاء الحياة فليقتفِ آثارهم ,
و يتتبع كل سراجٍ أزكوا ضياءه .
لنكرم أدباءنا و هم بين ظهرانينا , كما نكرمهم و هم في دار الخلود .
جُزيت الخير كله أيها الأديب الفاضل
مودتي
حوراء آل بورنو
27-10-2007, 05:55 PM
لا يتغير رونق حرفك مع مرور الأيام ؛ فلمزمار حيك الذي لا يطرب بني قومي ذات مذاق الدهشة التي غمرت ذائقتي مذ قرأته أول مرة .. فكر ناضح بالوعي و كلمة حق تبحث عن مكان لها بين ألسنة الجبناء و حرف بليغ و بيان بالغ .. هذا أنت أيها الآسي .
قد قلت حقاً ؛ فما نرى بين الأحياء عظيم كما رفات الأموات ، و كأن عظامهم مكاحل عيون الدهشة و متى تحررنا من قيد العظام وقعنا في غلّ السطحية و الانتقاء المنتخب و لكن للوضيع من الأدب لفساد السليقة و تهافت المصالح و غيرها .
لم تتركنا لنا - و أنت الطبيب - موضعا للزيادة فيه دواءً غير - عزائم - علينا البحث عنها و استبدال بعض مضغ قلوبنا بها .. أليس هذه وصفة زكي مبارك " الدكاترة " !
لك من الودّ سلافه .
يُمنى سالم
29-10-2007, 12:55 PM
الدكتور سلطان الحريري
أضم صوتي لصوتك سيدي، ولا نكتفِ بالتكريم فقط ولكن حتى بالاهتمام بهم وإشعارهم بانهم ليسوا في العالم لوحدهم.
وأقرب مثال الشاعرة الرائعة الراحلة/ نازك الملائكة و التي صدمت كثيرون بخبر مرضها ووحدتها وكان البعض يعتقد أنها ميتة وأنا منهم.!!
لله درك سيدي وهذا الفكر الرائع..
تحيتي
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:17 AM
مناشدة مهمة من أديب له وزنه ولا يعرف للحقد والحسد سبيل
نعم ياعزيزى ولكن لكى يحدث هذا يجب ان تنتزع الغيرة والحقد وعدم حب الخير للأخرين من القلوب
يكرمون الاموات لأنه ماتوا ولن يظهر لهم أثر ولن يتنافسوا او يكون لهم وجود مزعج
دمت صادقا ً
احتراماتى
دائما تغمرينني بما لست أهلا له ، فما أنا إلا طالب علم صغير ، ولكنك تنظرين إلي بعين الرضا ، وقد صدقت فيما جاء في ردك على مقالتي ، ولابد قبل أن نكرم كبارنا ، أن نكبر نحن بهم ، وأن نستل الغل من قلوبنا.
لك خالص الود والتقدير
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:20 AM
وما نلحظه هذه الأيام انقطاع الأديب بواقع لغته وتفكيره إلى طبقة خاصة لا تمثل مجموع الأمة، والجماهير الغالبة مشغولة عنه كذلك بواقعها الذي لا يلبث أن يوفر لنفسه لغته وتفكيره الملائم، ومن ثم يستيقظ الأدب المعاصر على جمهور حرم ضياء المعرفة، إلى جانب حرمانه سلائق اللغة، حتى أصبح من المتعذر أن يصل صوت الأديب إلى أسماع هؤلاء إلا من وراء حجاب.
أخي الحبيب كبير المقام الأديب العربي السامق د . سلطان الحريري
ها أنت تثير بقلمك -بحنان- مسألة فكرية تهم مستقبل الأمة إنطلاقا من ماضيها وحاضرها ، وكم أتمنى أن يصل صوتك أيها الأديب الصادق إلى كل من يهمه أمرها .. وبلا حجاب !
دمت لنا مفكرا منيرا
محبتي الخالصة
شاهين
الحبيب السامق الأستاذ شاهين:
مرورك وتعقيبك يغريني بلقاء دائم معك على صفحات القلب ، فقد عرفتك مسكونا بالفكر في أسمى صفاته ، ومسكون بالوطن حد الثماثة ، ومسكون بالنقاء حد الشفافية ، وإعجابك بالمقالة لا أستغربه ؛ لأنني أعرفك من الساعين لمثل هذا ، ولكنني أقف عند حدود كلماتك في التعقيب مصفقا ، وربما استعرتها لأضيفها لمقالي .
لك حبي المقيم
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:23 AM
أديبنا الراقي الدكتور سلطان الحريري
ما أصدق مقالك و رسالته السامية , و هو يدعو للتحلّق حول
الأدباء النبلاء و إكرامهم , الذين يصنعون للأمة قصور المجد و العلياء .
تلكم القصور التي بنوها و يبنونها من عصارات فكرهم الثري ,
فيُحكمون رصف أسسها , و يرسخون جدرانها بأدبهم السامق .
هم صنّاع الحياة قبل غيرهم , فمن شاء الحياة فليقتفِ آثارهم ,
و يتتبع كل سراجٍ أزكوا ضياءه .
لنكرم أدباءنا و هم بين ظهرانينا , كما نكرمهم و هم في دار الخلود .
جُزيت الخير كله أيها الأديب الفاضل
مودتي
الحبيب الأديب المحلق عماد :
لا أخفيك أنك من أكثر من يشدني في الفترة الأخيرة ؛ لا لأنك جديد عليّ ، بل لأنك تملك قلما محلقا ، وفكرا نيرا ، ورؤى لا تجارى فيها ، ومرورك هنا أسعدني ايما سعادة.
فلك حب أخيك
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:27 AM
لا يتغير رونق حرفك مع مرور الأيام ؛ فلمزمار حيك الذي لا يطرب بني قومي ذات مذاق الدهشة التي غمرت ذائقتي مذ قرأته أول مرة .. فكر ناضح بالوعي و كلمة حق تبحث عن مكان لها بين ألسنة الجبناء و حرف بليغ و بيان بالغ .. هذا أنت أيها الآسي .
قد قلت حقاً ؛ فما نرى بين الأحياء عظيم كما رفات الأموات ، و كأن عظامهم مكاحل عيون الدهشة و متى تحررنا من قيد العظام وقعنا في غلّ السطحية و الانتقاء المنتخب و لكن للوضيع من الأدب لفساد السليقة و تهافت المصالح و غيرها .
لم تتركنا لنا - و أنت الطبيب - موضعا للزيادة فيه دواءً غير - عزائم - علينا البحث عنها و استبدال بعض مضغ قلوبنا بها .. أليس هذه وصفة زكي مبارك " الدكاترة " !
لك من الودّ سلافه .
أرى في ردك الرائع هذا نصا على نص ، بل مسحة لطيفة من أديبة سامقة إليها تنتهي البلاغة ، ومن معين قلمها تنهل الأقلام ، ولابد أن نحرق في مجامر أيامنا تركات أورثها لنا أبناء جلدتنا ، فعشنا الواقع ونحن خارجه ، ولكن يبقى للكلمة الصادقة مكام بين ركام الواقع المأفون ...
ألا تذكرين أن القام أجمل ؟؟
سعيد بمرورك وتعقيبك على مقالتي المتواضعة .
دومي مبدعة
د. عمر جلال الدين هزاع
30-10-2007, 03:29 AM
ليس لنبي كرامة في قومه
ـــ
صدقت و الله يا أستاذي
فلك الاحترام
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:31 AM
الدكتور سلطان الحريري
أضم صوتي لصوتك سيدي، ولا نكتفِ بالتكريم فقط ولكن حتى بالاهتمام بهم وإشعارهم بانهم ليسوا في العالم لوحدهم.
وأقرب مثال الشاعرة الرائعة الراحلة/ نازك الملائكة و التي صدمت كثيرون بخبر مرضها ووحدتها وكان البعض يعتقد أنها ميتة وأنا منهم.!!
لله درك سيدي وهذا الفكر الرائع..
تحيتي
قال أحدهم :
ستمضي محنة الأيام يرجع في غد ابنك
ليسقي التربة الظمأى بحبات من النور
ويغرس في متاه الليل واحات من النخل
كشمس تنثر الإشعاع في أرض ضبابية
وتحيي الزرع والأشجار
وتبعث طيف أمنية
.....
فإن كنا لا نستطيع أن نصنع شيئا في عالمنا إكراما لكبارنا ، فسنكتب ونكتب لعل المحنة تمضي ، ولعلنا نبعث طيف الأماني .
مرور أسعدني بحق
لك خالص الود والتقدير
د. سلطان الحريري
30-10-2007, 03:33 AM
ليس لنبي كرامة في قومه
ـــ
صدقت و الله يا أستاذي
فلك الاحترام
صدقت يا صاحبي الأثير ، ولكن بين حروفنا وبين إكرامهم يظل الحرف شارة نصر ، وشريان فجر ، ونافذة تطل عليهم.
لك خالص الحب والتقدير
أحمد الرشيدي
30-10-2007, 03:42 AM
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»زمار الحي لا يطرب
- بقلم : د. سلطان الحريري
" إن من غرائب ما يقع في القدوة الفكرية أن الناس في الأغلب لا يحترمون رأي المفكر إلا بعد أن يموت"
عبارة قالها زكي مبارك منذ عقود من الزمن لفتت انتباهي وأنا أنوي كتابة مقالي هذا، وكان الشيخ محمد عبده يتندر بمعاصريه؛ فيقول: إنهم لا يحترمون غير الرأي المنصوص عليه في كتاب قديم بَعُدَ عهد صاحبه بالحياة والأحياء.
نعم إننا نقدس عبارة:( قال القدماء)، ولا نلتفت إلى ما قال المعاصرون، وبذلك فإن الأموات يسيطرون على الجماهير سيطرة روحية وعقلية لا يرتاب فيها إنسان، ولو كان من أكابر الحكماء.
والمشكلة أن الكثير من الكبار الذين نراهم بعين المعاصرة، لم يكونوا كذلك بين أبناء عصرهم الذي عاشوا فيه، ولكن العصور السابقة كانت لا تعقّ كبارها، كما يحدث في عصرنا، ويبدو أن للموت قدسية رائعة فهو يرفع الأموات إلى آفاق لم تخطر لهم في بال، ألم تسمعوا أن كلمة الموت أصبحت مرادفة لكلمة الخلود"
لا أنوي بمقدمتي هذه أن أتبرأ من الماضي، ولا أريد أن أتنكب المعاصرة، ولكنني أريد أن أركز على فكرة أن: ( زمار الحي لا يطرب)، ولعل ممن يعيشون بين ظهرانينا، ممن هم أعظم قيمة من أولئك الذين نراهم في كتبهم بعد موتهم، ولكنها سنة جرى عليها العرب في أيامنا، ولاسيما في مجال الأدب.
ولعل من المناسب أن أدس بين سطوري فكرة غياب العمالقة هذه الأيام، والتي تطفو على السطح، وأقصد بهم عمالقة الأدب، فأين منا العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم... إنهم ذهبوا بأجسادهم، ولكن كتبهم وأدبهم ماثلة بيننا عيانا، وأصدق ما قيل في هذا قول زكي مبارك: " ما الموت. وما تكريم الأموات؟ إن كان الموت أن يتهدم جسمي يوما فهذا سيقع، وإن كان الموت أن آرائي ستموت فذلك أكذوبة من أظرف الأكاذيب، فآرائي ستسيطر على الناس إلى آخر الزمان.
أنا أموت! إنكم مخطئون..لن يذهب من الوجود غير هذا الهيكل الذي يذرع الأرض من ( سنتريس إلى باريس)..
إنها دعوة مني أيها الأحبة إلى تكريم أدب الكبار الذين يعيشون بين ظهرانينا، قبل موتهم، وليس من أسباب أجدها لذلك إلا ما أسلفت من طبيعتنا التي تقدس الماضي بكل ما فيه، إلى جانب أن الإعلام يسلط الأضواء على أشخاص دون غيرهم، بدافع المتاجرة والتلميع، ويبدو أن مقولة: ( لا يطفو على السطح إلا الفارغ) تصدق على ما نعيشه في أيامنا هذه إلى حد كبير.
لقد أتى على هذه الأمة حين من الدهر تأخرت فيه عن ركب الحضارة الإنسانية فسادها ركود فكري خيل لناظريه أنه النهاية، ثم تحركت الأيام فإذا هي تنتفض ليزول القبر والكفن، وتعود من جديد إلى معركة الصراع الأزلي، معبأة القوى، مرهفة العزيمة، تزداد كل صباح إيمانا بنفسها وبمستقبلها وإمكانياتها، على كثرة المثبطات وتتابع الصدمات، ولقد يكون وراء هذا الانتفاض عوامل لا تكاد تحصى من دينامكية الزمن وجبرية التاريخ، ولكن مما لا خلاف فيه أن الأديب واحد من أهم العوامل إن لم يكن أهمها..
ومن الطبيعي أن الاعتراف بدور أدبائنا المعاصرين في البناء لا يراد به وصفه بالكمال، ولا الرضى عن كل ما تزخر به السوق من إنتاج الأقلام.. فالأدب الذي نتحدث عنه إنما هو أدب العمالقة الذين يمثلون عبقرية هذه الأمة في الوطن والمهجر، ولا شأن بحديثنا لأولئك ألأقزام الذين يسمون أنفسهم أو تسميهم بعض الهيئات أدباء.. وكذلك لا ننكر أن في أدبنا، على جلاله قصورا ملموسا إذا قيس ببعض آثار الأمم المعاصرة، ولكن علينا أن نتذكر حقيقة مهمة وهي أن الأدب صورة من الحياة العامة، وحسبه فضلا أن يفي بحاجتها وفق سنن التطور، وإذا كان ضروريا أن يسبق خطواتها أحيانا فإلى الحد الذي صور تطلع صلته بواقعها الراهن.
على أن ثمة جانبا من النقص لا مندوحة عن التذكير به هنا؛ لأنه يسجل مدى التباعد بين أدبنا المعاصر وجماهيرنا العربية؛ فالأدب إنما يحقق رسالته كاملة بمقدار ما يحقق من التجاوب بينه وبين السواد الأعظم من الناس، وما نلحظه هذه الأيام انقطاع الأديب بواقع لغته وتفكيره إلى طبقة خاصة لا تمثل مجموع الأمة، والجماهير الغالبة مشغولة عنه كذلك بواقعها الذي لا يلبث أن يوفر لنفسه لغته وتفكيره الملائم، ومن ثم يستيقظ الأدب المعاصر على جمهور حرم ضياء المعرفة، إلى جانب حرمانه سلائق اللغة، حتى أصبح من المتعذر أن يصل صوت الأديب إلى أسماع هؤلاء إلا من وراء حجاب.
ولعل غياب كلمة الحق عند أدبائنا غيبهم عن الظهور والانتشار، وقد قال زكي مبارك الذي أعكف هذه الأيام على قراءة كتاب له: " حدثني قلبي بأن الشرق لم ينحط من قلة القلوب، وإنما انحط من قلة العزائم، وتذكرت أن الأمم العظيمة هي التي يوجد فيها رجل شجعان يقولون الحق حين تخرس ألسنة الجبناء"..
فلنبحث عن هؤلاء الكبار، ولنكبر بهم، حتى نخرج من واقعنا المزعج، الذي يجد الأديب فيه نفسه معزولا عن سواد أمته، ولا يجد من يضعه في المكان الذي يناسبه.
فهل يتحقق حلمنا بأن نكرم كبارنا وهم أحياء ؟«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
تلاقح فكر ثاقب ، وأدب رفيع ، وحس مرهف ، فكان هذا المقال النفيس ، إن الحرف لعمر الله يدل على صاحبه ، وإنك آخذ من الفكر أنفذه ، ومن الأدب أجمله ، ومن الحس أرقه وأصدقه ...
نعم لطلما قرأت في أعين العلماء والأدباء ، وكتاباتهم لوعة وشكوى مما يلاقونه في زماننا هذا ؛ فلا يكاد يُعنى بهم ، ولا يُلتفتُ إليهم ، وكأنهم نكرات ، ولولا أنهم يرجون ما عند الله ، ثم يؤملون أن الزمان سينصفهم يوما لفت ذلك في عضدهم ...
وقد كنتُ قرأتُ للعالم المفكر الكبير مالك بن نبي - رحمه الله - في أحد كتبه شكوى إهمال بحوثه ، وما كان يجده من ألم ولوعة بسبب ذلك ... وسمِعتُ من أستاذي العلامة الدكتور محمد محمد أبو موسى - حفظه الله وإياك - كلمة ما زلت أذكرها حين هموا بالاستغناء عنه لتجاوزه السن القانونية : " يا أحمد يرونني غير صالح للعطاء ". فما عدتُ أعرف ما أقول ، ولو أن مقالكَ الرائع اطلع عليه كل من غمط حقه ، ولم ينوه بعلمه وأدبه لانفرجت أساريره ، ودعا لكَ بكل خير .
أكثر الله من أمثالك ، ومتعنا بك ، وحفظك ورعاك
د. سلطان الحريري
31-10-2007, 03:51 PM
رائع أنت أيها الحبيب الكبير الدكتور أحمد الرشيدي ؛ حين تقرأ المقال بعين الناقد ، وحس الأديب ، ومثلك يعرف قامات الرجال ، وما يجب أن نقوم معهم بوصفنا طلاّب علم يقفون عند حدود عوالمهم ، وإكرامهم قيمة يجب أن نبحث عنها ونعمقها ، وما تكريمهم إلا بداعي تكريم العلم ... سنمضي يا صاحبي ، ولن يتذكرنا القادمون بعدنا إلا بكلماتنا .
لك حب أخيك المقيم
أحمد الرشيدي
31-10-2007, 10:44 PM
رائع أنت أيها الحبيب الكبير الدكتور أحمد الرشيدي ؛ حين تقرأ المقال بعين الناقد ، وحس الأديب ، ومثلك يعرف قامات الرجال ، وما يجب أن نقوم معهم بوصفنا طلاّب علم يقفون عند حدود عوالمهم ، وإكرامهم قيمة يجب أن نبحث عنها ونعمقها ، وما تكريمهم إلا بداعي تكريم العلم ... سنمضي يا صاحبي ، ولن يتذكرنا القادمون بعدنا إلا بكلماتنا .
لك حب أخيك المقيم
أخي الحبيب الدكتور القدير سلطان الحريري
اقترحتُ مرة أن أدرس كتب عالم من علماء البلاغة والنقد موضوعا لدرجة الدكتوراة ، فقيل لي : " إنه ما يزال على قيد الحياة " علما بأنه تجاوز الخامسة والسبعين ؟!
سبحان الله ! أعليه أن يموت لتدرس آراءه ، وتناقش ، ويفاد منها ، ويقال فيه ، وعنه ، وهو تحت الثرى ، أيعقل ألا يرى أثرا لحرف كتبه قبل خمسين عاما ! ولن يراه ما دام هذا حالنا .
هي زفرة يا صاحبي لم أجد أليق من المكان هذا لأنفثها فيه ، ورحم الله من قال :
ولا بد من شكوى لذي مروءة = يواسيك أو يسليك أو يتوجع
لك الود والتقدير
د. سلطان الحريري
02-11-2007, 04:04 PM
صدقت ايها الكبير قدرا وعلما ، فحاجتنا إلى دراسة آثار المبدعين وهم بين ظهرانينا ، أكثر عمقا من حاجتنا لدراسة آثارهم بعد رحيلهم ، وفي حياتهم هي من باب إكرامهم ، والوقوف على إبداعاتهم .
ولكنها حقيقتنا المرة التي لابد أن تتغير .
لك الحب كله يا صاحبي
ريم بدر الدين
03-11-2007, 11:36 AM
صباح الورد
أستاذي الكريم د. سلطان الحريري
هذه الظاهرة ليست خاصة بنا فكل الادباء و الشعراء و الرسامين العالميين تعرضوا لها
ألم يعش ديكنز و تولستوي و ديستوفسكي حياة الكفاف و بعد موتهم بيعت كتبهم بأرقام هائلة ؟
وكذلك عانى فان كوخ و رينوار و بول سيزان و القائمة تطول من الفقر المدقع و تباع الآن لوحاتهم بملايين الدولارات
بالفعل لا كرامة لنبي في وطنه
و قد كنت في إحدى المنتديات قد طالبت بتكريم الدكتور الفنان أحمد سعد الدين أبو رحاب الذي رحل منذ مدة قصيرة فكلفوني بإعداد ملف خاص عن أدبه و أعماله و قمت بها بكل محبة وفاء لكبارنا و لكن و رغم مرور الشهرين على تقديم الملف لم يحرك ساكنا
ربما لان وفاة الدكتور ما تزال حديثة عهد و ينتظر أن تصبح أوراق كتبه صفحات صفراء حتى نخرجها للضوء و نقول كان كبيرا من كبارنا
دوما أخبر أولادي و طالباتي أن من يكتب الآن في الصحف و المجلات و الفضاء الافتراضي سيكون المرجع للاحفاد و نجوم السنوات المقبلة و لكنهم لن يشهدوا ذلك بأنفسهم لان هذا هو التطور الطبيعي في عالمنا : لا نكرم المبدع إلا بعد رحيله !
و لكننا سنبلغ النهضة إذا كرمنا مبدعينا الذين يمشون على ظهر البسيطة لانهم عدة النهضة و عتادها
اعذرني أستاذي للاستفاضة و الإطالة و التطفل في ربوعك
تحياتي لك من قلب الشام
د. سلطان الحريري
10-11-2007, 01:54 PM
الفاضلة المبدعة ريم بدر الدين :
أحييك تحية كبيرة على هذه الاستفاضة ، فكيف تعتذرين عن رد طاول القمة علوا بعمقه ، ورؤيته ، وبعده ، وقبل ذلك من غيرته على أن نسير على درب نحترم بها علماءنا ومبدعينا .
نعم صدقت إنها حالة مشتركة بيننا وبين غيرنا، ولكنني أعتقد أنه عندنا داء، وعند غيرنا لم يصل إلى حدود الظاهرة .
لك خالص الود والتقدير
نهى شعبان
12-11-2007, 01:53 AM
د. سلطان الحريرى...
" إن من غرائب ما يقع في القدوة الفكرية أن الناس في الأغلب لا يحترمون رأي المفكر إلا بعد أن يموت"
عبارة قالها زكي مبارك منذ عقود من الزمن
للأسف عبارة قيلت منذ عقود ولا تزال قائمة فى كل مجالات الحياة , حتى فى أضيق الحدود
وقال السلف : الظلم ...وضع الشخص فى غير موضعه
فهل العدل إذن وضعه بعد مماته.
للأسف دكتور سلطان, هو فكر سائد يجب أن نتخلص منّه, وان يأخذ كل فرد منا نصيبه الذى يحياه ويعيشه.
فهناك أفكارا تموت قبل أن تولد , أو تولد ولا ترى النور, ولا يوجد من سعة الصدر
دكتور سلطان...
مقالا جميلا صادقا
حمدي ليلة
18-11-2007, 01:34 PM
عزيزى د.سلطان الحريري
إذا
"الزمّار الحيّ لايُطرب"
لكنى أراه يُطرب من يقدّره ويدرك ماهيته وقدره
ومن يبجل أحداً بعد موته ...فتبجيله ناقص !!
وكثيرٌ هم من لايوفون حقوق الأحياء؟؟
كالمريض يمرض ولانزوره وعندما يموت نبكى عليّه بحرقة..!!
دعوة طيبة منكم و غن دلت فإنما تدل على الوفاء والدفْ الأدبى
ودعوة لخلق نوع من الحميمية بين الأحياء ..
ولكن والله برغم كل شىء أرى خيطاً من النور يسرى فى ظلمة الليل
وكم منا اليوم يقدّر من يدين لهم بالفضل والجميل
والعرفان ..بقدرهم وينزلهم منازلهم
كما نفعل نحن معكم وتفعلون انتم مع من علمكم حرفاً ومازال حياً..
عزيزى الفاضل د. سلطان الحريرى
هى دعوةٌ من فاضل لرد الفضل إلى أهله وهم أحياء
بارك الله لك فى قلبك النقى وروحك السمحة ونبلك النادر
تقبل إحترامى
محمد إبراهيم الحريري
20-11-2007, 02:06 AM
ستظل خبيرا عارفا أيها الكبير أخي الدكتور سلطان
وصدقت إذ قلت زمار الحي لا يطرب ، رؤية ناقد خبير بالحياة مشاها بخطا اليقين ، وخبرها بنظرة ثاقبة ، فجاءت إلى فكره عفو الخاطر ، لا تكلف فيها إلا تنهيدة طفرت إلى الأفق فأعادها ليكون الجمر بين كبد ألم على واقع وضلوع اختزلت الندم بحروف من نور .
صدقت أيها الكبير فما هي كلمات نثرت المشاعر على بساط الروح ، ولكن متعة قراءة ونقد موضوعي للواقع المعاش ، وما أكثر العلماء الذين كرموا ولكن بعد شد خيوط النسيء على رفاتهم ، وحملهم على تشجيع لم يالفوه في حياتهم ولو بنظرة استحسان ، ثم وعلى حين ألم ينبش ألام أهله ويكون التكريم لقلمه الخالد بفتات كلام .
ألم يكن يسيل الحروف وزلالا من قبل ؟ والآن ما حاجته لها ؟
لا طابت أعين المسؤولين .
شكرا أخي على مقالة ستكون بالقلب زمارا يطرب روحي
ريمه الخاني
22-11-2007, 11:08 AM
نعم إننا نقدس عبارة قال القدماء)، ولا نلتفت إلى ما قال المعاصرون،
نعم صدقت استاذي ربما لاننا خسرناهم بات قولهم غالي
لذلك وفي صباحياتي اثرت ات استشهد بمقال كتاب معاصروت افخر بانهم اقلام واعيه اتمنى لسلسلتي هنا في عامها الثالث القبول
تحيه وتقدير
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub