ريم بدر الدين
12-03-2009, 10:27 AM
قراءتي لرواية طارق الأحمدي
" بقايا رجل رحل"
من زهرين ابتدأت الرواية وعادت لتنتهي هناك
دارت حول شخص واحد برغم انه من خلاله و في ظله دارت كامل الأحداث و التداعيات
استخدم طارق الأحمدي تكنيكا مراوغا لهذه الرواية و ربما لكي لا يشعر المتابع بالملل خلال السرد المستمر
بدأ بنا طارق بدخول قاتم نوعا ما حيث حكى لنا عن زهرين تلك القرية القابعة في مناخ صحراوي و كأن القحط في المناخ انتقل إلى نفوس أصحابها فباتوا يعانون من الجفاف في قرارة نفوسهم
زهرين قرية تعيش منعزلة و كأنها على حافة العالم و هذا ما يجعل أهلها يقتاتون على أخبار أهل زهرين و مشاكلهم و فضائحهم أيضا
ربما ينبع هذا من كون الدين يمثل ملاذا أساسيا لهؤلاء الناس و ربما لفقرهم الشديد تبقى الفضيلة هي الثروة الوحيدة التي يتباهون بها حتى لو كانت في الظاهر فقط بينما تكون البؤر و الدواخل أكثر عفونة من مستنقع مياه راكدة
هنا تشبه زهرين عدة عوالم روائية في جوانب مختلفة
زهرين تشبه عالم رواية " الجان" لأندريه بلاتونوف تلك القبيلة التي عايشت الموت ردحا طويلا من الزمن حتى لم تعد الحياة تستهويها إلى أن أتى نزار و قادها نحو مسيرة جديدة لكن زهرين تمضي عليها السنين و تعاقب الأيام و ليس من رغبة لديها في الخروج من الشرنقة التي وجدت بها
و في جانب آخر تشبه أيضا جزءا من غوركي في تلك القصة القصيرة عن المحطة القائمة في قلب الصحراء و التي صار مجتمعها قائما على التندر و التهكم من ذواتهم
أما الجانب الأكبر الذي تستدعيه الرواية فلا نسترجعه إلا بعد اكتشاف نسب النوري و هوللروائي الأميركي ناثانيال هاوثورن " الحرف القرمزي " حيث عانت آن من نبذ مجتمعها بسبب حمل وولادة غير شرعية لنكتشف في الآخر أنها حملت من القس
هنا أحس ان طارق الأحمدي يحاول ان يوجه الانتقاد للمنظومة الدينية عندما تتخذ الدين ستارا لتحصيل المكاسب و الجاه و عندما تكرس هذه المنظومة لنفسها صفة القداسة و يصبح اي شيء يقوم به من من يمثلها مرفوعا عن النقاش و المحاسبة
هكذا قضي على لطيفة ان تموت بسرها و قضي على عائشة أيضا ان ترحل بحملها
النوري قدمته لطيفة ابنا للضياع لكن عائشة قدمت علي ابنها فداء للوطن و ربما نلمح هنا الاختلاف بين تعاقب جيلين في نفس الظروف فكلتاهما حملتا بطريقة غير شرعية الاولى كانت مستسلمة لقدرها بينما تحلت عائشة بالشجاعة لتدافع عن ابنها و لو كان بالهرب لأنه كان الوسيلة الوحيدة المتاحة
غادر النوري زهرين و عاد اليها و في كلا الحالتين كان منبوذا طريدا لأنه يمثل في دواخل اهل زهرين تلك الجريمة التي لا تني تؤرقهم عندما تركوا لطيفة للموت ...هم لا يخافون منه لانه قوي البنية و لكنهم يخافون من سطوة الضمير و لأنه يقعل علنا ما يخفونه سرا
فزهرين بالرغم مما تبدو عليه انها مجتمع ريفي طيب الا انها تقوم على الانحلال من الداخل بعلاقات مشبوهة بين افرادها و خيانات من مختلف الاشكال بينما كانت تهمة النوري عندهم هي شرب الخمر و كونه قد دخل السجن و هم لا يعرفون ان سجنه كان سجل شرف في صفحات حياته
كان النوري هو الشخصية المحورية و لكن الجميل في الخريطة القصية لطارق الأحمدي أنه يأتي بالشخصيات المساعدة الى دائرة الضوء حتى لنكاد نرى ملامحها و إذا كان هذا يعد من الانتصارات في عالم الدراما التلفزيونية حيث لا يكون هناك بطولة مطلقة لأحد الممثلين فأنا أرى طارق هنا أجادها بامتياز
فتحي المعلم الذي أتى إلى زهرين مثقلا بوطأة ماض لا يحبه و الذي زاول في زهرين حياة اهلها السرية تماما كما هم لكنه على الاقل عرف الحقيقة عن النوري
الطيبة التي ربت النوري و التي برغم كل التفسخ و العفن كانت رمزا للاخلاص و الطهر عندما لم تتزوج بعد ان قتل زوجها المفترض في ليلة لزفاف و ربما وجدت في النوري تعويضا عن امومة مفتقدة فاحتضنته و هاجرت به تكريسا لقضية إنسانية
محمود شخصية مهمة أيضا حيث طرحت من خلاله قضية المناضل الى اين يذهب و ماهي الاهداف التي يحققها و على حساب من ؟ في الحقيقة محمود شخصية تعلمنا ان لا نطلق حكما أخلاقيا على أي إنسان مهما كانت درجة السوء التي بلغها فيما يترائى لنا ففي كل قضية سلبية هناك جانب ايجابي واحد على الاقل
محمود عانى الندم بعد قتل والده على ايدي الثوار و قرر الانتحار عشية الاستقلال و الجميل ان طارق لم يجعله ينتظر لأنه لو شاهد ما الذي حصل فيما بعد في الوطن بعد الاستقلال لعانى أكثر من سياط الندم
سؤال طرحه فيما يبدو النوري على نفسه بعد استشهاد علي ابنه : من أجل ماذا كافحت و قدت المسيرة ؟ من اجل ان اكافأ بقتل ابني على ايدي حكومة جاءت بعد نضالي انا و رفاقي للتخلص من الاحتلال لتستولي على كل المقدرات و تمسك الامور بيد من حديد ليكون ظلمهم اشد وطأة ؟
قضية عانى منها جميع من قادوا الثورات في العالم و ناضلوا خصوصا هؤلاء الذين لم يقفزوا الى دائرة الضوء و يتبوءؤا المناصب الرفيعة ليجدوا انفسهم مهملين بل و ربما متهمين
هنا طارق أجاد اسقاطا سياسيا و لنقل عولميا بليغا لينقل رسالة كونية
هنا ايضا بعض من تأثير غوركي في " الأم" عندما كان نتيجة قيادة المسيرة لبول هو النفي الى سيبيريا
نعود الى تاثيرات" الحرف القرمزي " لنرى ان آن في مجتمع مهاجر شديد التدين ظاهريا و بعد حملها و انجابها ابنتها استمرت في العيش و العمل في مجتمع ينبذها حاملة الحرف القرمزي على صدرها بينما من شاركها جريمة الاغواء القس الاكبر لهذا المجتمع ما يزال متحصنا بقداسته
في زهرين لم يخبرنا طارق اين اصبح موضع شيخ زهرين الفاسق؟ هنا ترك النهايات مفتوحة لسبب غير معروف و و ترك الجناة يفرون بفعلتهم دون ادنى عقوبة و ربما لان هذه هي سيرورة الاشياء في الحياة حيث لا يلقى كل إنسان عقوبة ما فعله في الحياة الدنيا
فلا شيخ زهرين الفاسق نال عقوبة ما اجتناه بحق لطيفة و لا حتى نعرف لم لم يطالبه النوري بحق النسب ...ترى هل أغفل طارق هذا عمدا ؟ ليترك لنا النهايات مفتوحة؟
و من جهة أخرى لم نعرف فيما إذا اكتشف ان مصطفى هو من قتل النوري و نجا الاحر بفعلته رغم انه لم يقصدها
هنا يشعر القارىء بأنه في موقف الملم بكل الأحداث لكن هناك عدالة لم تتحقق فلم ينصف هذا المسكين النوري في حال حياته و لا في حال موته و بقي شخصية مثيرة للاستفهام و من جانب آخر أكثر إثارة للنبذ الاجتماعي
برأيي يكفي شيخ زهرين عقوبة انه لم يذكر الا بالنقيصة يعني انه سقط من حسابات الناريخ لترتفع لطيفة و ابنها النوري لدينا نحت على الأقل كقراء
و يكفي مصطفى انه لن تسعه الارض و لن تقبله السماء بعد ارتكابه الجريمة الاولى في التاريخ بالقتل و الجريمة الاخرى بوأد الحقيقة بعد ان عرفها
و النوري ...يؤكد طارق الاحمدي انه ما دام ابنا للخطيئة ...على الاقل من جانب مؤسسة دينية اجتماعية فاسدة فلا بد ان ينتهي على ما بني عليه ..وحيدا .. شريدا ... ثم قتيلا
بهذا ترتاح المؤسسة الفاسدة و تتابع حياتها كما لم تكن قبل جرس الانذار " النوري"
كان طارق الأحمدي متميزا في سرد التفاصيل و اتباع سياسة التشويق و النتقال بنا من مسرح إلى آخر بنفس السلاسة و كأننا امام عمل تلفزيوني مسلسل انتقل بنا من زهرين الى قرية اخرى الى الميناء و عدنا الى زهرين بحركة انسيابية جميلة
أيضا جانب جمالي آحر للنص كان في تعدد الرواة الذين يقدمون لنا الحدث فمرة هو النوري نفسه و مرة فتحي و أحرى هو محمود أو مصطفى
أتقن من خلال هذا التكنيك إجراء المونولج الداخلي لكل شخصية على حدة لنستبطن بعضا من حقيقتها
هنا لا بد أن نشير إلى غنى الرواية بالأحداث المواكبة للحدث الرئيسي و هو سيرة النوري لنرى القضايا التي طرحها متعددة فمن نقد المؤسسة الدينية إلى التأريح للنضال ضد الاستعمار إلى طرح مشاكل الفقر و تداعياته و مشاكل التعليم أيضا في مجتمع نام
بقايا رجل رحل عمل قصصي يجعلك تعمل الفكر طويلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية و هذه فيما أعتقد إحدى عوامل النجاح لاي عمل أدبي هو كم يبقى في ذهنك منه بعد الفراغ من قراءته
" بقايا رجل رحل"
من زهرين ابتدأت الرواية وعادت لتنتهي هناك
دارت حول شخص واحد برغم انه من خلاله و في ظله دارت كامل الأحداث و التداعيات
استخدم طارق الأحمدي تكنيكا مراوغا لهذه الرواية و ربما لكي لا يشعر المتابع بالملل خلال السرد المستمر
بدأ بنا طارق بدخول قاتم نوعا ما حيث حكى لنا عن زهرين تلك القرية القابعة في مناخ صحراوي و كأن القحط في المناخ انتقل إلى نفوس أصحابها فباتوا يعانون من الجفاف في قرارة نفوسهم
زهرين قرية تعيش منعزلة و كأنها على حافة العالم و هذا ما يجعل أهلها يقتاتون على أخبار أهل زهرين و مشاكلهم و فضائحهم أيضا
ربما ينبع هذا من كون الدين يمثل ملاذا أساسيا لهؤلاء الناس و ربما لفقرهم الشديد تبقى الفضيلة هي الثروة الوحيدة التي يتباهون بها حتى لو كانت في الظاهر فقط بينما تكون البؤر و الدواخل أكثر عفونة من مستنقع مياه راكدة
هنا تشبه زهرين عدة عوالم روائية في جوانب مختلفة
زهرين تشبه عالم رواية " الجان" لأندريه بلاتونوف تلك القبيلة التي عايشت الموت ردحا طويلا من الزمن حتى لم تعد الحياة تستهويها إلى أن أتى نزار و قادها نحو مسيرة جديدة لكن زهرين تمضي عليها السنين و تعاقب الأيام و ليس من رغبة لديها في الخروج من الشرنقة التي وجدت بها
و في جانب آخر تشبه أيضا جزءا من غوركي في تلك القصة القصيرة عن المحطة القائمة في قلب الصحراء و التي صار مجتمعها قائما على التندر و التهكم من ذواتهم
أما الجانب الأكبر الذي تستدعيه الرواية فلا نسترجعه إلا بعد اكتشاف نسب النوري و هوللروائي الأميركي ناثانيال هاوثورن " الحرف القرمزي " حيث عانت آن من نبذ مجتمعها بسبب حمل وولادة غير شرعية لنكتشف في الآخر أنها حملت من القس
هنا أحس ان طارق الأحمدي يحاول ان يوجه الانتقاد للمنظومة الدينية عندما تتخذ الدين ستارا لتحصيل المكاسب و الجاه و عندما تكرس هذه المنظومة لنفسها صفة القداسة و يصبح اي شيء يقوم به من من يمثلها مرفوعا عن النقاش و المحاسبة
هكذا قضي على لطيفة ان تموت بسرها و قضي على عائشة أيضا ان ترحل بحملها
النوري قدمته لطيفة ابنا للضياع لكن عائشة قدمت علي ابنها فداء للوطن و ربما نلمح هنا الاختلاف بين تعاقب جيلين في نفس الظروف فكلتاهما حملتا بطريقة غير شرعية الاولى كانت مستسلمة لقدرها بينما تحلت عائشة بالشجاعة لتدافع عن ابنها و لو كان بالهرب لأنه كان الوسيلة الوحيدة المتاحة
غادر النوري زهرين و عاد اليها و في كلا الحالتين كان منبوذا طريدا لأنه يمثل في دواخل اهل زهرين تلك الجريمة التي لا تني تؤرقهم عندما تركوا لطيفة للموت ...هم لا يخافون منه لانه قوي البنية و لكنهم يخافون من سطوة الضمير و لأنه يقعل علنا ما يخفونه سرا
فزهرين بالرغم مما تبدو عليه انها مجتمع ريفي طيب الا انها تقوم على الانحلال من الداخل بعلاقات مشبوهة بين افرادها و خيانات من مختلف الاشكال بينما كانت تهمة النوري عندهم هي شرب الخمر و كونه قد دخل السجن و هم لا يعرفون ان سجنه كان سجل شرف في صفحات حياته
كان النوري هو الشخصية المحورية و لكن الجميل في الخريطة القصية لطارق الأحمدي أنه يأتي بالشخصيات المساعدة الى دائرة الضوء حتى لنكاد نرى ملامحها و إذا كان هذا يعد من الانتصارات في عالم الدراما التلفزيونية حيث لا يكون هناك بطولة مطلقة لأحد الممثلين فأنا أرى طارق هنا أجادها بامتياز
فتحي المعلم الذي أتى إلى زهرين مثقلا بوطأة ماض لا يحبه و الذي زاول في زهرين حياة اهلها السرية تماما كما هم لكنه على الاقل عرف الحقيقة عن النوري
الطيبة التي ربت النوري و التي برغم كل التفسخ و العفن كانت رمزا للاخلاص و الطهر عندما لم تتزوج بعد ان قتل زوجها المفترض في ليلة لزفاف و ربما وجدت في النوري تعويضا عن امومة مفتقدة فاحتضنته و هاجرت به تكريسا لقضية إنسانية
محمود شخصية مهمة أيضا حيث طرحت من خلاله قضية المناضل الى اين يذهب و ماهي الاهداف التي يحققها و على حساب من ؟ في الحقيقة محمود شخصية تعلمنا ان لا نطلق حكما أخلاقيا على أي إنسان مهما كانت درجة السوء التي بلغها فيما يترائى لنا ففي كل قضية سلبية هناك جانب ايجابي واحد على الاقل
محمود عانى الندم بعد قتل والده على ايدي الثوار و قرر الانتحار عشية الاستقلال و الجميل ان طارق لم يجعله ينتظر لأنه لو شاهد ما الذي حصل فيما بعد في الوطن بعد الاستقلال لعانى أكثر من سياط الندم
سؤال طرحه فيما يبدو النوري على نفسه بعد استشهاد علي ابنه : من أجل ماذا كافحت و قدت المسيرة ؟ من اجل ان اكافأ بقتل ابني على ايدي حكومة جاءت بعد نضالي انا و رفاقي للتخلص من الاحتلال لتستولي على كل المقدرات و تمسك الامور بيد من حديد ليكون ظلمهم اشد وطأة ؟
قضية عانى منها جميع من قادوا الثورات في العالم و ناضلوا خصوصا هؤلاء الذين لم يقفزوا الى دائرة الضوء و يتبوءؤا المناصب الرفيعة ليجدوا انفسهم مهملين بل و ربما متهمين
هنا طارق أجاد اسقاطا سياسيا و لنقل عولميا بليغا لينقل رسالة كونية
هنا ايضا بعض من تأثير غوركي في " الأم" عندما كان نتيجة قيادة المسيرة لبول هو النفي الى سيبيريا
نعود الى تاثيرات" الحرف القرمزي " لنرى ان آن في مجتمع مهاجر شديد التدين ظاهريا و بعد حملها و انجابها ابنتها استمرت في العيش و العمل في مجتمع ينبذها حاملة الحرف القرمزي على صدرها بينما من شاركها جريمة الاغواء القس الاكبر لهذا المجتمع ما يزال متحصنا بقداسته
في زهرين لم يخبرنا طارق اين اصبح موضع شيخ زهرين الفاسق؟ هنا ترك النهايات مفتوحة لسبب غير معروف و و ترك الجناة يفرون بفعلتهم دون ادنى عقوبة و ربما لان هذه هي سيرورة الاشياء في الحياة حيث لا يلقى كل إنسان عقوبة ما فعله في الحياة الدنيا
فلا شيخ زهرين الفاسق نال عقوبة ما اجتناه بحق لطيفة و لا حتى نعرف لم لم يطالبه النوري بحق النسب ...ترى هل أغفل طارق هذا عمدا ؟ ليترك لنا النهايات مفتوحة؟
و من جهة أخرى لم نعرف فيما إذا اكتشف ان مصطفى هو من قتل النوري و نجا الاحر بفعلته رغم انه لم يقصدها
هنا يشعر القارىء بأنه في موقف الملم بكل الأحداث لكن هناك عدالة لم تتحقق فلم ينصف هذا المسكين النوري في حال حياته و لا في حال موته و بقي شخصية مثيرة للاستفهام و من جانب آخر أكثر إثارة للنبذ الاجتماعي
برأيي يكفي شيخ زهرين عقوبة انه لم يذكر الا بالنقيصة يعني انه سقط من حسابات الناريخ لترتفع لطيفة و ابنها النوري لدينا نحت على الأقل كقراء
و يكفي مصطفى انه لن تسعه الارض و لن تقبله السماء بعد ارتكابه الجريمة الاولى في التاريخ بالقتل و الجريمة الاخرى بوأد الحقيقة بعد ان عرفها
و النوري ...يؤكد طارق الاحمدي انه ما دام ابنا للخطيئة ...على الاقل من جانب مؤسسة دينية اجتماعية فاسدة فلا بد ان ينتهي على ما بني عليه ..وحيدا .. شريدا ... ثم قتيلا
بهذا ترتاح المؤسسة الفاسدة و تتابع حياتها كما لم تكن قبل جرس الانذار " النوري"
كان طارق الأحمدي متميزا في سرد التفاصيل و اتباع سياسة التشويق و النتقال بنا من مسرح إلى آخر بنفس السلاسة و كأننا امام عمل تلفزيوني مسلسل انتقل بنا من زهرين الى قرية اخرى الى الميناء و عدنا الى زهرين بحركة انسيابية جميلة
أيضا جانب جمالي آحر للنص كان في تعدد الرواة الذين يقدمون لنا الحدث فمرة هو النوري نفسه و مرة فتحي و أحرى هو محمود أو مصطفى
أتقن من خلال هذا التكنيك إجراء المونولج الداخلي لكل شخصية على حدة لنستبطن بعضا من حقيقتها
هنا لا بد أن نشير إلى غنى الرواية بالأحداث المواكبة للحدث الرئيسي و هو سيرة النوري لنرى القضايا التي طرحها متعددة فمن نقد المؤسسة الدينية إلى التأريح للنضال ضد الاستعمار إلى طرح مشاكل الفقر و تداعياته و مشاكل التعليم أيضا في مجتمع نام
بقايا رجل رحل عمل قصصي يجعلك تعمل الفكر طويلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية و هذه فيما أعتقد إحدى عوامل النجاح لاي عمل أدبي هو كم يبقى في ذهنك منه بعد الفراغ من قراءته