المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في قصة ( الراعي الكذاب ) بقلم : رعـد يكن


رعد يكن
25-02-2009, 12:54 PM
ذكرتني احدى صديقاتي (و ربما كانت اكثر من صديقة بالنسبة لي ) بقصة الراعي الكذاب ( وهي تعتقدني راعي وكذاب هههههه ) فخطر ببالي ان اسافر الى هناك الى حضارات الشعوب ، والتقي ذلك الراعي لأسأله عن فعلته... وهل فعلا فعلها ام نسبت اليه ..
ثم اكتشفت في البداية اني لا اعرف الى اي شعب تنتمي هذه القصة ، ولا الى اية منطقة جغرافية في العالم ، فأين سأسافر ؟؟
المهم اني ولدى استماعي للقصة ( من صديقتي ) ادخلتي ايضا بقصة القشة التي قصمت ظهر البعير ( وكانت قصتنا هي ذاك البعير ههههه) .
يا للنساء ...يؤمن بالقصص الخرافية ويقسن القصص الحقيقية عليها ..

نعود للراعي الكذاب، بدأت ابحث في الكتب عنه فلم اجده .. سألت مخيلتي عنه .. فوجدته سريعا ..

رأيته قابعا فيها وكأنه في سجن لا نهائي... كتلك السجون التي كانت منتشرة في العصور الوسطى .. والتي تفوح منها رائحة الصدأ .. وعلى ابوابها حراس بسلاسل طويلة لا يسمحون لأحد بالإقتراب منها ..
اما انا فكنت امير ذاكرتي ولم يكن ليمنعني احد من الولوج اليها في اي وقت اشاء ..
طرقت الباب كي يفتح لي كما تفتح روما ابوابها للمنتصرين ،وكنت افكر بطريقة السلام المناسبة كي لا ينهرني، فهو راعي والمفروض انه من الرعاع وانا ( وان شبهت به ) إلا اني لست براعي ولا كذاب .. ولست من الرعاع ..فكان علي ان اتحامل على نفسي واذهب اليه بطريقته هو
لا بطريقتي .
اجابني صوت من داخل رأسي : اخرجني ...
أخرجني ايها المعتوه ، انا مظلوم ؟؟؟
قلت في نفسي قد اعتاد كل من في السجن على ادعاء البراءة ..
قلت له بهدوء : مرحبا
اجاب : ويحك .. اخرجني يا هذا ..
كنت افكر بسرعة كيف ارد على هذا الراعي وانا لم اعتد مقارعة الرعاع ...
قلت له : يا هذا اانت الراعي الكذاب ؟؟ كنت اريد منه تأكيدا حتى ادخل عليه او اخرجه لأني رأسي مليئ بالمساجين ولا اريد ان اخطى الفكرة .
اجاب بصوت لاذع : افتح ولا تخف انا هو نعم .
افتح يا رجل .. هذا اذا كنت رجل .
بدا الراعي بالسخرية وكأنه يستفزني كي افتح له الباب
هممت ان افتح ...وخفت ان يتبعه احد فقلت له بصوت هامس : اقترب من الباب لوحدك ، انا اريد ان اخرجك انت وحدك فلا تخبر الباقين ، وان سألوك الى اين انت ذاهب لك ان تقول لهم ما تشاء، فأنت في الأساس كذاب .
احسست انه يستجمع هدوءه لهذه الإهانة ، وقبلها على مضض في سبيل الحرية او اوهمني ذلك ،عكس اولئك الذين يخسرون حرياتهم من اجل كلمة لكنهم بالنهاية يربحون انفسهم .. سكت واقترب من الباب .
فتحت الباب بهدوء، وممدت يدي لأخرجه من مخيلتي
واذا بأحد ينادي : خيانة اغلقو الأبواب .
تذكرت هاملت الى اين اخذه تردده وانهزاميته والمشهد الأخير من الشك و المعاناة ،الا ان هذا المشهد هنا كان الأول ...
اسرعت به كما تسرع النساء الهاربة من ظلام الليل وبرد الشتاء وتريد ان تحتمي بذراع رجل يحمل مظلة تقيها حبات المطر .. اسرعت به مثل اولئك الذين يلحقون القطار في آخر لحظاته ولا يركبون ..
وهوكان يتعثر مرة في السير ويركض مرة اخرى .. الى ان وصلنا خارج رأسي .
كنا كمن خرج من كهف التاريخ العتم الى فضاء اللهفة والى الصباحات المليئة بالشموس ،
اجلسته قربي واخد يلهث قائلا : منذ زمن لم اركض ولطاما كنت اركض خلف الغنم ، واليوم (هـه ) الغنم يركض خلفي .. ضحكت من تعليقه وقلت له اكنت تحسب ان من خلفك غنما ؟؟؟
قال من اذا ؟؟
قلت له :لا يهم لايهم .. اتريد ماء .. قال نعم
جلسنا وانا افكر بمناورة في الكلام عله يخبرني ماذا حصل معه هناك وهل فعلا اتى الذئب ذلك اليوم ام ماذا حصل بالضبط ؟؟
وهو من كنت اظنه من الرعاع كان يقرأني وينظر في وجهي وكأني شاة من شياهه او ذئب ...ربما يريد ان يحملني مسؤولية فعلته .
اخذ نفسا عميقا ، واشعرني انه مرتاح لخروجه من رأسي بابتسامة رضى رماها علي كما نرمي الورود على النساء اللواتي يردن ذلك .
وفاجأني بالسؤال : من انت ؟
ولماذا حررتني من ذاكرتك واتيت بي الى واقعك هذا ، وهل ستعيدني بعد ان اعطيك ما تطلبه مني ؟؟
رددت عليه ابتسامته بأخرى لا تقل سخرية ، وبدأت احرك شفتاتي بطريقة مخابراتية .. وكأني محقق في شعبة من شعب المخابرات المنتشرة حولنا ، واحسست بالزهو نوعا ما وانا اهم بستجوابه بهذه الطريقة ، وتذكرت ذلك المحقق الذي كان يحقق معي في الجيش عندما اتهمت بتزوير اجازة ..
( تبا لي ان كنت فعلتها حقا ).. لكني وقتها كنت سيد الموقف وكنت الاعبه بخبث المجرمين مع اني لم اكن مجرما .
اما هذا الراعي فالتهمة لاصقة به لا ادري منذ متى ، ربما منذ حضارات قديمة حيث لايوجد وقتها هواتف لا ثابتة ولا متحركة ، فحسب الرواية انه نزل الى القرية لينادي عليهم ولم يكن معه وسيلة اتصال
الا اذا كان صوته كصوت الرعد مثلا ونادى من بعيد وسمعوه ... ههههههههه
سنرى الأن ان كنت استطيع ان انتزع الحقيقة منه فالحقيقة لا تأتي هكذا ، يجب ان تبعد الغيوم اولا حتى ترى الشمس التي خلفها والا .. فأنك لن ترى الشمس ابدا ..
سألته وانا احوم حوله كطائر بتفحص فريسته الشهية قبل التهامها ، وكان السؤال : ماالذي دعاك الى تكرار فعلتك ثلاث مرات واستدعاء اهالي القرية على هذا النحو المشين؟ يضحك الراعي ويجيب بخبث : اولا انا شخصية غير موجودة .. وغير حقيقية .. وانما وجدوني ليكون لأهل القرية ذريعة كي لا يلبوا النداء حين يستغاث بهم ... ويستعملوني ( كدريئة ) لأخفاء جبنهم وتخاذلهم ..
وانظر حولك هل من مغيث ....؟؟؟
انظر حولك هل هناك احد يلبي النداء ؟؟؟
اتذكر المعتصم ؟؟
اجبته طبعا وهل من احد لا يعرفه ولا يعرف قصته
فرد علي .. اذا عليك ان تسأله هو .. فهو الوحيد الذي كان يصدقني ولا يراني دريئة ، هو بالأساس لايؤمن بوجودي .. الكل يريد ان يحاكم الأخر على اساس انه راعي وكذاب ايضا ..
قاطعته قائلا : انتظر قليلا ... كيف انت شخصية غير موجودة ، ويعرفك القاصي والداني ؟؟ وكل الأمم تتحدث بقصتك ، ومن اين لي ان اجد المعتصم لأسأله عنك
ضحك الراعي ضحكة خبيثة وقال : يا صديقي أإذا كنت حقيقيا .. ااكون موجودا الأن ؟؟

لم افهم عليه ما قال ، وقد قرأ علامات التعجب على وجهي وتابع .. اسمع لو كانت القصة حقيقية واتى الذئب في المرة الرابعة او الثالثة حسب ما تشتهون .. الم يكن ليأكلني مع الغنم ؟؟ .. ومن سيروي حكايتي بعد موتي ؟؟ ستقول اهل القرية بعد ان رأوا البقايا اليس كذالك ؟؟
حسنا .. ما ادراهم ان الذئب اكلني انا والغنم ؟ ربما سرقت الغنم وذهبت الى مكان آخر ؟؟؟؟
وتركت بقايا لباسي مع دم كذب كمافعل ( اخوة يوسف ..)
كيف سيتأكدون من ذالك ؟؟؟؟ لا تأكيد لذلك ..

( قلت في نفسي هذا الراعي ثعلب كيف سمحت له ان يقلب الأسئلة علي هكذا ...وربما فعلا ما يقوله صحيح ولكن ,,,,) قاطع تفكيري وتابع واذا كنت انا الراوي لأهالي القرية ونجيت من براثن الثعلب ..فكيف صدقوني ...وانا الكذاب ثلاث ؟؟ ربما بعت بعض الغنم واتهمت الثعلب ..؟ ايضا لا تأكيد لذلك .
احس هذا الثعلب بارتباكي وتمهل قليلا في السرد الذي كان متأكدا اني لم اعد استطيع ان اجمع افكاري معه
كنت كمن وقع في مصيدة مربكة حقا .. وكان علي ان اناقشة فيما سرد والا سأكون مهزوما بنظرة من قبل ان ابدأ .
اعد علي ماقلته بروية .. هكذا اجبته بهدوء كاذب
قهقه المكار بقوة .. ولم يجبني بل تابع يقول :
فكر بما قلته لك وانت تعرف اذا كنت صادقا ام كاذبا
ااقول لك شيئا ؟؟ ...........فاجأني وانا افكر وكأنه يريد ان يقطع علي سلسلة افكاري متعمدا ..
قال لي : انا نسج من خيال الجدات اللواتي يكذبن على الأطفال الصغار كي ينامو ويرتحن منهم ..
لكن هل الغاية تبرر الوسيلة كما قال ( ماكيافييلي )؟؟؟
ربما تكون غايتهم حسنة ، فجعلوني كدرس ارشادي لهم ،وربما استخفافا بعقول الأطفال الذين لا يحللون شيئا ويأخذون الأمور كما هي ... لذالك كانت الروايات والأساطير، فالبشر يا صديقي تصدّق التاريخ رغم مافيه من كذب لسببين .. الأول انهم يريدون تاريخا يتكلمون عنه .. والثاني هو رغم كذب التاريخ الا انه يظل فيه اشياء جميلة اكثر من الواقع المعاش ... ويمكنك التلاعب به ايضا ، وصياغته كيفما تشاء .. فأعدني الى رأسك يا صديقي ولا تشغل بالك بالقصص الخرافية ..
الآ اذا اردت ان اقص عليك قصة ( ليلى والذئب او كما يسمونها ذات الرداء الأحمر ) ...
لن ارويها لك لأني لا اريد ان اكذب عليك .. فهذه القصة ايضا كذب في كذب .. اذهب ونم يا صاحبي ...
و لاتنسى ان تشرب حليب ............... قبل ان تنام ...
انا لست كذّابا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مأمون المغازي
27-02-2009, 01:49 AM
ماتع هذا الأسلوب ، وهذا الطرح ، أيها المفكر الأديب الأستاذ : رعد يكن .

ولابد لنا من تعليق يليق بها .

لكن ، لتسمح لنا أن نضعها في مكانها الأنسب .

محبتي واحترامي

مأمون

رعد يكن
27-02-2009, 10:50 AM
الأستاذ ( مأمون المغازي )

اشكرك لك اهتمامكم بكتاباتي

وشكرا لنقلها الى هنا

مع اطيب تحياتي

رعد يكن

ريم بدر الدين
01-03-2009, 12:26 AM
مساء الورد
أستاذي رعد يكن
أتشرف بأن أقرأك هنا
و ليلى و الذئب عندما تأتي بقراءة مختلفة تكةون ممتعة حقا
دمت بخير
سأعود

رعد يكن
01-03-2009, 12:23 PM
العزيزة الغالية ريم

انا سعيد جدا بملامستك كلماتي أنّى كانت ...

شكرا لك ... وأكثر

تقبلي مودتي وتحياتي

رعد يكن

صديق الوفا
06-03-2009, 11:24 PM
الاستاذ الاديب / رعد يكن المحترم
تحية وتقدير
لمحت اسمك المبارك فقلت سأقرأ لك يوما وحينما أردت المضي في هذا التسويف إذا بي اعود سريعا بالمؤشرة بدون أن أسيطر على مشاعري فلم اطق الانتظار إلى ذلك الأجل فقررت العودة من فوري لأقرأ لك في الحال
ولمست بأن لديك اسم مبارك واسلوب جميل وتعبير راقي أيها الاديب الأريب
تقبل مودتي

اخوك
صديق الوفا

مجدي دحدوح
07-03-2009, 02:13 AM
:icon (11):المفكر والأديب الأستاذ / رعد يكن المحترم

الراعي الكذاب

المغزى من هذه القصة كما هو معروف ،

التحذير من الكذب

فإن سرنا على طريق الكذب فلن نجد أحدا يثق بنا ويصدقنا

وسنجد الناس يبتعدون عنا يوما وراء يوم هذا في الحياة الدنيا

أما في الا خرة فسنعاقب على كذبنا في الحياة الدنيا


ولكن عندما تأتي القصة بقراءة مختلفة ,وبقلم مبدع ،

تكون ممتعة حقا ويكون لها مذاق خاص

فقد اصبحت شخصية الراعي شخصية غير موجودة .. وغير حقيقية ..

وانما وجدت ليكون لأهل القرية ذريعة كي لا يلبوا النداء

حين يستغاث بهم 0

اسلوب جميل وتعبير راقي كعهدنا بك دوما

سلمت يداك وبورك قلمك

مجدي دحدوح

رعد يكن
07-03-2009, 12:35 PM
العزيز صديق الوفا

اشكر لك مرورك وقراءتك

تقبلني صديقا ....

تحياتي

رعد يكن

رعد يكن
07-03-2009, 12:37 PM
العزيز مجدي دحدوح

سلمك الله يا عزيزي وشكري عارم لقراءتك المتمعنة في النص

تقبل تحياتي وشكرا لمرورك العطر مرة أخرى

رعد يكن

فواز شمر
07-03-2009, 03:08 PM
.
تحية عربية لـلأحرار

وتحية لك يا أخي العزيز الأستاذ رعد يكن

وصدقني بدون مجاملة روعة وقمة بالأبداع ولان أزيد على كلام الأخوان

ولكن أريد أستأذنك بنقل هذي القصة بهذا الشكل ومع ذكر الأسم والمصدر

أذا ممكن أكون شاكر وممنون وأذا غير ممكن برضه أكون شاكر وممنون

لرؤتي هذا الأبداع

وتقبل تحياتي

.
.

صديق الوفا
07-03-2009, 04:56 PM
اشكرك على دعوتك وبكل الفخر اعتز بصداقتك اخي رعد يكن المحترم

رعد يكن
07-03-2009, 10:58 PM
.
تحية عربية لـلأحرار

وتحية لك يا أخي العزيز الأستاذ رعد يكن

وصدقني بدون مجاملة روعة وقمة بالأبداع ولان أزيد على كلام الأخوان

ولكن أريد أستأذنك بنقل هذي القصة بهذا الشكل ومع ذكر الأسم والمصدر

أذا ممكن أكون شاكر وممنون وأذا غير ممكن برضه أكون شاكر وممنون

لرؤتي هذا الأبداع

وتقبل تحياتي

.
.





العزيز ( فواز شمر )

شكرا لمرورك العطر عزيزي

ولاأمانع بنقلها اطلاقا ...

دمت بمودة
تقبل تحياتي

رعد يكن

ايوب صابر
07-04-2009, 09:46 AM
الرسالة في قصة الراعي الكذاب بقلم – الأديب الكاتب رعـد يكن
________________________________________
لا شك أن السيد رعد يكن قد وفق في اختار هذه القصة لنقد آفة الكذب وتأثيرها على المجتمع. وكأنه يقول مجتمع يقوم على تراث كاذب سيكون كل ما فيه كاذب. حتى أن الراوي في قصة ( الراعي الكذاب) وكنت أفضل لو أن السيد رعد اختار اسما آخر للقصة حتى لا يختلط الأمر على القارئ ويظن أن الكاتب يتحدث عن القصة الأسطورة مثلا والقصة التي بين أيدينا هي قصة أخرى مختلفة تتمثل في محاكمة الراعي الذي اصدر التاريخ عليه حكما بالكذب واللوم على انه هو كان سبب أن الذئب أكل الغنم. فلولا انه كذب لما تأخر أهالي القرية في ردع الذئب.
وقدرة القاص على إيصال رسالته وفضح آفة الكذب تتجلي من العبارة الأولى حيث يقول " ذكرتني إحدى صديقاتي (و ربما كانت أكثر من صديقة بالنسبة لي ) بقصة الراعي الكذاب ( وهي تعتقدني راعي وكذاب هههههه ) " فهو يخبرنا انه يكذب علينا وهو يكذب على نفسه وصديقته تكذب حينما تنظر إلى علاقتها معه على أنها علاقة صداقة وهي في الواقع علاقة تتعدى ذلك فكيف تكون صداقة بين رجل وامرأة ؟
وبسبب توصله إلى ذلك الشعور ( بأنه بريء ) صار لديه قناعة بضرورة إعادة محاكمة الراعي لمعرفة مدى براءته أو كذبه في محاولة لتبرئة نفسه.

وهنا قرر أن يعيد محاكمة الراعي ولكنه لم يعرف إلى أي منطقة جغرافية في العالم ينتمي الراعي . لذلك قرر استحضاره لذلك الغرض.
ولتوضيح قصده وتأكيد رسالته بأن هذا التراث يقوم على الكذب نوه لنا بقصة أخرى وهي " أدخلتي أيضا بقصة القشة التي قصمت ظهر البعير " وكيف لقشة أن تقصم ظهر بعير .
في رسالة أخرى يشبه الكاتب الذاكرة بالسجن حيث تدفن الأفكار " وعلى أبوابها حراس بسلاسل طويلة لا يسمحون لأحد بالاقتراب منها" وكأنه ينتقد هنا الإرهاب الفكري، وربما يكون النص غير واعي حيث يقول الكاتب أن الإنسان أحيانا يجد نفسه يسلم بأشياء خوفا من ذلك الرقيب الأنا الأعلى الحارس على الأفكار.
ثم ينتقد الكاتب هنا ظاهرة نفسية كثيرا ما نكون ضحايا لها وهي الافتراض المسبق وإصدار الأحكام على الآخرين "فهو راعي والمفروض انه من الرعاع وأنا ( وان شبهت به ) إلا أني لست براعي ولا كذاب .. ولست من الرعاع "
والكاتب يقترح هنا آلية للتواصل السليم بين الناس وربما الطوائف والأجناس " فكان علي أن أتحامل على نفسي واذهب إليه بطريقته هو لا بطريقتي ."

ويدعونا الكاتب بأن لا يجوز أن نكون ضحايا افتراضات خاطئة لا بد لنا أن نفكر " كنت أفكر بسرعة كيف أرد على هذا الراعي وأنا لم اعتد مقارعة الرعاع " والمساجين هنا هي الأفكار " لأن رأسي مليئ بالمساجين ولا أريد أن أخطى الفكرة" التي يرغب الكاتب في تحريرها.
وفي رسالة أخرى وهي أن على الإنسان أن يدفع ثمنا للحرية مهما كانت الاهانة " احسست انه يستجمع هدوءه لهذه الإهانة، وقبلها على مضض في سبيل الحرية او اوهمني ذلك، عكس اولئك الذين يخسرون حرياتهم من اجل كلمة لكنهم بالنهاية يربحون انفسهم" ومنهم من يفضلون التمسك بالحرية حتى ولو سجنوا ولكنهم يكونوا قد ربحوا أنفسهم. وفي رسالة اخرى وهي تخوين من يمد يده للاخرين "وممدت يدي لأخرجه من مخيلتي. واذا بأحد ينادي : خيانة اغلقو الأبواب"
وفي رسالة أخرى ينتقد الكاتب بؤس حال السجون لدينا " كنا كمن خرج من كهف التاريخ العتم الى فضاء اللهفة والى الصباحات المليئة بالشموس"
ثم هناك نقد اجتماعي حيث شبه الكاتب الناس الذين ينقادون بدون فكر مثل الغنم " منذ زمن لم اركض ولطاما كنت اركض خلف الغنم ، واليوم (هـه ) الغنم يركض خلفي .. ضحكت من تعليقه وقلت له اكنت تحسب ان من خلفك غنما ؟؟؟ قال من اذا ؟؟ " .

وعندما حدث التواصل بينهما تبين بان من كان يظنه من الرعاع ليس كذلك " وهو من كنت اظنه من الرعاع كان يقرأني وينظر في وجهي وكأني شاة من شياهه او ذئب ...ربما يريد ان يحملني مسؤولية فعلته ."

هنا ايضا نقد للاليات عمل اجهزة المخبارت لدينا " رددت عليه ابتسامته بأخرى لا تقل سخرية ، وبدأت احرك شفتاتي بطريقة مخابراتية .. وكأني محقق في شعبة من شعب المخابرات المنتشرة حولنا ، واحسست بالزهو نوعا ما وانا اهم بستجوابه بهذه الطريقة ، وتذكرت ذلك المحقق الذي كان يحقق معي في الجيش عندما اتهمت بتزوير اجازة .."
هنا تبدأ المحاكمة ولكن الكاتب يظهر عيبا في النظام القضائي ايضا حيث لدينا المهتم مذبن حتى تثبت براؤته وليس بريء حتى تثبت ادانته" اما هذا الراعي فالتهمة لاصقة به لا ادري منذ متى" .

وهنا يبدأ الكاتب بسرد الادلة الظرفية والحسة التي تثبت برأة الراعي :
- فيكف يمكن له ان ينادي على الناس من تلك المسافة البعيدة ؟ " الا اذا كان صوته كصوت الرعد مثلا ونادى من بعيد وسمعوه " هذه واحدة .- ثم يظهر الكاتب انه لا يمكن تصديق القصة فلو صحيح ان الراعي كذب ثلاث مرات فكيف سمح له اهل القرية باستمرار في عمله مثلا.
- ثم هنا نقد للنظام الرسمي العربي " وانما وجدوني ليكون لأهل القرية ذريعة كي لا يلبوا النداء حين يستغاث بهم ... ويستعملوني كدريئة لأخفاء جبنهم وتخاذلهم .. . الكل يريد ان يحاكم الأخر على اساس انه راعي وكذاب ايضا .. "
- ثم قدم لنا الكاتب دليل اخر على كذب القصة حيث شكك في مصداقيتها وذلك من خلال " يا صديقي أإذا كنت حقيقيا .. ااكون موجودا الأن ؟؟ لم افهم عليه ما قال ، وقد قرأ علامات التعجب على وجهي وتابع .. اسمع لو كانت القصة حقيقية واتى الذئب في المرة الرابعة او الثالثة حسب ما تشتهون .. الم يكن ليأكلني مع الغنم ؟؟ .. ومن سيروي حكايتي بعد موتي ؟؟ ستقول اهل القرية بعد ان رأوا البقايا اليس كذالك ؟؟"

- ثم تشكيك اخر " حسنا .. ما ادراهم ان الذئب اكلني انا والغنم ؟ ربما سرقت الغنم وذهبت الى مكان آخر ؟؟؟؟ وتركت بقايا لباسي مع دم كذب كما فعل ( اخوة يوسف. كيف سيتأكدون من ذالك ؟؟؟؟ لا تأكيد لذلك .."
- ثم دليل اخر " قاطع تفكيري وتابع واذا كنت انا الراوي لأهالي القرية ونجيت من براثن الثعلب ..فكيف صدقوني ...وانا الكذاب ثلاث ؟؟ "
ويصل الكاتب ليقول رسالته بصورة مباشرة " قال لي : انا نسج من خيال الجدات اللواتي يكذبن على الأطفال الصغار كي ينامو ويرتحن منهم .. "
ومن هنا تبدأ سلسلة الكذب . قصص الجدات التي تربي اطفالنا على الكذب وبالتالي تكون كل الاجيال كاذبة ولذلك نحن نعيش مجتمع كاذب .
ثم ينهي الكاتب السيد رعد بتذكيرنا بقصة ليلى والذئب وهي حتما قصة كاذبة ليدلل على ان هذا المجتمع والتراث انما هو يقوم على سلسلة من القصص والحكايا الكاذبة. " لن ارويها لك لأني لا اريد ان اكذب عليك .. فهذه القصة ايضا كذب في كذب .. اذهب ونم يا صاحبي ... "
ويشير السيد يكن إلى أهمية إعادة النظر في أسلوب تربية الأطفال لدينا " و لاتنسى ان تشرب حليب ............... قبل ان تنام ..." فنسقيهم الحليب قبل النوم بدلا من ان نلقمهم قصة كاذبة ليعشيوا في ظل الكذب فتظهر كل الآفات الاجتماعية وهي عديدة . وهذه حقيقة وليست كذبا.

ايوب صابر
07-04-2009, 11:34 AM
اقترح لطفا أن يتم إعادة أدارج القصة في رواق القصة فهي قصة مكتملة العناصر وان بدت وكأنها دراسة نقدية. ويبدوا أن الذي قرر نقلها هنا استعجل مثلي الحكم عليها .

أما لماذا أقول أنها قصة فذلك يعود لما يلي :

الحبكة: واضحة وهي غوص الكاتب في ذاكرته على شاكلة الغوص في جهاز كمبيوتر لاستحضار الفكرة التي كانت مسجونة هناك ثم العودة إلى خارج إطار الذاكرة ( المخيلة ) وإجراء محاكمة للراعي الذي كان مخزونا في الذاكرة على شكل فكرة ثم تبرئة الراعي الذي تمكن الكاتب من تجسيده واثبت براءته .

الزمان : محدد وهو الوقت الذي استغرقه الكاتب في استحضار الفكرة من الذاكرة ومحاكمة التجسيد للراعي .

المكان : هو الذاكرة وخارج إطار الذاكرة ومقر محكمة ولو أنها دارت في المخيلة.

الشخوص : الراوي والذي قرر أن يعيد محاكمة الراعي وهو شخصية متكاملة الملامح.
كذلك شخصية الراعي الذي تم إعادة تجسيدها ولكن الكاتب نجح أيما نجاح في تجسيدها بحيث انه أصبح وكأنه حقيقة واقعة ولها مزاج وقدرات استثنائية .

وهذه القصة عبارة عن سرد خيالي المقصود منه إثارة الاهتمام والتثقيف وتشتمل على عدة رسائل تشتمل على نقد حاد للمجتمع وحث على تحسين آليات التواصل وأسباب فشل الأمة وضعفها إضافة إلى نوعية المجتمعات البوليسية المخبراتية التي نعيش فيها سأعود لهذا الجانب بالتفصيل.

ـ أما من ناحية طول النص فرغم طولها النسبي لكنها ما تزال قصة قصيرة تقع ضمن حدود ومواصفات النص القصصي القصير ف الفضائيين ألزماني والمكاني محدودين وعدد الشخصيات محدود والأحداث فيها تتمحور حول المحاكمة أو الأصح إعادة محاكمة التاريخ والمجتمع والثقافة واليات الاتصال من خلال إعادة محاكمة الشخصية الخيالية التي تم إعادة استحضارها لهذه الغايات.

كذلك لا شك أن المتعمق في القصة يجد أن في الموضوع وحدة واحدة فكل عناصر القصة هنا وظفت بنجاح لإبراز الاهتمام بمدار واحد وهو إعادة محاكمة التاريخ . وقد نجح الكاتب في توظيف كل العناصر لتلك الغاية فكانت عناصر خادمة للموضوع.

كذلك نجد أن في القصة شخصية محورية واحدة وهي الراعي وهو ما يعرف في فن القصة بوحدة الشخصية رغم أن هناك أكثر من شخصية.

وكذلك هناك وحدة في الانطباع حيث نجح الكاتب في توظيف جميع عناصر القصة هنا لبناء أثر واحد حيث أنني انتهيت من قراءة القصة وأنا اشعر بأنني امقت تراثنا المبني على الكذب.

وأتصور أن ذلك ما كان يرمي له الأخ رعد ولذلك أقول بأنه تمكن من توظيف عناصر القصة في خدمة الهاجس الواحد المتمثل في نقد التراث المبني على الكذب رغم أن الرسائل المتعددة الأخرى والتي تعتبر ثانوية رغم بروزها خدمت وحدة الهاجس والمتمثل في نقد التراث.

كذلك أجدني قد وصلت مع الكاتب إلى ( لحظة التنوير) وهي تلك اللحظة الجامعة التي تجلت فيها الفكرة ووصل الانطباع قمته بعد أن تبين أن الراعي بري ء وفي ذلك مفاجأة لي فانا لم يسبق لي أن فكرت فعلا في براءة ذلك الراعي والأدلة قطعية وليست ظرفيه هنا.

كذلك أجدني أقول بان الكاتب نجح في تحديد لحظة النهاية منذ البداية فهو كان يعرف بأن الراعي بريء وقد شكلت النهاية هنا المفاجأة أو لحظة الانقلاب لي على الأقل فانا كنت قد أخذت بذنب الراعي دون تفكير.


لكن لا بد من القول أن هناك شيء من الاسترسال في القصة وهي ليست مركزة وحادة وكثيفة ولكن يظن القارئ بأن القصة مركبة من عدة قصص ولكن ذلك لم يوثر على وحدة التأثير وحدة المنقلب .

فعلى الرغم أن مدار القصة معروف ( قصة الراعي ومن لا يعرفها؟) وربما أن ذلك كان سببا في عزوف القراء هنا عن قراءة القصة هذه والبعض الآخر افترض أنها دراسة نقدية لكن الكاتب نجح في بناء مادتها على نحو خاص ساعد حتما في إيصال القارئ إلى النهاية المقصودة . وقد بدت القصة المعروفة هنا وكأنها غير معروفة وتقرأ لأول مرة .

هذا من حيث توفر العناصر الفنية التي تجعل من هذه القصة قصة قصيرة ناجحة أما بالنسبة للرسالة أو الرسائل والمقصود من القصة فسوف أعود لذلك لاحقا وتفصيلا.

رعد يكن
20-06-2009, 08:57 PM
العزيز (أيوب صابر )

شاكر وممتن لك هذه القراءة وهذا التحليل العميق جدا جدا

مرورك أثرى متصفحي حقا

لك التحايا والورود البيضاء أيها الغالي

رعد يكن