مازن دويكات
24-01-2009, 04:11 PM
دلالات الفرح والحزن في انشودة المطر
لبدر شاكر السيّاب
...........
الشاعر شاهد العصر وصوت خلجات الوجدان فيه، ينفعل مع أحداث محيطة، فيرسمها في شعره على ما بها من تناقض. والشاعر المبدع لا يملك إلا أن يكون مخلصاً لفنه، صادقاً في تجربته، وبدر شاكر السياب واحد من الشعراء العرب الذي سحقهم قدرهم، فعاشوا أمرَّ غربة.. قلق.. مرض.. اعتقال... نفي....
تلك مكونات التجربة السيّابية، وأنشودة المطر تنطلق من مقدمة وجدانية جارحة، ظاهرها الغزل الحسي، وباطنها الفجيعة والتلاشي، وما بين الظاهر والباطن واقع سياسي مرير أدمى قلب الشاعر.
أنشودة المطر، بكائية دامية على مصير الوطن الذي تنهشه الغربان، أنشودة المطر، فرح حزين يسير باستحياء في شوارع بغداد المسكونة بالأفاعي.
إن المادة الشعرية مستمدة من هذا الواقع الموجع، فكأن الشاعر يتمثل عراقه بامرأة جميلة تسحره بعينيها، والاستهلال يُرجح أن المحبوبة التي عيناها ( غابتا نخيل ساعة السحر)
ما هي إلا امرأة من نوع آخر، امرأة ليست من لحم ودم، وقد انطلق الشاعر منها إلى العام الشامل، إلى الأوسع والأرحب، إلى الوطن، ومن خلالها أوغل في المعاناة العامة والمجابهة، مع قوى الشر المتمثلة في السلطة الغاشمة، وأعوانها الصغار، تلك مهمة الشاعر، فضح وتعرية أعداء الحياة، والانحياز التام للبسطاء صنّاع الحياة.
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء… كالأقمار في نهر
يرجّه المجداف وهناً ساعة السّحر
كأنما تنبض في غوريهما " النجوم"
استهلال احتفالي متناغم، غني بالصور الموحية، والخطاب هنا كلي ذو نبرة صوفية ودلالات الفرح مؤطرة بالرمز الشفاف الذي من خلال شفافيته تكاد ترى بل تكاد تلمس وتحس ملامح هذه الحبيبة المتألقة في وجدان الشاعر.
دلالات الفرح:
عيناك/ غابتا نخيل/ السحر/ شرفتان/ نأي القمر/ عيناك/ تبسمان/ تورق الكروم/ ترقص الأضواء/ الأقثمار/ نهر/ المجداف/ السحر/ تنبض/ غوربهما/ النجوم.
تلك هي الآلات التي عزفت سيمفونية الفرح، والنشيد الابتهالي الفتان، كلمات تنبض بالحياة الجميلة، حياة صاغ عوالمها وجدان الشاعر، وأريد أن أوضح هنا كيف اعتبرنا ( نأي القمر) دلالة فرح، واعتبرنا بقاء الأقمار ( الجمع) والنجوم أيضاً دلالة فرح مع أن وجود وبقاء الكل يكرس حالة واحدة ألا وهو الليل.
ناي القمر يمثل اندحار الليل الذي ينتظره الشاعر في ساعة السحر. وبقاؤه يمثل حالة فعل وسيادة لليل.
ومن النص نكاد نحس أن ليس للأقمار ( فعل سيادة). ودورهما الوحيد في النص. الصفة الجمالية فقط.
" وتغرقان في ضباب من أسى شفيف
" كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف.
والموت، والميلاد، والظلام والضياء.
فتستفيق ملء روحي. رعشة البكاء.
ونشوةً وحشيةً تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر.
يبدأ هذا المقطع بخطاب الصفة ( تغرقان) ويكاد يكون التضاد هو الحالة المسيطرة في النص / أسى شفيف/ دفء الشتاء/ ارتعاشه الخريف/ الموت والميلاد/ الظلام، والضياء/ النشوة والخوف/ رعشة البكاء/
والتضاد تداخل وامتزاج بين السلب ( الحزن) والايجاب ( الفرح) وبعد الفصل والفرز يتساوى السلب مع الايجاب في النص.
دلالات الفرح :
شفيف/ البحر/ ارتعاشة الميلاد/ الضياء/ تستفيق/ روحي/ رعشة/ نشوة/ تعانق/ السماء/ الطفل.
دلالات الحزن:
تفرقان/ ضباب/ أسى/ الشتاء/ الخريف/ الموت/ الظلام/ البكاء/ وحشية/ كنشوة/ خاف/ القمر
" ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر.
وفرز الدلالات المختلفة, أوضح ما يكون في البيتين الأخيرين في المقطع.
فالنشوة الأولى دلالة فرح تؤكدها حالة العناق للسماء.
والنشوة الثانية دلالة حزن تؤكدها حالة الخوف من القمر.
وحشية، دلالة حزن، تعامدها الطفل، دلالة فرح.
تعانق، دلالة الفرح، تعامدها خاف, دلالة الحزن.
فحالة الخوف التي سببها القمر للطفل، تؤكد ما ذهبنا إليه في مقطع الاستهلال عن حالة نأيه، ذات الدلالة المفرحة.
مما سبق يتضح أن هذا المقطع، غارق في الضبابية، يسيطر فيه عدم الرؤيا، والانحياز هنا مشلول الحركة، يراوح في نقطة المنتصف ما بين الفرح والحزن.
" كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم.
وقطرة فقطرة تذوب في المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم.
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر
مطر..
مطر..
مطر..
تثائب المساء والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال.
دلالات الفرح:
أقواس/ السحاب/ الغيوم/ قطرة/ تذوب/ كركر الأطفال/ عرائش/ الكروم/ دغدغ/ الشجر/ تثائب/ الغيوم/ تسح/ دموعها الثقال.
دلالات الحزن:
صمت/ المساء/
ضباب.. حيرة.. قلق وإصرار على التخطي. تلك مكونات البروق والرعود التي في تماسها يتشكل المطر، مطر جارف لا تمنع تدفقه سدود الكبت والطغيان، وهكذا يعلو صوت الفرح وهكذا يتحرر وجدان الشاعر من الدائرة الضبابية، وقد حكم هذا التحول، نفس قلقة، دائمة التوق للتحرر، من الذات قبل التحرر من الآخر. وأقواس السحاب التي تشرب الغيوم، هي ذاتها أقواس النصر التي نصبت لموكب العرس، والمطر الهطال هو ذات المطر الذي غسل الشوارع من رجس الطغاة, وما العروس إلا الثورة التي نزعت أكمام الخوف عن مناقير العصافير الصامتة فوق الشجر، فلها الآن أن تغرد إلى ما شاء الله.
"أن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ثم حين لجّ في السؤال.
قالوا له: بعد غدٍ تعود
لا بد أن تعود
وأن تهامس الرفاق أنّها هناك
وفي جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر."
عن هذا المقطع يقول الناقد اللبناني أيليا حاوي. ( هكذا يرد المقطع الذي يصف به اليتيم كإضافة وإطالة جميلة بذاتها، دخيلة على المعانة تحتل عليها وتعتل بها وتمزق أوصالها إرباً إرباً، هذه فاجعة اليتم كما خبرها السيّاب بذاته عندما توفيت عنه والدته يلح في السؤال عنها فيواعدونه ثم يدرك أنها عادت إلى رحم الأرض والتراب وإنها انحلت إلى عناصر الطبيعية، وهو التشويش ذاته يولج ذات الشاعر وينبري بها ويقحمها على كل أمر، مشاهد وهموم ورؤى وصور لا يحتضنها رحم ولا تجمعها خلية، لوحة ممزقة، وهذيان لا علاقة له طبيعة التجربة بل بداء الانحلال واللامسؤولية المتفشي في شخصية الشاعر).
لا أرى في المقطع السابق ذاتية مقحمة على النص، وإن تشابهت حالة الشاعر اليتمية مع اليتم في السياق.
واليُتم المقصود هنا هو يُتم الكل وليس يُتم الذات. والقارئ ولا أقول الناقد لا يحتاج لجهد كبير كي يمسك بأصابعه خيط الرمز الشفاف، ولا أدري بأي منطق نقدي سطح الناقد حاوي هذا النص، فعلى الرغم من صغر المقطع الشعري المتهم من قبل الناقد إلا أنه يحوي بين كلماته عدة دلالات تُبطل ما ذهب إليه الناقد حاوي.
فالدلالة الأولى: تبدو جلية في لابد أن تعود التأكيدية، من التي لا بد أن تعود؟ الأم التي تحللت في التراب؟ وهل المنطق يقول أن الأموات يعودون, بعيداً عن القناعة الإيمانية بيوم البعث !
فالأم التي أكد عودتها النص هي الأم الكبرى، الأم الوطن.
الدلالة الثانية: مفتاحها كلمة ( الرفاق) نحن نعرف أن الشاعر فقد أمه في سن السادسة. وكلمة الرفاق ذات الدلالة النضالية. أكبر بكثير وأوسع وأشمل من عالم الطفولة. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار واقع الشاعر النضالي الحزبي، والرفاق الذين عناهم الشاعر هم رفاق الدرب في النضال، أحرار العرق الذين يحلمون بضوء النهار.
والدلالة الثالثة: أوضح ما تكون في ( تنام نومة اللحود) فلو أخذنا بكلام الناقد حاوي واعتبرنا أن الأم المقصودة في النص هي أم الشاعر التي ولدته من رحمها، وهي في الأصل ميته أي عبارة عن لحد، فهل يستقيم المنطق الفني في حالة تشبيه اللحد باللحد؟ إذن ما الجدوى من التشبيه هنا إذا كانت الأم اللحم والدم هي المقصودة!
أما الدلالة الرابعة: ( تسف من ترابها) من التي تسف من ترابها؟
الأم الميتة المتحللة في تراب الوطن أم الأم الرامزة للوطن الجائع الذي لم يترك له الجراد والغربان ما يقيت به نفسه!
دلالات الفرح:
طفلاً/ أمه/ آفاق/ غد/ تعود/ لا بد/ الرفاق.
دلالات الحزن:
يهذي/ ينام/ فلم يجدها/ لج/ السؤال/ تهامس/ هناك/ تسف/ ترابها.
يعبر هذا المقطع عن ذروة الألم والمعاناة واليتم. وبفعل لا إرادي انساق وجدان الشاعر وراء الخيط الذي أدخله دائرة الحزن. ومن حسن الحظ أن هذه الدائرة لم تغلق بعد، ولن تغلق ما دامت مهمة الشاعر أن يغني للفرح.
.
.......... يتبع
لبدر شاكر السيّاب
...........
الشاعر شاهد العصر وصوت خلجات الوجدان فيه، ينفعل مع أحداث محيطة، فيرسمها في شعره على ما بها من تناقض. والشاعر المبدع لا يملك إلا أن يكون مخلصاً لفنه، صادقاً في تجربته، وبدر شاكر السياب واحد من الشعراء العرب الذي سحقهم قدرهم، فعاشوا أمرَّ غربة.. قلق.. مرض.. اعتقال... نفي....
تلك مكونات التجربة السيّابية، وأنشودة المطر تنطلق من مقدمة وجدانية جارحة، ظاهرها الغزل الحسي، وباطنها الفجيعة والتلاشي، وما بين الظاهر والباطن واقع سياسي مرير أدمى قلب الشاعر.
أنشودة المطر، بكائية دامية على مصير الوطن الذي تنهشه الغربان، أنشودة المطر، فرح حزين يسير باستحياء في شوارع بغداد المسكونة بالأفاعي.
إن المادة الشعرية مستمدة من هذا الواقع الموجع، فكأن الشاعر يتمثل عراقه بامرأة جميلة تسحره بعينيها، والاستهلال يُرجح أن المحبوبة التي عيناها ( غابتا نخيل ساعة السحر)
ما هي إلا امرأة من نوع آخر، امرأة ليست من لحم ودم، وقد انطلق الشاعر منها إلى العام الشامل، إلى الأوسع والأرحب، إلى الوطن، ومن خلالها أوغل في المعاناة العامة والمجابهة، مع قوى الشر المتمثلة في السلطة الغاشمة، وأعوانها الصغار، تلك مهمة الشاعر، فضح وتعرية أعداء الحياة، والانحياز التام للبسطاء صنّاع الحياة.
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء… كالأقمار في نهر
يرجّه المجداف وهناً ساعة السّحر
كأنما تنبض في غوريهما " النجوم"
استهلال احتفالي متناغم، غني بالصور الموحية، والخطاب هنا كلي ذو نبرة صوفية ودلالات الفرح مؤطرة بالرمز الشفاف الذي من خلال شفافيته تكاد ترى بل تكاد تلمس وتحس ملامح هذه الحبيبة المتألقة في وجدان الشاعر.
دلالات الفرح:
عيناك/ غابتا نخيل/ السحر/ شرفتان/ نأي القمر/ عيناك/ تبسمان/ تورق الكروم/ ترقص الأضواء/ الأقثمار/ نهر/ المجداف/ السحر/ تنبض/ غوربهما/ النجوم.
تلك هي الآلات التي عزفت سيمفونية الفرح، والنشيد الابتهالي الفتان، كلمات تنبض بالحياة الجميلة، حياة صاغ عوالمها وجدان الشاعر، وأريد أن أوضح هنا كيف اعتبرنا ( نأي القمر) دلالة فرح، واعتبرنا بقاء الأقمار ( الجمع) والنجوم أيضاً دلالة فرح مع أن وجود وبقاء الكل يكرس حالة واحدة ألا وهو الليل.
ناي القمر يمثل اندحار الليل الذي ينتظره الشاعر في ساعة السحر. وبقاؤه يمثل حالة فعل وسيادة لليل.
ومن النص نكاد نحس أن ليس للأقمار ( فعل سيادة). ودورهما الوحيد في النص. الصفة الجمالية فقط.
" وتغرقان في ضباب من أسى شفيف
" كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف.
والموت، والميلاد، والظلام والضياء.
فتستفيق ملء روحي. رعشة البكاء.
ونشوةً وحشيةً تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر.
يبدأ هذا المقطع بخطاب الصفة ( تغرقان) ويكاد يكون التضاد هو الحالة المسيطرة في النص / أسى شفيف/ دفء الشتاء/ ارتعاشه الخريف/ الموت والميلاد/ الظلام، والضياء/ النشوة والخوف/ رعشة البكاء/
والتضاد تداخل وامتزاج بين السلب ( الحزن) والايجاب ( الفرح) وبعد الفصل والفرز يتساوى السلب مع الايجاب في النص.
دلالات الفرح :
شفيف/ البحر/ ارتعاشة الميلاد/ الضياء/ تستفيق/ روحي/ رعشة/ نشوة/ تعانق/ السماء/ الطفل.
دلالات الحزن:
تفرقان/ ضباب/ أسى/ الشتاء/ الخريف/ الموت/ الظلام/ البكاء/ وحشية/ كنشوة/ خاف/ القمر
" ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر.
وفرز الدلالات المختلفة, أوضح ما يكون في البيتين الأخيرين في المقطع.
فالنشوة الأولى دلالة فرح تؤكدها حالة العناق للسماء.
والنشوة الثانية دلالة حزن تؤكدها حالة الخوف من القمر.
وحشية، دلالة حزن، تعامدها الطفل، دلالة فرح.
تعانق، دلالة الفرح، تعامدها خاف, دلالة الحزن.
فحالة الخوف التي سببها القمر للطفل، تؤكد ما ذهبنا إليه في مقطع الاستهلال عن حالة نأيه، ذات الدلالة المفرحة.
مما سبق يتضح أن هذا المقطع، غارق في الضبابية، يسيطر فيه عدم الرؤيا، والانحياز هنا مشلول الحركة، يراوح في نقطة المنتصف ما بين الفرح والحزن.
" كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم.
وقطرة فقطرة تذوب في المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم.
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر
مطر..
مطر..
مطر..
تثائب المساء والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال.
دلالات الفرح:
أقواس/ السحاب/ الغيوم/ قطرة/ تذوب/ كركر الأطفال/ عرائش/ الكروم/ دغدغ/ الشجر/ تثائب/ الغيوم/ تسح/ دموعها الثقال.
دلالات الحزن:
صمت/ المساء/
ضباب.. حيرة.. قلق وإصرار على التخطي. تلك مكونات البروق والرعود التي في تماسها يتشكل المطر، مطر جارف لا تمنع تدفقه سدود الكبت والطغيان، وهكذا يعلو صوت الفرح وهكذا يتحرر وجدان الشاعر من الدائرة الضبابية، وقد حكم هذا التحول، نفس قلقة، دائمة التوق للتحرر، من الذات قبل التحرر من الآخر. وأقواس السحاب التي تشرب الغيوم، هي ذاتها أقواس النصر التي نصبت لموكب العرس، والمطر الهطال هو ذات المطر الذي غسل الشوارع من رجس الطغاة, وما العروس إلا الثورة التي نزعت أكمام الخوف عن مناقير العصافير الصامتة فوق الشجر، فلها الآن أن تغرد إلى ما شاء الله.
"أن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ثم حين لجّ في السؤال.
قالوا له: بعد غدٍ تعود
لا بد أن تعود
وأن تهامس الرفاق أنّها هناك
وفي جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر."
عن هذا المقطع يقول الناقد اللبناني أيليا حاوي. ( هكذا يرد المقطع الذي يصف به اليتيم كإضافة وإطالة جميلة بذاتها، دخيلة على المعانة تحتل عليها وتعتل بها وتمزق أوصالها إرباً إرباً، هذه فاجعة اليتم كما خبرها السيّاب بذاته عندما توفيت عنه والدته يلح في السؤال عنها فيواعدونه ثم يدرك أنها عادت إلى رحم الأرض والتراب وإنها انحلت إلى عناصر الطبيعية، وهو التشويش ذاته يولج ذات الشاعر وينبري بها ويقحمها على كل أمر، مشاهد وهموم ورؤى وصور لا يحتضنها رحم ولا تجمعها خلية، لوحة ممزقة، وهذيان لا علاقة له طبيعة التجربة بل بداء الانحلال واللامسؤولية المتفشي في شخصية الشاعر).
لا أرى في المقطع السابق ذاتية مقحمة على النص، وإن تشابهت حالة الشاعر اليتمية مع اليتم في السياق.
واليُتم المقصود هنا هو يُتم الكل وليس يُتم الذات. والقارئ ولا أقول الناقد لا يحتاج لجهد كبير كي يمسك بأصابعه خيط الرمز الشفاف، ولا أدري بأي منطق نقدي سطح الناقد حاوي هذا النص، فعلى الرغم من صغر المقطع الشعري المتهم من قبل الناقد إلا أنه يحوي بين كلماته عدة دلالات تُبطل ما ذهب إليه الناقد حاوي.
فالدلالة الأولى: تبدو جلية في لابد أن تعود التأكيدية، من التي لا بد أن تعود؟ الأم التي تحللت في التراب؟ وهل المنطق يقول أن الأموات يعودون, بعيداً عن القناعة الإيمانية بيوم البعث !
فالأم التي أكد عودتها النص هي الأم الكبرى، الأم الوطن.
الدلالة الثانية: مفتاحها كلمة ( الرفاق) نحن نعرف أن الشاعر فقد أمه في سن السادسة. وكلمة الرفاق ذات الدلالة النضالية. أكبر بكثير وأوسع وأشمل من عالم الطفولة. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار واقع الشاعر النضالي الحزبي، والرفاق الذين عناهم الشاعر هم رفاق الدرب في النضال، أحرار العرق الذين يحلمون بضوء النهار.
والدلالة الثالثة: أوضح ما تكون في ( تنام نومة اللحود) فلو أخذنا بكلام الناقد حاوي واعتبرنا أن الأم المقصودة في النص هي أم الشاعر التي ولدته من رحمها، وهي في الأصل ميته أي عبارة عن لحد، فهل يستقيم المنطق الفني في حالة تشبيه اللحد باللحد؟ إذن ما الجدوى من التشبيه هنا إذا كانت الأم اللحم والدم هي المقصودة!
أما الدلالة الرابعة: ( تسف من ترابها) من التي تسف من ترابها؟
الأم الميتة المتحللة في تراب الوطن أم الأم الرامزة للوطن الجائع الذي لم يترك له الجراد والغربان ما يقيت به نفسه!
دلالات الفرح:
طفلاً/ أمه/ آفاق/ غد/ تعود/ لا بد/ الرفاق.
دلالات الحزن:
يهذي/ ينام/ فلم يجدها/ لج/ السؤال/ تهامس/ هناك/ تسف/ ترابها.
يعبر هذا المقطع عن ذروة الألم والمعاناة واليتم. وبفعل لا إرادي انساق وجدان الشاعر وراء الخيط الذي أدخله دائرة الحزن. ومن حسن الحظ أن هذه الدائرة لم تغلق بعد، ولن تغلق ما دامت مهمة الشاعر أن يغني للفرح.
.
.......... يتبع