عصام مشعل
25-10-2007, 10:56 AM
مفهوم الهجرة
الهجرة إما مادية .. وإما نفسية
فأما عن الهجرة المادية ، فهي في اللُغة تعني ترك شي إلى شئ آخر أو الانتقال من حال إلى
حال أو من بلد إلى بلد يقول تعالى ( والرجزَ فاهجرْ ) ويقول تعالى وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
وفي الإصطلاح تعني الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام
و أما عن الهجرة النفسية فمعناهاالانتقال بالنفسية الإسلامية
من حالة إلى حالة أفضل كالانتقال مثلاً من حالة التفرقة إلى حالة الوِحدة ..
والهجرة النبوية لم تكُن اجتهاداً شخصياً من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانت إمتثالاً منه
صلى الله عليه وسلم لأمر ربه شأنها في ذلك شأن أمور الدين التي شرع الله فعلها بوحي منه
وتشريع ينزل لها ليظل فِعلَه صلى الله عليه وسلم وفِعل من هاجروا معه وما ترتب على هذا
الفعل عطاءاً مستمراً للمسلمين على مر الأجيال وليبقى معناها قائماً في الحياة إلى قيام الساعة
وإذا تأملنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه وأول من صَدَقَه أبي بكر الصديق رضي الله
عنه لأدركنا ذلك ، فلما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبو بكر في وقت لم يعتاد فيه الذهاب
إليه وهو وقت ( مابين الظهر والعصر ) وكان الجو يُنذِر بحرارة لاتُحتَمَل فتوقع أبي بكر رضي
الله عنه أن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت لم يِكُن إلا لأمر جَلَل ، حيث
أخبره صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أَذِن له بالهجرة من مكة إلى المدينة ، ولأن اضطهاد
المشركين له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه كان على أشُدَه قبل الهجرة كان الإذن له بالهجرة .
ولو كانت الهجرة النبوية باجتهاد شخصي منه صلى الله عليه وسلم لكان قد هاجر عندما بلغ
اضطهاده هو وأتباعه مبلغه ، ومما يؤيد أن الهجرة النبوية كانت من أعمال الوحي وأنها لم
تكُن من الأحداث العادية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وقوله تعالى
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
السِرية والشجاعة والتخطيط الدقيق
بادر الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذ ما كُلِفَ به من رب العزة سبحانه ، وتحمل في سبيل
هذا التكليف ما تعجز الجبال على حَمله ، فلم يقبل صلى الله عليه وسلم ماعُرِضَ عليه من
مُغريات فأحاطه الخطر هو ومن معه ورغم ذلك لم يتوارى ، وفضَل رِضا الله تعالى على رضا
الناس ، فقال الله تعالى فيهم
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ونحن أحْوَج ما نكون في عصرنا الحالي إلى أن نتعلم من الهجرة النبوية شجاعة المواجهة
والتخطيط السليم المدروس على أُسُس علمية وألا نتكاسَل في ذلك ، فقد خَطَطَ صلى الله عليه
وسلم تخطيطاً دقيقاً مدروساً لأمر الهجرة ، وقد تجلى ذلك في الخطوات والإجراءات التي اتُخِذَت
تنفيذاً للهجرة ، فكان أولاً التزام السِرية التامة في التخطيط من جميع الأطراف ، لما أراد صلى
الله عليه وسلم أن يُخبِر أبي بكر بأمر الهجرة طلب منه أن يكونا بمفرديهما تحقيقاً للسرية ولـ
لفت نظر أبو بكر لأهمية الحدث حيث كانت عائشة وأسماء اِبنتا أبي بكر موجودتان ، ولم يُحَدِثه
النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن قال له أبو بكر رضي الله عنه إنما هما ابنتاي يا رسول الله عائشة وأسماء
ومن هنا كان اشتراكهما في أمر التخطيط للهجرة فاستحقا لقب ( ذات النطاقين) ثم كان التخطيط
المُحكَم وتوزيع الأدوار ، فأبو بكر رضي الله عنه كان عليه تجهيز وسيلة الانتقال والإنفاق مع
الدليل الذي سيرافقهم في تلك الرحلة بحيث يسلُك طريقاً غير مألوفاً حتى لا يرصدهم أحد من
المشركين ، وباقي الأدوار وُزِعَت بين ( عبدا لله بن أبى بكر ) و ( أسماء بنت أبي بكر ) و
( عامر بن فهيرة ) مولى أبى بكر وراعى غنمه ، ليبدأ كل منهم في تأدية الدور المرسوم له مع
وصول الرسول والصِدِيق إلى الغار ..
فمُهمة عبدا لله ابن أبي بكر هي إمدادهما بأخبار وتحرُكات المشركين ليلاً .
ومُهمة أسماء بنت أبي بكر تجهز الطعام لهما .
ومهمة عامر بن فهيرة أن يذهب بغنمه على طريق الغار ليُزيل أثار قدم الرسول وصاحبه
ومهمة علي بن أبي طالب أن ينام مكان النبي ليُضلل الكافرين .
وبعد ثلاثة ليالي في الغار وفي مَوعد كان قد حُدِدَ من قبل كان لقائهما مع دليلهما في هذه
الرحلة ( عبدا لله بن أريقط ) الذي كان على غير دين الإسلام ورشحته خِبرَته وأمانته ليكون
هو الدليل ، وهكذا ارتسمت صورة التخطيط وكان تنفيذ الخُطة في منتهى الدِقة والإحكام فكان
الأداء الراقي في التنفيذ لإنجاح هذا الحَدَث ..
فماذا تعلمنا من هذا الحدث ؟ هل تعلمنا منه التخطيط لمستقبلنا ؟ أو الأخذ بالأسباب اقتداءً
برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ؟ الذي لم يُفرِط في أدنى سبب يصل به إلى النجاح .
فرسولنا الكريم أخذ بالأسباب رغم أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤيَداً بوحي من السماء ،
ورغم أن الإسلام يحض على قانون الأخذ بالأسباب إلا أننا وللأسف الشديد لم نكُن على مستوى
الدين في تعاطي هذا القانون ، الإسلام يحرص على قانون السببية ، ورسولنا صلى الله عليه
وسلم يُنَفِذ هذا القانون بدِقة متناهية ، ونحن أمة الإسلام استهنا بقانون السببية وخرجنا عليه
فأهملناه فكان حالنا الضعف والذُل
والفهم الصحيح للهجرة ودور الإيمان أن الهجرة ليست انتقال شخص من بلد إلى بلد آخر بحثاً
عن عمل أو غير ذلك وإنما هي إكراه رجل آمِنٍ له جذور في بلده على التضحية بمصالحة
وبأمواله لشعوره
بأنه مُستباح لأعدائه وقد يَهلك ، وإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعله يتحمل
الصعاب التي لا يتحملها إلا مؤمن تربى على تعاليم النبوة واقتبس من أنوار الوحي إيمانه
بالمستقبل وثقته بالغيب
فهل لدينا هذا الإيمان بالمستقبل وهذه الثقة بالغيب ؟ هل تعلمنا ذلك من رسولنا الكريم ؟
فو الله لن تكتمل حقيقة الدين في القلب إلا إذا كان الإيمان بالغيب قسيم الإيمان بالحاضر ، ولن
يصح تدين إلا إذا كنا مشدودين إلى ما عند الله تعالى مثلما نحن مشدودين إلى مافي هذه الدنيا
فهل تعلمنا الدرس واستوعبناه ؟
لو تعلمنا الدرس ماكان هذا الضعف وهذا الذُل الذي نعيشه الآن ، ولنعلم جميعاً أن الله تعالى
رغم وعده للمؤمنين باستقرار رسالتهم وعُلو رايتهم إلا أنه سبحانه و تعالى عَلَق أفئدتهم
بالدار الآخرة قال تعالى
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ
وذلك حتى لا تَمِل النفس ولا يَكَل الجسد اشتياقا إلى الدار الآخرة
فهيا نتعلم الدرس واضعين في الاعتبار أنه ليس شرطاً أن نرى ثمرة جهادنا ، أو التمكين للدين
ونحن أحياء فربما يطوينا الموت في أي لحظة ، ولنَكُن الجِسر المُوَصِل هذه المبادئ إلى
الأجيال القادمة لنُصرة الدين ..
علينا تَعَلُم درس الهجرة النبوية فيؤدي كل منا واجبه ، دون استعجال لما ستُسفر عنه المعركة
المشتعلة بين الحق والباطل لأنه سبحانه وتعالى تولى هذه المعركة بذاته ..
فالهجرة النبويه بمفهومها الصحيح أنها لم تكن فرارًا من أذًى ، لو كانت كذلك ماكان هناك
مُبَرِر لبقاء الرسول صلى الله عليه وسلم سنوات ما قبل الهجرة في هذا الجو من الاضطهاد
والطغيان ، ولم يكن هذا الجو إلا تهيئة للمؤمنين وتمهيدهم لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن حتى
تقوى شوكة المسلمين فتنهض الدعوة
الهجرة إما مادية .. وإما نفسية
فأما عن الهجرة المادية ، فهي في اللُغة تعني ترك شي إلى شئ آخر أو الانتقال من حال إلى
حال أو من بلد إلى بلد يقول تعالى ( والرجزَ فاهجرْ ) ويقول تعالى وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
وفي الإصطلاح تعني الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام
و أما عن الهجرة النفسية فمعناهاالانتقال بالنفسية الإسلامية
من حالة إلى حالة أفضل كالانتقال مثلاً من حالة التفرقة إلى حالة الوِحدة ..
والهجرة النبوية لم تكُن اجتهاداً شخصياً من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانت إمتثالاً منه
صلى الله عليه وسلم لأمر ربه شأنها في ذلك شأن أمور الدين التي شرع الله فعلها بوحي منه
وتشريع ينزل لها ليظل فِعلَه صلى الله عليه وسلم وفِعل من هاجروا معه وما ترتب على هذا
الفعل عطاءاً مستمراً للمسلمين على مر الأجيال وليبقى معناها قائماً في الحياة إلى قيام الساعة
وإذا تأملنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه وأول من صَدَقَه أبي بكر الصديق رضي الله
عنه لأدركنا ذلك ، فلما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبو بكر في وقت لم يعتاد فيه الذهاب
إليه وهو وقت ( مابين الظهر والعصر ) وكان الجو يُنذِر بحرارة لاتُحتَمَل فتوقع أبي بكر رضي
الله عنه أن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت لم يِكُن إلا لأمر جَلَل ، حيث
أخبره صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أَذِن له بالهجرة من مكة إلى المدينة ، ولأن اضطهاد
المشركين له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه كان على أشُدَه قبل الهجرة كان الإذن له بالهجرة .
ولو كانت الهجرة النبوية باجتهاد شخصي منه صلى الله عليه وسلم لكان قد هاجر عندما بلغ
اضطهاده هو وأتباعه مبلغه ، ومما يؤيد أن الهجرة النبوية كانت من أعمال الوحي وأنها لم
تكُن من الأحداث العادية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وقوله تعالى
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
السِرية والشجاعة والتخطيط الدقيق
بادر الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذ ما كُلِفَ به من رب العزة سبحانه ، وتحمل في سبيل
هذا التكليف ما تعجز الجبال على حَمله ، فلم يقبل صلى الله عليه وسلم ماعُرِضَ عليه من
مُغريات فأحاطه الخطر هو ومن معه ورغم ذلك لم يتوارى ، وفضَل رِضا الله تعالى على رضا
الناس ، فقال الله تعالى فيهم
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ونحن أحْوَج ما نكون في عصرنا الحالي إلى أن نتعلم من الهجرة النبوية شجاعة المواجهة
والتخطيط السليم المدروس على أُسُس علمية وألا نتكاسَل في ذلك ، فقد خَطَطَ صلى الله عليه
وسلم تخطيطاً دقيقاً مدروساً لأمر الهجرة ، وقد تجلى ذلك في الخطوات والإجراءات التي اتُخِذَت
تنفيذاً للهجرة ، فكان أولاً التزام السِرية التامة في التخطيط من جميع الأطراف ، لما أراد صلى
الله عليه وسلم أن يُخبِر أبي بكر بأمر الهجرة طلب منه أن يكونا بمفرديهما تحقيقاً للسرية ولـ
لفت نظر أبو بكر لأهمية الحدث حيث كانت عائشة وأسماء اِبنتا أبي بكر موجودتان ، ولم يُحَدِثه
النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن قال له أبو بكر رضي الله عنه إنما هما ابنتاي يا رسول الله عائشة وأسماء
ومن هنا كان اشتراكهما في أمر التخطيط للهجرة فاستحقا لقب ( ذات النطاقين) ثم كان التخطيط
المُحكَم وتوزيع الأدوار ، فأبو بكر رضي الله عنه كان عليه تجهيز وسيلة الانتقال والإنفاق مع
الدليل الذي سيرافقهم في تلك الرحلة بحيث يسلُك طريقاً غير مألوفاً حتى لا يرصدهم أحد من
المشركين ، وباقي الأدوار وُزِعَت بين ( عبدا لله بن أبى بكر ) و ( أسماء بنت أبي بكر ) و
( عامر بن فهيرة ) مولى أبى بكر وراعى غنمه ، ليبدأ كل منهم في تأدية الدور المرسوم له مع
وصول الرسول والصِدِيق إلى الغار ..
فمُهمة عبدا لله ابن أبي بكر هي إمدادهما بأخبار وتحرُكات المشركين ليلاً .
ومُهمة أسماء بنت أبي بكر تجهز الطعام لهما .
ومهمة عامر بن فهيرة أن يذهب بغنمه على طريق الغار ليُزيل أثار قدم الرسول وصاحبه
ومهمة علي بن أبي طالب أن ينام مكان النبي ليُضلل الكافرين .
وبعد ثلاثة ليالي في الغار وفي مَوعد كان قد حُدِدَ من قبل كان لقائهما مع دليلهما في هذه
الرحلة ( عبدا لله بن أريقط ) الذي كان على غير دين الإسلام ورشحته خِبرَته وأمانته ليكون
هو الدليل ، وهكذا ارتسمت صورة التخطيط وكان تنفيذ الخُطة في منتهى الدِقة والإحكام فكان
الأداء الراقي في التنفيذ لإنجاح هذا الحَدَث ..
فماذا تعلمنا من هذا الحدث ؟ هل تعلمنا منه التخطيط لمستقبلنا ؟ أو الأخذ بالأسباب اقتداءً
برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ؟ الذي لم يُفرِط في أدنى سبب يصل به إلى النجاح .
فرسولنا الكريم أخذ بالأسباب رغم أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤيَداً بوحي من السماء ،
ورغم أن الإسلام يحض على قانون الأخذ بالأسباب إلا أننا وللأسف الشديد لم نكُن على مستوى
الدين في تعاطي هذا القانون ، الإسلام يحرص على قانون السببية ، ورسولنا صلى الله عليه
وسلم يُنَفِذ هذا القانون بدِقة متناهية ، ونحن أمة الإسلام استهنا بقانون السببية وخرجنا عليه
فأهملناه فكان حالنا الضعف والذُل
والفهم الصحيح للهجرة ودور الإيمان أن الهجرة ليست انتقال شخص من بلد إلى بلد آخر بحثاً
عن عمل أو غير ذلك وإنما هي إكراه رجل آمِنٍ له جذور في بلده على التضحية بمصالحة
وبأمواله لشعوره
بأنه مُستباح لأعدائه وقد يَهلك ، وإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعله يتحمل
الصعاب التي لا يتحملها إلا مؤمن تربى على تعاليم النبوة واقتبس من أنوار الوحي إيمانه
بالمستقبل وثقته بالغيب
فهل لدينا هذا الإيمان بالمستقبل وهذه الثقة بالغيب ؟ هل تعلمنا ذلك من رسولنا الكريم ؟
فو الله لن تكتمل حقيقة الدين في القلب إلا إذا كان الإيمان بالغيب قسيم الإيمان بالحاضر ، ولن
يصح تدين إلا إذا كنا مشدودين إلى ما عند الله تعالى مثلما نحن مشدودين إلى مافي هذه الدنيا
فهل تعلمنا الدرس واستوعبناه ؟
لو تعلمنا الدرس ماكان هذا الضعف وهذا الذُل الذي نعيشه الآن ، ولنعلم جميعاً أن الله تعالى
رغم وعده للمؤمنين باستقرار رسالتهم وعُلو رايتهم إلا أنه سبحانه و تعالى عَلَق أفئدتهم
بالدار الآخرة قال تعالى
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ
وذلك حتى لا تَمِل النفس ولا يَكَل الجسد اشتياقا إلى الدار الآخرة
فهيا نتعلم الدرس واضعين في الاعتبار أنه ليس شرطاً أن نرى ثمرة جهادنا ، أو التمكين للدين
ونحن أحياء فربما يطوينا الموت في أي لحظة ، ولنَكُن الجِسر المُوَصِل هذه المبادئ إلى
الأجيال القادمة لنُصرة الدين ..
علينا تَعَلُم درس الهجرة النبوية فيؤدي كل منا واجبه ، دون استعجال لما ستُسفر عنه المعركة
المشتعلة بين الحق والباطل لأنه سبحانه وتعالى تولى هذه المعركة بذاته ..
فالهجرة النبويه بمفهومها الصحيح أنها لم تكن فرارًا من أذًى ، لو كانت كذلك ماكان هناك
مُبَرِر لبقاء الرسول صلى الله عليه وسلم سنوات ما قبل الهجرة في هذا الجو من الاضطهاد
والطغيان ، ولم يكن هذا الجو إلا تهيئة للمؤمنين وتمهيدهم لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن حتى
تقوى شوكة المسلمين فتنهض الدعوة