سامية أبو زيد
24-12-2008, 06:09 AM
فاطمة ناعوت تنتصر لقصيدة النثر فى قصيدتها
لا تهدموا الكوخ
بقلم: سامية أبو زيد
من ديوان ’’هيكل الزهر‘‘ للشاعرة ’’فاطمة ناعوت‘‘، استوقفتنى قصيدتها ’’لاتهدموا الكوخ‘‘ لما انطوت عليه من معان وقضايا فى ثوب أدبى أنيق، حيث تقول فى قصيدتها:
أحتاج شبحا
يرتب خزانتي
أثواب الراحلين فى جهةٍ
والحناء فى جهة.
أحتاج شبحا
يعاقب الكتب التي غدرتني:
هذه الكومة تستحق القصاص
لأنها غدرت طمأنينتني،
لذلك لن أمانع في حشو آذانها بالقش
والبنزين.
الشبح سيفهم بهجتي
عند حرق الأغلفة
ببرود النازيين
ومهارة الطهاة،
ثم فرد الأوراق تحت الدجاج المقلي
من أجل إبقاء الصحون النظيفة
نظيفة
بعدما لوثها العنينون بمجازاتهم الرديئة.
أحتاج شبحاً
ينزع الأزرار من حاسوبي
ويمرر الفأرة فوق الجلد المتكسر
لتلعق البثور والغبار
والعلامات التي رسمها العاشق
فوق ساق الحبيبة.
الأشباح فضلاء
وصامتون
يصوبون النار على الأقزام
الذين يلطخون الحوائط بدمائهم
حين ينطحونها بالرأس كل يوم سبت
لأنهم بغير ظل
ذاك أن الطائر الضليل
لا يحط إلا على رؤوس الشعراء،
والأقزام
يمتنعون.
الأشباح خفيفون
لا يشغلون الأمكنة
ويقتصدون في الهواء والزمن،
علماء
يحجبون الشمس عن قصار القامة
الذين سيقانهم المبتسرة
تفسد لوحة النور والظلال،
وحكماء
تنصتوا على الصبية والفتى
جوار الساقية العجوز:
ـ لو لم يكن بك غضب علي لا أبالي!
ـ فقال: بي !
ونهض إلى الكوخ
فبكت،
أصغرهم
فصالحها بوردة
ومسح على جديلتها،
وكبيرهم
رفع السبابة منذرا:
لاتهدموا الكوخ!
به شاعر.
فهلم بنا أخى القارئ نتلمظ كلمات الشاعرة ’’فاطمة ناعوت‘‘ ونستمتع بها سويا فى القراءة التالية:
أحتاج شبحا
يرتب خزانتي
أثواب الراحلين فى جهةٍ
والحناء فى جهة.
حالة افتقاد تسيطر على الشاعرة، وتعايش مع الموت وذكرياته بدلا من الخوف منه، وتتضح فى مفردات الشبح والراحلين والحناء.
أحتاج شبحا
يعاقب الكتب التي غدرتني:
هذه الكومة تستحق القصاص
لأنها غدرت طمأنينتني،
لذلك لن أمانع في حشو آذانها بالقش
والبنزين.
تفصح الشاعرة عن سر حاجتها للشبح وعن قلقها بقولها "يعاقب الكتب التي غدرتني"، فكأن الشاعرة لم تجد ضالتها بين الأحياء كى يأخذ بيدها ويعينها على ترتيب خزانتها أى عقلها، فراحت تفتش عن هاد لها بين الأشباح، بعد أن أفنت العمر بين الكتب والأفكار، ففقدت اليقين، وصارت مستعدة للتخلى عن بعضها بحرقها. وهى تنظر للكتب كما لو كانت أستاذا عاجزا عن الرد على أسئلتها الحائرة.
الشبح سيفهم بهجتي
عند حرق الأغلفة
ببرود النازيين
ومهارة الطهاة،
ثم فرد الأوراق تحت الدجاج المقلي
من أجل إبقاء الصحون النظيفة
نظيفة
بعدما لوثها العنينون بمجازاتهم الرديئة.
حالة من الوحشة المفرطة والشعور بالوحدة، فقد عجز الناس عن التواصل معها، ولم يبق سوى شبح فى مخيلتها يمكنه فهم بهجتها عند حرق أغلفة الكتب، تلك الأغلفة الخادعة التى تشدنا نحو الكتاب ومن ثم يخدعنا بالمزيد من الحيرة والتساؤلات بدلا من الإجابات، وتكمل الصورة باستخدام الأوراق ولعلها أوراق الكتاب من أجل إبقاء الصحون نظيفة، ونرى براعة من الشاعرة فى هذه الصورة، بعد أن صار العلم الفاسد غذاء فاسدا للروح والعقل بعدما لوثها العنينون. أى أنها تريد عقولا متحررة من الأفكار المغلوطة والمعدة سلفا مثل تلك الوجبات الجاهزة وغير الصحية فى استدعاء واضح لأشهر تلك الوجبات.
أحتاج شبحاً
ينزع الأزرار من حاسوبي
ويمرر الفأرة فوق الجلد المتكسر
لتلعق البثور والغبار
والعلامات التي رسمها العاشق
فوق ساق الحبيبة.
تستمر الشاعرة فى تفسير أسباب نقمتها على حال المعرفة بقولها ينزع الأزرار من حاسوبى، فى إشارة واضحة لأحد مناهل المعرفة فى عصرنا الحديث والتى يفنى معها العمر دون الوصول إلى حقيقة ما، وقد استحضرت ببراعة برامج الفوتوشوب، الذى تستخدمه كمهندسة معمارية وهو تخصصها المهنى، لتقوم بتغيير ملامح الصور، متمنية لو تجد شبحا يعيد ما فات من العمر ويمسح آثار الزمان عن الجلد المتكسر مثلما تفعل الفأرة بالصور، وتمسح جراح العشق عن ساق الحبيبة، وقد وفقت فى استخدام الساق لا القلب، للدلالة على خلو العشق المذكور من النبل واختزاله للمشاعر فى الجسد، كما توحى بالقدرية فى هذه العلاقة فالساق تسوقنا نحو أقدارنا.
الأشباح فضلاء
وصامتون
يصوبون النار على الأقزام
الذين يلطخون الحوائط بدمائهم
حين ينطحونها بالرأس كل يوم سبت
لأنهم بغير ظل
ذاك أن الطائر الضليل
لا يحط إلا على رؤوس الشعراء،
والأقزام
يمتنعون.
تستشعر الشاعرة هجوما على أفكارها وعلى حاجاتها واختياراتها، فتشرع بالدفاع عنها وتشرح لنا لم تفضل الأشباح فهم فضلاء وصامتون، ولا يأتون أفعالا سيئة مثل الأقزام الذين يلطخون الحوائط كل سبت، وهنا يثور تساؤل. فهل قصدت الشاعرة بالحائط والسبت الرمز المعروف بـ "السبت الحزين"، وخاصة أن أصحابه يسيطرون على الإعلام؟ أم أنها قصدت الغثاء الذى يملأ الأوراق والصحف حيث أن الكثير من الإصدارات الصحفية الأسبوعية تصدر كل سبت؟ ومما يوقعنا فى مظنة أن المعنى الثانى هو الأرجح قولها لا يحط إلا على رؤوس الشعراء، والأقزام يمتنعون. فالشعراء يلقون بظلالهم على القلوب والعقول أما الأقزام فبلا ظل ويرحلون بلا أثر يذكر.
الأشباح خفيفون
لا يشغلون الأمكنة
ويقتصدون في الهواء والزمن،
علماء
يحجبون الشمس عن قصار القامة
الذين سيقانهم المبتسرة
تفسد لوحة النور والظلال،
وحكماء
تنصتوا على الصبية والفتى
جوار الساقية العجوز:
ـ لو لم يكن بك غضب علي لا أبالي!
ـ فقال: بي !
ونهض إلى الكوخ
فبكت،
أصغرهم
فصالحها بوردة
ومسح على جديلتها،
وكبيرهم
رفع السبابة منذرا:
لاتهدموا الكوخ!
به شاعر.تمضى الشاعرة فى تعديد مزايا الأشباح فهم خفيفون وذلك لأنهم علماء وحكماء وليسوا أدعياء مثل ذوى السيقان المبتسرة، وهى بهذا تعبر عن ثقل هؤلاء الأدعياء الذين يشوهون الجمال بادعائهم وبثقل خطاهم وكأنما يفرضون على الناس الثبات فى الأمكنة بلا حراك كى لا يفتضح تخلفهم وقصور عقولهم، والذين يفسدون كل شيء حتى الحب البريء بين الصبية والفتى.
أما الأشباح فرحماء يقدرون الحب والشعر، ويتجلى ذلك فى تحذير كبيرهم من هدم الكوخ لأن به شاعرا يستحق الوجود، وقد برعت الشاعرة فاطمة ناعوت فى تلك الخاتمة، فالصورة النمطية للشعراء أنهم أشبه بالنساك وأن كل شاعر لابد وأن يكون له ملاذ يأوى إليه بعيدا عن الناس، ولكن البراعة لا تكمن فى هذه الصورة فحسب، ولكنها تكمن كذلك فى حسمها لقضية الشعر وما يعرف بقصيدة النثر. فالشعر العمودى يعتمد على البيت لبناء القصيدة، فإذا نجحت فى نظم الأبيات تصبح شاعرا، أما هنا فقد استبدلت الكوخ بالبيت، أى أن البناء مختلف ولكن يبقى بداخله شاعر.
لا تهدموا الكوخ
بقلم: سامية أبو زيد
من ديوان ’’هيكل الزهر‘‘ للشاعرة ’’فاطمة ناعوت‘‘، استوقفتنى قصيدتها ’’لاتهدموا الكوخ‘‘ لما انطوت عليه من معان وقضايا فى ثوب أدبى أنيق، حيث تقول فى قصيدتها:
أحتاج شبحا
يرتب خزانتي
أثواب الراحلين فى جهةٍ
والحناء فى جهة.
أحتاج شبحا
يعاقب الكتب التي غدرتني:
هذه الكومة تستحق القصاص
لأنها غدرت طمأنينتني،
لذلك لن أمانع في حشو آذانها بالقش
والبنزين.
الشبح سيفهم بهجتي
عند حرق الأغلفة
ببرود النازيين
ومهارة الطهاة،
ثم فرد الأوراق تحت الدجاج المقلي
من أجل إبقاء الصحون النظيفة
نظيفة
بعدما لوثها العنينون بمجازاتهم الرديئة.
أحتاج شبحاً
ينزع الأزرار من حاسوبي
ويمرر الفأرة فوق الجلد المتكسر
لتلعق البثور والغبار
والعلامات التي رسمها العاشق
فوق ساق الحبيبة.
الأشباح فضلاء
وصامتون
يصوبون النار على الأقزام
الذين يلطخون الحوائط بدمائهم
حين ينطحونها بالرأس كل يوم سبت
لأنهم بغير ظل
ذاك أن الطائر الضليل
لا يحط إلا على رؤوس الشعراء،
والأقزام
يمتنعون.
الأشباح خفيفون
لا يشغلون الأمكنة
ويقتصدون في الهواء والزمن،
علماء
يحجبون الشمس عن قصار القامة
الذين سيقانهم المبتسرة
تفسد لوحة النور والظلال،
وحكماء
تنصتوا على الصبية والفتى
جوار الساقية العجوز:
ـ لو لم يكن بك غضب علي لا أبالي!
ـ فقال: بي !
ونهض إلى الكوخ
فبكت،
أصغرهم
فصالحها بوردة
ومسح على جديلتها،
وكبيرهم
رفع السبابة منذرا:
لاتهدموا الكوخ!
به شاعر.
فهلم بنا أخى القارئ نتلمظ كلمات الشاعرة ’’فاطمة ناعوت‘‘ ونستمتع بها سويا فى القراءة التالية:
أحتاج شبحا
يرتب خزانتي
أثواب الراحلين فى جهةٍ
والحناء فى جهة.
حالة افتقاد تسيطر على الشاعرة، وتعايش مع الموت وذكرياته بدلا من الخوف منه، وتتضح فى مفردات الشبح والراحلين والحناء.
أحتاج شبحا
يعاقب الكتب التي غدرتني:
هذه الكومة تستحق القصاص
لأنها غدرت طمأنينتني،
لذلك لن أمانع في حشو آذانها بالقش
والبنزين.
تفصح الشاعرة عن سر حاجتها للشبح وعن قلقها بقولها "يعاقب الكتب التي غدرتني"، فكأن الشاعرة لم تجد ضالتها بين الأحياء كى يأخذ بيدها ويعينها على ترتيب خزانتها أى عقلها، فراحت تفتش عن هاد لها بين الأشباح، بعد أن أفنت العمر بين الكتب والأفكار، ففقدت اليقين، وصارت مستعدة للتخلى عن بعضها بحرقها. وهى تنظر للكتب كما لو كانت أستاذا عاجزا عن الرد على أسئلتها الحائرة.
الشبح سيفهم بهجتي
عند حرق الأغلفة
ببرود النازيين
ومهارة الطهاة،
ثم فرد الأوراق تحت الدجاج المقلي
من أجل إبقاء الصحون النظيفة
نظيفة
بعدما لوثها العنينون بمجازاتهم الرديئة.
حالة من الوحشة المفرطة والشعور بالوحدة، فقد عجز الناس عن التواصل معها، ولم يبق سوى شبح فى مخيلتها يمكنه فهم بهجتها عند حرق أغلفة الكتب، تلك الأغلفة الخادعة التى تشدنا نحو الكتاب ومن ثم يخدعنا بالمزيد من الحيرة والتساؤلات بدلا من الإجابات، وتكمل الصورة باستخدام الأوراق ولعلها أوراق الكتاب من أجل إبقاء الصحون نظيفة، ونرى براعة من الشاعرة فى هذه الصورة، بعد أن صار العلم الفاسد غذاء فاسدا للروح والعقل بعدما لوثها العنينون. أى أنها تريد عقولا متحررة من الأفكار المغلوطة والمعدة سلفا مثل تلك الوجبات الجاهزة وغير الصحية فى استدعاء واضح لأشهر تلك الوجبات.
أحتاج شبحاً
ينزع الأزرار من حاسوبي
ويمرر الفأرة فوق الجلد المتكسر
لتلعق البثور والغبار
والعلامات التي رسمها العاشق
فوق ساق الحبيبة.
تستمر الشاعرة فى تفسير أسباب نقمتها على حال المعرفة بقولها ينزع الأزرار من حاسوبى، فى إشارة واضحة لأحد مناهل المعرفة فى عصرنا الحديث والتى يفنى معها العمر دون الوصول إلى حقيقة ما، وقد استحضرت ببراعة برامج الفوتوشوب، الذى تستخدمه كمهندسة معمارية وهو تخصصها المهنى، لتقوم بتغيير ملامح الصور، متمنية لو تجد شبحا يعيد ما فات من العمر ويمسح آثار الزمان عن الجلد المتكسر مثلما تفعل الفأرة بالصور، وتمسح جراح العشق عن ساق الحبيبة، وقد وفقت فى استخدام الساق لا القلب، للدلالة على خلو العشق المذكور من النبل واختزاله للمشاعر فى الجسد، كما توحى بالقدرية فى هذه العلاقة فالساق تسوقنا نحو أقدارنا.
الأشباح فضلاء
وصامتون
يصوبون النار على الأقزام
الذين يلطخون الحوائط بدمائهم
حين ينطحونها بالرأس كل يوم سبت
لأنهم بغير ظل
ذاك أن الطائر الضليل
لا يحط إلا على رؤوس الشعراء،
والأقزام
يمتنعون.
تستشعر الشاعرة هجوما على أفكارها وعلى حاجاتها واختياراتها، فتشرع بالدفاع عنها وتشرح لنا لم تفضل الأشباح فهم فضلاء وصامتون، ولا يأتون أفعالا سيئة مثل الأقزام الذين يلطخون الحوائط كل سبت، وهنا يثور تساؤل. فهل قصدت الشاعرة بالحائط والسبت الرمز المعروف بـ "السبت الحزين"، وخاصة أن أصحابه يسيطرون على الإعلام؟ أم أنها قصدت الغثاء الذى يملأ الأوراق والصحف حيث أن الكثير من الإصدارات الصحفية الأسبوعية تصدر كل سبت؟ ومما يوقعنا فى مظنة أن المعنى الثانى هو الأرجح قولها لا يحط إلا على رؤوس الشعراء، والأقزام يمتنعون. فالشعراء يلقون بظلالهم على القلوب والعقول أما الأقزام فبلا ظل ويرحلون بلا أثر يذكر.
الأشباح خفيفون
لا يشغلون الأمكنة
ويقتصدون في الهواء والزمن،
علماء
يحجبون الشمس عن قصار القامة
الذين سيقانهم المبتسرة
تفسد لوحة النور والظلال،
وحكماء
تنصتوا على الصبية والفتى
جوار الساقية العجوز:
ـ لو لم يكن بك غضب علي لا أبالي!
ـ فقال: بي !
ونهض إلى الكوخ
فبكت،
أصغرهم
فصالحها بوردة
ومسح على جديلتها،
وكبيرهم
رفع السبابة منذرا:
لاتهدموا الكوخ!
به شاعر.تمضى الشاعرة فى تعديد مزايا الأشباح فهم خفيفون وذلك لأنهم علماء وحكماء وليسوا أدعياء مثل ذوى السيقان المبتسرة، وهى بهذا تعبر عن ثقل هؤلاء الأدعياء الذين يشوهون الجمال بادعائهم وبثقل خطاهم وكأنما يفرضون على الناس الثبات فى الأمكنة بلا حراك كى لا يفتضح تخلفهم وقصور عقولهم، والذين يفسدون كل شيء حتى الحب البريء بين الصبية والفتى.
أما الأشباح فرحماء يقدرون الحب والشعر، ويتجلى ذلك فى تحذير كبيرهم من هدم الكوخ لأن به شاعرا يستحق الوجود، وقد برعت الشاعرة فاطمة ناعوت فى تلك الخاتمة، فالصورة النمطية للشعراء أنهم أشبه بالنساك وأن كل شاعر لابد وأن يكون له ملاذ يأوى إليه بعيدا عن الناس، ولكن البراعة لا تكمن فى هذه الصورة فحسب، ولكنها تكمن كذلك فى حسمها لقضية الشعر وما يعرف بقصيدة النثر. فالشعر العمودى يعتمد على البيت لبناء القصيدة، فإذا نجحت فى نظم الأبيات تصبح شاعرا، أما هنا فقد استبدلت الكوخ بالبيت، أى أن البناء مختلف ولكن يبقى بداخله شاعر.