المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حياة أسفل طاولة !!!


محمد سامي البوهي
24-10-2007, 12:17 AM
http://up2.arabsh.com/2007/712cf.jpg



حياة أسفل طاولة


عندما ألقت إليه بابتسامتها، أيقن أن هذه الضربات المتفرقة تأتيه عن عمد، تجاهلها بإدارة بصره نحو أوراقه المستلقية على طاولة الاجتماعات، قلص قدمه بعد أن تلقى ضربة أخرى من مقدمة حذائها المدبب، افتعل التمعن بأرقامه المشبعة بالربح الوفير، كانت دفة المفاوضات تتأرجح بين يديه ، يحرك بها المجلس كيفما شاءت له رياحه الصيفية، كقبطان ماهر يتقن اللعب بتلابيب المناورات التجارية، كانت نظرات المنافسين تنزح من بحر العجائب دافقات الإعجاب نحوه، كلما ابتسم بانت عليهم وسامته، وحينما يقطب أهابهم وقاره، دائرة الحديث تنغلق عنده بالتودد الدائم، لكن في كل مرة كان ذكاؤه المعهود يفرض عليهم سلطاته، لا يخطى، لا تترجرج أنفاسه، تسير كلماته كما الخط المستقيم – أنت مكسب كبير لشركتك – كان يبدى شكره المتوازن كلما كركر أحدهم بهذه الجملة، ثم يواصل سريعاً الإمساك بالدفة، حنكة التجار تحاول أن تتخلله، تبحث لنفسها عن ثقب أسود تستطيع أن تنفذ منه إليه، لكنه مازال صامداً...
حوار الضربات يكرر نفسه من أسفل الطاولة ، حدق في وجهها الغض المتمايل مع الأضواء الساطعة، هواجس الألوان تنعجن بأرقامه الصارمة... ابتسم...
أصوات تأتيه من بين أكوام الزمن... إنها عصا أبي تحاصرني بكل مكان، مازلتُ أبحثُ بين أشياء المنزل عن مخبأ يؤويني... هنا تحت الكرسي؟، لا لا... سبق وعثر عليّ هناك، خلف باب غرفتي؟، لالا... سبق ودق عظامي هناك، نعم هي الطاولة... الطااااولة ،هرعت أسفل الطاولة بجسدي الصغير (أخرج يا جبان، تعال هنا أيها الفأر) فشلت محاولات أبي من الوصول إليّ... ابتسمَ...
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ- أين ذهبت هذه الملعونة هذا النهار؟!
-أكيد خبأتها (ماما) بعيدا عنا.
- أين خبأتها ؟!
...
- ابحث عنها فوق سطح المنزل.
...
- وأنتِ ابحثي عنها بالغرف.
...
- أما أنا فسأبحث عنها بكل مكان.
استغاثت بموائها بعد أن جذبتُ ذيلها بقوة من أسفل الطاولة... ابتسمَ.

ـــ ــ ــ ــ ــ ــ
اليوم سأصعد للقمر، جهزت كل معداتي وأجهزتي، تأكدت تماماً من صيانة المركبة الفضائية، الوقت حان للانطلاق، (دن دن دن دجن دجنننننننن ششششششش)، انطلقت السفينة بنجاح، أصافح السحب، النجوم، السماء الأولى، الثانية، الملائكة، الشمس، وأخيراً الهبوط على سطح القمر، أصبحت الدنيا كلها ملكي وحدي، أستطيع أن أرى كل شيء من هنا، و أتحكم في كل شيء، الآن أنا أكبر مما يجب... لكن ، مَنْ هؤلاء القادمون من بعيد؟ معقول أنهم كائنات الفضاء، لابد وأن أهبط، أختبئ، أن أهرب، لكن أين؟ لا يوجد أي شيء أستتر خلفه، الفضاء شاسع، الفراغ يحاصرني، يقتربون... إنهم قادمون... سيقبضون علىّ بكل تأكيد، أريد الهبوط إلى الأرض، بدت ملامحهم الغريبة، أشكالهم مخيفة، أعينهم من زجاج أحمر، أنوفهم معقوفة، أرجلهم، أياديهم... لا تقترب مني أيها الأحمق...
- من أنت أيها الغازي الصغير؟
- أأنا...؟
سحبتني يد أمي من أسفل الطاولة لتناول العشاء.... ابتسمَ...
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ

- زلزاااااااااال.
كان أبي يلملمنا عندما انطلقت هذه الكلمة، مع رقصات الأرض من تحت أقدامنا، كانت كل الأشياء من حولنا تهتز... تتساقط، الثريان، (التابلوهات )، المزهريات، الحوائط تتعرى... تتمزق ، صرخات أمي، نداءات أبي، جدي، جدتي، هيا بسرعة... اخرجوا كلكم (يا رب يا ستار)، انطفأت الأنوار، أختي وفاء، أين أختي وفاء، إنها مازالت نائمة... ماما، بابا...
السقوط يدلي بصوته من الشارع، أعتقد أن العمارة التي أمامنا انهارت بالكامل، يضيق الخناق، الغبار... لا استطيع التنفس ، أين الباب؟ لقد سقطت حوائط الصالة الرئيسية، انغلق المخرج، لقد علقنا، لن نستطيع الخروج – أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله –صوت أبي يصارع صوت الانهيار: الطاولة ، هيا تجمعوا أسفل الطاولة، سقط كل شيء، صمت كل شيء، إلا صوت أنفاسنا اللاهثة، وتمتمات جدي بآيات قرآنية.... تنهدَ!
ـــ ــ ــ ــ ــ ــ

تلقى ضربة جديدة وسط اللغط القادم كهجمات النحل الطنان، نفض عن رأسه الغبار، وعاد لغرفة القيادة، أحكم قبضته على الدفة، ابتسمت له بعد أن اطمأنت بأنه يبادلها الابتسامات، نظم أنفاسه، تناول جرعة مياه من الكوب أمامه، هندم سوار قميصه، نظر إليهم بهدوئه، أعلن لهم إصرار شركته على موقفها التجاري تجاه شركاتهم، بينما يستعد للانصراف من بين براثن الصمت المحلق فوق رؤوسهم، شعر بيدها تمتد إليه من أسفل الطاولة بورقة صغيرة عن يمينه، ويد أخرى تلوح له (بشيك) مالي عن يساره.

محمد سامي البوهي:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جريدة (الراي الكويتية)18/9/2007
2- جريدة (القبس الكويتية) 6/8/2007

كوثر الشريفي
24-10-2007, 03:46 AM
القاص البوهي
بحبكته الذكية، ستعرض المشاهد كلها في "حشو" القصة، و يعطينا فرصة لنتنبأ النتيجة بعد المقدم المشوقة..و كأننا نحلل نفسية بطل القصة في منتصف الطريق إلى نهاية القصة، و بعدها نعلم مدى صحة التنبؤ..

ملاحظة:
أعجبني اختيارك يا محمد للوحة "سلفادور دالي"، الفنان السريالي.. لوحته هذه على ما أظن اسمها "إلحاح الذاكرة".. فكنت موفقاً أن تربط إلحاح ذاكرة بذاكرة.. ذاكرة في اللوحة يصور الساعات السائحة، و إلحاح ذاكرة "الحياة" تحت تلك الطاولة!
القراءة لك جميلة..رعاك الله..

جوتيار تمر
24-10-2007, 09:05 PM
البوهي الرائع..
حياة اسفل الطاولة..نص ادرت فيه دفة القيادة بحنكة وحرفية..واستخدمت لغتك البسيطة والغنية التي تمتاز بها نصوصك من اجل ترسيخ الفكرة عند المتلقي..بالاخص ان النصوص التي تعتمد على المشاهد ربما تجذب المتلقي اكثر..التنازع الطبيعي في الوجدان بين الرغبة والعمل.. قدر إنساني .. وقد قدمت بالفعل صورة جميلة عن عن هذه الحالة التي تجمع العمل بالرغبة..لدي ملاحظة أولية تتعلق بسردية النص ..ذلك أنه استرسل في الوصف لتحولات الحال ، دون التطور نحو الصراع الذي يثير المتلقي للانخراط في السؤال عن طبيعة تلك التحولات ، فغلب التحليل على التركيب في المشهد السردي..لكن هذا لم يقلل من قيمة العمل.. لكونه في النهاية قد وضعنا على المحك..من حيث عدم التوقع لكهذا نهاية.

دمت بألق
محبتي لك
جوتيار

ريم بدر الدين
25-10-2007, 03:27 PM
عندما قرأت مسودة النص يا محمد أعجبتني تقنية الانتقال السهل من الحاضر للماضي و العودة بنفس السلاسة
تقنية الفلاش باك
كجميع ما تكتب يتحلى بالحرفية و الجمال
تحياتي لك

يُمنى سالم
26-10-2007, 05:13 AM
أستاذي البوهي

كل تلك الحيوات كانت تنم عن خوف من الظهور إما للعقاب أو لأنها غير شرعية..
لكنك حبكت هذه القصص المتتالية بعبقرية كاتب رائع سيدي

تقبل أمنياتي لك بالتوفيق

تحيتي

محمد سامي البوهي
28-10-2007, 04:45 PM
أشكرك يا كوثر على هذا التواجد ، و أشكر ملاحظتك على اللوحة

أحمد فؤاد
29-10-2007, 10:32 AM
الأخ الفاضل / محمد البوهي

قصة جميلة ، و سلاسة في التنقّل بين الأحداث .

و لكن يبدو أن عقلي قد أعيته الأرقام .. فلم استطع أن أدرك معى القصة إلا بعد أن قرأتها ثلاث مرات .


استمتعت بقراءة حرفك أيها الأديب .

مودتي

أحمد فؤاد

عماد تريسي
29-10-2007, 02:42 PM
أديبنا القدير / محمد سامي البوهي

لقد قال الأفاضل قبلي حقّ القول في مناقب هذه القصة الجميلة ,

و إذ أتيتُ متأخراً , فليس بين يديَّ إلّا كل الثناء على ما أثريت

به الذائقة الشغوفة للأدب الجميل و الحرف المتمكِّن .


بوركتَ متألقاً دائماً


مودتي

محمد سامي البوهي
01-12-2007, 11:39 PM
أخي جوتيار

اشتقنا إليك يا رجل

أشكر جهدك ، وردودك العبقرية التي تنم عن ذكاء ، وحنكة ...

تحيتي لك

محمد سامي البوهي
21-12-2007, 08:57 PM
أختي الكريمة ريم

أشكر حضورك المرفرف على أحرفنا بكل مكان .

محمد سامي البوهي
01-04-2008, 03:37 PM
[quote=أحمد فؤاد;8558]الأخ الفاضل / محمد البوهي

قصة جميلة ، و سلاسة في التنقّل بين الأحداث .

و لكن يبدو أن عقلي قد أعيته الأرقام .. فلم استطع أن أدرك معى القصة إلا بعد أن قرأتها ثلاث مرات .


استمتعت بقراءة حرفك أيها الأديب .
أخي الكريم / أحمد

لك مني كل التحيات المباركات

وشكرا