هشام آدم
03-12-2008, 03:23 PM
الذاكرة البصرية وسينمائية المشهد
في نصوص فوزية العيوني*
http://www.saudiyatnet.net/images/1345nn.jpg
بقلم: هشام آدم
"موجز النشرة" طبعة أنقية للمجموعة القصصية لصاحبتها فوزيه العيوني والذي تلقيت نسخة عنه من يد زوجها الشاعر المبدع المعروف علي الدميني. تأتي المجموعة الصادرة عن مكتبة الملك فهد الوطنية في (67) صفحة من القطع المتوسط، احتوت بين صفحاتها على (25) قصة قصيرة؛ وإذا ما تجاوزنا عن القصص الثلاث الأولى: "أبجدية حياة" و "هذه الصفحة" و "خوف" إضافة إلى "الأشياء تتمرّد" و "مواء" و "الأرنبة" و "إلفان" و "جنسان" و "وحشة" و "الزهور" التي قد تندرج تحت خانة الخواطر الأدبية أو القصص القصيرة جداً لا القصص القصيرة؛ فإننا سوف ننفتح مباشرة على عوالم العيوني الأدبية بكل ما تحمله من جرأة وحيوية عبر (15) قصة قصيرة أفلت بعضها من قبضة الرواية؛ فيما أفلتت الأخريات من قبضة الخواطر الأدبية بأعجوبة، وسوف أشرح في هذه القراءة تلك الأسباب التي دعتني لأن أطلق هاتين الصفتين (الجرأة والحيوية) بالتحديد كثيمة أساسية لهذه المجموعة القصصية الذي تمنيت لو أنها حملت اسم "دائماً هنالك نوافذ أخرى" وهو عنوان أحد نصوصها في ذات المجموعة، وسوف آت على ذكر السبب في ذلك لاحقاً كذلك.
لابد لي –قبل أن ألج عوالم هذه القاصة- من مقدمة أو توطئة أعتبرها مهمة للغاية؛ إذ أن جميع المرتكزات الفكرية والمعلوماتية التي أنطلق منها في سبيل التعرّف على الفضاءات الإبداعية للكاتبة من ناحية، والتعريف بمنعرجات هذه المماحكة الثقافية من ناحية أخرى قائمة على في أساسها من هذه المقدمة؛ فرغم أنني لست مطلعاً بشكل عميق على الأدب النسوي (إن صحت هذه التسمية أصلاً) وحركته في المملكة العربية السعودية، إلا أنّ لدي يقيناً انطباعياً يحدوني إلى القول بأن هذا النوع من الأدب يميل: إما إلى الوجدانية وإما إلى الواقعية المجرّدة؛ المرتبطة –هي الأخرى- بالجانب الذاتي من عناصر الواقع، حتى أنه في كثير من الأحيان يُقارب أدب السيرة والمذكرات واليوميات الشخصية، ليس على اعتبار أن الكتابة هي إحدى منافذ التعبير الميسورة أو المتيسّرة وحسب؛ ولكن لما أتوقعه من طبيعة شخصية المرأة السعودية في المقام الأول، والمرأة السعودية المتعلمة والمثقفة في المقام الثاني.
تُصبح الكتابة حسب هذه المعطيات –إن كانت صحيحة بالطبع- تياراً يُمكن أن يُعادل مفهوم الثورية الرومانسية أو النضال السلمي أو المسالم الذي لا يرغب في رفض الواقع أو معاداته بشكل علني صريح، بقدر ما يقدّم لنا أكليشيهات خجولة ليس من شأنها أن تحدث أيّ نوع من التغيير على أرض الواقع، وأقول ذلك لمعرفتي بدور الأدب بصرف النظر عن منطلقات الكاتبة أو منجزاتها الحقيقية. ولا يعود ذلك إلى طبيعة المرأة السعودية بالطبع بقدر ما يعود إلى رفض الذات الواعية والمدركة بالاعتراف بالقهر. وإن كنا سوف نتكلّم بشكل أكثر وضوحاً وصراحة فمن الواجب أن نقول أن غالبية النساء السعوديات يرفضن الاعتراف بأن لديهن مشكلة. هذا الرفض قد أعزوه إلى طبيعة الذات المتضخمة، أو إلى يقين هذه الفئات بخطورة الاعتراف والتصريح بهذا الأمر، مع مراعاة أنني هنا أتكلم بشكل عام.
أضف إلى ذلك طبيعة وشكل الصراع القائم أصلاً بين المثقف والسلطة في شكله العام الواسع من ناحية، وبين المرأة والرجل من ناحية أخرى؛ على اعتبار أن الرجل يُشكل سلطة مضافة إلى السلطة السياسية؛ إذ أن المرأة في هذه الحال تعاني من مواجهة نوعين من السلطة: سلطة سياسية وسلطة ثقافية. وهذه الأخيرة في رأيي هي الأخطر والأشد وبالاً على إبداع المبدعات السعوديات. ولا يمكننا اعتبار السلطة الثقافية سلطة موضوعية في جميع أحوالها؛ إذ أنه من الممكن أن تكون الذات المبدعة سلطة في حد ذاتها، تستمد –بالضرورة- ضراوتها وسطوتها من مفاهيم ثقافية واجتماعية متأصلة في العقل الجمعي العام.
وثمة سلطة أخرى ترزح تحتها المبدعة –أيّ مبدعة وليست فقط السعودية- ألا وهي سلطة النص نفسه من حيث هو المتلقي؛ بمعنى أن المرأة تكون أسيرة الفهم الذكوري السائد والمتداول لما يُسمى تجاوزاً بالأدب النسوي بأنه لا يعدو كونه مجرّد إسقاطات نفسية، وليس عملاً إبداعياً له شروطه ومتطلباته تماماً مثلما هو عند الرجل. وهذه السلطة الأخيرة خطيرة للغاية؛ إذ من شأنها أن تحصر إبداع المبدعة وفنها في إطار ما قد يتقبله الآخر الذي كان من المفترض –في الظروف الطبيعية- أن يكون مجرّد متلقياً للنص الإبداعي لا محاكماً له. ومسألة الفصل بين الكاتب والنص، ومعرفة نوع العلاقة بينهما –في اعتقادي- مسألة تتطلب قدراً عالياً من التثقيف والمعرفة المعادلة لحجم الإبداع المنتج في الحقيقة.
وعلى ضوء ما تقدمه فإنني كنتُ أتمنى أن أقرأ أدباً أو نصوصاً أدبية تخلو من هذه الجوانب، رغم ضرورتها الذاتية لدى الكاتب بالطبع. وربما في هذا السياق نجد أنفسنا مضطرين للحديث عن السؤال الجوهري الذي لا يفتأ أن يطرق أبواب أدمغتنا في كل حين: (لماذا نكتب؟) وكأن الإجابة على هذا السؤال سوف تقدّم لنا مفاتيح الجنة السريّة، وتفتح لنا آفاقاً معرفية أوسع، نتعرف من خلالها على حياتنا وحيوات الآخرين، وربما عندها فقط لن نعرف لماذا نكتب، بل سنعرف أيضاً لماذا نقرأ؟ إذ أن العملية هي عملية تكاملية بين المبدع والمتلقي، على اعتبار أن المتلقي مبدع، وليس مجرّد قارئ غبي. ودعونا هنا نطرح بعض الأسئلة التي من شأنها أن تقرّب وجهات النظر التي قد تكون متباعدة نوعاً ما ونحاول أن نجيب عليها بهدوء:
/ هل أنا أكتب لأعبّر عن نفسي، أم لأعبّر عن الآخرين؟ وبمعنى آخر: هل أكتب ما يخصني فقط أم أكتب كذلك ما يخص الآخرين؟ من أين يستمد المبدع إبداعه؟ من ذاته أم من واقعه؟ هل ينطلق العمل الإبداعي -بكل أشكاله- من الخارج إلى الداخل أم بالعكس؟ ألا يحتاج الكاتب ليكتب نصاً ما أن يكون ملماً باللغة؟ هل هو يتعلّم اللغة من ذاته أم من الآخرين؟ وهل تجارب الإنسان (الفرد) الذاتية خارج الجماعة كافية لتمنحه الأرضية الخصبة للكتابة والإبداع؟ ألا نتعجب كثيراً ونحن نقرأ لقاص يتناول موضوعاً حياتياً فنجده يتطابق مع حيواتنا نحن الخاصة، ونقول: صحيح! هذا الموقف مرّ بي كذلك. كيف لم أنتبه إليه؟ كيف لم أقرأه على هذا النحو؟
ألا تؤثر البيئة الخارجية على إبداع المبدع؟ ألم يُصبح (علي بن جهم) في العهد العباسي الأخير صاحب أفضل بيت غزل بعد أن انتقل من البداوة إلى الحضر؟ (عيون المها بين الرصافة والجسر *** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري) بعد أن تخلّص من تأثير الثقافة الرعوية التي أنتجت من قبل قصيدته التي قال فيها (أنت كالكلب في حفاظـك للـود *** وكالتيس في قراع الخطوب )
ما هي وظيفة الأدب؟ هل هو تجميل الواقع أم تعريته؟ هل تجميل الواقع في الأدب يجعله جميلاً فعلاً؟ ما الذي قد يحدث إذا تناول الأدب واقعاً أو ظاهرة اجتماعية قبيحاً وقام بتعريته؟ هل سوف تنتفي الظاهرة كلياً؟ هل وظيفة الأدب وظيفة وعظية أم وظيفة نقدية أم فنيّة نتناول فيها الواقع بفن؟ ما هو الفن؟ هل ثمة علاقة بين الأدب والفن؟ هل ثمة علاقة بين الأدب والفلسفة؟ إلى أي مدى يرتبط الأدب بالفلسفة؟
ثم دعونا نتساءل: لماذا نقرأ؟ ماذا نبحث في قراءتنا؟ ماذا ننشد؟ هل نبحث عن مجرّد متعة قرائية أم نبحث عن معرفة أم نبحث عن وعظ؟ هل فعلاً أننا قد نستقي من الأدب دروساً وعبر؟ هل غيّر نص أدبي حياتك أو نمطاً من أنماط سلوكك؟ هل ترسخ الشخصيات التي تقرأها في القصة أو الرواية في مخيلتك؟ هل بإمكانك أن تسرد ملخصاً لقصة أو رواية قرأتها، أم تجد ذلك صعباً أو تعتبره اختزالاً وابتذالاً لقيمة الأدب الفنية؟ هل تبحث عن نفسك فيما تقرأ أم تبحث عن الكاتب في نصوصه؟
علينا جميعاً أن نطرح هذه التساؤلات على أنفسنا ونحن نتناول الموضوعات الأدبية، وأنا في هذه القراءة أصر على تسمية ما أنا بصدده بالقراءة وليس بالنقد، فالنقد علم منهجي له أدواته وطرائقه ومدارسه ومذاهبه، ولكن ثمة كيمياء لا يُمكن أن تُحد؛ تلك هي الكيمياء التي بين النص والقارئ، والنص كائن مشاعي لا تعود ملكيته للكاتب؛ طالما أنه أجهضه بالكتابة والنشر العلني. ولكن عليّ أن أوضح مسألة هامة: ما هي وظيفة النقد: هل هو التقويم، أم التقييم؟ عندما يتناول ناقد ما نصاً أدبياً هل يحاول أن يقدم لنا تفسيرات وتخمينات متوقعة أم حقائق ثابتة؟ علينا أن نعرف كذلك أن علاقتي بالنص تحكمها قراءتي الشخصية للنص وانطباعتي الذاتية عنه منطلقاً في ذلك من خلفيتي الثقافية والفكرية بصرف النظر عن رأي كاتب النص ومنطلقاته.
وبعد كل ما تقدم أقول أن الأستاذة فوزيه العيوني هي مشروع روائية ولاشك فهي شديدة الاحتفاء بالتفاصيل، وهذه التفاصيل تفرض عليها سلطتها بقوة؛ بحيث نجد في كثير من الأحيان –إن لم يكن دائماً- منساقة إلى التفاصيل؛ ولو على حساب السرد، وبنيته لأجزاء من الوقت. وهي في علاقتها بالتفاصيل تدخل في حالة أشبه بحالات التصوّف الذي تتوّحّد فيها مع المتخيّل إلى درجة تُدهشك، وتجعلك مأسوراً بلحظة القنص التي تُمتع بإفلاتها في كل مرة. تقول في قصة "موجزة النشرة" (ويقتحم الغرف ضحى شرس ومديد، ولا أحد يجيء ليروّض وحشتنا فيه. تغادرنا الخطوات لغرف مجاورة، محمّلة بزهور بلا رائحة، وعلب حلوى جادل المشتري بائعها طويلاً) هذا المقطع هو مقطع روائي دون أدنى شك، النفس الروائي فيه طاغ إلى درجة تصيبك بالذهول عندما تعلم أنها مقاطع من قصة قصيرة. هذه الحميمية، وهذا الإخلاص في وصف المشهد الإنساني الواقعي منه وحتى المتخيّل والمتوقع لهو مشهد روائي بلا شك. إنها تفكر في أن علب الحلوى تلك التي تحملها (النيرسات - nurses) لم تأت إلا بعد مفاوضات ومجادلات حول السعر. كان هذا المقطع من أكثر المقاطع التي شدتني، وجعلتني أعود وأقرأ المجموعة من جديد. كما أن احتفائها الباهظ بالتفاصيل يظهر جلياً في قصة "يوم عادي" فهو نص صُنع خصيصاً لا لنقرأ التفاصيل وحسب؛ وإنما لنحترمها ونلاحظ الأشياء التي نمر عليها يوماً دون أن نكترث لها؛ ولذا فإنني أقول أن فوزية العيوني ما هي إلا روائية تاهت ذات غفلة في دروب القصة القصيرة.
ولكن يتوجب علينا أن نسأل: لماذا كل هذا الاهتمام بالتفاصيل؟ دون أن نكتفي بالاندهاش والمتعة القرائية جراء ذلك. ماذا تريد العيوني أن تقول من خلال هذه التفاصيل؟ بل ما الذي وصلنا (أنا وأنت ونحن) من خلال هذه التفاصيل؟ هي بالطبع ليست ثرثرة، أو مجرّد حشو تريد أن تملئ به سطور نصوصها الأدبية، فهي تختزل وقتما تشاء، وتبحر بك في بحر تفاصيل عندما تشاء. كانت نصوصها القصيرة -التي أصنفها تحت خانة الخواطر الأدبية أو النثرية- درساً لابد أن نعيه تماماً عندما نلاحظ أنها بعد حين توغل في التفاصيل.
في نصوص فوزية العيوني*
http://www.saudiyatnet.net/images/1345nn.jpg
بقلم: هشام آدم
"موجز النشرة" طبعة أنقية للمجموعة القصصية لصاحبتها فوزيه العيوني والذي تلقيت نسخة عنه من يد زوجها الشاعر المبدع المعروف علي الدميني. تأتي المجموعة الصادرة عن مكتبة الملك فهد الوطنية في (67) صفحة من القطع المتوسط، احتوت بين صفحاتها على (25) قصة قصيرة؛ وإذا ما تجاوزنا عن القصص الثلاث الأولى: "أبجدية حياة" و "هذه الصفحة" و "خوف" إضافة إلى "الأشياء تتمرّد" و "مواء" و "الأرنبة" و "إلفان" و "جنسان" و "وحشة" و "الزهور" التي قد تندرج تحت خانة الخواطر الأدبية أو القصص القصيرة جداً لا القصص القصيرة؛ فإننا سوف ننفتح مباشرة على عوالم العيوني الأدبية بكل ما تحمله من جرأة وحيوية عبر (15) قصة قصيرة أفلت بعضها من قبضة الرواية؛ فيما أفلتت الأخريات من قبضة الخواطر الأدبية بأعجوبة، وسوف أشرح في هذه القراءة تلك الأسباب التي دعتني لأن أطلق هاتين الصفتين (الجرأة والحيوية) بالتحديد كثيمة أساسية لهذه المجموعة القصصية الذي تمنيت لو أنها حملت اسم "دائماً هنالك نوافذ أخرى" وهو عنوان أحد نصوصها في ذات المجموعة، وسوف آت على ذكر السبب في ذلك لاحقاً كذلك.
لابد لي –قبل أن ألج عوالم هذه القاصة- من مقدمة أو توطئة أعتبرها مهمة للغاية؛ إذ أن جميع المرتكزات الفكرية والمعلوماتية التي أنطلق منها في سبيل التعرّف على الفضاءات الإبداعية للكاتبة من ناحية، والتعريف بمنعرجات هذه المماحكة الثقافية من ناحية أخرى قائمة على في أساسها من هذه المقدمة؛ فرغم أنني لست مطلعاً بشكل عميق على الأدب النسوي (إن صحت هذه التسمية أصلاً) وحركته في المملكة العربية السعودية، إلا أنّ لدي يقيناً انطباعياً يحدوني إلى القول بأن هذا النوع من الأدب يميل: إما إلى الوجدانية وإما إلى الواقعية المجرّدة؛ المرتبطة –هي الأخرى- بالجانب الذاتي من عناصر الواقع، حتى أنه في كثير من الأحيان يُقارب أدب السيرة والمذكرات واليوميات الشخصية، ليس على اعتبار أن الكتابة هي إحدى منافذ التعبير الميسورة أو المتيسّرة وحسب؛ ولكن لما أتوقعه من طبيعة شخصية المرأة السعودية في المقام الأول، والمرأة السعودية المتعلمة والمثقفة في المقام الثاني.
تُصبح الكتابة حسب هذه المعطيات –إن كانت صحيحة بالطبع- تياراً يُمكن أن يُعادل مفهوم الثورية الرومانسية أو النضال السلمي أو المسالم الذي لا يرغب في رفض الواقع أو معاداته بشكل علني صريح، بقدر ما يقدّم لنا أكليشيهات خجولة ليس من شأنها أن تحدث أيّ نوع من التغيير على أرض الواقع، وأقول ذلك لمعرفتي بدور الأدب بصرف النظر عن منطلقات الكاتبة أو منجزاتها الحقيقية. ولا يعود ذلك إلى طبيعة المرأة السعودية بالطبع بقدر ما يعود إلى رفض الذات الواعية والمدركة بالاعتراف بالقهر. وإن كنا سوف نتكلّم بشكل أكثر وضوحاً وصراحة فمن الواجب أن نقول أن غالبية النساء السعوديات يرفضن الاعتراف بأن لديهن مشكلة. هذا الرفض قد أعزوه إلى طبيعة الذات المتضخمة، أو إلى يقين هذه الفئات بخطورة الاعتراف والتصريح بهذا الأمر، مع مراعاة أنني هنا أتكلم بشكل عام.
أضف إلى ذلك طبيعة وشكل الصراع القائم أصلاً بين المثقف والسلطة في شكله العام الواسع من ناحية، وبين المرأة والرجل من ناحية أخرى؛ على اعتبار أن الرجل يُشكل سلطة مضافة إلى السلطة السياسية؛ إذ أن المرأة في هذه الحال تعاني من مواجهة نوعين من السلطة: سلطة سياسية وسلطة ثقافية. وهذه الأخيرة في رأيي هي الأخطر والأشد وبالاً على إبداع المبدعات السعوديات. ولا يمكننا اعتبار السلطة الثقافية سلطة موضوعية في جميع أحوالها؛ إذ أنه من الممكن أن تكون الذات المبدعة سلطة في حد ذاتها، تستمد –بالضرورة- ضراوتها وسطوتها من مفاهيم ثقافية واجتماعية متأصلة في العقل الجمعي العام.
وثمة سلطة أخرى ترزح تحتها المبدعة –أيّ مبدعة وليست فقط السعودية- ألا وهي سلطة النص نفسه من حيث هو المتلقي؛ بمعنى أن المرأة تكون أسيرة الفهم الذكوري السائد والمتداول لما يُسمى تجاوزاً بالأدب النسوي بأنه لا يعدو كونه مجرّد إسقاطات نفسية، وليس عملاً إبداعياً له شروطه ومتطلباته تماماً مثلما هو عند الرجل. وهذه السلطة الأخيرة خطيرة للغاية؛ إذ من شأنها أن تحصر إبداع المبدعة وفنها في إطار ما قد يتقبله الآخر الذي كان من المفترض –في الظروف الطبيعية- أن يكون مجرّد متلقياً للنص الإبداعي لا محاكماً له. ومسألة الفصل بين الكاتب والنص، ومعرفة نوع العلاقة بينهما –في اعتقادي- مسألة تتطلب قدراً عالياً من التثقيف والمعرفة المعادلة لحجم الإبداع المنتج في الحقيقة.
وعلى ضوء ما تقدمه فإنني كنتُ أتمنى أن أقرأ أدباً أو نصوصاً أدبية تخلو من هذه الجوانب، رغم ضرورتها الذاتية لدى الكاتب بالطبع. وربما في هذا السياق نجد أنفسنا مضطرين للحديث عن السؤال الجوهري الذي لا يفتأ أن يطرق أبواب أدمغتنا في كل حين: (لماذا نكتب؟) وكأن الإجابة على هذا السؤال سوف تقدّم لنا مفاتيح الجنة السريّة، وتفتح لنا آفاقاً معرفية أوسع، نتعرف من خلالها على حياتنا وحيوات الآخرين، وربما عندها فقط لن نعرف لماذا نكتب، بل سنعرف أيضاً لماذا نقرأ؟ إذ أن العملية هي عملية تكاملية بين المبدع والمتلقي، على اعتبار أن المتلقي مبدع، وليس مجرّد قارئ غبي. ودعونا هنا نطرح بعض الأسئلة التي من شأنها أن تقرّب وجهات النظر التي قد تكون متباعدة نوعاً ما ونحاول أن نجيب عليها بهدوء:
/ هل أنا أكتب لأعبّر عن نفسي، أم لأعبّر عن الآخرين؟ وبمعنى آخر: هل أكتب ما يخصني فقط أم أكتب كذلك ما يخص الآخرين؟ من أين يستمد المبدع إبداعه؟ من ذاته أم من واقعه؟ هل ينطلق العمل الإبداعي -بكل أشكاله- من الخارج إلى الداخل أم بالعكس؟ ألا يحتاج الكاتب ليكتب نصاً ما أن يكون ملماً باللغة؟ هل هو يتعلّم اللغة من ذاته أم من الآخرين؟ وهل تجارب الإنسان (الفرد) الذاتية خارج الجماعة كافية لتمنحه الأرضية الخصبة للكتابة والإبداع؟ ألا نتعجب كثيراً ونحن نقرأ لقاص يتناول موضوعاً حياتياً فنجده يتطابق مع حيواتنا نحن الخاصة، ونقول: صحيح! هذا الموقف مرّ بي كذلك. كيف لم أنتبه إليه؟ كيف لم أقرأه على هذا النحو؟
ألا تؤثر البيئة الخارجية على إبداع المبدع؟ ألم يُصبح (علي بن جهم) في العهد العباسي الأخير صاحب أفضل بيت غزل بعد أن انتقل من البداوة إلى الحضر؟ (عيون المها بين الرصافة والجسر *** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري) بعد أن تخلّص من تأثير الثقافة الرعوية التي أنتجت من قبل قصيدته التي قال فيها (أنت كالكلب في حفاظـك للـود *** وكالتيس في قراع الخطوب )
ما هي وظيفة الأدب؟ هل هو تجميل الواقع أم تعريته؟ هل تجميل الواقع في الأدب يجعله جميلاً فعلاً؟ ما الذي قد يحدث إذا تناول الأدب واقعاً أو ظاهرة اجتماعية قبيحاً وقام بتعريته؟ هل سوف تنتفي الظاهرة كلياً؟ هل وظيفة الأدب وظيفة وعظية أم وظيفة نقدية أم فنيّة نتناول فيها الواقع بفن؟ ما هو الفن؟ هل ثمة علاقة بين الأدب والفن؟ هل ثمة علاقة بين الأدب والفلسفة؟ إلى أي مدى يرتبط الأدب بالفلسفة؟
ثم دعونا نتساءل: لماذا نقرأ؟ ماذا نبحث في قراءتنا؟ ماذا ننشد؟ هل نبحث عن مجرّد متعة قرائية أم نبحث عن معرفة أم نبحث عن وعظ؟ هل فعلاً أننا قد نستقي من الأدب دروساً وعبر؟ هل غيّر نص أدبي حياتك أو نمطاً من أنماط سلوكك؟ هل ترسخ الشخصيات التي تقرأها في القصة أو الرواية في مخيلتك؟ هل بإمكانك أن تسرد ملخصاً لقصة أو رواية قرأتها، أم تجد ذلك صعباً أو تعتبره اختزالاً وابتذالاً لقيمة الأدب الفنية؟ هل تبحث عن نفسك فيما تقرأ أم تبحث عن الكاتب في نصوصه؟
علينا جميعاً أن نطرح هذه التساؤلات على أنفسنا ونحن نتناول الموضوعات الأدبية، وأنا في هذه القراءة أصر على تسمية ما أنا بصدده بالقراءة وليس بالنقد، فالنقد علم منهجي له أدواته وطرائقه ومدارسه ومذاهبه، ولكن ثمة كيمياء لا يُمكن أن تُحد؛ تلك هي الكيمياء التي بين النص والقارئ، والنص كائن مشاعي لا تعود ملكيته للكاتب؛ طالما أنه أجهضه بالكتابة والنشر العلني. ولكن عليّ أن أوضح مسألة هامة: ما هي وظيفة النقد: هل هو التقويم، أم التقييم؟ عندما يتناول ناقد ما نصاً أدبياً هل يحاول أن يقدم لنا تفسيرات وتخمينات متوقعة أم حقائق ثابتة؟ علينا أن نعرف كذلك أن علاقتي بالنص تحكمها قراءتي الشخصية للنص وانطباعتي الذاتية عنه منطلقاً في ذلك من خلفيتي الثقافية والفكرية بصرف النظر عن رأي كاتب النص ومنطلقاته.
وبعد كل ما تقدم أقول أن الأستاذة فوزيه العيوني هي مشروع روائية ولاشك فهي شديدة الاحتفاء بالتفاصيل، وهذه التفاصيل تفرض عليها سلطتها بقوة؛ بحيث نجد في كثير من الأحيان –إن لم يكن دائماً- منساقة إلى التفاصيل؛ ولو على حساب السرد، وبنيته لأجزاء من الوقت. وهي في علاقتها بالتفاصيل تدخل في حالة أشبه بحالات التصوّف الذي تتوّحّد فيها مع المتخيّل إلى درجة تُدهشك، وتجعلك مأسوراً بلحظة القنص التي تُمتع بإفلاتها في كل مرة. تقول في قصة "موجزة النشرة" (ويقتحم الغرف ضحى شرس ومديد، ولا أحد يجيء ليروّض وحشتنا فيه. تغادرنا الخطوات لغرف مجاورة، محمّلة بزهور بلا رائحة، وعلب حلوى جادل المشتري بائعها طويلاً) هذا المقطع هو مقطع روائي دون أدنى شك، النفس الروائي فيه طاغ إلى درجة تصيبك بالذهول عندما تعلم أنها مقاطع من قصة قصيرة. هذه الحميمية، وهذا الإخلاص في وصف المشهد الإنساني الواقعي منه وحتى المتخيّل والمتوقع لهو مشهد روائي بلا شك. إنها تفكر في أن علب الحلوى تلك التي تحملها (النيرسات - nurses) لم تأت إلا بعد مفاوضات ومجادلات حول السعر. كان هذا المقطع من أكثر المقاطع التي شدتني، وجعلتني أعود وأقرأ المجموعة من جديد. كما أن احتفائها الباهظ بالتفاصيل يظهر جلياً في قصة "يوم عادي" فهو نص صُنع خصيصاً لا لنقرأ التفاصيل وحسب؛ وإنما لنحترمها ونلاحظ الأشياء التي نمر عليها يوماً دون أن نكترث لها؛ ولذا فإنني أقول أن فوزية العيوني ما هي إلا روائية تاهت ذات غفلة في دروب القصة القصيرة.
ولكن يتوجب علينا أن نسأل: لماذا كل هذا الاهتمام بالتفاصيل؟ دون أن نكتفي بالاندهاش والمتعة القرائية جراء ذلك. ماذا تريد العيوني أن تقول من خلال هذه التفاصيل؟ بل ما الذي وصلنا (أنا وأنت ونحن) من خلال هذه التفاصيل؟ هي بالطبع ليست ثرثرة، أو مجرّد حشو تريد أن تملئ به سطور نصوصها الأدبية، فهي تختزل وقتما تشاء، وتبحر بك في بحر تفاصيل عندما تشاء. كانت نصوصها القصيرة -التي أصنفها تحت خانة الخواطر الأدبية أو النثرية- درساً لابد أن نعيه تماماً عندما نلاحظ أنها بعد حين توغل في التفاصيل.