ضحى بوترعة
20-11-2008, 12:41 AM
هلع إيناع الحلم وبُعْد المسافة لنورسين توحدا على ضفاف قرطاج
دراسة في ديوان "دم ميديا سقف قرطاج " للشاعرين جوتيار تمر(العراق ) وضحى بوترعة (تونس)
بقلم :الاديبة مالكة عسال (المغرب )
***مدخل
يقول محمد مندور: "على ضوء هذا الفهم لكلمة النقد نستطيع أن ندرك المقصود من تعريف الأدب بأنه نقد الحياة "
فانظلاقا من هذه القولة يتضح أن الأدب عامة، والشعر خاصة، هو تجربة بشرية نقدية للحياة، بمجالاتها الواسعة والمتعددة ،بما فيها الحياة الإنسانية، بكل أبوابها الاجتماعية والسياسية والثقافية ،الظاهر منها أو الباطن ،أو مابعد الحياة من مصير، والقوى الإلهية وطوارئ الزمان والمكان ،وما يجري من تفاعلات الكائنات الوجودية، من تآلف وصراع ..ومهمة الأديب ليس الوصف وتعداد عناصر الحياة كما تراها العين المجردة ،وإنما الكشف عن العلاقات الحاصلة بينها ،بعين تأملية تحليلية ثاقبة ،ثم إعادة ترتيبها على ضوء رؤياه وتصوره الذهني ،انطلاقا من منظوره الخاص ،وطقوسه الفردانية ،وأفقه المعرفي ،والمؤثرات الثقافية سواء التروستية المتوارثة عن الماضي والأجداد ،أو الكارتيلية المكتسبة من الحياة وتجارب العصر ،فمن خلال هذه القولة ،لي مبادرة اقتحام ديوان "دم ميديا سقف قرطاج لنورسين توحدا على استبصار الحياة، وهما الشاعران المتميزان التونسيان :ضحى بوترعة وجوتيار تمر..
***العتبة الخارجية
*الغلاف
يجاورالغلاف بين لونين: الرمادي والأحمر الداكنين والفاتحين ،وهي صورة انعكاسية لقرارات النفس ،وما تتملاها من عتمة تتخللها انفراجات أحيانا ،وإيقاعات تعيشها الذات الشاعرة ، انطلاقا من صراعها المرير مع الواقع ، الذي أصبح السبب في تذويب جوهر الإنسان، بسلب سلطته على الطبيعة وتحويله إلى مجرد آلة في يد الاستغلال ، تنتزع منه كافة الملامح الإنسانية غصبا ....
*اللوحة
المتمعن فيها بحدس يجدها تنشطر إلى ثلاثة أجزاء
1- الجزء الأول الفضاء الذي تتوسطه غيمة ،أو كتلة دخان داكنة ،والدخان كما هو معلوم لايكون دون نار ،وهو ترميز إلى الاحتراق ،احتراق الذات ،أو لغة القتل المتفشية بين البشر، في نار الحروب المشتعلة والمستمرةعلى إبادة الإنسان ،وجرفه نحو الحتف ..هي صرخة معبرة عن أشياء مؤلمة تتورم في الأعماق ...
2- الجزء الثاني القمة أو المرتفع من الأرض يتوسطها شريط أحمر باهت اللون ويعني احتمالين :
- الاحتمال الأول :الصعود إلى القمة أمر مستعص،نظرا لوجود حواجز الخط الأحمر الذي يعني ممنوع التجاوز ،أي بلغة أخرى هناك ضوابط وثوابت لاقبول تخطيها ،أي ابق حيث أنت ، ولاتتطلع إلى مبتغى آخر ...
- الاحتمال الثاني : السفح والقمة وبينهما شريط أحمر باهت تعني طبقتين من البشر الدنيا والعليا بينهما هوة شاهقة :الطبقة الأولى في السفح تكابد التهميش والجهل والاستغلال والفقر ،تعيش واقعها المرير، بين التردي والإملاق خارج الدائرة والقرار ...والطبقة الثانية في القمة بيدها مراكز القرار، المدبرة والآمرة والناهية تعيش واقعها المترف في رخاء وهناء ..ولون الشريط الأحمر الباهت، يعني أن الهوة آخذة في الردم إن عاجلا أو آجلا ،وستصبح الطبقة المهمشة في القمة ،وهذا هو السر الذي دفع عاصفة الكتابة اجتياح الشاعرين ،لترميم هذا الشرخ الحاصل ،والوصول إلى جوهر الإنسان ليعيش الإنسان إنسانا ...
3- الجزء الثالث وهو عبارة عن صخور، التي تغوص نضاحتها في غيهب دامس، كلما كانت بعيدة ، وهو رمز للشدائد التي تطفح بها الحياة ،وقساوة الدهر وصروفه المتكالبة ،ومايفرضه من تأزم ،وهي رؤيا تأملية إلى الكائنات الوجودية ،لذات شاعرة ذات فعل ،ذات وجود ،ذات شعر ....
*العنوان
رباعي يتألف من جملة اسمية :مبتدأ معرف بالإضافة وخبر معرف بالإضافة كذلك ،صيغ باللون الأحمر القاني ...
-الشطر الأول: دم ميديا صياغة لم توضع اعتباطية مجانية ،وإنما هي مراوغة، لها بعدها الدلالي ، الرامز إلى إراقة الدم إن بفعل التقتيل ،أو بفعل نضالي ،تضحية من أجل العيش بكرامة إنسانية ،أو من أجل الحرية والديموقراطية أو الوطن ،فهذه العناصر النبيلة يستحق افتداؤها بالدم على حد إصرار الشاعرين ...
-الشطر الثاني سقف قرطاج :نقف بداية عند سقف على اختلاف المواد التي بني بها ، هو مايحمي ويقي من الأمطار و البرد و الشمس و العواصف أو الرياح ، ،ويُقصَد بها الأجنحة المتظللة الحامية من كل سوء ،و بعدها الدلالي : بالدم والتضحيات والنضال والأرواح تتم حماية الوطن من الغرباء ،من الاحتلال ،من السلب ..
***المحتوى ،
توَحَّدَ الشاعران طقوسا ومشاعر وكتابة ،في شراكة ليبهرانا برائعتهما،
ومسألة الشراكة لم تقتحم مجال الأدب فحسب ،فقد تسربت أيضا إلى الغناء والفن التشكيلي، بل وحتى الحياة الاجتماعية بين قوسين( الزواج )مثلا ،لتحضير عرس واحد، تتم تكلفته أقل للفرد في ظل الجماعة ...ومسألة الشراكة دعت إليها عدة أشياء، من جملتها الجانب المادي الذي يثقل كاهل المبدع، حيث يستعصي عليه مجابهة إخراج عمله إلى النور على انفراد ..ولا ننكر أن لها إيجابيات محمودة ،في نشر ثقافة الحب والثقة والتضامن ،هذه الخصال الآيلة اليوم نحو الانقراض ...
الكتاب صدر في طبعته الأولى الأنيقة ،من مؤسسة المغاربية للطباعة والإشهار ..تحتوي الأضمومة على 93 صفحة ، تتراوح نصوصها مابين القصيرة والقصيرة جدا ،شاء الشاعران أن يخلياها من العناوين تماما ،ويدرجاها في سياق حكائي ،لازمته المتكررة فعل "قال"للغائب بنوعيه ،حيث نتلمس في النص الأول ملمحا للصورة المدرجة على الغلاف ....
***-التيمات
تتعدد التيمات وتتناسل من منظور الشاعرين ،حسب تصورهما الشخصي ورؤيتيهما للحياة والكون، ومايكتنفهما من غموض وأسرار مبهمة ،جعلتهما في حيرة ، ولا سند لهما غير الشعر كملاذ ساحر ...
*-دور الشعر
الشعر كمؤسس فعلي للإنسانية ،ومُسَكّن للكائن البشري آلامَه ،وبلسم قوي لجراحه ،،له سلطة على تغيير ماهو معتم وغير إنساني ، إلى الحقيقة التي يتوسطها النور ،غير أنه يُسَيّج ويحاصر بآليات القمع ،كي لاتتخطى كلمته النابصة الناهضة الآفاق ،فتشعل وهج التنوير في الأذهان الغافية ،وتحاول تغيير عقلياتها المتحجرة :
ولم يكن الحرف سوى ذبابة في غرفة مغلقة
ص:46
فعَبَدة الجهل والمصالح الخاصة ،ليس في صالحهم أن ترفل الكلمة الواعية ، لتهدهد الجمود وتجتث المتكرَّس ،فتوقظ سنابل الوعي والتطور، خوفا على مصالحهم وكراسيهم ومنابرهم ،وعليه فالمثقف الحقيقي ،لايسجُد لمثل هذه الترهلات والتعقيدات المُهددة ،بل يتحدى الأسوار المطنبة ليكمل رسالته ،أ ليس هو نبي على حد قول أفلاطون ؟؟؟؟
تعال نطهر القصئد المغلولة من بذخ البعد ..
تنضح الخطيئة تفاحا
ص:44
فالقصيدة هي ملاذ الشاعر الفاتن ، الذي يهرب إليه من انكسار الروح وإكسير الحياة وينابيع الألم والعذاب. .
تسكب عريك في جحيم اللغة
ص:86
*- الموت
تفتطن الذا ت الشاعرة أننا في أزمة الخيبة ،ومسألة الكآبة المنقوعة في دموع الأشياء ،وهاجس الموت الذي يطارد الكائنات الوجودية ،تأتي نظرتها من زاويتها الخاصة فريدة إلى الموت،وطعم مرارته،فالموت هو الذي يمنح طعم الإحساس بمتعة الحياة ..وبما أن الموت لايملكه الشاعر،وليست له سلطة عليه لتدجينه أو التحكم فيه ،يبقى القبض على زمامه بالفعل الشعري،وإعطائه رموزا عديدة ومتنوعة ..
زغب الأمنيات في طفولة الميت
ص:32
فالنظرة التأملية للكون والحياة وماوراء الوجود، تأخذ الشاعر في دوامة وحيرة من أمره ، يتطلع باستفهاماته الفلسفية إلى أجوبة علها تشبع نهمه ،فيرتطم بتفريخ أسئلة دون انقطاع ..
الست تفكرين بالتلاشي ..............؟
ألست جمرة تقتفي العطش ؟
ص 26
ويسافر الموت كتفا إلى كتف الذات الشاعرة ،على مدى النصوص كلها ،فتفسح له المجال التأملي بشكله الموسع :الموت /العدم بعد طواحين الصراع المريرة ..
نفكر في الموت على عجل وكأننا........
نعبر بورتريها للخراب
ص:48وهي تجربة في مواجهة رعب الوجود ،ومحاذاة الموت / العدم لكل الكائنات الوجودية ،ومباشرة فوضاه العارمة في إنشاء أشياء، ومحو أخرى ...
*- الرحيل
تعجز الذات الشاعرة ،عن الوقوف في تحديات الوجود المتنامية ،
فيسكنها هاجس الرحيل، إلى منافي الدنيا عابرة قاطرة الدم ،هروبا من واقع مغترب ، تسكنه سلالات متعددة الوجوه ،وهي غربة في النفس ،وهذه قمة الوعي ودراية الذات الشاعرة بنفسها ،ومعرفتها حق المعرفة ،أنها عاجزة عن ترميم الأكوان ،وإعادة إليها نضارتها وجمالها ،فتغوص في متاهات لامتناهية ،تنشد الرحيل وتتوق إلى الأسفار ،إنما سفر في الذات وفي النفس، لترميم شقوقها وإعادة إليها توازنها المفقود ..
لسفر أعيد فيه ظلي
وأفتح عرشا لنبؤات
ص:29
وتتأجج نار الشوق إلى الرحيل ،وهذا يجلي بوضوح ضيقا في النفس، والتوق إلى الانعتاق ،إلى الهيام ،إلى التحليق ،إلى الحرية التي هي سمة أساسية للمبدع ،وهو هروب في النفس مما تحس به من أوجاع وآلام تتلبسها الذات الشاعرة ، فتنطلق باحثة عن البداية ، عن ولادة جديدة ،كي تنجو من وخز الأوجاع ،فتنتعل أجنحة الطيور لتفر من متسع مدى قاتل ، ..
أوستقد أجنحة الطيور
وأفر هناك
ص:37
يعاسر الذات الشاعرة التحليق ،فتعود خائبة ،لتنطوي على نفسها في خلوتها ، هروبا من صواعق الواقع الحارقة ، لتعيد تراتيب الحياة ولو في الوهم أو المستحيل ..
وإني أذهب صوب نفسي
أذكر أني أذكر في خلوة الهمس ..
ص :53
*- الحلم بين التحقيق وبعد المسافة
تعيش الذات الشاعرة شهية الصراع والتمزقات ،بينها وبين الحياة ، وبينها وبين أشياء جميلة تحلم بها ،وهي محظورة تعانق المستحيل ،إذ يتّسع مدار المسافة بين الرغبة والتحقيق ،بين الحلم والتطبيق ،بين الأمل والوصول ،وهاجس البعد سيظل يطارد ها ...
هذه المسافات واقفة
ص:15
المسافات زوبعة تلو زوبعة
نفس الصفحة
فالمسافات ليست كما نلامسها في الواقع مباشرة ،ولكنها المسافات النفسية ،ما تحس به الذات الشاعرة من عجز لتغيير الواقع المرير حسب ماأرادته هي ،كرغبة نفسية في إعادة عمران الأوضاع على ضفاف مشرقة ، ينتشر ضوؤها على أركان الإنسانية كلها ، وعند العسر تتملى بهالة من الفراغ ،...
بل أنا سيدة أقاليم الفراغ
ص:50
تمتعض النفس وتحس بالخيبة ....
بحجم احتفالات الجثث أحمل الحلم
من نفس الصفحة
مركب للسواحل الميتة
ص:51
مركبي ليس تماما
نفس الصفحة
تهيمن رؤية سوداوية طافحة بالحنين والبكاء ،وانشطار الروح وتمزق الذات والتلاشي الكلي للجسد ،وهذا الإحساس وليد وعي إنساني فياض ،
ولحظة انفعالية، انطلاقا من حساسية متوهجة تنحسر في مجالات وجودية....
شاردة ....تبكي لصفصافة ترتجف
ص:56
لم ظلام الكهوف يجذبني ؟
ص:57
ورغم اليأس والنظرة التشاؤمية ،تأتي أحيانا لحظة الإصرار بكل إرادة قوية، وعزيمة التحدي لاقتلاع الفاكهة من بين الجمر ،ولايضيرها الاحتراق ، لتتجاوز الأوضاع المزرية الراهنة، إلى ماهو أنظف وأرقى ..
نشتهي الفاكهة في الجمر
ص:58
وأنت تؤسس في شهية الآلهة لثمرة التمرد
نفس الصفحة
تشتعل الأماني لإعادة تشكيل الحياة ورسمها بألوان قزحية فتنضاح نضارتها ،وتتضح ألوانها ،غير أن قمم التعثر ترتفع بشدة لتطفئ الحلم ،ويسود الحزن وتستمر العتمة ..
كنت أنتظر أن نرسم لوحة بدأناها مرارا
دراسة في ديوان "دم ميديا سقف قرطاج " للشاعرين جوتيار تمر(العراق ) وضحى بوترعة (تونس)
بقلم :الاديبة مالكة عسال (المغرب )
***مدخل
يقول محمد مندور: "على ضوء هذا الفهم لكلمة النقد نستطيع أن ندرك المقصود من تعريف الأدب بأنه نقد الحياة "
فانظلاقا من هذه القولة يتضح أن الأدب عامة، والشعر خاصة، هو تجربة بشرية نقدية للحياة، بمجالاتها الواسعة والمتعددة ،بما فيها الحياة الإنسانية، بكل أبوابها الاجتماعية والسياسية والثقافية ،الظاهر منها أو الباطن ،أو مابعد الحياة من مصير، والقوى الإلهية وطوارئ الزمان والمكان ،وما يجري من تفاعلات الكائنات الوجودية، من تآلف وصراع ..ومهمة الأديب ليس الوصف وتعداد عناصر الحياة كما تراها العين المجردة ،وإنما الكشف عن العلاقات الحاصلة بينها ،بعين تأملية تحليلية ثاقبة ،ثم إعادة ترتيبها على ضوء رؤياه وتصوره الذهني ،انطلاقا من منظوره الخاص ،وطقوسه الفردانية ،وأفقه المعرفي ،والمؤثرات الثقافية سواء التروستية المتوارثة عن الماضي والأجداد ،أو الكارتيلية المكتسبة من الحياة وتجارب العصر ،فمن خلال هذه القولة ،لي مبادرة اقتحام ديوان "دم ميديا سقف قرطاج لنورسين توحدا على استبصار الحياة، وهما الشاعران المتميزان التونسيان :ضحى بوترعة وجوتيار تمر..
***العتبة الخارجية
*الغلاف
يجاورالغلاف بين لونين: الرمادي والأحمر الداكنين والفاتحين ،وهي صورة انعكاسية لقرارات النفس ،وما تتملاها من عتمة تتخللها انفراجات أحيانا ،وإيقاعات تعيشها الذات الشاعرة ، انطلاقا من صراعها المرير مع الواقع ، الذي أصبح السبب في تذويب جوهر الإنسان، بسلب سلطته على الطبيعة وتحويله إلى مجرد آلة في يد الاستغلال ، تنتزع منه كافة الملامح الإنسانية غصبا ....
*اللوحة
المتمعن فيها بحدس يجدها تنشطر إلى ثلاثة أجزاء
1- الجزء الأول الفضاء الذي تتوسطه غيمة ،أو كتلة دخان داكنة ،والدخان كما هو معلوم لايكون دون نار ،وهو ترميز إلى الاحتراق ،احتراق الذات ،أو لغة القتل المتفشية بين البشر، في نار الحروب المشتعلة والمستمرةعلى إبادة الإنسان ،وجرفه نحو الحتف ..هي صرخة معبرة عن أشياء مؤلمة تتورم في الأعماق ...
2- الجزء الثاني القمة أو المرتفع من الأرض يتوسطها شريط أحمر باهت اللون ويعني احتمالين :
- الاحتمال الأول :الصعود إلى القمة أمر مستعص،نظرا لوجود حواجز الخط الأحمر الذي يعني ممنوع التجاوز ،أي بلغة أخرى هناك ضوابط وثوابت لاقبول تخطيها ،أي ابق حيث أنت ، ولاتتطلع إلى مبتغى آخر ...
- الاحتمال الثاني : السفح والقمة وبينهما شريط أحمر باهت تعني طبقتين من البشر الدنيا والعليا بينهما هوة شاهقة :الطبقة الأولى في السفح تكابد التهميش والجهل والاستغلال والفقر ،تعيش واقعها المرير، بين التردي والإملاق خارج الدائرة والقرار ...والطبقة الثانية في القمة بيدها مراكز القرار، المدبرة والآمرة والناهية تعيش واقعها المترف في رخاء وهناء ..ولون الشريط الأحمر الباهت، يعني أن الهوة آخذة في الردم إن عاجلا أو آجلا ،وستصبح الطبقة المهمشة في القمة ،وهذا هو السر الذي دفع عاصفة الكتابة اجتياح الشاعرين ،لترميم هذا الشرخ الحاصل ،والوصول إلى جوهر الإنسان ليعيش الإنسان إنسانا ...
3- الجزء الثالث وهو عبارة عن صخور، التي تغوص نضاحتها في غيهب دامس، كلما كانت بعيدة ، وهو رمز للشدائد التي تطفح بها الحياة ،وقساوة الدهر وصروفه المتكالبة ،ومايفرضه من تأزم ،وهي رؤيا تأملية إلى الكائنات الوجودية ،لذات شاعرة ذات فعل ،ذات وجود ،ذات شعر ....
*العنوان
رباعي يتألف من جملة اسمية :مبتدأ معرف بالإضافة وخبر معرف بالإضافة كذلك ،صيغ باللون الأحمر القاني ...
-الشطر الأول: دم ميديا صياغة لم توضع اعتباطية مجانية ،وإنما هي مراوغة، لها بعدها الدلالي ، الرامز إلى إراقة الدم إن بفعل التقتيل ،أو بفعل نضالي ،تضحية من أجل العيش بكرامة إنسانية ،أو من أجل الحرية والديموقراطية أو الوطن ،فهذه العناصر النبيلة يستحق افتداؤها بالدم على حد إصرار الشاعرين ...
-الشطر الثاني سقف قرطاج :نقف بداية عند سقف على اختلاف المواد التي بني بها ، هو مايحمي ويقي من الأمطار و البرد و الشمس و العواصف أو الرياح ، ،ويُقصَد بها الأجنحة المتظللة الحامية من كل سوء ،و بعدها الدلالي : بالدم والتضحيات والنضال والأرواح تتم حماية الوطن من الغرباء ،من الاحتلال ،من السلب ..
***المحتوى ،
توَحَّدَ الشاعران طقوسا ومشاعر وكتابة ،في شراكة ليبهرانا برائعتهما،
ومسألة الشراكة لم تقتحم مجال الأدب فحسب ،فقد تسربت أيضا إلى الغناء والفن التشكيلي، بل وحتى الحياة الاجتماعية بين قوسين( الزواج )مثلا ،لتحضير عرس واحد، تتم تكلفته أقل للفرد في ظل الجماعة ...ومسألة الشراكة دعت إليها عدة أشياء، من جملتها الجانب المادي الذي يثقل كاهل المبدع، حيث يستعصي عليه مجابهة إخراج عمله إلى النور على انفراد ..ولا ننكر أن لها إيجابيات محمودة ،في نشر ثقافة الحب والثقة والتضامن ،هذه الخصال الآيلة اليوم نحو الانقراض ...
الكتاب صدر في طبعته الأولى الأنيقة ،من مؤسسة المغاربية للطباعة والإشهار ..تحتوي الأضمومة على 93 صفحة ، تتراوح نصوصها مابين القصيرة والقصيرة جدا ،شاء الشاعران أن يخلياها من العناوين تماما ،ويدرجاها في سياق حكائي ،لازمته المتكررة فعل "قال"للغائب بنوعيه ،حيث نتلمس في النص الأول ملمحا للصورة المدرجة على الغلاف ....
***-التيمات
تتعدد التيمات وتتناسل من منظور الشاعرين ،حسب تصورهما الشخصي ورؤيتيهما للحياة والكون، ومايكتنفهما من غموض وأسرار مبهمة ،جعلتهما في حيرة ، ولا سند لهما غير الشعر كملاذ ساحر ...
*-دور الشعر
الشعر كمؤسس فعلي للإنسانية ،ومُسَكّن للكائن البشري آلامَه ،وبلسم قوي لجراحه ،،له سلطة على تغيير ماهو معتم وغير إنساني ، إلى الحقيقة التي يتوسطها النور ،غير أنه يُسَيّج ويحاصر بآليات القمع ،كي لاتتخطى كلمته النابصة الناهضة الآفاق ،فتشعل وهج التنوير في الأذهان الغافية ،وتحاول تغيير عقلياتها المتحجرة :
ولم يكن الحرف سوى ذبابة في غرفة مغلقة
ص:46
فعَبَدة الجهل والمصالح الخاصة ،ليس في صالحهم أن ترفل الكلمة الواعية ، لتهدهد الجمود وتجتث المتكرَّس ،فتوقظ سنابل الوعي والتطور، خوفا على مصالحهم وكراسيهم ومنابرهم ،وعليه فالمثقف الحقيقي ،لايسجُد لمثل هذه الترهلات والتعقيدات المُهددة ،بل يتحدى الأسوار المطنبة ليكمل رسالته ،أ ليس هو نبي على حد قول أفلاطون ؟؟؟؟
تعال نطهر القصئد المغلولة من بذخ البعد ..
تنضح الخطيئة تفاحا
ص:44
فالقصيدة هي ملاذ الشاعر الفاتن ، الذي يهرب إليه من انكسار الروح وإكسير الحياة وينابيع الألم والعذاب. .
تسكب عريك في جحيم اللغة
ص:86
*- الموت
تفتطن الذا ت الشاعرة أننا في أزمة الخيبة ،ومسألة الكآبة المنقوعة في دموع الأشياء ،وهاجس الموت الذي يطارد الكائنات الوجودية ،تأتي نظرتها من زاويتها الخاصة فريدة إلى الموت،وطعم مرارته،فالموت هو الذي يمنح طعم الإحساس بمتعة الحياة ..وبما أن الموت لايملكه الشاعر،وليست له سلطة عليه لتدجينه أو التحكم فيه ،يبقى القبض على زمامه بالفعل الشعري،وإعطائه رموزا عديدة ومتنوعة ..
زغب الأمنيات في طفولة الميت
ص:32
فالنظرة التأملية للكون والحياة وماوراء الوجود، تأخذ الشاعر في دوامة وحيرة من أمره ، يتطلع باستفهاماته الفلسفية إلى أجوبة علها تشبع نهمه ،فيرتطم بتفريخ أسئلة دون انقطاع ..
الست تفكرين بالتلاشي ..............؟
ألست جمرة تقتفي العطش ؟
ص 26
ويسافر الموت كتفا إلى كتف الذات الشاعرة ،على مدى النصوص كلها ،فتفسح له المجال التأملي بشكله الموسع :الموت /العدم بعد طواحين الصراع المريرة ..
نفكر في الموت على عجل وكأننا........
نعبر بورتريها للخراب
ص:48وهي تجربة في مواجهة رعب الوجود ،ومحاذاة الموت / العدم لكل الكائنات الوجودية ،ومباشرة فوضاه العارمة في إنشاء أشياء، ومحو أخرى ...
*- الرحيل
تعجز الذات الشاعرة ،عن الوقوف في تحديات الوجود المتنامية ،
فيسكنها هاجس الرحيل، إلى منافي الدنيا عابرة قاطرة الدم ،هروبا من واقع مغترب ، تسكنه سلالات متعددة الوجوه ،وهي غربة في النفس ،وهذه قمة الوعي ودراية الذات الشاعرة بنفسها ،ومعرفتها حق المعرفة ،أنها عاجزة عن ترميم الأكوان ،وإعادة إليها نضارتها وجمالها ،فتغوص في متاهات لامتناهية ،تنشد الرحيل وتتوق إلى الأسفار ،إنما سفر في الذات وفي النفس، لترميم شقوقها وإعادة إليها توازنها المفقود ..
لسفر أعيد فيه ظلي
وأفتح عرشا لنبؤات
ص:29
وتتأجج نار الشوق إلى الرحيل ،وهذا يجلي بوضوح ضيقا في النفس، والتوق إلى الانعتاق ،إلى الهيام ،إلى التحليق ،إلى الحرية التي هي سمة أساسية للمبدع ،وهو هروب في النفس مما تحس به من أوجاع وآلام تتلبسها الذات الشاعرة ، فتنطلق باحثة عن البداية ، عن ولادة جديدة ،كي تنجو من وخز الأوجاع ،فتنتعل أجنحة الطيور لتفر من متسع مدى قاتل ، ..
أوستقد أجنحة الطيور
وأفر هناك
ص:37
يعاسر الذات الشاعرة التحليق ،فتعود خائبة ،لتنطوي على نفسها في خلوتها ، هروبا من صواعق الواقع الحارقة ، لتعيد تراتيب الحياة ولو في الوهم أو المستحيل ..
وإني أذهب صوب نفسي
أذكر أني أذكر في خلوة الهمس ..
ص :53
*- الحلم بين التحقيق وبعد المسافة
تعيش الذات الشاعرة شهية الصراع والتمزقات ،بينها وبين الحياة ، وبينها وبين أشياء جميلة تحلم بها ،وهي محظورة تعانق المستحيل ،إذ يتّسع مدار المسافة بين الرغبة والتحقيق ،بين الحلم والتطبيق ،بين الأمل والوصول ،وهاجس البعد سيظل يطارد ها ...
هذه المسافات واقفة
ص:15
المسافات زوبعة تلو زوبعة
نفس الصفحة
فالمسافات ليست كما نلامسها في الواقع مباشرة ،ولكنها المسافات النفسية ،ما تحس به الذات الشاعرة من عجز لتغيير الواقع المرير حسب ماأرادته هي ،كرغبة نفسية في إعادة عمران الأوضاع على ضفاف مشرقة ، ينتشر ضوؤها على أركان الإنسانية كلها ، وعند العسر تتملى بهالة من الفراغ ،...
بل أنا سيدة أقاليم الفراغ
ص:50
تمتعض النفس وتحس بالخيبة ....
بحجم احتفالات الجثث أحمل الحلم
من نفس الصفحة
مركب للسواحل الميتة
ص:51
مركبي ليس تماما
نفس الصفحة
تهيمن رؤية سوداوية طافحة بالحنين والبكاء ،وانشطار الروح وتمزق الذات والتلاشي الكلي للجسد ،وهذا الإحساس وليد وعي إنساني فياض ،
ولحظة انفعالية، انطلاقا من حساسية متوهجة تنحسر في مجالات وجودية....
شاردة ....تبكي لصفصافة ترتجف
ص:56
لم ظلام الكهوف يجذبني ؟
ص:57
ورغم اليأس والنظرة التشاؤمية ،تأتي أحيانا لحظة الإصرار بكل إرادة قوية، وعزيمة التحدي لاقتلاع الفاكهة من بين الجمر ،ولايضيرها الاحتراق ، لتتجاوز الأوضاع المزرية الراهنة، إلى ماهو أنظف وأرقى ..
نشتهي الفاكهة في الجمر
ص:58
وأنت تؤسس في شهية الآلهة لثمرة التمرد
نفس الصفحة
تشتعل الأماني لإعادة تشكيل الحياة ورسمها بألوان قزحية فتنضاح نضارتها ،وتتضح ألوانها ،غير أن قمم التعثر ترتفع بشدة لتطفئ الحلم ،ويسود الحزن وتستمر العتمة ..
كنت أنتظر أن نرسم لوحة بدأناها مرارا