المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لعبة المعنى.. وبلاغة التلقّي!


أحمد حسن محمد
23-09-2008, 11:11 PM
تبدأ اللعبة حين يحكِّم الكاتبُ حالتَه الإبداعية في عملية تحديد المقادير الخاصة واللازمة للتعبير بنجاح. ومن المشهود به أن -في كل مجال من مجالات الكتابة أو مجالات الفن عامة- أدوات، وهذه الأدوات تحكمها مجموعة من القواعد عند استخدامها. وحين يتبع الكاتب قواعد استخدام الأدوات فإنه ينشئ نصًا مفهومًا يتواصل مع المتلقي بحكم ما تم الإجماع عليه من عمومية القاعدة وانتشارها وألفة طاعتها بين المبدع والمتلقي.
لكن لعبة المعنى في حالة النص الإبداعي -أو النص الراقي- لا تعتمد قوانين الجمهور البسيط وحسب. إنها تتخذ أدواتها من المشهور المألوف المعياري حين ترى أن في ذلك مصلحة التعبير فتنصب اسم "إن" بها إذا أرادت تأكيد الخبر عن ذلك الاسم. ولكنها تصنع أدوات خاصة بها حين تتطلب الحاجة، وحينئذ فإنها تورد "إن" قبل اسم وخبر، ولكنها لا تنصب الاسم بـالأداة، فكأن الجملة المجبولة على تلك الخلقة تقول أمرًا شائعًا وأمرًا غير شائع: فحين قال الله تعالى على لسان السحرة "إنّ هذان لساحران"، فإن "هذان" لم ترضخ للتأثير الإعرابي التوكيدي الكامن في "إن". وكأن الجملة كانت تحمل نوعين من العلاقات:
- علاقة شائعة غير مفعلة: حسب القاعدة المعيارية، من حيث "إن" أداة نصب وتوكيد. وهذا ما كان عليه اعتقاد السحرة ومن حولهم من آل فرعون. بل من المعتقد أنه كان التفكير الشائع بين الجمهور الحاضر -الذي يعتقد أن أي عمل خارج عن قدرة الطبيعة البشرية إنما هو سحر، وليس داخلا في عباءة الدين ومعجزاته- بحكم أنه اعتمد على أدوات القاعدة المعيارية من نصب "إن" لما بعدها. وهذا يناسب فكر الجمهور.
- علاقة خاصة مفعلة: وهي في أن "إن" لم تعمل النصب والتوكيد فيما بعدها، مشيرة إلى أن وجهة النظر الشائعة لم تكن صحيحة. ومن ثم لم تُفعّل خاصية النصب والتوكيد. (وسوف يتم مناقشة تلك المسألة بأشكال كثيرة في نصوص لاحقة، وبتوضيح أكثر).
هنا لم تكن اللغة وعلاقاتها وسيلة التعبير الجامدة، ولكنها وسيلة التعبير الحية. في جملة واحدة حضرت الأدوات المعروفة، ولكنها تخلت عن القاعدة الخاصة بها من أجل تحقيق نوع من النفي بالتعطيل؛ تعطيل الأداة عن دورها فيؤدي ذكرُها وظيفة، ويؤدي تعطيلها وظيفة أخرى في الوقت نفسه.
تلك الإبداعية في تأدية المعنى لها أشكال كثيرة، وطرق لا يبلغها إلا من صدقت فيه صفات الفروسية التي حكى عنها ابن جني في خصائصه (كما سنرى في الدراسة لاحقًا). ومثل لعبة المعنى بأدوات اللغة فإن هناك لعبة المعنى بأدوات العروض والأوزان الشعرية.. اللعبة التي نوّعت الأوزان لتؤدي كل نغمة وظيفة ما أو معنى ما أو إحساسًا ما أو فكرة ما. وخلقت لها مبدأ الضرورة الإبداعية (الشعرية) وزحّفت وصنعت العلل، وأرسلت القافية وكتبت السطر بدل البيت.
في الحقيقة ليس معيار الحكم على اللعبة هو القديم والحديث أو المعياري أو المخترع، أو قواعد البلاغة التي يطبقها القارئ على أي نص دون تمييز لظروف النص عن غيره، ولكن الحاجة هي المعيار، حاجة النص لكي يمكنه التبليغ كما ينبغي، وحاجة الكاتب لكي ينقل إلى القارئ صفاته الشخصية من الاختصار أو الاسترسال أو الحكمة أو الإدراك أو القصور أو أو أو (واعيًا أو غير واع). وأخيرًا الجزء الخاص بالقارئ أو المتلقي وهو الذي عبّر عنه الباحث في عنوان الكتاب بقوله "بلاغة التلقّي" تلك التي تحمل معنى "آلية النقد المتعاطف" الذي ينطلق من إحساسه بالجمال والتفاهم الناضج مع حالة الكلمة والعلاقة بين الكلمتين والموقف وظروف الكاتب ونصه واحتمالات المعاني والأفكار الكامنة في النص المقروء.
في هذه الدراسة حاول الباحث -قدرَ استطاعته- أن يرصد بعض قوانين اللعبة بين القديم والحديث، لعبة الكتابة ولعبة المعنى بين بلاغة المبدع وبلاغة المتلقي، وكرة الأدوات والقواعد بين القارئ والمتلقي نحو المناسب والمراد والمحتمل والمرغوب فيه ومصلحة البلاغة المتفتحة غير الجامدة.
والقوانين المرصودة تعبِّر عن نفسها في تطبيقات شعرية ونثرية بين القديم والحديث. وبين الفصحى والعامية. حتى أنها كانت رصدًا للحاجة الكامنة في العلاقات اللغوية أو النحوية أو العروضية الموجودة في نص ما.

أحمد حسن محمد
23-09-2008, 11:20 PM
1- آلية النقد المتعاطف (قديمًا وحديثًا):
إن محاولة البحث هنا لا تخضع لمنظور بلاغي، وإنما هي محاولة في النقد من منظور أسلوبي: حيث يسعى الباحث إلى تعليل الظاهرة بعد أن يتقرر وجودها . متذرعًا بمنطق التعليل والتبرير كما دلَّنَا عليه معلمُنا العبقريُ الخليلُ بن أحمد (ت175 هـ) الذي يُعَدُّ مِنْ أوَّل من أشار إلى التعليل من علماء العربية القدماء حين أجاب رفيقًا له سأله يومًا عن مصدر تعليلاته: هل أخذها عن العرب، أم اخترعها من نفسه؟ فقال: " إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة، فهو الذي التمست، وإن لم تكن هناك علة له، فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها "
وما أقرته لنا ملاحظة صاحب الكتاب:‏ وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا‏ .‏ ملازمًا لما ورد من قوله: أو لعل الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر"
وبناء عليه، فإن ما يقدِّمه الباحث الآن ليس إلا تجربة تمثل -في علم الأسلوب- ما يُسَمَّى بــ"النقد المتعاطف" كما شرحه الناقد صلاح فضل في علم الأسلوب (مبادئه وإجراءاته) (صــ70، 71، الطبعة الأولى، دار الشروق). فالعمل الأدبي ككلٍّ ينبغي إعادة التقاطه من داخله وفي شموليته، مما يقتضي تعاطفًا معه ومع مبدعه. "ولو أنا أردنا الحق فإن أي شرح للنص وأية دراسة فيلولوجية ينبغي أن تنطلق من نقد لجمالياته، مفترضة كمال العمل الذي تدرسه، وخاضعة لنوع من إرادة التعاطف معه". وهذا ما طبقه "سبتسر" على دراساته المستفيضة لكل من "ثيربانتيس" و "ديدرو" و "كلاوديل" و"رومان" و "برست" وغيرهم.
مجرد قبول النص الأدبي دلالة على أن جمالياتٍ نصوصيةً مخبوءةٌ داخل لغة هذا النص، وعدم استخدامها من قبل يعود إلى أسرار بلاغية لم تتفتق للشعراء بينما تفتقت لهم أسرار إبداعية أخرى استثمروها وأفادوا منها حتى أنهكوها، ولم تعد صالحة لنا كإبداع جديد. .
وبما أن الشعر هو حالة تمثل لغوي راقية، وأنه تجسد فنيّ لأبلغ مستويات الإبداع اللغوي قولًا وإدراكًا؛ ومن ثَمَّ فهو حساسية انفعالية عالية، يمارسها الإنسان بعد بلوغه مستواها الذي هو تلاحم حضاري للواقع ويمثله الفرد، مع الوجدان الجمعي للغة ويمثلها الموروث اللغوي، وبذلك تتمازج درجات الإبداع بين ما هو فردي وخاص وما هو جمعي وموروث. ومن هنا فإن القصيدة هي خلاصة هذا التوحد الإلهامي الذي به يتحقق (انبثاق اليوم من الأمس) كما يقول رولان بارت .