عاطف الجندى
17-09-2008, 01:02 AM
بقلم / عبد المنعم شلبى
مجموعة جديدة قدمها لنا الشاعر المبدع " عاطف الجندى " اختار منها قصيدة للنار أغنية أخيرة ليجعلها عنوانًا للمجموعة كلها 0 و هى تأتى بعد : بلا عينيك لن أبحر و مرايا النفس 0 و قد سعدت بقراءة المجموعتين و كتبت عنهما 0 و شرفت بقراءة المجموعة الجديدة ، لأننى وجدت نفسى أمام شاعر عربى أصيل حفر اسمه بحروف بارزة فى قائمة شعراء العروبة الأفذاذ0
لقد لفت انتباهى غلاف المجموعة الخارجى ، فهو يعرض مشهد لزهور ملونة ، و فراشة باسطة جناحيها ، و طفلة جميلة بريئة الملامح بأجنحة مرفوعة إلى الأفق العالى ، و كأنها إحدى ملكات الرحمة كما تخيلها الإنسان 0 و العنوان أفقى تحت تحت المشهد " للنار أغنية ٌ أخيرة " كأن للنار أغنيات كثيرة ، أهمها كما يرى الشاعر هو هذه الأغنية الجميلة التى يوحى بها هذا المشهد 0 هكذا اشتط بى الخيال !!
النار ، رغم أنها تحرق و تعذب ، و قد توعد الله بها المذنبين المارقين 0 فإنها تنير الظلمة و تدفىء المقرور 0 و تكون بردًا و سلامًا على من تشمله عناية الله و هى أيضًا نار الحب ، وجنة المحبين العاشقين 0
فهل أراد الشاعر إلى أن يؤكد هذه المعانى الأخيرة حين اختار المشهد و العنوان ؟0 أم أنه أراد إلى أن يجذب القارىء حتى يوقعه فى شباكه ، ثم يدخله بعد ذلك فى آتون نار محرقه ؟0
تضم المجموعة خمسًا و عشرين قصيدة 0 أهداها إلى " ذكرى أبى و أخى ، و طيبة أمى ، وروعة أخوتى 0 نبض قلبى و هديل مشاعرى "0
و صدَّرها بقصيدة " الشاطىء المأمول " و هو عنوان يوحى بأن الشاعر يسبح فى محيط تتلاطم أمواجه ، و قد أنهكته السباحة 0 و لكنه يأمل فى أن يصل إلى شاطىء آمن يلجأ اليه و يستريح إلى دفئه و أمانه 0 و الشاطىء الذى يأمله هو جراح القلب :
" شكرًا
لمن أهدت لنبض قصائدى
جرحًا جديدًا
فوق جرح دواتى
عينان من عسل ٍ ،
و حسن ٌ طازج ٌ
و الذكرياتُ
سكبن لون مواجعى
و أقمن حفلا ً
فى سهاد حياتى
سافرت فى بحر العيون الزرق ِ
ألف قصيدة ٍ
و قصيدة ً
و مراكبى
تعبت من الأمواج و النوات ِ00 "
و كأنه بهذا البيت الأخير ، يذكرنا بقصيدته " بلا عينيك لن أبحر "و فى قصيدته " دمعتان للوداع " يقول لحبيبته ِ : " قبلينى
قبلة الموت الأخيرة
أجلسينى فى ضياء الكبرياء ِ
دثرينى بالأناشيد الحزينة ْ
عمديني بالتقاليد العقيمة
علني فى الموت ألقى
وجهنا الليلي َّ يزهو بالضياء ِ
***
آه ، يا ذات العيون الفاطمية ْ
آه يا ذات الجدائلْ 00
و الروائح ُ عنبرية ْ
أطفئت أضواء عمرى
فى الليالي الفوضوية
كلما أغقلتُ بابًا
فى عيون الحزن ِ
نادتني خطاه القيصرية ْ
قف مكانكْ
أيها المطرود من سحر المرايا
و الأهازيج الجميلة ْ00
و الأزاهير الندية ْ
دع لقيصرْ
ما لقيصرْ
وارتحل نحو الزحامْ
آه يا قمري المسافرَ
في انكساراتِ الغمامْ
آه يا عمري الذي قد كُنته
عاماً فعامْ
تائهًا في الدرب حيناً
ثم حيناً
في فضاءاتِ اليمامْ
.... ثم تُرديني المنيةْ
***
آه يا ذات العيونِ المريميةْ
لم يعدْ في الدرب شيءٌ ,
غيرُ مجهولِ الهويةْ ,
و انكساراتِ التمني,
و اللصوصِ البربريةْ
سارقي حُلم الشعوبِ ,
سارقي بنكَ العقولِ ,
سارقي صبح الحقولِ ِالسُّندسيةْ "
ففى هذا المقطع ركزالشاعر على " دثرينى 0 عمدينى 0 يا ذات العيون الفاطمية 0 يا ذات العيون المريمية 0 الليالى الفوضوية 0 خطاه القيصرية 0 المسافر فى انكسارات الغمام ، لقد جمع الشاعر فى هذه العبارات بين القرآن و الإنجيل 0 بين فاطمة الزهراء و مريم البتول 0
فالكل واقع تحت الفوضى و ظلم القيصر0 و صار الجميع مسافرًا فى انكسارات الغمام 0
فى قصيدته " للنار أغنية ٌ أخيرة " أحسست و أنا أقرأها أن الخيال الذى عشته و أنا أتأمل لوحة الغلاف ، كان خيالا ً ناقصًا 0 فقد أنسانى إحساسى بجمالها ، أن للنار أدوات أخرى تعزف بها موسيقاها العدائية0 هى رصاص الغضب و الحقد و الضغينة الذى ينطلق فجأة فيقتل المعرس فى يوم عرسه و القائد فى يوم احتفاله بالنصر و يحيل جمال اللوحه إلى رماد شائه :
"عرافة الأخبار قالت لى :تموت ..
فى حفلة التتويج ِ
تسقط بين فكَّي عنكبوتْ
فى يوم عرسك يا فتى ..
و الكل نشوان سعيد
و عروسك السمراء ترفل كالمنى
فى ثوب عيد
كل الرفاق تحزبوا
وتأملوا منك الخلاص
لم تبق غير هنيهة ٍ
كيما تعبأ بالرصاصْ
أثناء تأدية التحية ْ
أحسست وأنا أقرأ هذه القصيده أن الشاعر منفعل بالحدث و أن انفعاله قاده إلى المباشرة في التعبير عنه : في حفلة التتويج – في يوم عرسك – تحزبوا وتأملوا منك الاخلاص – كيما تعبأ بالرصاص – أثناء تأدية التحية 0
وينتقل الشاعر من أغنية النار الأخيرة 0 إلي " الجرح " الذي أحدثته حبيبته في قلبه بفراقها 0 فكأن القتيل حين فارقه قد أحدث في قلبه جرحاً عميقاً كالذي أحدثته حبيبة به حين فارقته :" أضحي شبيهك في الوجود قليلاً 00
لا , بل نسيت فما رأيت مثيلا 0
لا الشمس في سحر الشروق
لك الصدى
والبدر يشقي كي يكون جميلا
الطير باسمك في الوجود مردد
عزف الأماني إذ أراد وصولا
والنحل أصبح للزهور مفارقا
وأتي شفاهك يجمع المعسولا
و الزهر بعض من بهاك ِ
علي المدى
والأرض توشك - في الخطى - التقبيلا
وأنا أمامك مثل طيف ضائع 0
يرجو الوصال ويأمل التدليلا 000"
ويبدو أن الحبيبة هي أمته العربية أو المصرية فهي ذات شفاه كثيرة والزهر بعض ٌ من بهائها 0 والأرض توشك أن تقبل أقدام ساكنيها 0
وهو يناديها متبتلا في محراب حبها : " يادفقة الضوء المقطر بالندي 00 وفراشة الأحلام يا قنديلا00)0 ويواصل تبتله فيقول :
" هل تسمحين بأن أكون مصيفاً
في زرقة العينين أو جندولا ؟
هل تسمحين بأن أكون حديقة ً
فى بيد عمرك أو أكون النيلا ؟
يا شوكة ً
فى القلب دامية ً ، هنا
جرح التنائىَ ما يزال عليلا
نبض ٌ يناشدك البقاء لحلمنا
و يقول صدقًا بكرة ً و أصيلا ً
إن كنت قد رمت الفراق أقولها
هذا فؤادىَ
فانظريه قتيلا ! "
لا أدرى لماذا فصل الشاعر بين هذه القصائد و ما بعدها بعنوان فى صفحة مستقلة ؟ " تنويعات على جرح الوطن " مع أن هذه القصائد كلها تنبع من عاطفة واحدة 00 الشاعر قلبه ينبض بحب و طنه الكبير ، وطن العروبة بتاريخه و تراثه ، بحضارته و ثقافته ، بلغته ووحدة أراضيه 0 و هو يعانى آلام أمته فيقول فى قصيدة " الجرائد :
" تقاتلنى الجرائد كل يوم ٍ
و تضربنى بدانات الشقاء ِ
إذا حاولت تفسير المخازي
و حب السير فى ثوب الغباء ِ
أهذى أمة ٌ سادت قرونًا
و كانت واحة ً للكبرياء ؟!
سؤالٌ قد أطل ببهو بوحي
و نام مقيدًا خلف الضياء ! "
و يزداد احساسه بالآلام لما أصاب هذه الأمة فيقول :
" تطالعنى الحقائق كل يوم ٍ
فأقرأ ما يخط الحزن فينا
هنا بغداد تحت الليل تبكي
فتسمعها ( مليلة ) أن سُبينا
إلى الصومال و السودان نزفي
إلى لبنان و القدس و سينا
جراح من جراح ٍ فى جراح ٍ
و نحن فى ثياب الخائفينا
تركنا ما عرفنا من "أعدوا 00"
فزاد الزهو
واغتالوا الأمينا !
و ينظر الشاعر إلى المستقبل البعيد فيراه أشد قتامة و كآبة لأنه نابع من حاضر كئيب ملىء بالذل و الخنوع فيكتب رسالة إلى مولود عربى قادم " و كأنه يعتذر له عن عجزنا و مهانتنا و عدم قدرتنا على تهيئة حياة كريمة له فيقول : "ولدى الحبيب
يا من أتيت إلى الحياة ِ
و لم تر الوجه القبيح َ
بيومنا الماضى الكئيب 0
يومًا ستسأل يا صغيرى َ
كيف سار بدربنا الذل البغيض ؟!
أو كيف نام النجم ُ
فى حضن التشرزم و الحضيض ؟
أو كيف صرنا من بغاث الطير نخشى 00
و الذباب ؟!
الملح فى أفواهنا حلو ٌ
بأمر النار و الدولار و الفكر المعاب
هذا لأن القمح فى أعماقنا
ما عاد ينمو و الضمير
فبأيِّ حق ٍ يا بنى تريدنا
أن نطلب التبجيل من رب الشعير ؟!
و بأيِّ وجه ٍ
سوف نبقى فى الحياة ؟!
مد اليدين طريقنا
لا درب تقرير المصير ! "
و تتوالى تنويعات الشعر على جرح الوطن ، ما بين قصائد قصيرة فى طول الومضة و متوسطة فى حجم الصرخة و طويلة فى إمتداد الكآبة التى نعيشها 0
الشاعر عاطف الجندى مهموم بوطنه الكبير 0 يحتضنه بحب قل أن نجد له نظير بين شعرائنا المعاصرين 0 و هو شاعر أصيل يتمسك ببحور الشعر و أوزانه و قوافيه و إيقاعاته بلغة شاعرية تتدفق جمالا ً 0 و إن كان فى بعض الأحايين يجنح إلى شعر التفعيلة الذى قد يدفعه إلى النثر الذى أعيذه منه 0 و إنى أحييه و أدعو النقاد الجادين إلى الإلتفات إليه و متابعته فهو أهل ٌ لذلك 0
***
مجموعة جديدة قدمها لنا الشاعر المبدع " عاطف الجندى " اختار منها قصيدة للنار أغنية أخيرة ليجعلها عنوانًا للمجموعة كلها 0 و هى تأتى بعد : بلا عينيك لن أبحر و مرايا النفس 0 و قد سعدت بقراءة المجموعتين و كتبت عنهما 0 و شرفت بقراءة المجموعة الجديدة ، لأننى وجدت نفسى أمام شاعر عربى أصيل حفر اسمه بحروف بارزة فى قائمة شعراء العروبة الأفذاذ0
لقد لفت انتباهى غلاف المجموعة الخارجى ، فهو يعرض مشهد لزهور ملونة ، و فراشة باسطة جناحيها ، و طفلة جميلة بريئة الملامح بأجنحة مرفوعة إلى الأفق العالى ، و كأنها إحدى ملكات الرحمة كما تخيلها الإنسان 0 و العنوان أفقى تحت تحت المشهد " للنار أغنية ٌ أخيرة " كأن للنار أغنيات كثيرة ، أهمها كما يرى الشاعر هو هذه الأغنية الجميلة التى يوحى بها هذا المشهد 0 هكذا اشتط بى الخيال !!
النار ، رغم أنها تحرق و تعذب ، و قد توعد الله بها المذنبين المارقين 0 فإنها تنير الظلمة و تدفىء المقرور 0 و تكون بردًا و سلامًا على من تشمله عناية الله و هى أيضًا نار الحب ، وجنة المحبين العاشقين 0
فهل أراد الشاعر إلى أن يؤكد هذه المعانى الأخيرة حين اختار المشهد و العنوان ؟0 أم أنه أراد إلى أن يجذب القارىء حتى يوقعه فى شباكه ، ثم يدخله بعد ذلك فى آتون نار محرقه ؟0
تضم المجموعة خمسًا و عشرين قصيدة 0 أهداها إلى " ذكرى أبى و أخى ، و طيبة أمى ، وروعة أخوتى 0 نبض قلبى و هديل مشاعرى "0
و صدَّرها بقصيدة " الشاطىء المأمول " و هو عنوان يوحى بأن الشاعر يسبح فى محيط تتلاطم أمواجه ، و قد أنهكته السباحة 0 و لكنه يأمل فى أن يصل إلى شاطىء آمن يلجأ اليه و يستريح إلى دفئه و أمانه 0 و الشاطىء الذى يأمله هو جراح القلب :
" شكرًا
لمن أهدت لنبض قصائدى
جرحًا جديدًا
فوق جرح دواتى
عينان من عسل ٍ ،
و حسن ٌ طازج ٌ
و الذكرياتُ
سكبن لون مواجعى
و أقمن حفلا ً
فى سهاد حياتى
سافرت فى بحر العيون الزرق ِ
ألف قصيدة ٍ
و قصيدة ً
و مراكبى
تعبت من الأمواج و النوات ِ00 "
و كأنه بهذا البيت الأخير ، يذكرنا بقصيدته " بلا عينيك لن أبحر "و فى قصيدته " دمعتان للوداع " يقول لحبيبته ِ : " قبلينى
قبلة الموت الأخيرة
أجلسينى فى ضياء الكبرياء ِ
دثرينى بالأناشيد الحزينة ْ
عمديني بالتقاليد العقيمة
علني فى الموت ألقى
وجهنا الليلي َّ يزهو بالضياء ِ
***
آه ، يا ذات العيون الفاطمية ْ
آه يا ذات الجدائلْ 00
و الروائح ُ عنبرية ْ
أطفئت أضواء عمرى
فى الليالي الفوضوية
كلما أغقلتُ بابًا
فى عيون الحزن ِ
نادتني خطاه القيصرية ْ
قف مكانكْ
أيها المطرود من سحر المرايا
و الأهازيج الجميلة ْ00
و الأزاهير الندية ْ
دع لقيصرْ
ما لقيصرْ
وارتحل نحو الزحامْ
آه يا قمري المسافرَ
في انكساراتِ الغمامْ
آه يا عمري الذي قد كُنته
عاماً فعامْ
تائهًا في الدرب حيناً
ثم حيناً
في فضاءاتِ اليمامْ
.... ثم تُرديني المنيةْ
***
آه يا ذات العيونِ المريميةْ
لم يعدْ في الدرب شيءٌ ,
غيرُ مجهولِ الهويةْ ,
و انكساراتِ التمني,
و اللصوصِ البربريةْ
سارقي حُلم الشعوبِ ,
سارقي بنكَ العقولِ ,
سارقي صبح الحقولِ ِالسُّندسيةْ "
ففى هذا المقطع ركزالشاعر على " دثرينى 0 عمدينى 0 يا ذات العيون الفاطمية 0 يا ذات العيون المريمية 0 الليالى الفوضوية 0 خطاه القيصرية 0 المسافر فى انكسارات الغمام ، لقد جمع الشاعر فى هذه العبارات بين القرآن و الإنجيل 0 بين فاطمة الزهراء و مريم البتول 0
فالكل واقع تحت الفوضى و ظلم القيصر0 و صار الجميع مسافرًا فى انكسارات الغمام 0
فى قصيدته " للنار أغنية ٌ أخيرة " أحسست و أنا أقرأها أن الخيال الذى عشته و أنا أتأمل لوحة الغلاف ، كان خيالا ً ناقصًا 0 فقد أنسانى إحساسى بجمالها ، أن للنار أدوات أخرى تعزف بها موسيقاها العدائية0 هى رصاص الغضب و الحقد و الضغينة الذى ينطلق فجأة فيقتل المعرس فى يوم عرسه و القائد فى يوم احتفاله بالنصر و يحيل جمال اللوحه إلى رماد شائه :
"عرافة الأخبار قالت لى :تموت ..
فى حفلة التتويج ِ
تسقط بين فكَّي عنكبوتْ
فى يوم عرسك يا فتى ..
و الكل نشوان سعيد
و عروسك السمراء ترفل كالمنى
فى ثوب عيد
كل الرفاق تحزبوا
وتأملوا منك الخلاص
لم تبق غير هنيهة ٍ
كيما تعبأ بالرصاصْ
أثناء تأدية التحية ْ
أحسست وأنا أقرأ هذه القصيده أن الشاعر منفعل بالحدث و أن انفعاله قاده إلى المباشرة في التعبير عنه : في حفلة التتويج – في يوم عرسك – تحزبوا وتأملوا منك الاخلاص – كيما تعبأ بالرصاص – أثناء تأدية التحية 0
وينتقل الشاعر من أغنية النار الأخيرة 0 إلي " الجرح " الذي أحدثته حبيبته في قلبه بفراقها 0 فكأن القتيل حين فارقه قد أحدث في قلبه جرحاً عميقاً كالذي أحدثته حبيبة به حين فارقته :" أضحي شبيهك في الوجود قليلاً 00
لا , بل نسيت فما رأيت مثيلا 0
لا الشمس في سحر الشروق
لك الصدى
والبدر يشقي كي يكون جميلا
الطير باسمك في الوجود مردد
عزف الأماني إذ أراد وصولا
والنحل أصبح للزهور مفارقا
وأتي شفاهك يجمع المعسولا
و الزهر بعض من بهاك ِ
علي المدى
والأرض توشك - في الخطى - التقبيلا
وأنا أمامك مثل طيف ضائع 0
يرجو الوصال ويأمل التدليلا 000"
ويبدو أن الحبيبة هي أمته العربية أو المصرية فهي ذات شفاه كثيرة والزهر بعض ٌ من بهائها 0 والأرض توشك أن تقبل أقدام ساكنيها 0
وهو يناديها متبتلا في محراب حبها : " يادفقة الضوء المقطر بالندي 00 وفراشة الأحلام يا قنديلا00)0 ويواصل تبتله فيقول :
" هل تسمحين بأن أكون مصيفاً
في زرقة العينين أو جندولا ؟
هل تسمحين بأن أكون حديقة ً
فى بيد عمرك أو أكون النيلا ؟
يا شوكة ً
فى القلب دامية ً ، هنا
جرح التنائىَ ما يزال عليلا
نبض ٌ يناشدك البقاء لحلمنا
و يقول صدقًا بكرة ً و أصيلا ً
إن كنت قد رمت الفراق أقولها
هذا فؤادىَ
فانظريه قتيلا ! "
لا أدرى لماذا فصل الشاعر بين هذه القصائد و ما بعدها بعنوان فى صفحة مستقلة ؟ " تنويعات على جرح الوطن " مع أن هذه القصائد كلها تنبع من عاطفة واحدة 00 الشاعر قلبه ينبض بحب و طنه الكبير ، وطن العروبة بتاريخه و تراثه ، بحضارته و ثقافته ، بلغته ووحدة أراضيه 0 و هو يعانى آلام أمته فيقول فى قصيدة " الجرائد :
" تقاتلنى الجرائد كل يوم ٍ
و تضربنى بدانات الشقاء ِ
إذا حاولت تفسير المخازي
و حب السير فى ثوب الغباء ِ
أهذى أمة ٌ سادت قرونًا
و كانت واحة ً للكبرياء ؟!
سؤالٌ قد أطل ببهو بوحي
و نام مقيدًا خلف الضياء ! "
و يزداد احساسه بالآلام لما أصاب هذه الأمة فيقول :
" تطالعنى الحقائق كل يوم ٍ
فأقرأ ما يخط الحزن فينا
هنا بغداد تحت الليل تبكي
فتسمعها ( مليلة ) أن سُبينا
إلى الصومال و السودان نزفي
إلى لبنان و القدس و سينا
جراح من جراح ٍ فى جراح ٍ
و نحن فى ثياب الخائفينا
تركنا ما عرفنا من "أعدوا 00"
فزاد الزهو
واغتالوا الأمينا !
و ينظر الشاعر إلى المستقبل البعيد فيراه أشد قتامة و كآبة لأنه نابع من حاضر كئيب ملىء بالذل و الخنوع فيكتب رسالة إلى مولود عربى قادم " و كأنه يعتذر له عن عجزنا و مهانتنا و عدم قدرتنا على تهيئة حياة كريمة له فيقول : "ولدى الحبيب
يا من أتيت إلى الحياة ِ
و لم تر الوجه القبيح َ
بيومنا الماضى الكئيب 0
يومًا ستسأل يا صغيرى َ
كيف سار بدربنا الذل البغيض ؟!
أو كيف نام النجم ُ
فى حضن التشرزم و الحضيض ؟
أو كيف صرنا من بغاث الطير نخشى 00
و الذباب ؟!
الملح فى أفواهنا حلو ٌ
بأمر النار و الدولار و الفكر المعاب
هذا لأن القمح فى أعماقنا
ما عاد ينمو و الضمير
فبأيِّ حق ٍ يا بنى تريدنا
أن نطلب التبجيل من رب الشعير ؟!
و بأيِّ وجه ٍ
سوف نبقى فى الحياة ؟!
مد اليدين طريقنا
لا درب تقرير المصير ! "
و تتوالى تنويعات الشعر على جرح الوطن ، ما بين قصائد قصيرة فى طول الومضة و متوسطة فى حجم الصرخة و طويلة فى إمتداد الكآبة التى نعيشها 0
الشاعر عاطف الجندى مهموم بوطنه الكبير 0 يحتضنه بحب قل أن نجد له نظير بين شعرائنا المعاصرين 0 و هو شاعر أصيل يتمسك ببحور الشعر و أوزانه و قوافيه و إيقاعاته بلغة شاعرية تتدفق جمالا ً 0 و إن كان فى بعض الأحايين يجنح إلى شعر التفعيلة الذى قد يدفعه إلى النثر الذى أعيذه منه 0 و إنى أحييه و أدعو النقاد الجادين إلى الإلتفات إليه و متابعته فهو أهل ٌ لذلك 0
***