المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات مُختارة


د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:45 AM
مقالات مختارة
...................




وأنت تطالع مجلة أو كتاباً تستوقفك بعض المقالات والقصائد والقصص، فتتمنى لو قرأها غيرك من الكتاب والمبدعين، في هذا المكان سنقدم لك بعضاً مما يُصادفنا:

حسين علي محمد
ـــــــــــــــــــــــــــــ


أوربا والإسلام

بقلم: أحمد حسن الزيات

.............................


«شيّع الناس بالأمس عاماً قالوا إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عاماً يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلماً سيعقبه دمار!
حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الدكتاتورية، وزعما للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تُمثل الإخاء والمُساواة، فالحرب بينهما وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض، والتعصب للجنس، والتطلع إلى السيادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل. ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطّوه على مياه «الأطلسي» واتخذوا من الحريات الأربع التي ضمنها هذا الميثاق مادة شغلت الإذاعة والصحافة والتمثيل والتأليف أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح ينزلون كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت وتشرشل وستالين، وأن الله الذي أكمل الدين وأتم النعمة وختم الرسالة قد عاد وأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرأوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو!
وعلى هذا الوهم الأثيمِ بذلت الأممُ الصُّغرى للدول الكبرى قسطها الأوفى من الدموعِ والدماءِ والعرق؛ فأقامت مصرُ من حريتها وسلامتها في «العلمين» سدا دون القناة، وحجزت تركيا بحيادها الودي سيل النازية عن الهند، وفتحت إيران طرقها البحرية والبرية ليمر منها العتادُ إلى روسيا، ولولا هذه النعم الإسلامية الثلاث لدقّت أجراسُ النصر في كنائس أخرى!
ثم تمّت المعجزة، وصُرع الجبارون، ووقف الأنبياء الثلاثة على رؤوس الشياطين الثلاثة يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلّعت شعوب الأرض إلى مشارق الوحي في هذه الوجوه القدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقرون تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تُنتهك؛ وإذا التسابيح والتراتيل عُواء وزئير، والوعودُ والمواثيقُ خداعٌ وتغريرٌ، وإذا الديمقراطية والشيوعيةُ والنازيةُ والفاشيةُ كلها ألفاظٌ تترادفُ على معنى واحد: هو استعمارُ الشرقِ واستعبادُ أهله!.
إذن برِحَ الخفاء وانفضح الرياء، وعادت أوربا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام!
هذه إيرانُ المسلمة، ضمِن استقلالَها الأقطابُ الثلاثة، حتى إذا جَدَّ الجد تركوها تضطرب في حلق الدب، ثم خلصوا نجيا إلى فريسة أخرى!
وهذه تركية المسلمة، واعدوها وعاهدوها يوم كانت النازية الغازية تحوم حول ضفاف الدردنيل، وهم اليوم يخلونها وجهاً لوجه أمام هذا الدب نفسه يطرق عليها الباب طرقاً عنيفا مخيفاً ليُعيد على سمعها قصة الذئب والحمل!
وهذه أندونيسيا المسلمة، آمنت بالإنجيل الأطلسي، وقررت أن تعيش في ديارها سيدة حرة؛ ولكن أصحاب الإنجيل أنفسهم هم الذين يقولون لها اليوم بلسان النار: هولندا أوربية، وأندونيسيا أسيوية، ونظرية الأجناس هي القانون النافذ على جميع الناس.
وهذه سورية ولبنان العربيتان، أقرّ باستقلالهما ديجول، وضمن هذا الإقرار تشرشل، ثم خرجت فرنسا من الهزيمة إلى الغنيمة، واختلف الطامعان فخاس المضمون بعهده، وبرّ الضامن بعهده. ثم قيل إنهما اتفقا! واتفاقهما لن يكون على أي حال قائماً على ميثاق الحريات الأربع!
وهذه فلسطين العربية يفرضون عليها أن تؤوي في رقعتها الضيقة، الشريدَ والفوضويَّ واللصَّ، وفي أملاكهم سَعة، وفي أقواتِهم فضل! ولكنهم يضحون بوطن العرب لعجل السامريِّ الذهب، ويتخلصون من الجراثيم بتصديرها إلى أورشليم!
وهذه أفريقية العربية، يسمعون أن ديجول (أخا جان دارك) قد حالف على أهلها الخوف والجوع، ثم انفرد هو بمطاردة الأحرار حتى ضاقت بهم السجون والمقابر، ولا يقولون له: حسبك! لأن السفاكين أوربيون يؤمنون بعيسى، والضحايا أفريقيون يؤمنون بعيسى ومحمد!
بل هذه هي الأرض كلها أمامك، تستطيع أن تنفضها قطعة قطعة، فهل تجد العيون تتشوّف، والأفواه تتحلّب، والأطماع تتصارع إلا على ديار الإسلام وأقطار العروبة؟ فبأي ذنب وقع خُمس البشرية في هذه العبودية المُهلكة، وهو الخمس الذي انبثق منه النور، وعُرِف به الله، وكُرِّم فيه الإنسان؟ ليس للثلاثمائة مليون من العرب والمسلمين من ذنب يستوجبون به هذا الاستعمار المتسلط إلا الضعف، وما الضعف إلا جريرة الاستعمار نفسه. فلو كان المستعمر الأوربي صادق الحجة حين قال: إننا نتولّى شؤون الشرق لنقوى الضعيف ونعلِّم الجاهل وندفع المتخلف، لوجد من العرب سنداً قويا لحضارته، ومن الإسلام نوراً هادياً لعقله؛ ولكنه ورث الخوف من الإسلام عن القرون الوسطى، فهو يُسايره من بعد، ويُعامله على حذر. وإذا عذرنا قسوس العصور المظلمة فيما افتروا عن جهالة، فما عذر الذين كشفوا الطاقة الذرية إذا جمدوا على الضلال القديم، وكتاب الله مقروء، ودستور الإسلام قائم!!
لقد فشلت مذاهبهم الاجتماعية كلها، فلم تستطع أن تُخلِّص جوهر الإنسان من نزعات الجاهلية الأولى؛ فلم يبق إلا أن يجربوا المذهب الإسلامي ولو على سبيل الاقتباس أو القياس.
لا نريد أن نقول لهم: أسلموا لتحكموا، وتعلَّموا لتعلموا، فإن هذه الدعوة بعتاقها عن الغاية القريبة عوائق من العصبية والوراثة والتقاليد والعادة؛ ولكنا نقول لهم: تصوروا نظاماً واحداً يصلح لكل زمان ومكان، ويقطع أسباب النزاع بين الإنسان والإنسان: يوحِّد الله، ولا يُشرك به أحداً من خلقه؛ ويقدِّس جميع الشرائع التي أنزلها الله ولا يُفرِّق بين أحد من رسله، ويُؤاخي بين الناس كافة في الروح والعقيدة لا في الجنس والوطن: ويُسوِّي بين الأخوة أجمعين في الحقوق والواجبات، فلا يميز طبقة على طبقة ولا جنساً على جنس ولا لوناً على لون، ويجعل للفقير حقا معلوماً في مال الغني يؤويه إليه طوعاً أو كرهاً ليستقيم ميزان العدالة في المجتمع، ويجعل الحكم شورى بين ذوي الرأي فلا يحكم بأمره طاغ، ولا يُصر على غيه مستبد، ويحرر العقل والنفس والروح فلا يقيد النظر، ولا يحصر الفكر، ولا يقبل التقليد، ولا يرضى العبودية، ويأمر معتقديه بالإقساط والبر لمن خالفوهم في الدين وعارضوهم في الرأي، ويوحد الدين والدنيا ليجعل للضمير السلطان القاهر في المعاملة، وللإيمان الأثر الفعّال في السلوك.
وجملة القول فيه أنه النظام الذي يحقق الوحدة الإنسانية، فلا يعترف بالعصبية ولا بالجنسية ولا بالوطنية، وإنما يجعل الأخوة في الإيمان، والتفاضل بالإحسان، والتعاون على البر والتقوى. فإذا تصوّرتم هذا النظام، فقد تصورتم الإسلام. وإذا أخذتم به فقد اطمأن العالم المضطرب، واستقر السلام المزعزع. ولا يعنينا بعد ذلك أن تُطلقوا عليه لفظاً يونانياً أو لاتينيا ما دمتم تسلمون وجوهكم إلى الله، ولا تُسلمون قيادكم لمحمد!
ـــــــــــــ
*مجلة «الرسالة»، (العدد 653) في 7/1/1946م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:45 AM
مائة عام على رحيل فارس السيف والقلم
محمود سامي البارودي

بقلم: صلاح حسن رشيد
...............................

تجمعت عوامل خاصة وظروف مواتية ساعدت على بزوغ نجم شاعر العرب في العصر الحديث، ورائد التجديد والإحياء بلا منازع وشاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي باشا (1839 1904م) الذي رد لشعرنا العربي صورته النقية، ووجهه الصحيح، وروحه التي ضلت عن السرب، حيث استقرأ تاريخنا الشعري عبر صفحاته المتلألئة زمن الجاهليين والعباسيين.
توصل بقريحته الفذة، وخياله المحلق في الإبداع الإنساني - وعلى رأسه ما أنتجته السليقة العربية من فنون الوجدان والأنغام الساحرة إلى أعلى نموذج فني وأدبي يمكن أن تهتدي إليه الذائقة العربية.. وهكذا أحيا البارودي في الوجدان العربي تاريخنا الفني القشيب، متجاوزاً مرحلة السجع والجناس ومن ثم استنبت البارودي لأمته العربية ما يصلها بجذورها الممتدة الراسية في شجرة الحضارة والنهضة التي أسسها الأجداد العظام، وربط ما انقطع برباط متين، ولفت الأنظار إلى النموذج الأعلى في عالم الجمال الفني لكي نستمد منه الأصالة والحيوية والفتوة، وننطلق من خلال المعاصرة إلى مناحٍ أخرى من التجديد والتطوير والإضافة ولكن بروح عصرنا ومنطق بيئتنا وظروفنا الخاصة، بالاعتماد على مضمون جديد في إطار الشكل المتعارف عليه رمز البلاغة والموسيقى.
نشأة البارودي وبيئته
ولد البارودي في قرية إيتاى البارود بمصر، فاتحاً عينيه على نغمات ربة الشعر حيث عاش ونما وترعرع في بيئة تعتز باللفظ الرشيق، وتميل إلى ترديد الفخم الجزل من الأبيات التي تعلم الفروسية والبطولة والنخوة والشهامة وكراهية الضيم. وما إن بلغ السابعة من عمره إلا وعانقته ربة الشعر والتحمت بكيانه.. فقد وجد متسعاً من الوقت في بيته ليطالع أمهات الدواوين من الشعر القديم حفظاً وتذوقاً ومعايشة كما وجد في أعمامه وأخواله وأسرته خير معين على تغذية شاعريته المتفجرة.
يقول البارودي صبياً:
أنا في الشعر عريق لم أرثه عن كلالة
كان إبراهيم خالي فيه مشهور المقالة
وقدر لهذا الشاعر الكبير أن يكون فارس الميدان العربي فروسية فعلية وقولية، حيث التحق بالمدرسة الحربية بمصر يريد أن يتخرج فيها ضابطاً على غرار أبيه، وكأنما كان يحن إلى استعادة أمجاد البطولة والفخار والانتصارات العسكرية المدوية في جنبات أوروبا التي سجلها عصر محمد علي باشا.
وكأن القدر اختار لهذا الفتى النابه أن يجمع بين الحسنيين معاً.. الريادة الشعرية، والمجد العسكري.
يقول الشيخ المهدي: وفى هذه الأيام من عهد عباس الأول دخل البارودي المدرسة الحربية فلم تستطع أن ترده عن مناهل الشعر العربي القديم بل مضى يعكف عليها، ويسرف في العكوف، وكأنما أصبحت جزءاً من نفسه، وكانت العروبة تتعمق في هذه النفس بحكم أسرته وبحكم بيئته المصرية العربية، وبعد تخرجه من المدرسة الحربية نراه محولاً إلى نفسه هذا السيل الغزير، وكان أكثر ما يستهويه أشعار الحماسة والبطولة والقوة وما يتراءى له في الأفق البعيد من أمجاد أسلافه المماليك الذين عصفوا بالصليبيين والمغول وطردوهم شر طردة.
هذا هو البارودي وعالمه الشعري الذي تستوحي في أجوائه معاني النضال القومي والتحرير الوطني والفروسية بأجوائها التاريخية في سياقات وأشعار المتنبي وأبى فراس الحمداني، ومن قبلها شهامة ونخوة عمرو بن كلثوم ودفاعه عن العروبة إزاء غطرسة الآخر المتجبر، وهذا هو قاموسه الشعري غير المسبوق في زمانه الذي نحته نحتاً من غير مثيل ولا شبيه، وكأنه أعاد إلينا زمن المتنبي، حيث الفحولة والمتانة والفروسية ورسالة الشاعر القومية والمجتمعية.
وبسبب فروسيته تلك شعراً وحرباً اشترك البارودي في الحرب التي قادتها مصر عندما استنجدت بها الخلافة العثمانية لإخماد الثورة التي نشبت في جزيرة كريت، وأبلى فيها بلاءً حسناً حتى هفا قلبه لرؤية بلاده، فقال:
سرى البرق مصرياً فأرقني وحدي
وأذكرنى ما لست أنساه من عهد
النضال والثورة ضد الظلم
ولما عانى الناس من الظلم والفاقة في عهد الخديوي إسماعيل ثار الغيورون، وعلى رأسهم بالقطع فارس الحلبة وشاعر العرب ومصر محمود سامي البارودي الذي قال:
حلبت أشطر هذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صابٍ ومن عسل
فما وجدت على الأيام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمل
لكننا من رجال السوء في زمن
أهل العقول به في طاعة الخمل
ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت
قواعد الملك حتى ظل في خلل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة
بعد الإباء وكانت زهرة الدول
ولهذا فلا ننتظر من البارودي الثائر، الفارس المغوار، الباني للعربية مجدها الشعري في العصر الحديث سوى مجابهة الطغيان والذل والقهر، وليس الخضوع والاستسلام؛ لأن قاموسه الحياتي والشعري لا يعرف إلا لغة القوة والصمود.
قوة العزيمة
وباستقراء ديوان البارودي المكتنز بالخيال الجميل، والصور الرائعة، والألفاظ المتينة القوية ذات الجرس العالي نلحظ ميله إلى الحديث عن طلب المجد وسل السيف ونشدان الحرية مثلما كان يفعل المتنبي، وكأنه قرينه في هذا العصر:
من صاحب العجز لم يظفر بما طلبا
فاركب من العزم طرفاً يسبق الشهبا
لا يدرك المجد إلا من إذا هتفت
به الحمية هز الرمح وانتصبا
يستسهل الصعب إن هاجت حفيظته
ولا يشاور غير السيف إن غضبا
إن حل أرضاً حمى بالسيف جانبها
وإن وعى نبأة من صارخ ركبا
فاحمل بنفسك تبلغ ما أردت بها
فالليث لا يرهب الأخطار إن وثبا
يقول الدكتور شوقي ضيف عن ريادة البارودي مصرياً، وعربياً وحمله تاج الإحياء والتجديد: "وبينما يعاني الشعر العربي في كل قطر من الأقطار العربية هذه المحنة يقصد التكلس الشعري زمن المماليك والعثمانيين التي تأخذ بأنفاسه إذا مصر يقدر لها أن تكون أسبق هذه الأقطار إلى النهوض به وبث الحياة فيه من جديد لا عن طريق هؤلاء الشعراء، وإنما عن طريق البارودي الذى كان أمة وحده في عصره، والذى امتلأ طموحاً بتحقيق مجد شعري تعنو له الوجوه، وقد ملك عليه الشعر قلبه، واستهوى لبه؛ فإذا هو يرفع لواءه محرراً له من قيوده الغليظة، وإذا هو يحمل شعلته إلى الأجيال الجديدة، وسرعان ما توهجت وهجاً لا نزال نعيش فيه إلى اليوم".

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:46 AM
سهام ماضية

بقلم: الدكتور محمد مندور*
................................

هناك ثلاث رذائل كبيرة تنخر في أخلاق الكثيرين من المصريين على نحوٍ لم أر له شبيهاً في بلدٍ من بلاد العالم، على كثرة ما رأيتُ من بلاد وقابلت من بشر، ولا بد من أن نكشف عنها لعلها تُخفي عن أنظارنا شبحها المرذول، فقد سئمتُ لقياها في كل سبيل، وبمنحنى كل نفس.
*أمّا أولاها، فهي محاولة كل إنسان أن يوهمك أنه أكبر وأفضل وأعلم مما هو، ولقد كان من عادتي الصبر، فكنت أتلقّى هذه الدّعاوى بصدر رحب، ولكنني لم أكن ألبث أن أحس بنوع من اختلاس الثقة يُحاوله من يتخطّى حدود نفسه، وليس أمرّ على النفس ولا أهيج للحفيظة من خيبة الأمل، وإنه من اليسير على من أوتي شيئاً من الفراسة وسداد الرأي أن يحكم على الناس ويُنزلهم منازلهم الحقة، وإنه لمن الخير لنا جميعاً أن نُحاول دائماً احتلال المكان الذي نستحقه في النفوس دون تطاول أو انحطاط، أما الإقحام فما نظنُّه يُعقِّب أثراً باقياً، حتى ولا في نفوس البُله!
ولستُ في الحق بواثق من أن أمثال هؤلاء الناس الذين نشكو منهم مرَّ الشكوى يعون ما يفعلون أم هم في غفلة الغرور، ولكنني لاحظتُ في الغالب الأعم أنهم مشربون بحقارتهم، وأنهم يبذلون مجهوداً إراديا لتغطية تلك الحقارة بالإيهام، وذلك لما نُلاحظه من هياج في الحركات، وضغط على مخارج الحروف، وتصنع للانفعال واراتفاع في الصوت، وهلهلة في ملامح الوجه وتطلع في السكون والحركة.
*وثاتيتها غيرة مسرفة وحقد عجيب، ولكم ساءلتُ نفسي لماذا يشغلُ الناسُ بغيرهم إلى هذا الحدِّ المُدمِّر، وتلك مشاعر خليقة بأن تُنزِل بالنفس الخراب.
والذي عهدته في النفوس القوية هو نزوعها المستمر إلى التسامي بذواتها، فهي تسعى لأن تكون في يومها خيراً من أمسها، وأن تعمل في غدها ما يُميِّزُ عملها في حاضرها، فإذا عزَّ التسامي كان الاستجمام في ثقة وتوثُّب.
وأما أن يُفني المرءُ بياضَ يومه وسوادَ لياليه في التفكير فيما وصل إليه هذا الشخصُ أو ذلك، أو الخوف من أن يسبقك زيد وبكر فهذا شعورٌ صغير لا تعرفه إلا نفس صغيرة، وهو دليلٌ على عدم الثقة بالنفس، كما هو دليل على انهيار الشخصية، وإن كان هناك شعور قبيح من مشاعر البشر فأجدر به أن يكون ذلك الشعور!
*وثالثها: فساد عميق في تربية الناس الاجتماعية، فقد تُلاقي صنوفاً من الأفراد، بعضهم صغير، وبعضهم كبير. ولقد تتلطّف مع الصغير بدافع إنساني بريء، ظانا أنك بعملك هذا تُدخل السرور على نفس بشرية، فإذا بك وقد سقطت هيبتك من قلبه، وإذا به يتطاول على المساس بك في غير ذوق ولا حياء، ولقد تُفسِح في صدرك، ثم يأتي يوم يتحرّك دمك فإذا بك تردُّ في عنف، وإذا بالمسكين يصحو بعد غفلة، وإذا به يشكو دون أن يفهم شيئاً أو يُدرك له محنةً. فإذا جاء يومٌ، وصفعْتَهُ صفعَ الأقوياء لأنكَ رجلٌ عزيزُ النفسِ حامي الدماء أُسقِط في يده، وأخذه إمّا عنادُ الحمقى وإمّا انهيارُ الأذلاّء! ولستُ أدري لذلك من سببٍ غيرُ فسادِ التربيةِ الاجتماعيةِ، فسادها في المنزلِ وفي المدرسةِ وفي الوظيفةِ، وفي الشارعِ، وفي الدكانِ، وفي المصرفِ، وفي كلِّ مكان، حتى لكأنَّكَ تسيرُ في بلدٍ كله أرقاء!
أيُّ عذابٍ نفسيٍّ في أن تراك مضطراً إلى تقديرِ كل لفظ تقول، وكل حركةٍ أو ابتسامةٍ أو تقطيبِ جبينِ أناس لا فهمَ لهم ولا تقدير، ولا يعرفون حدا يبدؤون منه ولا حدًّا ينتهون إليه؟!
ترى هل باستطاعتك أن تخلق لنفسك عقليةً جديدةً وذوقاً جديداً وتربية جديدةً تُماشي بها الناس، لا أن تأخذك العزة فتثبت كما أنت مُحولاً أن تنقل العقول وتُحوِّل الأذواق، وتسدد التربية لتستطيع أن تتفاهم مع الناس، أو أن تقبلهم، أو تطبق عليهم خيراً.
هذه أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها غير الله، فإليه نفوِّضُ الأمر.
ــــــــــــــــــــــ
*د. محمد مندور: كتابات لم تنشر، ص ص122-124.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:47 AM
حول النقد

بقلم: عباس محمود العقاد*
................................

من المعروف عن الناس جميعاً أنهم يميلون إلى الثناء، والتقريظ، وينفرون من الذم والانتقاد.
وحب الثناء في جملته خصلة حسنة محمودة العاقبة، لأنه يدعو إلى طلب الكمال، وما لم يكن نزوة من نزوات "الأنانية" العمياء فهو سبيل إلى العمل الذي يستحق الثناء.
ولكن كراهة النقد ليست بصفة محمودة في جميع الأحوال، لأنها تنطوي على أخطاء كثيرة تدل على ضيق العقل، كما تدل على ضيق الخلق وضيق المجال.
أول هذه الأخطاء اعتقاد المرء أن الناقد أفضل دائماً من المنقود، فهو إذا سمع النقد ظن أن الذي يوجهه إليه يستعلي عليه ويدعي أنه مبرأ من العيب الذي يسنده إليه، ولولا ذلك لهان وقع النقد في نفسه لأنه يشعر أنه ومن ينقده سواء.
وقد يكون المنقود أفضل من الناقد فيما يتعلّق بذلك العيب وفيما يتعلق بسواه. والحقيقة المُشاهدة أن الناقد لا يكون أفضل من المنقود في عيوبه، ولا أقدر منه على عمله المنتقد ولا على سائر أعماله. كل منا يستطيع أن ينظر إلى بيت من البيوت فيرى أنه سخيف البناء غير صالح للسكن، ولكننا لا ندعي لهذا أننا أقدر على البناء والهندسة من بانيه ومهندسه، وقد يُعيي الكثيرين منا أن يقيموا حجراً على حجر في جدار صغير. وكل منا يذوق الطعام فيستعذبه أو يعافه، وليس كل آكل بقادر على إعداد صفحة من الطعام خير من التي يعافها، ولو كان عليماً بكل عيب من عيوبها في صناعتها وفي مذاقها. وكل منا يستطيع أن يقرأ كتاباً فيشعر بنقصه في جانب من جوانبه لأنه كان ينتظر المزيد من البيان في ذلك الجانب، ولكن لا يُفهم من ذلك أن القارئ المنتقد أعرف بصناعة التأليف من صاحب الكتاب.
وقصة المصور الصيني معروفة، تصلح للذكر في هذا المقام: كانت له صورة يعرضها ويتوارى خلف ستار المصنع ليستمع إلى أقوال الناظرين إليها. وكان منهم إسكاف عاب شكل الحذاء لأنه لا يُطابق القالب المخصص لصنعه فأخذ المصور بملاحظته وأصلح عيبه كما اقترح الإسكاف. وعاد هذا في اليوم التالي فأطمعه التفات المصور إلى رأيه وأكثر من الملاحظة على أجزاء الصورة من الرأس إلى القدم، فبرز له المصور من وراء الستار وأملى عليه درسه في هذه المرة: إنك أحسنت فيما عرفت، فلا تسئ فيما تجهل، وقف بقدميك على حذائك ولا تزد عليه.
ومهما يكن من إحسان هذا الناقد في ملاحظته فهو إحسان كلام لا إحسان عمل، لأنه لو سئل أن يُصلح الخطأ في حذاء الصورة لما استطاع أن يزيل عيب الصناعة فيها. ولا يزال المصور أقدر منه على إصلاح عيوب الصورة حتى في شكل الحذاء.
فالناقد يُبدي ما يشاء من العيوب، ولا يجعله ذلك أفضل ولا أقدر على إصلاح العيوب من صاحب العمل. إذا كره الاستماع إليه أنفة من التسليم له بالتفوق عليه. حتى لو اعتقد صاحب العمل أن التفوق عليه ممتنع أو مستحيل، ولا امتناع ولا استحالة فيه.
ويحسن بالناقدين والمنقودين جميعاً أن يذكروا أن القدرة على إظهار العيوب أسهل جدا من القدرة على إظهار الحسنات. فإن الطفل الصغير قد ينظر إلى أعظم العظماء، فيضحك منه ويلمح عيوبه الظاهرة من لمحة خاطفة، وقد يستطيع أن يحكيه في عيوبه سخرية وعبثاً فيجيد محاكاته كل الإجادة، ولكنه يقضي عشرات السنين قبل أن يعرف حسناته أو فضيلة من فضائله. كما استطاع في طفولته أن يُحاكي ذلك العظيم في مشيته أو لهجة كلامه أو جملة حركاته.
وما برحت معرفة العيوب قريبة إلى أصحاب العيوب، ومعرفة الحسنات عسيرة على غير أصحاب الحسنات.
ومن أخطاء الكارهين للنقد أن كراهيتهم لم تنم على ضعف الثقة بالنفس كما تنم على ضعف الثقة بالناس، وضعف الثقة بالقيم الأدبية، وكل قيمة من قيم التقدير والكرامة.
فالرجل الذي يعرف عمله لا يضيره أن يجهله غيره، والرجل الذي يملك ثروته ويأمن عليها لا يضيره أن يحسبه هذا أو ذاك في عداد الفقراء، ومن كان واثقاً من قوته فهي بين يديه يجدها حاضرة عنده كلما احتاج إليها. وإنما يضطرب الضعيف الذي تُشاع عنه القوة كذباً إذا شاع عنه الضعف بدلاً من القوة لأن ما تخلفه الإشاعة تقضي عليه إشاعة مثلها. وما يثبت على الحق لا تمحوه الأباطيل.
فليس أدل على ضعف الثقة بالنفس من خوف النقد واتقاء المزاعم، كذلك يدل على ضعف الثقة بالنفس أن يحسبهم الكارهون للنقد ألعوبة يلعب بها كل ناقد، وأرجوحة تميل بها الأهواء مع كل جاحد وحاقد. وما كان في وسع أحد قط أن يلعب بآراء الناس كافة وإن وسعه أن يلعب بآراء القليلين منهم إلى حين، وقديماً قيل ما قيل عن نوابغ الدنيا وعباقرة الأزمان فذهب القيل والقال، وبقيت مآثر النبوغ والعبقرية ساطعة سطوع الشمس، راسخة رسوخ الجبال.
وأشد من ضعف الثقة بالنفس ضعف الثقة بالناس، بل هذا هو سبب ضعف الثقة بكل شيء وبكل إنسان. فإن الذي يشك في وجود القيم الصحيحة في العالم يخشى الخطر على كل قيمة، ويحسب المجد كالهوان، وأن الجواهر كالحجارة، وأن العملة المشروعة كالزيوف الممنوعة. ليس بين شرعها ومنعها إلا صيحة تعلو هنا أو ضجة تخفت هناك.
ولسائل أن يسأل: لماذا يحرص الإنسان على سمعة لا قيمة لها؟ .. وما قيمة السمعة التي لا تحفظ نفسها بنفسها؟ وما معنى الخوف على قيمة محفوظة يراها العارفون فلا يخلطون بينها وبين الأعراض والقشور؟
إن كان للعمل الأدبي أو العمل الاجتماعي قيمة مقدورة يعرفها الناس، فلا خوف عليها من النقد والناقدين، ولا حذر عليها من كيد الكائدين وحقد الحاقدين. وإن لم تكن للأعمال المأثورة قيمة دائمة فلماذا نحرص عليها ونُشفق من زوالها، ونطلب لها الدوام وليس لها حظ من الدوام.
إن خوف النقد عادة غير محمودة العاقبة في جملتها، عادة لا يؤمن صاحبها بحقه على نفسه، ولا يؤمن بحق مرعي لغيره، ولا يطمئن إلى قيمة تحميه من عوارض القلق وبوادر الشكوك. فالكاره للنقد لا يخطئ في خوفه من النقد الصواب، لأن النقد الصواب ينفعه وينفع الناس، ولا يُصغره في نظر نفسه، ولا يُفهم منه حتماً أنه أقل أو أضعف قدرة من ناقديه.
وهو يخطئ في خوفه من النقد الخطأ لأنه يحجر على آراء غيره، ولا يرى لهم حق المخالفة، ولو خالفوه مخطئين. ولعله يخطئ سبيل العزاء في الحالتين. فحسبه من عزاء لو شاء أن يتعزّى أن ينظر إلى ناقديه: هل سلموا من النقد؟ وهل وافقهم الناس على كل ما قالوه؟ وهل يرى بين الناس أحداً يرضى عنه جميع الناس كائناً ما كان شأنه وبالغاً ما بلغ من العلم والرفعة ومحاسن الأخلاق؟
قال الحكيم الأندلسي ابن حزم الملقب بإمام النقاد: "من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. ومن حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه".
ثم مضى يفسر ذلك برأيه فقال: إن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد فضائله. وإن كان بباطل فبلغه فسُرَّ به فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد.
وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يُعاب عليه وهذا حظ عظيم، وإن كان بباطل فصبر اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر.
وأحسن الحكيم فيما قال وفيما علل. ولو شاء لزاد عليه: إن الاغتباط بالذم كثيراً ما يكون من قبيل الثناء المعكوس، وإنه لثناء معكوس لا رياء فيه إذا صدر عن حسد ورغبة في إنكار الفضل الذي يشعر به الحساد فيُحاولون إخفاءه بالذم والإنكار.
وربما كان إنكار اللئيم أبلغ في الشهادة لصاحب الفضل من ثناء الكريم. ولقد كان ابن حزم مُبتَلى في زمانه بحسد الحساد، فأثاروا عليه الخاصة والعامة، وأحرقوا كتبه وحرموا قراءته، فقال:
لئن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي
ملأتُ به القرطاس بلْ هو في صدري
ثم بقي ابن حزم في كتبه المأثورة وزال حاسدوه، فلا يذكرهم الناس إلا إذا ذكروه ليصغروهم ويكبروه!
ومنذ خمسين سنة كانت كلمة ابن حزم هذه شعار "الجريدة" التي تولى تحريرها أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وكان يجعلها شعاراً وجواباً على نقد الناقدين وخلاف المخالفين، وهم كثيرون، فانتهى النقد والخلاف إلى تقدير واعتراف، ولم يبق من جيل الحكيم المصري ـ خليفة ابن حزم في نظرته إلى الثناء والذم ـ إلا من يدين له بالأستاذية والسبق إلى سواء السبيل في فهم الوطن والوطنية.
وقد نُسِيت أعمال لم ينقدها أحد، وبقيت أعمال لم تسلم من النقد في زمانها ولا بعد زمانها، وعمل العاملون وكتب الكاتبون فلم يستحقوا البقاء بما سمعوه من ثناء، ولم ينقطع غيرهم عن عمل أو كتابة خوفاً من نقد مضى أو نقد يجيء.
وأشفق بعضهم من التأليف لأنه يجر إلى القدح والتعنيف، لا بل جاء في الأمثال أن من أراد بعدو سوءاً فليزين له تأليف كتاب أو تحبير مقال.
فإن صح هذا المثل فهو صحيح على شريعة السيد المسيح "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم" فمن تمنى لعدوه أن يؤلف فتلك أمنية صديق لصديق، أو أمنية عدو لعدو محبوب.
نعم، وكالتأليف في أمر النقد كلُّ عملٍ باق .. تبنيه الهمم والعقول، وتقول فيه الألسنة ما تقول.
ــــــــــــــــــــــ
*المصدر: عباس محمود العقاد: عيد القلم ومقالات أخرى، تحرير: الحساني حسن عبد الله، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، د.ت، ص296-300.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:48 AM
افتتاحية العدد الأول من مجلة «المنهل»

للأستاذ عبد القدوس الأنصاري*
............................

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نحمدك حمد الشاكرين، ونستعينك ونستهديك سواء السبل، ونستلهمك التوفيق في الأعمال، ونعوذ بك من الفشل والكسل والزلل، ونعتصم بك من الوقوع في مهاوي الخطأ والخطل، ونرجو منك التثبيت في المبدأ الحسن، والتأييد والإنجاح في المقاصد، ونسألُك أن تُصلِّي على من بعثته هدىً ورحمة للعالمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما يعد؛ فإن من دلائل نجاح "المنهل" أن تكون أول مجلة أدبية ثقافية من نوعها، تصدر بالحجاز، في عهد حضرة صاحب الجلالة عبد العزيز أل سعود ملك المملكة العربية السعودية، الذي جعل مبدأه الحميد أن يأخذ من أسباب المدنية الحديثة كل جيد ونافع وصالح لأمته، مع الاحتفاظ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والاستضاءة بهديه القويم.
ففي هذا العهد السعيد نرى الأمة قد بدأت تتحفّز الوثوب إلى استعادة مركزها التاريخي الرفيع في مرافق حياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، وفي هذا العهد الميمون شاهدنا الأدب الحجازي يخطو إلى الأمام خطوات واسعة ملؤها الطموح والاستبشار والابتهاج.
وإن من علامات حظوة "المنهل" بما تصبو إليه من نجاح مطرد في سبيل أداء رسالتها الأدبية العالية، ما نراه ماثلاً في الأذهان من ضرورة السموِّ بهذا الأدب الحجازي وإبرازه في حلة قشيبة، تليق بمكانة الحجاز الدينية، ومنزلته الاجتماعية في العروبة والإسلام. فهذا الشعور الطيب سيكون ـ بعد توفيق الله تعالى ـ أكبر معوان "للمنهل" في الفوز بمطامحها الجليلة، وآمالها النبيلة.
وإن من أهم ما تصبو إليه "المنهل" أن تُوفَّق لتكون فاتحة عصر جديد ناضر زاهر، في أدبنا الحجازي الفتي، فتُعيد لهذه البلاد المقدسة مكانتها الأدبية الشامخة بين أقطار العروبة، ليغتبط العالم الحديث بقس الحجاز الحديث وسحبانه، ويشدو بنابغته الجديد وحسّانه.
والحق يُقال إن هذا الأدب الحجازي الحديث، وإن كان وليد أعوام معدودة، فإنه قد خطا إلى الأمام خطوات مُباركة تدل على ما بعدها. فها هو قد أطلع في سمائه في ظرف وجيز نجوماً أصبحت لها شهرة أدبية لا بأس بها في الدّاخل والخارج، بسبب ما أذاعته ـ الوقتَ بعدَ الوقت ـ من قصائد رائعة، وبسبب ما نشرته ـ في فترات ـ من نثر قيم.
وهذه النجوم الطالعة في سماء أدب الحجاز، إذا ساعدتها المقادير، ووجدت آفاقاً واسعة للجولان والنشر والدعاية الكافية، فإنها ولا ريب ستتطور في سنوات معدودة إلى أقمار زاهرة، فشموس بازغة.
وليس هذا الذي نقوله من الجري وراء الأحلام المعسولة، فإنه للحقيقةُ بنتُ الاستنتاج والبحث: إذ الحجاز هو مهد هذا الأدب العربي، وموطنه الأول، فمنه انتشر إلى كافة الأقطار، وفي أرضه درَج لأول مرة، ومن مناهله سقي فنما، ومن بين وديانه ورماله شبَّ، وإن أيناء الحجاز هم أحفاد بناة مجد العرب والإسلام، وأدب العرب والإسلام، وفيهم من الذكاء النادر المشهود والاستعداد الغريزي ما إذا تضافر مع الاجتهاد وعوامل البيئة والوراثة فسرعان ما يشيدون لهم صرحاً شامخاً من الأدب الرّاقي في روحه وأهدافه وأسلوبه وكيانه، واتجاهاته ونَزَعاتِه وألوانه.
وليس الأدب أداة تسلية، أو فن لهو، وتمضية للوقت، بل إنه من أسمى الفنون الحية التي تُنهِض الأمم وتُنعِشُها، وكم للأديب المُخلص من أثر فعّال في ترقية مستوى الأمة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعُمراني معاً.
والواقع أن الأدب في أسمى أوصافه، وأصدق ألوانه هو المحرك الكهربائي الذي يبعث روح الإصلاح في الشعوب، ويوقظ فيها الفتوة والشعور بالكرامة، ويحفزها إلى المضي في طريق التقدم، ويصقلها صقلاً جيدا، ويُهذِّب من حواشيها، ويُوصِّل بين حاضرها وماضيها، وصلاً مُحكماً، مُثمراً لشتَّى المنافع.
والأدب هو الذي يُنَمِّي مواهب الأمة الفكرية، ويحوك كيانها حوْكاً جيداً مُتقَناً، وهو الذي يوحي أسمى الخيالات إلى الأذهان الخاملة، ويُثير الحماسة في الصدور إلى اعتناق المثل العليا من الكمال، ويحميها من أن تظل راسبة في مستنقعات الانحطاط الوبيئة، ويجعلها تسعى سعيا حثيثاً منظماً لتكون في طليعة الأمم الرّاقية، وهو الحادي الجذّاب الذي يُوَلِّد فيها روح النشاط الدؤوب كلّما أخلدت أو أوشكت أن تخلد إلى الراحة المُضنية والفتور الموبق، والتقاعس الوبيل.
ورسالة "المنهل" الأدبية قد جلوناها للقرّاء الأماثل في النشرة التي قدَّمناها لهم، وإنّا لنرجو أن تنال من جمِّ تعضيدهم، ومشكور مؤازرتهم، ومحمود إخلاصهم ما يجعل منهلهم صافياً عذباً غزيراً على الدّوام، وسنبذل قصارى الجهد في سبيل إحاطة هذا "المنهل" بسياج متين من أسباب الوقاية، حتى لا يتلوَّث معينُه، ولا يتعكَّر صفوُه بجراثيم التراشق والإسفاف، شاعرين بأن التطوُّر من سنن الكائنات.
ونبتهل إلى الله ـ جلَّت عظمته ـ أن يكون دائماً عند حسن ظننا به، فنكون دائماً عند حسن ظنِّ القراء بنا، واللهُ وليُّ التوفيق.
ــــــــــــ
*نشرت هذه المقالة الافتتاحية في العدد الأول من مجلة "المنهل"، ذو الحجة 1355هـ-فبراير 1937م، ص ص1-4.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:49 AM
نهضة العرب مشكلة!

للأستاذ أحمد حسن الزيات
.....................

نعم، كذلك قال السياسي الخطير ديجول، وقوله من وجهة نظره سديد معقول؛ فإن الجنرال يرى على ما يظهر أن العرب دواب سُخِّروا لنقل الأحمال وجرِّ الأثقال، أو هم على رأيه الأفضل عبيدٌ خٌلقوا للخدمة والاستغلال. ومتى عرف العبد أو الحيوان حقَّه وواجبه، فقد حطَّم راكبه، أو قتل صاحبه!
بهذا المنطق الفرنسي وحده تستطيع أن تعقل ما قال هذا الرجل. فإذا أكرهت منطق الناس، على تصحيح قوله بالقياس، فقد حمّلته ما لا يُطاق، وكلَّفته ما لا يُدرك! وأي عقل غير عقل الجنرال يُسيغ أن فرداً من نوع الإنسان يرى في نهضة أخيه الإنسان مشكلا تُعقد لحله المؤتمرات، وخطراً تُقام لصدِّه المعسكرات، وسبباً يختصم لأجله العالم بأسره؟!
لقد زعموا أن «الانتداب» رسالة الغرب إلى الشرق، فهو يحيل صحاريه فراديس، ويجعل أناسيَّه ملائكةً، فما بالهم إذن يتستّرون بالغيظ، ويتنمّرون بالعداوة، لأن العرب قد أدركوا أنهم ناس كسائر الناس، لهم وطن لا يشركون به، واستقلال لا يُساومون عليه، وسلطان لا ينزلون عنه؟! أليس ذلك لأنهم يرمون بنشر مدنيتهم إلى استعباد الجسوم، وبتعميمِ ثقافتهم إلى استرقاق الحلوم، وبفرضِ انتدابهم إلى امتلاكِ الأرض؟
***
أتدري من أسمح من ذلك العتل الغليظ الذي يُلقي بجسمه اللحيم الشحيم على صدر الفتاة الرشيقة في ملأ من الناس، ثم يفغر فاه الأبخر، ويصيح بمثل صوته الأصحل: أحبك فلا بد أن تحبيني، وأدعوك فلا مناص من أن تجيبيني؟ أسمج منه ذلك الطفيلي الرقيع الذي يقتحمُ عليك دارك ويقول لك: صادقْني لأنني أحبُّ طعامك، وضيِّفني لأنني أريد إكرامك، وعاهدْني لأكون سيدك وإمامك، وأطعني لأقوم في كل أمر مقامك، فإن أبيتَ أو تأبَّيت فالسيف، حتى تقول: أنا المضيف وأنت الضيف!
يا لكثافة الظل! أبهذه الرقاعة الثقيلة والفضول البغيض يطمعون أن يحملوا العرب في شمال أفريقية، وفي لبنان وسورية، على أن يأخذوا «الجنسية» ليعطوا الدين، ويُمنحوا الثقافة ليسلبوا العقل، ويدخلوا في التحالف ليخرجوا من الوطن؟!
يا لسخافة العقل! أبهذه النية المدخولة والكلام المزوّر يُخادعون خمسين مليوناً من العرب تثور في دمائهم أربعة عشر قرنا من التاريخ المجيد الحافل بالنبوة الهادية، والخلافة العادلة، والفتوح المحرِّرة، والقيام على ملك الله بالعمارة والعدل، والمحافظة على تراث الفكر بالزيادة والنقل؟
إن العرب بعد اليوم لن يُخدعوا، وإن أبناء الفاتحين لغير الله لن يخضعوا، وإن «جامعة الدول العربية» لهي الظاهرة الأولى لفورة الدم وثورة التاريخ؛ فليتدبَّر ذلك القائمون على إقرار السلم، والموقعون على ميثاق السلامة!
ــــــــــــــــــــــــ
*وحي الرسالة، ط10، دار الثقافة، بيروت 1405هـ-1985م، ج3، ص220، 221.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:50 AM
اتفاقيــة المعــابر لم تعــد تلزمنــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
.....................

أسوأ ما في الأمر أن يصبح تدمير حياة الفلسطينيين في غزة خبرا عاديا‏,‏ وأن يعد استمرار الحصار حدثا مقبولا‏,‏ وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك‏.‏
‏(1)‏
يسألني فهد الرشود من الرياض‏:‏ ما هو مستقبل أهلنا في غزة؟ وأتلقي رسالة من لجنة أهالي المرضي في غزة تتساءل عما إذا كان هناك حكم بالإعدام على ‏1200‏ مريض يحال بينهم وبين العلاج في الخارج‏.‏ ويصبحون مخيرين بين الموت علي فراش المرض أو الموت برصاص حرس الحدود‏.‏ يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التي احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه‏.‏
كما يتزامن مع المذكرة التي قدمها رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح وفك الحصار،,‏ إلي السفير المصري في بيروت‏,‏ والمظاهر التي قام بها بعض النشطاء المصريين أمام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة،‏ مطالبة بفتح المعبر ورفع الحصار‏.‏ وأخيرا‏,‏ الباخرتين اللتين حملتا بعضا من النشطاء الأوروبيين واتجهت إلي غزة لمحاولة كسر حصارها‏.‏
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر في عام ‏2005.‏ كما نشرت الصحف الإسرائيلية هاآرتس‏(‏ في 12/‏8)‏ الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذي قدمه أولمرت إلي الرئيس محمود عباس وبدد الأمل الذي علقه البعض علي إمكان التوصل إلي اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حتي وإن كان اتفاق رف‏,‏ يحسن المنظر دون أن يقدم أو يؤخر‏.‏
هذه المؤشرات التقت علي أمرين‏,‏ أولهما أنها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح أحد العناوين الرئيسية للأسبوع الماضي،,‏ وثانيهما أنها استبعدت‏,‏ في ظل موازين القوة الحالية‏,‏ إمكان التوصل إلي حل سلمي مع الإسرائيليين‏.‏ وهو ما يدعونا إلي الكف عن المراهنة علي حسن نيات الآخرين‏ (إن وجدت‏),‏ ويطرح علينا السؤال الذي يهرب الكثيرون من الإجابة عنه وهو‏:‏ ماذا علينا أن نفعل في هذه الحالة؟
‏(2)‏
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطيني الدكتور خليل النيس علي باب معبر رفح وقد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن ونصف الطن من الأدوية والمساعدات الطبية،‏ أراد توصيلها من خلال دول أوروبا إلي أن وصل إلي العريش في نهاية المطاف،‏ لكن دخوله إلي القطاع‏,‏ الذي يفترض ألا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح‏,‏ أصبح مشكلة لا حل لها‏,‏ خلال شهر كامل علي الأقل‏.‏
حالة الدكتور خليل ليست فريدة في بابها بطبيعة الحال‏,‏ بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذي يربط فلسطين بالعالم الخارجي هو الأصل‏,‏ وهو الإغلاق ذاته الذي يسري علي المعابر الأربعة الأخري‏,‏ التي تتحكم إسرائيل فيها‏,‏ وتستخدمها في إحكام الحصار وخنق الفلسطينيين وإذلالهم‏.‏
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدي الحصار‏,‏ إذ إلي جانب ثورتهم ضد المعابر ومحاولتهم كسر القيود التي كبلت حياتهم‏,‏ فإنهم لجأوا إلي حفر الانفاق لمحاولة تمرير بعض الأغذية والأدوية التي تسد الرمق وتخفف بعضا من الوجع‏.‏ وفي تقرير نشرته الشرق الأوسط‏(‏ في 12/‏8)‏ ذكرت أنهم حفروا نحو‏900‏ نفق عبر الحدود من رفح إلي غزة‏,‏ لتوصيل بعض البضائع‏,‏ إلا أن الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون أصروا علي إغلاقها وتدميرها‏,‏ بحجة أنها تستخدم في نقل السلاح إلي غزة‏,‏ في حين أن الذين أقاموها وبدأوها كانوا مهربي المخدرات بالدرجة الأولي‏,‏ وبعدهم دخل التجار علي الخط وتوسعوا في العملية‏,‏ الأمر الذي رفع من أجور حفاري الأنفاق حتي وصل الأجر الشهري للواحد منهم إلي‏2500‏ دولار‏.‏
وخلال العام الأخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة في مشروع الحصار‏,‏ حتي قيل إن الأمريكيين ساعدوا علي توفير أجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق وتتبع مسارها‏,‏ كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التي تطلق في النفق فتصيب مستخدميه بالاختناق‏.‏
وإذا أضفنا إلي هذه الخلفية أن ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار في شهر سبتمبر ‏2006,‏ الذي أعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية في الشهر التالي مباشرة‏,‏ وتذكرنا أن مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها‏,‏ فسوف ندرك أن جهود إحكام الحصار والتضييق منه تواصلت وتقدمت‏,‏ في حين أن جهود رفعه وفتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة إلي الأمام‏.‏ وتلك خلاصة كاشفة‏,‏ لأنها تشير بوضوح إلي أن القدرة العربية في هذه القضية في مستوى الصفر‏,‏ الأمر الذي يستدعي السؤال التالي‏:‏ إذا كانت هناك حدود القدرة العربية في قضيتهم المركزية‏,‏ فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟‏!‏
‏(3)‏
لا مفر من الاعتراف بأن إسرائيل نجحت في فرض ترسانة من الاتفاقات التي كان هدفها الأساسي التحكم في قطاع غزة‏,‏ وتحويله إلي سجن كبير تملك مفاتيحه‏,‏ وإن استخدمت في ذلك واجهات أخري‏.‏ وهذه الاتفاقات أربع‏,‏ هي‏:‏ اتفاقية المعابر الإسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة في ‏15‏ نوفمبر ‏2005,‏ اتفاق إسرائيلي ـ أوروبي فلسطيني لمراقبة المعبر‏,‏ الاتفاق المصري ـ الإسرائيلي الموقع في أول أغسطس عام ‏2005‏ المعروف باسم اتفاق فيلادلفي‏,‏ واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة في ‏29‏ مارس‏1979.‏
للباحث القانوني محمد سيف الدولة بحث مهم في هذا الموضوع تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار‏.‏ وكيف أن خنق معبر رفح بوجه أخص أسهمت فيه أربعة اتفاقات وثلاثون دولة‏.‏ وقد ذكر بأن معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية والمصرية‏,‏ وأن هناك معبرا آخر بين غزة ومصر يخضع لسلطات الاحتلال‏,‏ هو معبر كرم أبو سالم ‏(كيريم شالوم‏).‏ من الناحية الشكلية أيضا فإن تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هي إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة ومصر‏,‏ والاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين‏.‏
وهذه الأطراف هي الموقعة علي الاتفاقات الأربعة سابقة الذكر‏.‏ لكن من الناحية العملية فإن التحكم في المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير ‏(الكاميرات‏)‏ وأجهزة الفحص للأشخاص والسيارات التي فرضتها إسرائيل للمراقبة‏.‏ وهذه الأجهزة تتحكم في فتح وإغلاق المعبر‏,‏ لأن وجودها شرط أساسي لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقات‏.‏ ولذلك فإن إسرائيل عندما تريد إغلاقه فإنها إما أن تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب إلي عملهم‏,‏ والذرائع لديها كثيرة‏,‏ علي رأسها الحجج الأمنية‏.‏ وإما أن تسطو علي الأجهزة وتأخذها إلي مواقعها بعيدا عن المعبر‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي إغلاقه تلقائيا‏.‏ ذلك أنه لا عبور دون مراقبين‏,‏ ولا عبور دون أجهزة تصوير ومراقبة‏,‏ وهذه هي خلاصة اللعبة التي تتم منذ أكثر من عامين‏.‏
‏(4)‏
الحجج التي أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية‏,‏ السفير حسام زكي‏,‏ لا تخلو من وجاهة لأول وهلة‏,‏ لكن هناك أكثر من رد عليها‏.‏ ذلك أن هذه الاتفاقات لا تتحرك في فراغ قانوني‏,‏ بمعني أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني‏.‏ والكلام ليس من عندي‏,‏ ولكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون‏,‏ وقد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولي العام بجامعة القاهرة‏,‏ الذي أعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية حول النتائج المترتبة علي إغلاق إسرائيل المعابر‏.‏
وفي هذه المذكرة تحدث بوضوح عن أن حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها والمقررة قانونا‏,‏ الأمر الذي لا يجيز لأي دولة أن تفرض حصارا يعزل أي دولة عن العالم المحيط بها‏,‏ ويمنع وصول مقومات الحياة إليها‏.‏ في رأيه أيضا أنه في حالة التعارض بين أي اتفاقات موقعة وبين القانون الدولي الإنساني فالأولوية للقانون الأخير‏,‏ لأنه في غير حالة الحروب المعلنة فينبغي ألا يسمح بالتضحية بحياة البشر لأي سبب كان‏.‏
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن أن اتفاقية المعابر التي يكثر الاستشهاد بها تحمل إسرائيل بالتزامات أخلت بها‏,‏ منها مثلا النص علي أن تعمل المعابر بشكل متواصل‏,‏ وأن تسمح إسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع‏,‏ وأن تضمن انسياب حركة مرور الأشخاص والبضائع والمنتجات عبر المعابر التي تصل الأراضي الفلسطينية بمصر ‏(معبر رفح‏)‏ وبإسرائيل والأردن‏.‏ منها أيضا النص علي تشغيل ميناء غزة مع تعهد إسرائيل بعدم التدخل في عمله‏.‏ ولأن إسرائيل لم تف بشيء من تلك الالتزامات جريا علي عادتها في أن تأخذ ولا تعطي‏ (‏تاريخها حافل في رفض الشرعية الدولية التي نتذرع بها‏,‏ من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية إلي بطلان إجراءات تهويد القدس إلي قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار‏,‏ وإخلالها بما تم الاتفاق عليه في أنابوليس لوقف الاستيطان‏).‏ لذلك‏,‏ فإن من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها إما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد وأن توقف العمل بها‏,‏ استنادا إلي المادة ‏(60)‏ من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات‏.‏
كما أن لها الحق في أن تطالب إسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة من جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة‏.‏
النقطة الثانية التي أثارها المتحدث الرسمي‏,‏ التي لا تخلو من وجاهة أيضا‏,‏ هي أنه يتعذر فتح معبر رفح وتشغيله في غياب السلطة الفلسطينية الشرعية‏.‏ لكن ذلك أيضا مردود عليه بأن ذلك العامل له أهمية‏,‏ لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع ومنع وصول الاحتياجات الحياتية إليه‏,‏ لأن الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغي أن تسمو فوق أي اعتبار سياسي‏.‏ من ناحية ثانية فإن في فلسطين شرعيتين وليس شرعية واحدة‏,‏ ذلك أن السلطة القائمة في غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها في الانتخابات النيابية‏,‏ كما أن السلطة الموجودة في رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية‏.‏ وفي حدود علمي فإن سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين‏.‏ وهو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتي يتم الوفاق بينهما‏.‏
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية أن مصر تضغط علي إسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية‏,‏ لأننا الأولى بذلك‏,‏ إن لم يكن لما تمثله مصر فعلي الأقل احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني‏.‏ ثم ينبغي ألا ننسي أن صبر المحاصرين ليس بلا حدود‏,‏ وأننا ينبغي أن نتوقي أسباب الانفجار قبل أن نضطر للتعامل معه بعد وقوعه‏.‏
.......................
*الأهرام ـ في 19/8/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:50 AM
سذاجة فكرية

بقلم: د. محمد عمارة
..................

ليس هناك ارتباط ضروري ولا علاقة عضوية بين الإعجاب بالثورة والمقاومة وتأييدها وبين الإعجاب والتأييد لعقائد ومذاهب الثوار والمقاومين ...
لقد انبهر العالم ببطولات الجيش السوفيتي في معركة " ستالينجراد " التي فتحت الطريق أمام انهيار النازية والفاشية ـ في الحرب العالمية الثانية ـ وذلك دون أن تكون هناك حتمية للانبهار والإعجاب بالعقيدة والأيديولوجية التي كانت تسود يومئذ في الإتحاد السوفيتي ..ولم يقل عاقل إن ماركسية قائد هذا الجيش ـ "ستالين" {1879-1953} ـ هي التي صنعت هذه البطولات ..
ولقد أيدنا جميعا المقاومة الفيتنامية الباسلة ، وأعجبنا ببطولات الشعب الفيتنامي ضد الاستعمار الفرنسي والأمريكي ....لكننا لم نمنح هذا الإعجاب للبوذية الفيتنامية ، ولا لماركسية الحزب الشيوعي الفيتنامي ، الذي قاد هذا النضال وسطر تلك البطولات ...ومن ثم لم يتحول أحد منا إلى البوذية ولا إلى الشيوعية ـ كما يطلب هذا التحول اليوم بعض السذج الذين يربطون مقاومة حزب الله لإسرائيل بالشيعة كمذهب والتشيع كعقيدة ـ فيطلبون من بعض الشباب ـ السذج ـ التحول عن السنة إلى الشيعة ! ..
ولقد سبق أن كان كل أحرار العالم ـ من كل الديانات والمذاهب والفلسفات ـ مع المقاومة البطولية للشعب الفرنسي ضد الاحتلال النازي ـ إبان الحرب العالمية الثانية ـ وهي المقاومة التي قادها الشيوعيون الفرنسيون ـ بقيادة بوريس توريز {1900-1964}ـ وانخرط فيها الوجوديون الفرنسيون ـ وفي مقدمتهم "جان بول سارتر" {1905-1980م} ـ وذلك دون أن يمتد هذا التأييد العالمي لشيوعية الحزب الشيوعي الفرنسي ولا إلى وجودية الوجوديين الفرنسيين المقاومين للنازية !..فتأييد المقاومة شيء ، والإعجاب بعقائد المقاومين و التمذهب بهذه العقائد شيء أخر ومختلف تمام الاختلاف !..
واليوم ...يمنح أحرار العالم إعجابهم وتقديرهم وتعاطفهم لتيار اليسار المتصاعد في أمريكا الوسطى والجنوبية ..ويؤيدون زعامات هذا اليسار ـ من "كاسترو" إلى "شافيز" ..هذا اليسار الذي يقاوم الطاغوت الإمبريالي الأمريكي ، وذلك دون أن يعني هذا الإعجاب والتأييد لهذا اليسار التحول إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها هؤلاء القادة اليساريون المقاومون للطاغوت الأمريكي وللظلم الاجتماعي الذي يدعمه هذا الطاغوت ...
بل لقد سبق لجماهير عريضة من شباب العالم أن فتنت بالمقاومة الأسطورية "لجيفارا" ( 1928 ـ 1967) ! ....لكنها لم تفتن لا بالماركسية ...اللينينية ...الماوية " التي حركت هذا البطل الأسطوري جيفارا !
وقبل ذلك ..سبق لأحرار العالم أن تابعوا ـ بإعجاب ..وانبهار ـ مسيرة الثورة الصينية الكبرى التي قادها الزعيم الصيني "ماوتسي تونج" {1893-1976} وحزبه الشيوعي ضد كل قوى الاستعمار والرجعية التي احتلت الصين وقهرت شعبها العظيم ..لكن هذا التعاطف وذلك الإعجاب لم يستلزم التحول إلى شيوعية ماوتسي تونج وحزبه ...ولا إلى كونفشيوسية الشعب الصيني ...ذلك أن تأييد المقاومة للظلم والاستعمار ليس من شروطه التحول إلى مذاهب الذين يقاومون الظلم والاستعمار ...وإلا لكان علينا أن نكون في حالة تحول دائم ومستمر إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها المقاومون والثوار !!..
إنها السذاجة الفكرية التي تريد أن تربط بين تأييد المقاومة وبين المذاهب بمذاهب المقاومين ...
......................................
*المصريون ـ في : بتاريخ 2 - 4 - 2007م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:51 AM
«الشوط الأول» للدكتور حمد بن ناصر الدخيل

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
........................

يضم هذا الكتاب عشرين مقالة ومقابلة ـ كما يقول المؤلف «تتناول بعض القضايا التاريخية والإسلامية والأدبية والنقدية، كتبتها في أوقات مختلفة، ونشرتُ بعضها في الصحافة، وقليل منها أذعتُُه من إذاعة الرياض»( ).
وسنتوقف هنا أمام ثلاث قضايا من التي تناولها الكتاب:
قامت الصحافة بدور كبير في احتضان الأدب ونشره وتقويمه في الشرق والغرب ـ كما يرى المؤلف، و«قدّمت للأدباء والنقاد خدمات جلى في إذاعة إنتاجهم، وتيسير الاطلاع عليه، وكانت قناة النشر الأولى لكثير من الأعمال الأدبية والنقدية المتميزة»( ).
ويرى أن «صحافة الأمس خير من صحافة اليوم في الاهتمام بالأدب والحرص على نشره في صفحاتها، والقائمون عليها بالأمس أكثر حيوية ونشاطاً في الاتصال بالأدباء، وإغرائهم بنشر إنتاجهم في صحفهم السيارة»( ).
ويرى المؤلف أن ضآلة الاهتمام اليوم بالأدب في الصحف يعزى إلى عدة عوامل «لعل من أهمها أن القائمين على الصحافة ينظرون إلى الأدب نظرة ثانوية محدودة؛ لأنه خارج عن محور اهتمامهم، ويروْن أن توجيه الصحافة للقضايا المتصلة بحياة الإنسان ووجوده وحاجاته أولى من توجيهها إلى الأدب»( ).
ويرى أن الصفحات الأدبية والملاحق التي تُخصصها الصحف لمسائل الأدب والنقد «لم تنهض بما ينبغي أن تقوم به من نشاط إزاء الحركة الأدبية والنقدية، ويُمكن مُعالجة هذا القصور بتحقيق ما يلي:
1-إيجاد قنوات اتصال بين الملاحق ... والأدباء القادرين على العطاء الأكاديمي المتميز في ميدان الأدب والنقد، وعدم اكتفاء الملاحق بنشر ما يرد إليها، بل تأخذ دائماً زمام المُبادرة في الاتصال بالأدباء والنقاد وإغرائهم بالنشر.
2-إسناد الإشراف على الملاحق الأدبية إلى متخصصين في الأدب، أُتيحت لهم دراسة متمكنة، ولديهم إلمام واسع بفنونه ومصادره وتياراته، للنعوض بمستوى ما يُنشر، والقدرة على اختيار المُناسب، واستبعاد الإنتاج الباهت الضعيف.
3-إغراء الأدباء والنقاد بالنشر وتشجيعهم عليه بدفع مكافأة مُجزية على كل مقالة أو دراسة تُنشر، كما تفعل كثير من الصحف في الشرق والغرب...
4-تعميق الصلة بين الملاحق الأدبية في الصحف والأندية الأدبية‘ إذ أن الأندية غالباً ما تستقطب الأدباء، وتكون أكثر من غيرها في الاتصال بهم، وتوظيف نشاطهم الأدبي في برامجها الأدبية والثقافية. وسيكون لهذه الصلة أثر ملموس في كثرة ما يُنشر من الأعمال الأدبية وجودته.
5-وضع شروط معينة للنشر تُثبت في نقاط موجزة في مقدمة كل ملحق أدبي، وتتضمّن أموراً مثل سلامة اللغة، والتقيد بعلامات الترقيم، وتجويد الأسلوب، وبراعة المُعالجة، وتوثيق المصادر إن كان دراسةً أوْ بحثا، وبتلك الشروط يريح المشرف على الملحق قلمه من التعديل والتصحيح والإثبات والحذف»( ).
المكتبة ذاكرة الوطن
في مقالة «مكتبة الملك فهد الوطنية ذاكرة الوطن»، يشير إلى أن تحويل مكتبة الملك فهد إلى مكتبة وطنية يأتي من إدراك أولى الأمر للكتاب، ودوره في نشره المعرفة، وإسهامه في بناء الحضارة. ونظام المكتبة في الاتجاه إلى اقتناء نسخة أو نسخ من كل كتاب يصدر في المملكة ـ أو في خارجها ـ يعني أن المكتبة تسعى لأن تكون ذاكرة الأمة.
هل نحن أمة قارئة؟
يتصل بالمكتبة أن نسأل «هل نحن أمة قارئة؟»، فمن المعروف أن الحضارة الإنسانية منذ بدايتها الأولى ترتبط بالقراءة ارتباطاً وثيقاً، و «من نافلة القول أن الأمم القارئة هي أكثر الأمم أخذاً بأسباب الحضارة، ووسائل العلم والمعرفة، ليس في الميدان النظري فحسب، وإنما في الميدان التقني والتطبيقي أيضاً، والأمم التي توصف بأنها متأخرة، أو التي لم تكن لها مُشاركة في بناء الحضارة الإنسانية، أو قسط من العلم هي الأمم التي لا تقرأ، أو ليس للقراءة نصيب في برنامجها اليومي»( ).
ومما يأسف له الكاتب أننا أصبحنا أمة لا تقرأ، فليس للكتاب نصيب في حياتنا، ويقول: «دعونا نسأل أنفسنا من منا يحمل معه كتاباً مُفيداً إذا عزم على سفر من الأسفار؟ وكيف نقضي وقتنا إذا ركبنا قطاراً أو طائرة؟ وكيف نمضيه في صالات الانتظار في المطارات أو محطات السفر على العموم؟» ( ).
المرأة مبدعة
عنيت الدراسات الأدبية بإبراز دور المبدع رجلاً في ميادين الإبداع المختلفة، ولكن الدكتور حمد الدخيل له دراستان عن المرأة المبدعة؛ الأولى بعنوان «مدخل إلى جمع شعر المرأة العربية ودراسته»، نشرت في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية(العدد: 28، شوال 1420هـ، يناير وفبراير 2000م، ص ص 387-426)، والثاني بعنوان «شعر شواعر بني حنيفة في الجاهلية والإسلام/: دراسة، وجمع، وتحقيق، وشرح»، وهو يُشير في مقابلة أدبية معه إلى أن «المرأة السعودية شاركت كغيرها في الحركة الأدبية في المملكة، وعبَّرت عن مواهبها الأدبية من خلال الشعر، والقصة، والمقالة، والدراسة الأدبية. وأتاحت النهضة العلمية والثقافية التي تحظى بها المملكة للمرأة فرص الدراسة والتعلم، والتزود بألوان الثقافة، مثلها مثل الرجل. وكشفت هذه الفرص أن المرأة السعودية لا تقل عن صنوها الرجل في موهبة الأدب ودرسه، والقدرة على تقديم ألوان منه جديدة ».
وفي الكتاب كثير من الموضوعات الجديرة بالقراءة، ومنها: هل تؤدي الأندية الأدبية دورها؟، والعوامل المؤثرة في أدب المهجر، وتشويه التراث العربي، وهل نهضت الصحافة بالأدب ... وغيرها من الموضوعات الممتعة التي تجعل من الكتاب زاداً ثقافيا خصبا يُقدمه صاحبه في صورة مقالات وخواطر، ولغة ناصعة طيعة قريبة من فهم القارئ، ولا تثقل عليه.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:52 AM
من المحرر:
الثقافة في حيانتا

بقلم: محمد جبريل
.............

الثقافة ليست مجرد المعرفة.. ليست مجرد زيادة حصيلة المعرفة. ولا مجرد إضافة أرفف جديدة من المعلومات في داخل الذهن الإنساني. لكنها إسهامات متجددة. ومطلوبة في تحقيق التفاعل بين المرء والعالم الذي يحيا فيه. وفي تعميق رؤيته الأكثر اتساعا للأفراد. وللجماعة التي ينتسب إليها وللعالم. المعرفة لا قيمة لها ما لم يستتبعها محاولات لتطبيقها في الحياة اليومية. في إحداث مراجعة للوعي والنظرة. كما يقول ابن المقفع فإن صاحب العلم يلزمه القيام بالعمل لينتفع به وإن لم يستعمل ما يعلم لا يسمي عالما ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه علي علم به يسمي جاهلا.
القول بأن المرء حصيلة ثقافته يحتاج إلي مراجعة.. الأدق أن المرء حصيلة معرفته وهي معرفة تشمل كل ما قرأه واستمع إليه. وشاهده. واختبره. لذلك فإن القول -مثلا- بأن ثقافتنا مصدرها الثقافة الغربية يلغي المخزون المعرفي الذي يعد الموروث الشعبي حصيلته الأهم.. إن كل ما حصله الإنسان العربي من معرفة مصدرها الكتب الغربية لا يلغي ما في داخله من موروث لا يقتصر علي أعوام حياته وحدها وإنما يمتد آلاف السنين هي عمر الموروث الذي تشكلت منه حضارة الشعب العربي.
الثقافة بمعني قراءة الكتاب. وسماع المقطوعة الموسيقية. ومشاهدة المسرحية أو الفيلم.. هذه الثقافة ليست سوي "معرفة" يتعلم المرء جديدا يضيفه إلي مخزونه المعرفي. أما الثقافة -بالمعني الذي أقدره- فإطارها السلوك. الفعل. التصرف. المثقف هو الإنسان ذو المعرفة والموقف الحضاري في آن. لا قيمة لقراءة الكتب وسماع الإذاعات ومشاهدة المسرح والسينما والقنوات الفضائية. ما لم يلتحم بذلك كله سلوك يعني بالتطبيق الإيجابي والفعال لكل ما حصله المرء من معرفة إذا أفاد المرء من معرفته في تصرف إيجابي فذلك تصرف مثقف والثقافة صفة يصح أن نطلقها علي صاحبها. ثمة متعلمون يحملون في رءوسهم ما حفظوه دون أن يشغلهم التطبيق. يفيدون من ذاكرتهم الحافظية أو الاستيعابية لكنهم لا يحاولون الإفادة مما أودعوه ذاكرتهم في الإضافة والتطوير.
الثقافة إذن ليست مجرد معلومات نظرية لكنها حصيلة لجميع المعلومات التي يكتسبها المرء خلال حياته. واستخدامها بصورة مفيدة وإيجابية وفعالة وبتعبير آخر فإن الثقافة ليست في الحصول علي الشهادات الدراسية. وإنما في خلق الوعي الكامل عند الحاصلين علي تلك الشهادات في تعدد مستوياتها والمثقف ليس هو الذي يملك أكبر قدر من المعرفة لكنه الذي يمتلك أكبر قدر من الوعي لقد تحقق له الوعي بالمعرفة وأفاد من هذا الوعي في تقرير المناسب والأفضل والأجمل. والتصرف في ضوء سلوكيات تحاول الصواب. والقول بأن المثقف هو ذلك الذي يعرف من كل شيء خلاصته واعتبار العقاد مثلا لذلك المثقف ينطوي علي مغالطة لأنه لا يوجد في عصرنا من يعرف من كل شيء خلاصته. ثورة المعلومات جعلت السير في مساحتها الواسعة أمرا مستحيلا ولو أن المثقف العظيم سقراط جاء في زمننا الحالي. فإنه سيواجه موقفا أكثر تعقيدا من الموقف الذي واجهه المنيكلي باشا في حديث عيسي بن هشام ستبدو "ثقافة" الرجل لا شيء أمام "ثقافة" أي طفل في المرحلة الابتدائية فهو إذن كان قد حصل -في عصره- علي "معرفة" تفوق ما كان لدي الآخرين وزفادت منها ذاكرته الحافظية واستيعابه. وإجادة استخدامه لمخزونه المعرفي.
إن المرء الذي يرافق. أو يلي. "معرفته" فعلا إيجابيا يضيف. ويطور. هو الذي يصلح لأن تطلق عليه كلمة "مثقف". ومن الخطأ أن نقصر الثقافة علي قطاع محدد ومحدود من أفراد المجتمع لأن المعرفة- إذا أفاد منها المرء- بصرف النظر عن مستواه التعليمي- تصنع إنسانا مثقفا بل إن الجهل بالقراءة والكتابة لا يحول دون تحصيل قدر كبير من المعرفة وممارسة الفعل الثقافي.
............................................
*المساء ـ في 1/3/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:53 AM
الطنطاوي يصف اللحظات الأخيرة في حياة ابنته بنان..

بقلم: علي الطنطاوي
...............

إن كل أب يحب أولاده، ولكن ما رأيت، لا والله ما رأيت من يحب بناته مثل حبي بناتي... ما صدقت إلى الآن وقد مر على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة )كان ذلك عام 1984م) وأنا لا أصدق بعقلي الباطن أنها ماتت، إنني أغفل أحيانا فأظن إن رن جرس الهاتف، أنها ستعلمني على عادتها بأنها بخير لأطمئن عليها، تكلمني مستعجلة، ترصّف ألفاظها رصفاً، مستعجلة دائماً.. كأنها تحس أن الردى لن يبطئ عنها، وأن هذا المجرم، هذا النذل.. هذا.. يا أسفي، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يطلق على مثله؛ ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام، إن في اللغة العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة، وأمثالها.
ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها، ثم اقتحم عليها على امرأة وحيدة في دارها فضربها ضرب الجبان، والجبان إذا ضرب أوجع، أطلق عليها خمس رصاصات تلقتها في صدرها وفي وجهها، ما هربت حتى تقع في ظهرها كأن فيها بقية من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا
ولكن على أقدامنا نقطر الدما
ثم داس الـ .... لا أدري والله بم أصفه، إن قلت المجرم، فمن المجرمين من فيه بقية من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدميه النجستين على التي قتلها ظلماً ليتوثق من موتها، ولكنه فعل ذلك كما أوصاه من بعث به لاغتيالها!!
دعس عليها برجليه ليتأكد من نجاح مهمته، قطع الله يديه ورجليه، لا .. بل أدعه وأدع من بعث به لله؛ لعذابه، لانتقامه ... ولعذاب الآخرة أشد من كل عذاب يخطر على قلوب البشر.
لقد كلمتها قبل الحادث بساعة واحدة، قلت: أين عصام؟ قالت: خبَّروه بأن المجرمين يريدون اغتياله وأبعدوه عن البيت، قلت: وكيف تبقين وحدكِ؟ قالت: بابا، لا تشغل بالك بي، أنا بخير، ثق والله يا بابا أنني بخير، إن الباب لا يفتح إلا إن فتحته أنا، ولا أفتح إلا إن عرفت من الطارق وسمعت صوته، إن هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة، والمسلِّم هو الله.
ما خطر على بالها أن هذا الوحش، هذا الشيطان سيهدد جارتها بمسدسه حتى تكلمها هي، فتطمئن، فتفتح لها الباب.
ومرّت الساعة، فقرع جرس الهاتف وسمِعْتُ من يقول: كَلِّمْ وزارة الخارجية. قلت: نعم.
فكلمني رجل أحسست أنه يتلعثم ويتردد، كأنه كُلِّف بما تعجز عن الإدلاء به بلغاء الرجال، بأن يخبرني ... كيف يخبرني؟!!..
ثم قال: ما عندك أحد أكلمه؟ وكان عندي أخي. فكلّمه، وسمع ما يقول، ورأيته قد ارتاع مما سمع، وحار ماذا يقول لي، وأحسست أن المكالمة من ألمانيا، فسألته: هل أصاب عصاماً شيء؟! قال: لا، ولكن.. قلت: ولكن ماذا؟! قال: بنان، قلت: ما لها؟! قال..، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبق في يده شيء.
فهمت وأحسستُ كأن سكيناً قد غرس في قلبي، ولكني تجلدتُ وقلت هادئاً هدوءاً ظاهرياً، والنار تضطرم في صدري: حدِّثْني بالتفصيل بكل ما سمعت. فحدثني ... وثِقوا أني مهما أوتيت من طلاقة اللسان، ومن نفاذ البيان، لن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعت.. كنت أحسبني جَلْداً صبوراً، أَثْبُت للأحداث أو أواجه المصائب، فرأيت أني لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات!!
علي الطنطاوي
..................................
*لها أون لاين ـ في 18/2/2003م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:54 AM
استراحة داخل صومعة الفكر
« حروف من لغة الشمس » لعبد الله بن سليم الرشيد

بقلم: سعد البواردي
................

لغة الشمس كما ندريها ونلمسها بيضاء متوهجة يسكن النور إن لم أقل النار مقرها وقرارها.. فهي شحنة من الضياء ترسله أشعة مشعة تطوي بها أجنحة الظلام.. وتكشف بها مواطن العتمة والديجور.
تلك هي الشمس الذي تشرق من فضاءاتها البعيدة علينا ناشرة الدفء.. مذيبة ما علق بنا من رعشة خريفية تهتز منها أوصالنا.. شمس شاعرنا الرشيد قد تكون شمس وضوح في الرؤية تستمد طاقتها من كتلة شعورية مخترمة في ذهنه.. مختزنة في رأسه.. هل بهذا التصور أكون أصبت كبد الحقيقة؟!
(شظايا) أطلقها من فمه شعراً آملاً أن لا يكون لها وقع شظايا القنابل التي تملأ سمعنا دويا.. وحياتنا تمزيقاً:
شعر صهيل البقايا
من مهرة في الحنايا
أسررته فتمادى
يدق باب الخفايا..
هل سيفتح أمام دقة بوابة المجهول كما ذكر؟ لا أظن. لقد تركنا معه في حيرة بلهاء..
بدا لكم منه شيء
وفي الزوايا خبايا
ما كان محض حروف!
بل من فؤادي شظايا
لا شيء.. مجرد شظايا متناثرة وغامضة.. من أين..؟ ولماذا؟.. الشظايا يا صديقي لا تحتمل الاحتفاظ بها.. حسنا تركتنا بعيداً بعيداً... أما أنت فقد اختزلتها.. واختزنتها.. واحتفظت بها.. وعليك أن تتحمل وحدك وزر اختيارها... ومن شظاياه إلى رجوعه إلى لغة القلب..
أوصدت بابي.. واعتكفت مخضبا
لغة الحديث بلهجة التجاهلِ
وهجرت أزمنة القصائد راغبا
حتى إذا اشتعلت عيون فواصلي
لقد دعاه شوقه القديم لأوبة ثانية بعد أن تهيأ لشدوه مساحة من الانطلاق في ظل إغلاق بابه.. الانطلاق والإغلاق لا يتفقان.. ومع هذا يدفعنا الفضول لمعرفة الآتي:
وسمعت وقع خطو القوافي في دمي
قدحت على شفتي تأوه ثأكل
راجعتها.. وأنا عزيز قادر
تتكسر الأمواج دون سواحلي
لماذا السماع وحده يا شاعرنا.. الإيقاع خارج دائرة الصمت والعزلة أجدى وأجمل.. حيرتنا فيك أكبر لأنك القادر على تجاوز حدود صمتك كما تقول.. وبقيت مراجعتها مجرد خطو تقدم على الشفتين دون تبرمهما.. وتلك عقدة.. شاعرنا لديه وقت للسؤال: هذا مشجع؛ فهل لديه وقت لتلقي الجواب؟ هذا ما أطمع فيه..
لماذا يجرون ناصية الشعر للنقطة المعتمة؟
لماذا يريدون للقول ألا يحن؟
صحيح (ألا) أن لا.. ثم يسترسل في أسئلة:
وللروح أن لا تئن..؟
وللرأس أن يقبل الصفعة المؤلمة؟
لماذا؟ ولماذا؟ ركام من الأسئلة ضاق بها فمه فأطلقها شظايا متناثرة وثائرة.. من حقها البوح بها دون مواربة لأنه يعاني كشاعر:
لماذا غدا الشعر ولولة النائحات؟
وفأفأة الطفل.. والتمتمة؟
وحتام نهتك عرض الكلام
لتنهشه شفة مجرمة؟
أقف للحظة حتى مفردة الاستفهام (حتام).. وأخالها كالتالي: (حتى م) هكذا أتصور..
سؤال وألف سؤال
وما تم أجوبة مفحمة
بهذه القفلة أنهى أسئلته في تلميح دون تصريح.. إنه لا يعني إنساناً بعينه ولا مجتمعاً بذاته.. أنه يحاكم بلغة المحتج نمطاً بشرياً استعلائياً.. استغلالياً.. مفترساً (لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب).. الجواب نعم عالمنا الواسع مسكون بوحشته وساديته.. يستغرق منك هذه التساؤلات وأكثر... شاعرنا الرشيد يصبّ جامّ غضبه على أدعياء الشعر العالقين بأهدابه لا بأهدافه..
ما الذي أعطاكم الشعر فجئتم تطلبونه؟
أي شيء يعرف الشاعر.. لستم تعرفونه..
إنه يهوى وكل منكم يهوى وإن أخفى شجونه
ويعرفهم بالشعر الذي لا يعرفونه قائلاً:
إنما الشعر الحقيقي الذي قد تدركونه
هو شعر في حناياكم.. ألستم تسمعونه؟
يجيب عن تساؤله شاعر قديم قدير الدلالة:
الشعر صعب وطويل سلمه
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زالت به إلى الحضيض قدمه
ناهيك إذا ما كانت الإشكالية ادعاءً، وليس ضعفاً. يعرفنا بنفسه.. هذا أنا:
مسافر في ضمير الكون ما تعبت
رجلاي، أرتحل الأمجاد والظفرا
حرّ على منكب الجوزاء متكئي
أكاد أقبض أحداق الدجى زمراً
لماذا القبض وحده.؟ القبض لا يكفي.. حسناً لو أستبدل مفردة (أُطبق) بمفردة (أقبض) وكلتاهما جائزة.. ويمضي في اعتزازه وفي تعريفنا بذاته:
هذا أنا في يدي شمس وفوق فمي
مجرة.. وفؤادي ينضح الدررا
كثيرة عليك يا صديقي هذه الأعباء التي لا تقوى عليها يدك.. ولا فمك.. ولا فؤادك.. من تواضع لله رفعه...
نتجاوز معاً أوراق الذات لأني أستطيب التحدث عنها لأنها ذاتية.. وكفى.. المجاذبة الشعرية أدعى إلى التوقف:
وقفت أمام حائط نخل مهمل.. بماذا أوحى به ذلك المشهد؟!
دموع الأمس تفتح دفتريها
فينبض في الأصائل دفتراها
لها وله تسرب في الليالي
وهز شغافها حتى يراها
وفي توصيف واقعي لهمهمة النخلة ووجدها:
وللنخلات همهمة ووجد
بأكسية المريضة دثراها
تحن إلى ترنمك القوافي
ويحلم بالمسامي أخضراها
ويراجع نفسه هذه المرة في حنين من شدة الحب لماضيه.. لماضي نخلته المهملة..
ألم تحن إلى سجع القماري
على السعفات تدهش من يراها؟
ألم تحن إلى سكن وماء
إلى رطب جني في ذراها؟
بلى.. إن حنينها يوم أن كانت عامرة أروع وأشد وجداً من يوم أن باتت غامرة.. الإهمال يُطعم صاحبه الحزن أكان إنساناً أم نباتاً أم حيواناً.. لأنه بداية النهاية.. شاعرنا لأمسه يحن.. ولغده يغني.. ويطرح المزيد من التساؤلات..
يا غدي ما للغد المأمول لا يطرق بابي؟
ولقد أعددت للقيا أفانين انسكابي
أحضن الحلم فتغشاني ارتعاشات الضباب
وفي حنينه الغنائي تبدو الملامح الجمالية أكبر وأكثر، وأصدق توصيفاً وتوظيفا للمفردات:
يا غديرا ماؤه سكب على جدب الضلوعِ
أنا ما بين مسير. وافتكار. ورجوعِ
حائر.. والحيرة الرعناء تقتات دموعي
وشاعرنا يخرج إلى الداخل.. في رسمه الكاريكاتوري!
كنت في غرفتي ألملم أحلامي
وأهتز للصباح الجديد
وحفيف النسيم خلف جداري
ثرثرات النساء ليلة عيد
إلى أن يقول:
لم أقل للظلام سحقاً فقد أبصر
ت في عينه لهيب الوعيد
كان حولي في كل ركن على الأ
رض وفي السقف كالنقاط السود
موغلاً في دمي يثبط آمالي
فيا بهجة المشارق عودي
وفتحتُ الباب العتيق فصكت
جبهتي قبضة الظلام القعيد
عجباً أين ذلك الصبح؟ هل غا
لته غول تمشي بخطو وئيد
غالته.. مؤنثة.. والغول مذكر.. ألا يرى معي شاعرنا أن كلمة.. أرداه.. أنسب؟ ليأتي على هذا النحو:
عجباً أين ذلك الصبح؟ هل
أرداه غول يمشي بخطو وئيد
أغلب ما في شعر شاعرنا الرشيد يستمد طاقته من الشمس.. النور.. الشظايا.. الوهج.. الاحتراق.. بماذا أوحى به توهجه هذه المرة؟
نادمت حرفي فارتمى متموجا
بين السطور وفي يديه لوائي
ونفضت فيه توهجي فجرى ولم
تظفر بمئزره يد الاعياء
لقد دعا شاعرنا حروفه فجاءت إليه مسرعة طيعة تتراقص فوق صفحاتها كما تتراقص طيور البحر فوق موجاته.. حرفه يخصره بحموة قيظه مسلماً جسده إلى الدفء.. وقلمه لأن يسيل مداده في نشوة فرح واعتزاز:
أنا واحد من أمة لكنني
متوحد بمواجدي وغنائي
وأجود بالدمع الكثيف وليس لي
وجع.. ولكن داء خلي دائي
هكذا تأتي المشاركة إحساساً بألم الآخرين ووجعهم.. عن هذا المعني يقول شاعرنا القديم:
فلا نزلت عليّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
أكبر فيك هذه الدلالة الشعورية.. وهذا المعنى الذي يعمق روح المشاركة الوجدانية الإنسانية.. إنه يعيش بعقيلة الواثق في عمره وفي أمره، يبصر الحياة ربيعاً حتى وقد خط المشيب شعيرات رأسه:
لم يرعني المشيب أن بياض الشيب
نور إلى الفؤاد تهدّى
إن سحر الغروب يفضل أحيانا
ويلقي في النفس طيبا.. وندا
نظرة تفاؤلية ما أحوجنا إليها ونحن نجتاز مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة.. ومرحلة الرجولة إلى مرحلة الكهولة.. العمر ربيع يورق العقل فيه زهرا وخبرة.. وحكمة بعد مرحلة الستين.
يغالب العطش أحيانا ويبحث عن قطر يرطب به شفتيه.. ويبل به ظمأه.. وهل أجدى من قطر الندى الشعوري لقتل الظمأ...
تعطش الأحرف في فيّ فتستسقي دموعي
أحرف ظمأي.. بها لهفة مكلوم وجيع
سربت في قاحل الذهن فهمّت بالرجوع
نزح الآتي نداها فتوارت بالصقيع
حتى مع هذا هي تذيل الصقيع متى كانت دافئة.. ودافقة.. لا أحد يلوم شاعرنا على ظمأ حروفه العطشى حين لا تجد الماء..
لا تلمني ما صمتّ اليوم فالصمت ربيعي
أنا شمس إن أغب ليلا فلا تندب سطوعي
احفر بريشة قلم مشاعرك المعطاءة البناء بئر ماء تروي به عطشك وعطش الآخرين.. تلك هي قمة العطاء.. للقلب وقائع ومواقع تحدث عنها شاعرنا الرشيد بكل عفوية وطموح:
أبني على قمم المنى بيتاً إلى
شرفاته البيضاء تهفو الأنجم
وأهيم.. والحلم اللذيذ مشاعر
شتى ينوء بها حنين مبهم
وأغيب في هجسي.. كأني لم أكن
شيئاً.. وأفائي تضيء وتظلم
لِمَ هذا التراجع يا صاحبي وقصيدتك العلوية تسري ولا تتكلم؟ هل علق بها الصمم.. أنطقها أو احفر لها قبراً إذا كانت عاجزة بعجزك أنت.. الحب يا صديقي لا يسمح بالإغفاءة؛ إنه يهرب من الشباك..
أغفو على لقياه غفوة ساذج
طرب.. وأوشك أن أطير فأحجم
فيلوح لي خلف السجون مسلط
عات.. تدمدم في رؤاه جهنم
ما دمت تعترف بالخطر.. إذاً لماذا غفوت؟ نريدها إضاءة كقصيدتك تطرد الملل والجهل:
أرسلت طرفي خلف النجم إذ غربا
فعاد يحتضن الأقمار والشهبا
ولم أبال.. وقد أرسلته كلفا
والأفق يمطر ليلا ينبت التعبا
لا أريد لفكرك أن يرهق.. ولا لشعرك أن يزهق..
لم أرهق الفكر فيما رمت مطلبه
فربّ فكر أحال العقل مضطربا
لو أدرك النهر أن البحر مبتلع
أمواهه.. ما جرى يوما ولا عذبا
أمواهه هنا غير صحيحة.. مياهه هي الأصح.. إذا كان لكل كسر جبر.. ولكل دمعة كف تكفكف وتجفف مجراها فإن لكل انكسار التئاماً متى كانت إرادة السلامة قائمة..
طفت الحياة وملء أوردتي
أمل لديه يرتخي أملي
أرجو بها شيئاً.. ويفاجئني
شيء يبعثر رعشة الحلم
إلى أن يقول:
كم قلت للآمال لا تهني
فاجتثها يأس فلم تقم
ودعوت: يا أشواق فانطلقي
بالثائق المشغوف للقمم
فارتدت الأصداء ساخرة
يا عاقد الآمال بالصنم
لا عليك يا صديقي الشاعر.. شعرك نبض حياة.. ومشاعرك صوت يقظة.. ما آخذه عليك أنك تحلق في بعض أحلامك ثم تتراجع دون عذر لأنك تملك جناحين قادرين على الارتفاع لا على الارتداد.. أحيي فيك قدرتك على طرح الجميل.. رغم رمادية بعض الصور الزاهية التي لا تحتمل السواد.. حروف شمسك يجب أن تكون بيضاء.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:55 AM
آخر ما كتب الراحل يونان لبيب رزق : العيب في ذات أفندينا
............................ .......................

كان أحمد حلمي هو أول من »عاب« في ذات أفندينا، وأول مصري يدخل السجن لهذا السبب. جري ذلك قبل مائة عام تقريباً، كان وقتها شاباً في الثالثة والثلاثين، يصدر جريدة »القطر المصري« بعد سنوات أمضاها يعمل في »اللواء« جريدة الحزب الوطني بزعامة مصطفي كامل. في 13 نوفمبر 1908 كتب حلمي منتقداً شهر العسل الذي طال بين عابدين وقصر الدوبارة، وأنهي مقاله بنصيحة للسير جورست المعتمد البريطاني بأن ينقل إقامته إلي عابدين حتي لا يستنفد طاقته في المشاوير ذهاباً وإياباً بين القصرين.
سعي الخديو عباس حلمي إلي استمالة الرجل، وأرسل له من يحذره، وكان بين محذريه أمير الشعراء أحمد بك شوقي، الذي كان صديقاً مقرباً من الخديو ورئيساً تعلم الترجمة بالمعية الخديوية، لكن أحمد حلمي لم يستجب وواصل هجومه غير المسبوق علي أفندينا، وفي 8 يناير 1909 شن هجوماً عنيفاً علي الخديو، مستنداً إلي مقالات نشرتها صحيفة تركية، ترجع فيه أسباب الخراب والتأخر الذي حاق بالمصريين إلي الأسرة العلوية، ودعا المصريين إلي التخلص من هذه العائلة الظالمة التي تتعامل مع المصريين باعتبارهم إرثاً أو عقاراً.
وعلي الرغم من أن أحمد حلمي حاول بعد أن نشر ترجمة لهذه السلسلة من المقالات أن »يوازن« المسألة، فنشر مقالات أخري تدافع عن العائلة، إلا أن الحيلة لم تنطل علي الخديو، وبسرعة تم »إعمال« مواد قانون المطبوعات التي تعاقب بالحبس وبالغرامة كل من مس مركز الجناب العالي بالسب أو بالقذف أو بالتلميح بأي صورة من الصور، وبدأ نظر القضية في أبريل ،1909 وصدر الحكم في 23 من نفس الشهر بحبس المتهم عشرة شهور »حبساً بسيطاً« وأمرت بتعطيل جريدته »القطر المصري« ستة شهور، وإعدام كل ما يضبط من هذا العدد من الجريدة، ولكن أحمد حلمي علي ما يبدو ولم يتعلم من الدرس، فحين عادت الجريدة إلي الصدور كتب في 29 أكتوبر مقالاً عنوانه »صلاح الرعية بصلاح ملوكها« قال فيها: ياكل ملك غشوم أو حاكم ظالم، ما ضرك لو تتزود قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، فلا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين«.
وفي 26 نوفمبر صدرت الجريدة بمانشيت عريض »فلتسقط حكومة الفرد«، وهو ما دعا الحكومة البريطانية بعد استئذان المندوب السامي ـ لاحظ ـ إلي إصدار قرار بإغلاق القطر المصري في 8 يناير 1910.
هذا هو أحمد حلمي صاحب الشارع الشهير في شبرا، وموقف الضواحي والأقاليم الذي نحمد الله أن أزالوه.
وفي 1923 صدر قانون خاص للعيب في الذات الملكية، وكان أول من مثل أمام المحكمة بمقتضاه هو الدكتور محمود عزمي، الذي كتب مقالاً في جريدة السياسة عام 1927 تحت عنوان »يجب وضع حد لهذه التدخلات وإلا كان الدستور مجرد حبر علي ورق«، انتقد فيه تدخل القصر في شئون الحكم، مؤكداً في نهاية مقاله أن الملك يملك ولا يحكم، وصدر الحكم بالحبس لمدة ستة شهور، غير أن المواءمات السياسية حالت دون تنفيذه، إذ لم يكن الوقت مناسباً للصدام بين الأحرار الدستوريين التي تصدر »السياسة« والقصر الملكي، فتم تخفيف الحكم في النقض إلي الغرامة.
غير أن أشهر قضايا العيب في ذات أفندينا كانت تلك التي اتهم فيها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، وكان وقتها عضواً في مجلس النواب (1939)، في ذلك الوقت تقدم النحاس باشا باستقالته من الوزارة احتجاجاً علي تدخلات الملك فؤاد في عمل الوزارة، وذهب النحاس باستقالته إلي البرلمان يعلمه بها، ووقف العقاد يلقي كلمته تعقيباً علي هذا الموقف، فماذا قال؟
قال الكاتب الكبير: ليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلد في سبيل صيانة الدستور وحمايته.
وتصور العقاد أنه أفلت بفعلته، بعدما كتب مقالاً في جريدة »كوكب الشرق« ينكر فيه أنه قال أكبر رأس بل كل رأس، وأن دعوته لحماية الدستور ليست ضد الملك، وإنما هي لصالح الملك والشعب معاً، لكن ذلك أيضاً لم يشفع له، إذ تحين القصر الفرصة بعد سقوط دستور 1923 وصدور دستور 1930 في عهد إسماعيل صدقي لتحاسب العقاد والوفد بأثر رجعي، خصوصاً أن العقاد لم يرعوي واستمر يهاجم القصر ويصفه بالرجعية والاستبداد، وفي 31 ديسمبر ،1930 أمرت المحكمة بحبس العقاد تسعة أشهر.. إذ »تيقنت المحكمة أن العقاد كان يقصد الملك بالحديث عن الرجعية، وأنه بذلك ارتكب جريمة العيب في الذات الملكية الرفيعة، فأسند إليها أموراً تظهر الملك بمظهر المعتدي علي حقوق الأمة«.
المؤرخ الكبير الراحل، يتابع فكرة العيب في ذات الحاكم عبر أمثلة عديدة منذ عهد عباس حلمي حتي اليوم، وينتصر لفكرة نقد الحاكم لا شتمه، والاعتراض عليه لا سبه، وهي مسألة لا أظن أن كثيرين يقدرون عليها، في مناخ اختلطت فيه المعايير وغامت الرؤي إلي حد التشويش.
..........................................
*الوفد ـ في 3/3/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:55 AM
قراءة في قصة «الحارس» لحسين علي محمد

بقلم: ثروت مكايد عبد الموجود*
................................

(1)
(نص القصة):
بعد عناء المحاولة في هذا القيظ .. عَدلتَ عن كتابة القصيدة، وصمّمت على أن تسهر مع أغنية أم كلثوم "أغار من نسمة الجنوبِ"!
الإذاعة مشغولة بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس، وأبوك مضطر إلى أن يسهر الليلة لحراسة حديد البناء بعد أن ذاعت شائعات كثيرة عن وجود عصابات من الشباب العاطل تخصصت في سرقة مؤن البناء!
ماذا تصنع الآن؟ على فوّهة البركان جلست أنت والبنّاء (عبد الرحمن) تحرسان الغيم، وتنسجان الشباك للأحلام ..
"سناء" الحاصدة الأولى تعبر في منتصف الظهيرة .. تتوَكَّأ على عصا، فرجلها مكسورة منذ هبوطها ـ منذ عدة ليال ـ سلم بيتكم الطينيِّ في أطراف القرية.
أمشي في دروب صاعدة .. رائحة الروث تملأ المكان .. وسط فِخاخ سأتحرَّك .. عينا "إيمان" شقيقتي الصغرى ترانا من خلف الشيش .. عيناها تعكسان سرًّا صامتاً لا تُريد أن تبوحَ به.
يسرق "عبد الرحمن" الحديد، ويمضي، وأنت تستقبل أربع عيون لعصفورتين مائيتين (سناء، وإيمان). تُغادرك "إيمان" .. تُحدِّق في عيني سناء الممتنّتين .. وتمضي.
عيونكما الأربع تتحرّك في رعب بطيء.
يُطلُّ أبوك خارجاً من باب المسجد المقابل مرتدياً قميصه الكتانيَّ المزهَّر بالنيلة الزرقاء. ينظر إليكما عابساً، بينما سراديب الدهشة واللذة تُغلق أبوابها.

المساء 20/12/1997م.
...............................

(2)
(القراءة)
...........
**يترصّد القاص في قصة «الحارس» حركة بطله، ويرسم لنا صورة نابضة بالحياة؛ فهاهو ذا شاعر يجلس أمام أوراقه، والعرق يتصبب من جبهته، ثم يُلقي بتلك الأوراق، فالقصيدة تأبى أن تجيء..
لكن صبراً، ففي المساء وعلى صوت أم كلثوم، ستولد تلك القصيدة..
وفي هذا القيظ الذي لم يُسعفك، ولم تنجح فيه فإن السادات يزور القدس مادا يده بالسلام، أما والدك فمضطر للسهر كي يحرس حديد البناء الذي يسرقه العاطلون..
أنت والبناء عبد الرحمن..
لكن .. ماذا تفعل والأحلام كبيرة، وأنت فقير، وبيتك من الطوب اللبن على أطراف القرية..
وعينا «إيمان» شقيقتك عرفت سرا تتعذب به.. عرفت سرك أنت..
هذا الحارس.. والدك.. يخرج من باب المسجد مُقطباً، يحمل إرادة الإمساك باللص في الوقت الذي تيأس فيه من ولوج عالم الشعر بعد أن أُغلِقت سراديب الدهشة واللذة..
ولا تأتي زيارة «السادات» للقدس في القصة عبثاً.. فماذا يقصد القاص؟
ألمجرد أن يخبرنا بالزمن الذي حدثت فيه القصة؟
ربما.. لكن لا يمنع هذا أن نجد في القصة تفسيراً ما، لذكر تلك الزيارة..
فالبطل يُحاول كتابة قصيدة ويُجهد نفسه، لكنه لا يفلح في ذلك، وبدلاً من هذا يُخطط لسرقة حديد البناء الذي يعمل أبوه حارساً له..
وعبد الرحمن يسرق بمعونة البطل ذلك الحديد، ويبيعه.. وقد كثرت البطالة..
فالرئيس الراحل أنور السادات ـ رحمه الله ـ نظر إلى الحالة الاقتصادية للبلد، وأراد أن يُجنِّبها ويلات الحرب حتى يشتغل بالبناء والتعمير، وقد خبر الحرب وخاضها، بل وانتصر فيها..فهو حين يذهب ـ لصُنع السلام! ـ يذهب بعزة المنتصر.. وكان الرجل ـ عليه رحمة الله ـ صادقاً في هذا، غير أن تمنُّع الشعر، يوحي برفض المثقفين لهذه الزيارة، لكنهم إذ يرفضون ليسوا أسوياء، بل هم لصوص..
إنهم غير شرفاء، وفي هذا إدانة لرفضهم..
ولعل سبباً آخر قصده القاص، غير أننا لا نحوم في فضاء الاحتمالات دون دليل من النص نفسه. فعلى هدي النص يسير النقد..
ولِم لا نُبحر مع النص، لنرى لمَ جاء كاتبنا بخبر الزيارة في قصته تلك؟..
إن البطل شاعر.. والشعر وجدان.. وقد تأبّى الوجدان.. ففي هذا دلالة على رفض الوجدان الشعبي للزيارة، غير أن العقل يُقرر ما فيه المصلحة.. مصلحة هذا الوطن، ليبني نفسه، ويقويَ دعائمه..
نعم، لم يحدث شيء من هذا؛ فلمْ يبن الوطن نفسه، لأننا لم نستغل فترة السلم، كما لم نستغل دفعة نصر رمضان المجيد، فثلة المُنافقين كالغربان لا تحيا إلا مع الجِيَف.
***
في هذه القصة يبلغ القاص القمة في كل شيء.. وهي تعد نموذجاً للقصة القصيرة حيث حدة الوعي..
إنها لا تقل بحال عن «مارش الغروب» و«نظرة» ليوسف إدريس، بل تزيد عليها في حدة الوعي بحال المجتمع .. وتصل إلى أعمق أعماق النفس دون ضجيج..
لقد دفع المجتمع البطل لأن يعتلي فوهة بركان.. فالمجتمع مشغول عنه «بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس».
مشغول بمتابعة السلطة..
مشغول بجانب واحد، بينما الكل في الظل..
ويزيد من حدة العزلة أن البطل مثقف..
إنه شاعر..
لكنه في مثل هذا الجو الذي لا يشعر فيه بوجوده.. ولا يشعر بأي اهتمام من المجتمع، فإنه لا يستطيع أن يُبدع، ومن ثم يصب غضبه على ذلك المجتمع العاق.. ذلك المجتمع الذي يكتم أنفاسه، ليخنقه..
ولكي يكون الغضب متوحشاً، فإنه يصبه على أقرب الناس.. على والده؛ فيسرق حديد البناء الذي يحرسه والده..
إنه لا يقوى على المواجهة في مثل هذا المجتمع المشغول عنه، لذا فهو ينتقم منه سرا..
***
واللغة في قصة «الحارس» مكثفة، ولا تستطيع أن تحذف جزءاً من القصة وإلا اختلّت، بل إنك في «الحارس» ـ مثلاً ـ لا تستطيع أن تحذف سطراً، أو حتى كلمة..
..................................
*ناقد، وروائي مصري.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:56 AM
أثر المرأة في حياتي وفي أعمالي

بقلم: محمد جبريل
..................

المرأة في حياة المبدع- والإنسان بعامة- هي الأم والزوجة والابنة. تتداخل الشخصيات والمواقف والأحداث، فيسقط الغربال كل شئ، ما عدا الشخصيات الثلاث المؤثرة، التي تمثل بعداً ثابتاً، ليس في مجرد ذكريات المرء، وإنما في تكوينه المعرفي والنفسي، وفي نظرته إلى الأمور.
وعدت القارئ في سيرتي الذاتية "حكايات عن جزيرة فاروس" بأن يقتصر ما أذكره من الأعوام القليلة التي أمضتها أمي في حياتنا، على بعض الصور، أو الومضات السريعة. رحلت أمي قبل أن أبلغ العاشرة، فتصورت أن ما أذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي. فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة، أو جزئية، في الأعوام الأولى منها. لكن الذكريات التي كانت مطمورة، ما لبثت أن استردتها الكتابة، وهو ما سجلته في "مد الموج" و"الحياة ثانية" و "أغنيات"، وفي العديد من أعمالي الروائية والقصصية.
رحيل أمي
ولعل رحيل أمي هو أول ما أذكره من أيامها بيننا. أشرت إليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة، وفي فصول سيرتي الذاتية. قالت الجدة في شقة الطابق الرابع، إنها كانت تجلس بجوار أمي، تعودها، لما انتفضت أمي- فجأة- وأشارت إلى ما لم تتبينه العجوز، وهتفت: أبعدوه من هنا!. ثم سكت صوتها، وجسدها. أمرني أبي بالنزول إلى الطبيب الأرمني في الطابق الأول. صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة. وكان يقف، في كل طابق، أمام النافذة المطلة على الشارع الخلفي، ربما ليأخذ أنفاسه. وكنت أدعوه- بيني وبين نفسي- إلى الإسراع في الصعود، كي ينقذ أمي.
أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن. كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخاً بصورة ملحوظة، والجسد بكامله متصلباً، كأنه وضع في قالب. مال الرجل على صدر أمي، وباعد بإصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده على البطن المنتفخة، ثم هز رأسه في أسى: ماتت!
كانت أمي مثلاً للحنان والقسوة في آن. تثيب للفعل الطيب، وتعاقب للخطأ التافه، أو الذي أتصوره تافهاً. كانت- كما رويت لك في مد الموج- تصر على أن نذاكر حتى موعد النوم، وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص على أن نجلس بجوار الراديو لسماع بابا صادق، ثم بابا شارع، في موعد برنامج الأطفال. ووافقت على اقتراح أخي الأكبر بأن نشتري قطع "جاتوه" بنقود "العيدية" التي أعطاها لنا خالي، ووضعتها أمي في درج "الكومودينو". وقالت أمي: هل أذنت لكم؟ قال أخي: إنها فلوسنا. ألقت على الأرض ما كانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلاً كانت تخصصه لعقابنا. لفته حول أقدامنا، وتوالت ضرباتها بالشماعة حتى أجهدها التعب.
ويوماً، شارك فيه أخي أبناء الجيران معاكساتهم لعم سيد ساكن الشقة العلوية: "يا راجل يا عجوز.. مناخيرك قد الكوز!". ومع إني عزفت عن المشاركة- ربما لأني كنت أتوقع عقاب أمي- فقد شكا الرجل الطيب لأمي "أولادها". وبهمة غير منكورة، قيدت سيقاننا- أخي وأنا- بحبل واحد، ثم انهالت بعصا "التنفيض"، لا تأبه بتوسلاتنا ولا صرخاتنا، حتى أنقذنا- باستثارة أمومتها- جارنا الأعز "عبده فرج الصبروتي".
ابنتي الوحيدة
ماتت أمي، وكبرت أنا، وتزوجت، وأنجبت. وكان من الطبيعي أن تعود الذكريات، وتنشأ المقارنة، وتتضح معان كانت غائبة، من بينها إشفاق الأبوين على مستقبل أبنائهما، والفاروق بين التدليل والإفساد، والتعويد على الحياة السهلة، أو تلك التي تحرص على القيم. كان الإشفاق والحنان والخشية من الانحراف، هو الباعث وراء الإيذاء المتواصل من أمي.. أدركت ذلك متأخراً، وبعد فوات الأوان.
أمل هي ابنتي الوحيدة. اعتبرتها- منذ طفولتها- صديقة، فهي ترافقني إلى رحلات ومحاضرات وندوات. تبدي الرأي- بتنامي وعيها- فيما يثور أمامها من مناقشات. أهمل ما قد لا يتصل بطبيعة سنها، أو ما يشوب آراءها من سذاجة. الهدف هو أن تحسن المتابعة والإنصات ومحاولة التعبير عن قناعات شخصية.
عدت إلى البيت ذات مساء نظرت أمل إلى الحقيبة الجلدية في يدي، وقالت في نبرة مستاءة:
- كتب مرة أخرى؟!
حاولت - في الأيام التالية- أن أجتذبها إلى القراءة. أن أجعل من الكتب ـ والقراءة بعامة- عوامل مشوقة في تكوينها المعرفي. وضعت بين يديها كتب صديقي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" عن قصص الأنبياء، وقصص آل البيت والصحابة، و"أيام" طه حسين، و"عمرون شاه" لفريد أبو حديد، وكتب كامل كيلاني، والطبعة المبسطة من ألف ليلة وليلة، وموال عشان القنال لصلاح جاهين وغيرها..
أذكر ملاحظتها على قول الشاعر: يا ولاد بلادنا توت.. هاتوا قوام نبوت.. نموت البرغوت.. إيدن خلاص حا يموت..
قالت أمل:
- ماذا فعل الرجل لكي يقتلوه!
- المعنى هنا هو قتل سياسة الرجل.
أضفت موضحاً:
- كان الرجل رئيساً بريطانياً عندما شاركت فرنسا وإسرائيل في الاعتداء على مصر عام 1956.
أحسست بأن ما زرعته يوشك على الإثمار حين رأيت أمل تقلب في مكتبتي. تلتقط كتاباً- لعله تاريخ المقريزي- وتبدأ في قراءته. حدثني- في الأيام التالية- عن التاريخ المصري- والعربي- الذي يبدو شاحباً في معظم الكتابات المدرسية..
أشرت عليها بقراءة جمال حمدان وابن إياس وابن تغري بردي وشفيق غربال. عنيت بقراءة بعض ما كتبوا، وناقشتني فيه..
اتسعت مساحة قراءتها فيما بعد، وتنوعت. وانعكس ذلك ليس على مجرد التحصيل المعرفي فحسب، وإنما على دعامات تكوينها المعرفي نفسه، فقد حرصت على تقوية لغتها العربية، كما أخلصت في دراسة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقرأت في القضايا السياسية والاجتماعية الشائكة.
تلك هي- فيما أقدر- وسيلة تربية أبي لإخوتي، ولي. أذكر تدخلي في مناقشاته مع أصدقائه حول قضايا ربما لا يتيح فهمها وعي المرحلة السنية. وأذكر ملاحظاتي السلبية حول حادثة كوبري عباس التي أصدر فيها رئيس الوزراء السعدي "محمود فهمي النقراشي" أمره بفتح كوبري عباس على الطلاب المتظاهرين.
ولأن التربية- في بعض أبعادها- مثل أعلى وعدوى وتأثر، فقد حاولت أن أفيد من تجربة أبي في صداقتي لأمل، أتعرف إلى اهتماماتها- بصرف النظر عن سذاجتها آنذاك، - وأحاول أن أضيف إلى ما أجده إيجابياً في تلك الاهتمامات.
إذا راجعت قائمة كتبي، فإن ما كنت قد أصدرته من قبل أن أقترن بزينب العسال اقتصر على أربعة كتب هي: مجموعة تلك اللحظة، كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، رواية "الأسوار"، مجموعة "انعكاسات الأيام العصيبة". تضاعف الرقم- فيما بعد- وإن ظل أملي أن يماهي الإضافة الكمية تطور كيفي يغري بالقراءة والمتابعة!
زوجتي زينب العسال
أستأذنك في أن أعيد ما رويته في "مد الموج" عن بداية تعرفي إلى زينب العسال:
"زارتني في مكتبي بجريدة "الوطن" بصحبة صديقة لي خبيرة في وزارة الشؤون الاجتماعية العمانية. اجتذبني إليها ما لم أستطع تحديده على نحو مؤكد. قلت لصديقي حسين مرسي مدير الإعلانات بالجريدة:
- هذه الفتاة ستزور الجريدة مرات تالية..
- سأل بالدهشة:
- لماذا؟
أغمضت عيني، كأني أجمع نفسي المبعثرة:
- لا تطلب تفسيراً.. لكنها غيرت في داخلي أشياء.
كنت أعاني ظروفاً أسرية قاسية. زارتني أحلام وكوابيس وخواطر مدمرة. بدأ الأفق مثقلاً بالسحب السوداء المتكاثفة. تعالت الأمواج، وتوالت، فغاب الأفق. لم يعد- في كل الاتجاهات- ما يشي بالرسو.
لما قالت زينب العسال إنها مدرسة اللغة العربية في مدرسة للبنات، عرضت عليها أن تعمل- ساعتين كل يوم- في الجريدة. صدمت سمعها كلمة "الأرشيف"، فاعتذرت. أسرفت في التأكيد أن الأرشيف هو البداية والأساس في العمل الصحفي. لجأت إلى تزويقات ورتوش وعبارات باهرة. كنت أريد أن تعود إلى "الوطن".
تفاقمت- في أثناء عملها- مشكلاتي الأسرية. تساقطت من أذني النصائح، والوصايا التي لا تدرك حقيقة ما أعانيه، والآراء الباردة. بدا الطلاق منفذاً وحيداً.
تبينت في كلمات زينت تفهماً لما أعانيه. شدني حياد آرائها وتصرفاتها. تجيب عن أسئلة خنقني حصارها. تهمل التفصيلات، وما قد يبدو شخصياً، أو سراً، ثم تنصرف إلى عملها في "الأرشيف" الذي خلقته خلقاً.
بدت لحيرتي منفذاً وحيداً، مقابلاً.. وتزوجتها"
كانت زينب العسال- في بداية تعرفي إليها- مدرسة للدين واللغة العربية بمدرسة الزهراء الثانوية للبنات بمسقط. تبادلنا القراءات، وإن فاجأتني اهتماماتها الإبداعية عندما وضعت على مكتبي- بعد أشهر- تحقيقاً صحفياً عن التعداد السكاني في سلطنة عمان، الذي شاركت فيه مع عشرات المدرسات المغتربات بالسلطنة.
أتاحت زينب لتشجيعي لها على العمل الصحفي، ثم الكتابة الإبداعية والنقدية فيما بعد- أن ينطلق إلى مداه. تأففت من إصراري على أن تبدأ بتنظيم الأرشيف، ثم أظهرت موهبتها الإبداعية فور أن طالبتها بالمعاونة في صحيفة يشرف عليها، ويتولى تحريرها وإدارتها، شخص واحد. وكالعادة، تحول التشجيع الذي قد لا يرجو الكثير، إلى مطالبة بالمزيد من الكتابات. وجدت فيها- أعترف- إضافة مهمة إلى ما أبذله من جهد شبه فردي.
أتابع الآن خطوات زينب العسال الواثقة، في حياتنا الإبداعية والنقدية. حصولها على العديد من الدبلومات في التربية والمسرح والفن الشعبي والأدب العربي. ثم حصولها على الماجستير، وإعدادها لرسالة الدكتوراه، وتوالي إصداراتها في النقد والكتابة للطفل. أجد لنفسي في ذلك كله دوراً أعتز به، مثلما تعتز به زينت العسال، وربما أكثر!
قد تهبني شخصية هامشية من الخبرات أضعاف ما أحصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة، فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان، دون تأثير حقيقي عليها، وعلى من يخالطونها. وبتعبير آخر، فإن التأثر والتأثير لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية. وأزعم أني أفدت من رحلة أمي القصيرة في حياتي، ومن رفقة زوجتي زينت العسال الناصحة، المشفقة، المتدبرة، ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي أمل بما لم تبدله الأعوام.
صور مختلفة
تزوجت خادمتنا "دهب"، واستقلت بحياتها، لكنها ظلت على صلتها الأسرية بنا. تزورنا، وتسأل عن أحوالنا- بالذات بعد أن رحلت أمي- واضطر أبي- بتأثير المرض- إلى لزوم البيت، والاعتذار عن غالبية الأعمال التي عرضت عليه- وكان مترجماً!- وعانينا ظروفاً بالغة القسوة.
وصارحنا أبي- ذات يوم- أن "دهب" عرضت عليه مبلغاً نجاوز به ظروفنا. وأرفق أبي شكره باعتذار مؤدب، فقد كان- كما قال لنا- يعرف ظروف دهب جيداً!
أذكر زوجة عم أحمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي على تمراز. كانت أشد منا حرصاً على "الغديوة" التي نقيمها كل بضعة أيام، ابنها فتحي وأخي وأنا. تفسح لها أسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل.
تضيف إلى ما نأتي به ثمار فاكهة، وطبق سلطة خضراء، وخبز ساخن من الفرن القريب. تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة، وتوصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله أن يفتح لنا أبواب المستقبل. شخصية الأم المصرية في مثالها المكتمل!
لعلي أعتبر والدة صديقي فتحي الإبياري أما أدبية لي- إن جاز التعبيرـ لم تكن تضيق بزياراتي المتوالية، ولا بمناقشاتنا المسرفة فيما لا شأن لها به. بل إنها كانت تبدي إشفاقها- أحياناً- على إنفاق فراغ وقتنا في القراءة والكتابة والمناقشات التي تبداً ولا تنتهي. مع ذلك، فإنها كانت تعد لنا "الجو" الذي يتيح لنا ذلك كله. وكانت تسألني- إذا تباعدت زياراتي- : ما يشغلك عن صديقك؟
أثق أن خطوات البداية لم تكن، لولا أمومة هذه السيدة الطيبة.
............................
*عن موقع: لها أون لاين.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:56 AM
المفتون

بقلم: محمد جبريل
......................

عبدالمنعم تليمة قيمة ثقافية كبيرة. بالإضافة الي كتاباته التي تضيف لحياتنا الثقافية. أو تثير فيها ما ينبغي اثارته من الآراء. فإني أجد في د.تليمة محدثاً بارعاً. يجيد تبسيط الملغز والصعب من القضايا. والاحاطة بموضوع العمل الذي يناقشه من خلال حصيلة معرفية وافية.
تحدث د.تليمة في ندوة بنادي القصة عن المجموعة القصصية "نصف سرير ووسادة" للدكتورة سامية الساعاتي. لاحظ المزج الواضح بين فن القص والسيرة الذاتية. وأشار الي قلة السير الذاتية في أدبنا. حتي أنه عد ستة كتب فقط. أذكر منها السير الذاتية لسلامة موسي وطه حسين والحكيم وشكري عياد ولويس عوض.
لا أدري لماذا قصر د.تليمة معني السيرة الذاتية علي الكتب الستة. ثمة سير ذاتية أخري صريحة إن جاز التعبير للطفي السيد وعبدالعزيز فهمي وأحمد أمين ووسيم خالد ولطيفة الزيات ونوال السعداوي وأحمد عباس صالح وغيرهم ممن لا تسعفني بهم الذاكرة. ما يهمني تأكيده أن السيرة الذاتية بعد مهم في السرد العربي الحديث. ولعلي أسمح لنفسي بأن أشير الي كتابي "حكايات عن جزيرة فاروس".
كتاب فؤاد قنديل الجديد "المفتون" إضافة ممتازة الي السيرة الذاتية في سردنا المعاصر. أذهلتني صراحة الكاتب المطلقة. ورفض نظرية قتل الأب التي يؤمن بها الكثير من مبدعي الجيل الحالي. فهو ينسب الفضل لكل من أفاده بنصيحة أو توجيه. أو ناقشه في أحد أعماله. وفي المقابل. فإن ملاحظاته السلبية أهملت الانحياز أو المجاملة. كتب ما حدث في طفولته ونشأته وعلاقاته بالآخرين. لم يكذب هذا هو الانطباع الذي أفلح في توصيله لي ولم يتجمل. استعاد ما جري بالفعل. وكتبه كما حفظته الذاكرة!
الجوانب الحسية رغم أهميتها مشكلة تواجه غالبية كتاب السيرة الذاتية. فهم يتجاوزونها. أو يكتفون بالايماءة المضمرة. اقتحم فؤاد ما يعد لا أدري لم؟ محظوراً. لكنه لم يفتعل الاثارة. وتجنب العبارات التي قد تنزع عن السرد صفته الجمالية.
السؤال الذي شغلني وأنا أطوي صفحات هذا الكتاب. المفيد والممتع في آن: هل كان فؤاد قنديل يكتب بكل هذه الصراحة عن فتاته التي لم يتزوجها. لو أنهما واصلا المشوار الي نهايته؟
لكن هذه ملاحظة ثانوية
.................................................. .
*المساء ـ في 14/6/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:57 AM
دار الكتب وتراث لطفي السيد

بقلم: فاروق شوشة
................

مشاركة لجامعة القاهرة في احتفاليتهاالمئوية‏,‏ اعادت دار الكتب والوثائق القومية نشراعمال لطفي السيد‏,‏ باعتباره واحدا من رؤساء الجامعةالكبار‏,‏ وصاحب مواقف فكرية واخلاقية وسياسية جعلته في مقدمةالمفكرين الذين اسهموا باقتدارفي صياغة العقل المصري خلال النصف الاول من القرن العشرين‏.‏
وفي المقدمة الضافية والمتميزة التي قدم بها الدكتور محمد صابر عرب رئيس هيئة دار الكتب والوثائق القومية للمجلد الاول من تراث احمد لطفي السيد ـ الذي يضم المنتخبات‏,‏ ثم صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية في مصر ـ يوضح الدكتور صابر مدي ايمان لطفي السيد منذ مطالع القرن العشرين بأهمية استقلال مصر الذي كان الهدف الاول للحركة الوطنية المصرية‏,‏ وايمان لطفي السيد بأن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاستقلال وشيوع الديمقراطية‏,‏وكانت له مقولة مشهورة هي‏:‏ من اراد الدنيا فعليه بالعلم ومن اراد الاخرة فعليه بالعلم‏,‏ ومن ارادهما معا فعليه بالعلم‏,‏ وقد كان لطفي السيد ـ كما يوضح الدكتور صابر عرب ـ علي الطرف الاخر من موقف الزعيم الوطني مصطفي كامل وانصاره الذين رأوا ان يواجهوا المحتل وان يؤلبوا عليه الرأي العام في الداخل والخارج‏,‏ اعتمادا علي السلطة الشرعية المتمثلة في الخديو عباس حلمي الثاني وان يستثمروا الخلافات الانجليزية الفرنسية‏.‏ اما لطفي السيد فكان من انصار الدعوة السلمية الي الاستقلال والدستور‏,‏ وكان من رأيه ان استبداد الخديوي لايقل خطرا عن الاحتلال‏,‏ وان التمسك بتبعية مصر للدولة العثمانية لاجدوي من ورائه‏,‏وانقسم المصريون‏,‏ معظمهم انضموا الي مصطفي كامل‏,‏ بينما التفت القلة حول لطفي السيد‏,‏ وهي القلة المتميزة الواعية‏.‏ ويوضح الدكتور صابر عرب بفكره الثاقب ولغته الصافية المتدفقة كيف ان انقسام الجماعة السياسية المصرية لم يكن بسبب مغانم او مصالح شخصية‏,‏ وانما كان انقساما حول فكرة كبيرة‏,‏ وان لطفي السيد كان ـ في جوهرة وحقيقة نزوعة وتكوينه ــ ديمقراطي الفكر والسلوك‏,‏ فقد كان يؤمن بالتطور المستند الي تراكم المعرفة‏,‏ واثقا من ان الطفرة قد تحدث عواقب لاتؤمن عواقبها‏,‏ وكانت هزيمة الثورة العرابية ومانجم عنها ماثلة امام عينيه‏,‏ من هنا فقد كان علي ثقة بأن الديمقراطية والتعليم والوعي جميعها قضايا في حاجة الي الوقت‏,‏ حتي تكون الامة جديرة بالاستقلال الحقيقي ـ ويؤكد الدكتور صابر عرب ــ المؤرخ واستاذ التاريخ ـ أن لطفي السيد لم يكن محبذا للعنف باعتباره وسيلة للارتقاء والتقدم‏,‏ بل كان يري في التعليم والسلام والوعي الطريق الاكثر امنا لحصول مصر علي استقلالها‏,‏ وكان مؤمنا بمبدأ التطور والارتقاء‏,‏ واثقا من ان نتائجه باهرة لمن يواصل العمل دون صخب‏,‏ فهو اذن صاحب مشروع ضخم في الديمقراطية والحياة الثقافية والتعليمية والاجتماعية والقضية الوطنية‏.‏
والغريب ان لطفي السيد لم يكتب كتابا واحدا حول هذاالمشروع‏,‏ و انما كتب مقالات لاتحصي ــ تقدر بالآلافـ في صحيفة الجريدة منذ صدورها عام‏1907‏ حتي توقفها في يوليو عام‏1915‏ في اثناء الحرب العالمية الاولي‏,‏ جمع كثيرا منها زوج شقيقته اسماعيل مظهر في مجلدين بعنوان المنتخبات‏,‏ ومجلد ثالث بعنوان تأملات في الفلسفةوالادب والسياسة والاجتماع ومجلد رابع بعنوان صفحات مطوية‏;‏
وتضيء سيرة لطفي السيد بالمواقع والمناصب التي تولاها‏:‏ اول مدير مصري لدار الكتب عام‏1915,‏ ومديرا للجامعة عدة مرات اخرها سنة‏1941,‏ ووزيرا للمعارف العمومية في وزارة محمد محمود عام‏1928,‏ ورئيسا ثانيا لمجمع اللغة العربية من عام‏1945‏ حتي عام‏1963,‏ كما اختير وزيرا للدولة سنة‏1937‏ ثم الداخلية والخارجية‏,‏ كما حصل علي جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام‏.1958‏
وأتيح لكثير من آثار لطفي السيد الزخري ان تنشر بعد أن جميعها طاهرالطناحي وصدرت في كتاب الهلال عام‏1963‏ بعنوان مباديء في السياسةوالادب الاجتماعي وكان كتاب الهلال قد نشر له عام‏1962‏ كتابه قصة حياتي‏,‏ ومن اشهر مقالاته المدوية ذائعة الصيت خمسة عشر مقالا ذات عناوين منها‏:‏ معني الحرية‏,‏ والحرية الشخصية‏,‏و الحرية والأحزاب‏,‏ والحرية وحقوق الامة‏,‏ والحرية ومذاهب الحكم‏,‏وحرية التعليم‏.‏ وحرية القضاء‏,‏ وحريةالصحافة‏,‏ وحرية الاجتماع‏,‏ وغيرها‏.‏ وحين توقفت الجريدة عكف لطفي السيد علي مشروعه التنويري في الترجمة‏,‏ فترجم عام‏1924‏ كتاب الاخلاق لارسطو الذي كان مقدمة لكتاب السياسة‏,‏وقد نشرته دار الكتب عام‏1947‏ وترجم كتاب الكون والفسادعام‏1932‏ وكتاب الطبيعة عام‏,1935‏ صدرت جميعها عن دار الكتب المصرية‏:‏ مؤمنا بأن الترجمة تسبق التأليف كماحدث في عصرالنهضة الاوروبية‏,‏ فضلا عن ميوله الفلسفية وبخاصة اعمال ارسطو الذي ترك اثرا باقيا في العلوم والاداب الانسانية‏,‏ لذا فقد اعتبره مدخلا طبيعيا للتفكير العلمي الذي شكل كثيرا من المذاهب الفلسفية الحديثة‏.‏ وقد بدأت دار الكتب ــ مشكورة ــ بنشر مؤلفات لطفي السيد علي أن تتبعها بترجماته‏,‏ فما احوجنا ــ كما يقول الدكتور صابر عرب ــ الي اعادة قراءة مصادر الثقافة التي كونت الفكرالمصري الحديث في النصف الاول من القرن العشرين‏,‏ متمثلا في واحد من اهم البنائين العظام هو لطفي السيد‏.‏
والحديث عنه موصول إن شاء الله
..........................................
*الأهرام ـ في 15/6/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:58 AM
ذكريات يوسف إدريس

بقلم: د. جابر عصفور
........................

أذكر جيدا أن أمل دنقل هو الذي عرفني بيوسف إدريس‏,‏ وكان يصحبني مع عبلة الرويني طبعا إلي لقائه‏,‏ والعشاء معه في أماكن كثيرة وكان أمل شديد العرفان لما فعله يوسف إدريس‏,‏ عندما كتب عنه‏,‏ وهو علي فراش المرض‏,‏ مقالا أقام الدنيا ولم يقعدها‏,‏ وكان السبب في احتفاء الدولة بالمريض أمل دنقل‏,‏ واهتمام أغلب المثقفين العرب الذين لم يبخلوا بالرعاية وكل أشكال الدعم لأمل في مرضه الذي انتهي بموته‏,‏ لكن بعد أن انتزع من الموت القصائد البديعة التي جمعتها عبلة‏,‏ وقمت بتقديمها والإشراف علي طبعها كي تكون جاهزة في اليوم الأربعين من وفاته‏,‏ وأطلقنا عليها اسم أوراق الغرفة‏,‏ وهي الغرفة التي كان يشغلها أمل في معهد السرطان‏,‏ ولا أزال أذكر حفل التأبين الذي أقامه الأصدقاء لأمل في حزب التجمع‏,‏ والذي ألقي فيه يوسف إدريس كلمة بديعة في رثاء أمل‏,‏ للأسف لا أعرف مصيرها‏,‏ وأين انتهي مصير الأوراق التي تضمها وما بين تعريف أمل لي بيوسف إدريس ووفاته صرنا نلتقي كثيرا‏,‏ وما أكثر ما كنا نسهر في منزلنا‏,‏ ويمتد الحوار إلي الصباح‏,‏ فقد كنا جميعا أولاد ليل‏,‏ نؤمن بما قاله الخيام‏:‏
فما أطال النوم عمرا ولا قصر في الأعمار طول السهر
ومضت الأيام‏,‏ ونحن نلتقي أكثر من مرة في الأسبوع وكنت مفتونا في ذلك الوقت باكتشاف أدب أمريكا اللاتينية‏,‏ خصوصا ما أطلق عليه النقاد اسم الواقعية السحري وما أكثر ما حدثت يوسف إدريس عن رائعة ماركيز مائة عام من العزلة وكنت قرأت ترجمتها الإنجليزية قبل ترجمتها إلي العربية عن الفرنسية فيما أذكر وقد ألححت علي زميلي سليمان العطار أن يترجمها عن الإسبانية لغة الأصل‏,‏ وقد فعل لكن بعد مسارعة مترجمي الشام إلي ترجمتها وإذاعتها ولا تزال نسختي الخاصة عند زميلي سليمان العطار الذي أرجو ألا يكون قد أضاعها‏,‏ فقد كانت لي تعليقات علي هوامشها وأعتقد أن قراءة يوسف إدريس لرواية مائة عام من العزلة وما يماثلها من الروايات هي التي جعلته يلتفت‏,‏ إبداعيا‏,‏ إلي إمكان قيام علاقة خاصة حميمة بين النبات أو الشجر والبشر علي نحو ما هو موجود في بعض مجموعاته الأخيرة
وكنت في ذلك الوقت أشغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة فصول مجلة النقد الأدبي الفصلية التي كان يشرف عليها عز الدين إسماعيل‏,‏ عليه رحمة الله‏,‏ وقد تولي رئاسة هيئة الكتاب بعد وفاة صلاح عبد الصبور وقرر إسناد رئاسة تحرير مجلة إبداع الجديدة إلي أستاذنا عبدالقادر القط الذي طلب معونتي في أن يدعم يوسف إدريس المجلة بقصصه‏,‏ وقد استجاب يوسف بأريحية إلي ما طلبته منه‏,‏ ونشرت القصة الأولي في ابداع وظل الأمر علي هذا النحو إلي أن زارني الدكتور عبدالقادر مذعورا‏,‏ طالبا أن أقرأ ما كتب يوسف إدريس وكانت قصة ساخرة عن طبيب صنع نظارة لحمار‏,‏ وكيف تغير حال الحمار بعد النظارة‏,‏ وتمضي القصة في تفاصيل جسورة عن انعاظ الحمار بعد أن شاهد حمارة وأخبرني عبدالقادر القط أن يوسف إدريس رفض حذف الأجزاء الجنسية الصارخة‏,‏ وأنهما قررا الاحتكام إلي‏,‏ فقرأت القصة‏,‏ وحذفت منها ما رأيته مستحيل النشر وقبل يوسف بما فعلت وقد فوجئت فيما بعد أن القصة نشرت كما تركتها وحذفته منها‏,‏ وأن يوسف استحسن ما فعلته بها وفي هذه الأعوام قررنا أن نصدر عددا خاصا من فصول عن القصة القصيرة وكان لابد ألا نتجاهل يوسف الذي هو أبرز كتابها وأكثرهم إبداعا‏,‏ فسألته عمن يقترحه للكتابة عنه‏,‏ فإذا به ينفعل قائلا وهل هناك مبدع غيري في القصة القصيرة‏,‏ لو كنت منك لجعلت العدد كله عن قصص يوسف إدريس القصيرة‏,‏ وظللت أجامله وأقنعه بوجود أكثر من دراسة عنه إلي أن وافق علي مضض وقمت باختيار باحثين يكتبان عنه‏,‏ بحيث تكون المساحة البحثية المعطاة له أكثر من غيره‏,‏ لعله يرضي وجاءت المفارقة أن من رجوت منهما الكتابة عنه لم يكتبوا واكتشفت‏,‏ والعدد في المطبعة‏,‏ أنه لا توجد مقالة واحدة عنه‏,‏ وكنت أعرف أن وقع ذلك سيكون شديدا عليه‏,‏ فقررت اللجوء إلي كتاب حديث عنه كتبه كيربرشويك باللغة الإنجليزية‏,‏ وأحسبه أطروحة جامعية‏,‏ وكنت حديث عهد بقراءة الكتاب الذي اشتريته لحسن الحظ‏,‏ وقررت ترجمة ثلاثة فصول‏,‏ يترجم الأول منها الصديق سامي خشبة‏,‏ والثاني اعتدال عثمان‏,‏ والثالث أتولاه أنا واشتغلنا جميعا ليل نهار لإنجاز الترجمة التي أعجب بها عز الدين إسماعيل‏,‏ ولكنه قرر حذف المقال الخاص بالجنس تحرجا وصدر العدد وفيه مقالان فصلان عن إبداع يوسف إدريس الذي رضي بالكاد‏,‏ فقد كان يري أنه يستحق عددا كاملا وأظنه‏,‏ الآن‏,‏ علي حق في ذلك
ومرت الأيام‏,‏ وفاجأنا السادات بفصل كل المعارضين لكامب ديفيد من الجامعة‏,‏ وكنت واحدا منهم‏,‏ فجلست في المنزل لأتدبر أمري بعد أن استلمت عملي في الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات وقد تنكر لي الكثير ممن كنت أظنهم أصدقائي‏,‏ مؤكدين ما حذرني منه أمل دنقل‏,‏ وما أسماه الخسة الإنسانية وقد حرص يوسف إدريس علي رعايتي والاقتراب مني عائليا ومعنويا وما أكثر ما كنت أراه مصطحبا زوجه الفاضلة للسهر في بيتي ومعه من ظل علي وفائه للصداقة‏,‏ وبالطبع أولهما عبلة الرويني وأمل دنقل وما أكثر ما قضينا الليالي في الغناء والضحك والسخرية من القرار الذي اتهمنا بأننا أسهمنا في إثارة الفتنة الطائفية فتصور؟ ولم يكن يوسف إدريس يفاجئني في النهار عندما كان يطلبني لأذهب إليه في الأهرام‏,‏ كي نتغدي معا‏,‏ كأنه كان حريصا علي إعلان صداقته لي حتي في هذا الوقت الذي كنت أري فيه من يشيحون عني بوجوههم‏,‏ إذا التقينا في مكان عام‏,‏ كما لو كانوا يخشون أن يحسب عليهم حتي السلام علي من هو في حالي أما يوسف إدريس فكان نموذجا للرجل الشهم المخلص لأصدقائه إلي آخر مدي‏,‏ ولذلك أحببناه حبا خاصا‏,‏ وأوسعنا له مكانة لا تعلوها مكانة في قلوبنا رحمه الله‏.‏
......................................
*الأهرام ـ في 16/6/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 02:59 AM
قصور الثقافة.. تبحث عن جماهيرية !!

د.تليمة: للمسجد والكنيسة والمدرسة.. دور
د.دياب: فلتذهب الهيئة إلي الناس.. ولا تنتظرهم
د.عبدالمطلب: الدعم مطلوب للوصول إلي القري البعيدة

حوار: د. زينب العسال
...........................

لا يختلف اثنان علي ان هيئة قصور الثقافة قد أصبحت واقعا مهما في حياتنا الثقافية. ثمة ملاحظات تعيب أوجه التقصير أو البعد عن الهدف وتأمل الاضافة والتطوير لكن البعد الذي تمثله - الآن - قصور الثقافة في حياتنا. يطرح الاسئلة: هل هي تعبير عن الثقافة الجماهيرية بالفعل؟ وهل بلغت انشطتها إلي المواضع التي يجب أن تصل إليها؟ وكيف يشعر المواطن العادي في القري البعيدة بأنشطة الهيئة المختلفة؟
حسب الخبرة ودور الدولة في مسألة قصور وبيوت الثقافة في كثير من القري والمدن فإن هذه الخبرة والتجربة تملي علي الجديد والمستقبلي - والكلام للدكتور عبدالمنعم تليمة - ما يلي: ضرورة التآخي بين كل بيت وقصر ثقافة مع أجنحة ثلاثة أخري من القرية أو المدينة نفسها. ان قصر الثقافة بجواره مسجد وكنيسة ومدرسة ولابد أن تنسق المؤسسات الأربع في المجال الثقافي البيئي. لابد أن تفيد فصور الثقافة من هذا التآخي فثمة عشرات الألوف من المساجد تتحول ما بين صلاتي الفجر والظهر إلي يوم مدرسي كامل وبعد صلاة المغرب يأتي حديث ثم تلقي بعد صلاة العشاء محاضرة في بعض أمور حياتنا ومن هنا يتسع جمهور القصر ليشمل الجمهور المتردد علي المسجد أو الكنيسة أو المدرسة. نشر الثقافة الحقيقية يتطلب التنسيق والتخطيط بين المؤسسات المعنية بالثقافة علي اختلاف توجهاتها وأنا شخصيا ارحب بالعمل متطوعا في ضوء هذا التعاون الخلاق.
محطات
ويلاحظ د.محمد حافظ دياب ان تضاعيف العمل الثقافي في مصر تمتد منذ مطلع القرن التاسع عشر وقد مثلت عند نشوء الدولة الحديثة رافعة أساسية في معركة النهضة وتراكم خبرات وانجازات قد لا تسمح طبيعة هذه المساهمة بتقييم جامع حولها وان جاز الحديث عن محطات أساسية لها تبلورت خلال الحقبة الاستعمارية ويمتد تكريس هذا العمل في محاولات اصلاحية بإنشاء العديد من الجمعيات الأدبية والفنية والمناداة - في ثلاثينيات القرن الماضي - بالقضاء علي ثالوث الفقر والجهل والمرض وفي الفترة الرسمية ارتبط - بشكل واضح - بالأجهزة الرسمية كرديف لعمليات التغيير الاجتماعي والتوجيه السياسي عن طريق توظيف آليات التعبئة للثقافة الجماهيرية والاستخدام المكثف لوسائل الإعلام وفي ظروف شهدت توسعا في التعليم وتصفية للتعددية الحزبية وصراعا أساسيا مع الغرب ومع إنشاء وزارة الثقافة بعد توزع العمل الثقافي علي وزارات مختلفة. استقر المشهد علي اطار مؤسسي وفي الوقت الحاضر يرتهن هذا العمل بملابسات معينة تبلغ حد ابراز الصورة والمرئي علي حساب المدون والمكتوب وتزداد التدفقات الإعلامية الكونية.
والآن فإن ما تقدمه قصور الثقافة يصبح أمرا ملحا قد يمكن هناك الاشارة إلي عمليات متابعة قائمة ومستمرة في أجهزة الهيئة. لكنها تقتصر علي مجرد تقديم بيانات إلا أن تصورها يكمن في ارتباطها بما هو قائم من جهود وبرامج ومشروعات مع اغفالها للأدوار التي يمكن أن تتطور ويرتقي إليها هذا العمل.
ويري د.مجدي توفيق ان قصور الثقافة قد حصرت نشاطها داخل القصور بصورة جعلت نشاطها وسط الناس أقل مما ينبغي فالمستفيد منها هو من يأتي إليها ليشارك في انشطتها وهؤلاء عددهم قليل لأن المواطن العادي مشغول إلي حد كبير بحياته اليومية. بصورة تجعل الأنشطة الثقافية أقل الأشياء حضورا في أولوياته وهذا يتطلب ان تعيد الهيئة التفكير في انشطتها لتكون علي نحو. تخرج فيه هذه الأنشطة إلي المجتمع. لا مانع - مثلا - من استضافة طلاب المدارس في مسارحها لتكوين فرق مسرحية وانشطة مكتبية وندوات. بتعاون بين القصور والادارات التعليمية وهو ما يمكن تكراره مع النقابات والهيئات الأخري والشركات والمصانع وجميع الأماكن التي تشهد تجمعات. وهذا كله يتطلب تطويرا لأبنية القصور والبيوت كي تصل إلي درجة تستوعب من خلالها جموعا أكبر من الناس وتصبح مكانا محببا إلي الشباب. يستنفد جزءا كبيرا من طاقاتهم المهدرة ويوجهها إلي التفكير العلمي والعقلاني المفيد. وهذا يتطلب استراتيجية جديدة يدرب عليها المسئولون في قصور الثقافة ليبدأوا ثورة حقيقية في انشطة هذه الهيئة العظيمة.
تجربة خاصة
وفي تقديري د.محمد عبدالمطلب ان هذه المؤسسة منذ انشئت. عنيت بتقديم الثقافة المقروءة والمرئية بأسعار زهيدة أو بالمجان فضلا عن الأنشطة العامة التي تحرك جماهير الشباب. أضف إلي ذلك المؤتمرات والندوات التي تعقد في جميع انحاء مصر ويحضرها المهمشون الذين لا يجدون لهم مكانا حقيقيا في ساحة الثقافة والابداع ومن تجربتي الخاصة - بوصفي استاذا في الجامعة - لاحظت ان الطلاب يقبلون علي ما تصدره هيئة قصور الثقافة وهيئة الكتاب. وهذا ليس راجعا لرخص السعر وإنما لجودة المعروض ومن ثم فإن الجماهيرية لصيقة بقصور الثقافة التي استوعبت الفن التشكيلي أيضا وللعروض المسرحية والموسيقية وأمنيتي ان تدعم الدولة هذه المؤسسة بكل ما تستطيع حتي تتمكن من النفاد إلي النجوع والقري في أقاليم مصر.
أما الشاعر ماجد يوسف فيلاحظ انه قد تعاقبت علي هذه المؤسسات عدة تسميات واجمعت كل التسميات علي نسبتها إلي الجماهير فهي ثقافة جماهيرية. المفروض إذن ان هذه المؤسسة تعني بثقافة الجماهير. لكن الأمر تمخض عن وجود شكلي لهذه الجماهير وتحولت قصور الثقافة إلي ادارات لها طابعها الروتيني وتأتي الجماهير - بالمعني العريض - في خلفية الصورة. أنا لا أبحث عن وجود شكلي لهذه المؤسسة عند عمل مؤتمرات أدباء الأقاليم فما أكثرها وكما نعرف فإن لكل محافظة مؤتمرها. أنا افتقد الدور المؤثر والفاعل في انشطة الهيئة فنشاط المسرح - علي سبيل المثال - نخبوي. جمهوره أبناء الطبقات المثقفة. ان العمل الثقافي يجب أن يختلف عن التصورات المركزية التي تقوم بسد الخانات. أما الجماهير المستهدفة فمازالت بعيدة. هناك مهرجان شامل لعروض الأقاليم يقام في السامر. لماذا السامر؟ لماذا تضم القاهرة جهود الأقاليم؟ علينا أن نجعل للأقاليم حضورها الجغرافي وليكن حضورا فعليا في العروض المسرحية التي يكتبها أبناء الفلاحين. أنا لم اسمع عن اقامة عروض في وسط القري تعرض علي الجمهور الحقيقي وليس المهتمين بالمسرح والأدب المسرحي فقط وهناك شكوي عامة من أندية الأدب في قصور الثقافة. فالأبواب تسد أمام الأبواب الحقيقية والغرض الأساسي من أندية الأدب هو اكتشاف المواهب الجديدة وتقديم الإبداع الجيد. يجب أن تختفي ظاهرة أندية الأدب البديلة علي المقاهي فرارا من محاولة السطوة المقيتة علي هذه الأندية.
................................
*المساء ـ في 12/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:00 AM
عزالدين إسماعيل‏:‏ الموقف والرسالة

بقلم: فاروق شوشة
...............

في منتصف الخمسينيات أتيح لي أن أري عزالدين إسماعيل وأستمع اليه عن قرب‏,‏ وهو يتوسط بعض رفاقه المؤسسين للجمعية الأدبية المصرية‏:‏ صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي‏,‏ كان الأربعة ـ في بداية إعلانهم عن ميلاد جمعيتهم ـ قد رحبوا بدعوة اللجنة الثقافية في كلية دار العلوم وحرصوا علي أن يقوم كل منهم بدور بارز في هذا اللقاء‏,‏ كان صلاح عبدالصبور يعلن من منصة علي مبارك في قلعة الكلاسيكية الشعرية عن تيار شعري جديد يمثل انعطافة كبري في مسار الشعر العربي‏,‏ وكان فاروق خورشيد مهتما بتوضيح وظيفة الأدب ـ كما يفهمها أعضاء الجمعية الادبية ـ الذين خرجوا لتوهم من عباءة جماعة الأمناء وشيخها أمين الخولي ومجلتها أدب‏.‏
وانشغل عبدالرحمن فهمي بشرح المفاهيم الجديدة للقصة الجديدة‏,‏ ويعني القصة في الأدب الحديث‏.‏ أما عزالدين اسماعيل فقد تولي مسئولية المنظر لأفكار الجمعية فيما يتصل بالنقد الأدبي‏,‏ والتأصيل لنظرية التفسير النفسي للأدب‏,‏ كان محمد خلف الله ـ عميد آداب الاسكندرية وعضو المجمع اللغوي ـ قد سبق الي طرح هذا المنهج في تاريخ مبكر‏..‏ وظلت ذاكرتي تحتفظ بصورة عزالدين اسماعيل في قامته السامقة وشموخه ووجهه الجاد حتي اتيح لي أن أتعامل معه بعد ذلك بسنوات بعد ان التحقت بالاذاعة‏,‏ وصادقت فاروق خورشيد‏,‏ الذي كان واسطة العقد في تأليف القلوب من حول الجمعية الأدبية المصرية‏,‏ ونجح ـ بشخصيته القوية الأسرة ـ في أن يجعل من عدد شباب الاذاعيين المنغمسين في الحياة الأدبية والثقافية ـ أصدقاء للجمعية‏,‏ يحضرون ندواتها ومجالسها وأسمارها البديعة ـ في مراحلها المختلفة ـ دون أن يكونوا أعضاء بالفعل‏,‏ وكنت واحدا من هؤلاء‏,‏ وعندما اقتربت من عزالدين اسماعيل وتعاملت معه‏,‏ وأخذت أستضيفه لبرامج البرنامج الثاني ـ البرنامج الثقافي الآن ـ خاصة مع النقاد ثم بعد ذلك بسنوات طويلة للبرنامج التليفزيوني الامسية الثقافية حلت في نفسي صورة ممتلئة بالصفاء والعذوبة والنقاء ـ والقلب الطفولي ـ لانسان جميل‏,‏ وناقد ومفكر ومبدع من طراز رفيع‏.‏ خلال هذه السنوات الطويلة ـ علي مدار أكثر من نصف قرن ـ كان عزالدين يحقق مراقيه وتجلياته في رحلة الحياة والثقافة والفكر‏,‏ استاذا جامعيا في آداب عين شمس‏,‏ ورئيسا لقسم اللغة العربية فيها‏,‏ وعميدا للكلية‏,‏ ثم رئيسا لهيئة الكتاب ورئيسا لتحرير مجلة فصول المدفعية الثقيلة في النقد الأدبي كما كنا نسميها‏,‏ فرئيسا لاكاديمية الفنون‏,‏ وخلال ذلك رئيسا للجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وحين توقفت علاقته بالمؤسسة الرسمية للثقافة‏,‏ كان نشاطه المتوهج في تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبي‏,‏ ورئاستها والتخطيط لها مع نخبة من أصدقائه وتلاميذه‏,‏ وإقامة مؤتمراتها الدولية‏,‏ والاصرار علي اقامتها ودفع تكلفتها من جيبه الخاص‏.‏
لكن شيئا لن يعادل السنوات العشر الأخيرة في علاقتنا معا‏,‏ التي عمقت وتأكدت واتسعت لكثير من بوحه وإفضاءاته عن كثير من ظواهر حياتنا الأدبية والثقافية والنقدية‏,‏ وعن كثير من رموز هذه الحياة‏,‏ وعن طعنات الغدر التي تلقاها ممن كانوا ـ بالنسبة اليه ـ في مقام مريديه وطلابه‏,‏ المستعينين به في أمور شتي حياتية وثقافية‏,‏ كان يضمنا معا خلال هذه السنوات العشر بمجلس الأمناء في مؤسسة البابطين الكويتية للابداع الشعري‏,‏ وخلالها كانت عشرات اللقاءات ومئات الحوارات والعديد من الأسفار والرحلات الي عواصم عربية وأجنبية‏,‏ وأشهد أن صوته طيلة هذه السنوات كان الي جانب العدل والموضوعية‏,‏ والجدية في الطرح والتناول‏,‏ والترفع لغة وفكرا ومنهجا عما يمكن أن يعتبره خروجا علي شرف الثقافة والفكر‏,‏ والانتصار الدائم للابداع الحقيقي‏,‏ من غير تحيز الي اتجاه بعينه‏,‏ أو تعصب أيديولوجي الي مذهب بذاته‏,‏ وكان آخر لقاء لي معه وهو في مرضه الاخير ـ قبل رحيله بأيام ـ وأنا أحمل اليه رسالة من مجلس الأمناء‏,‏ بعد أن أعجزه المرض الخطير المداهم عن الحضور والمشاركة‏,‏ كما حال بينه وبين حضور المؤتمر الاخير للجمعية المصرية للنقد الأدبي بعد أن خطط له وتابع كل خطواته ومراحله‏,‏ وغاب عنه عند اجتماعه منذ شهور قليلة في نوفمبر الماضي‏.‏ ويرحل عزالدين اسماعيل عن ثمانية وسبعين عاما‏(1929‏ ـ‏2007)‏ بعد أن فتكت به العلة الشرسة‏,‏ وفي نفسه من الآلام والاوجاع ما يفوق علة الجسد‏..‏ كان يحدثني في آخر لقاءاته عن موقف جامعته من الجمعية التي يرأسها ومن مؤتمرها السنوي‏,‏ وعن إحجامها الشديد عن تقديم أدني مساعدة أو إسهام أو مشاركة في تكاليف هذا المؤتمر‏,‏ وكيف أحس بالغربة الشديدة والإهانة القاسية والموجعة من جامعة انتمي اليها طيلة حياته استاذا وعميدا واستاذا غير متفرغ ومشرفا علي عشرات الرسائل للماجستير والدكتوراه ومربيا لأجيال عدة من الدارسين والباحثين والنقاد‏!‏
وكثيرا ماكنت أذكره بديوانه الشعري البديع دمعة للأسي دمعة للفرح الذي يضم مقطوعاته الشعرية القصيرة المحكمة‏,‏ والتي تنتمي الي فن الابجرامات‏,‏ والابجرام مصطلح يدل علي القصيدة الشعرية الشديدة القصر‏,‏ التي تنتهي عادة بمفاجأة تلقي الضوء علي أبياتها وتخلع عليها دلالة خاصة‏.‏
وأقول له‏:‏ لقد نفست علي نفسك وداويت أوجاعها بهذا الديوان الجميل‏,‏ وأوصلت الرسالة الي من يعنيهم الأمر بعد أن صورتهم في لوحات قلمية شعرية ناطقة‏.‏ لم لا تواصل عملية التطهير التي أشار اليها أرسطو في حديثه عن وظيفة الشعر أو بلغته‏,‏ الدراما‏,‏ وتخرج ديوانك الثاني للناس وفيه الجديد من القصائد والابجرامات‏,‏ وحين أقنعه صديقه وموضع ثقته الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب بنشر هذا الديوان الجديد ضمن السلسلة التي يشرف عليها والتي تصدرها هيئة قصور الثقافة‏,‏ ظهر الديوان في يوم رحيله الأخير تحت عنوان هوامش في القلب كما ظهر ـ قبله بأيام كتابه النقدي الجديد كل الطرق تؤدي الي الشعر صادق العزاء لرفيقة عمره وشريكة حياته الحافلة الدكتورة نبيلة ابراهيم استاذة الادب الشعبي بجامعة القاهرة‏.‏
....................................
*الأهرام ـ في 18/1/2007م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:01 AM
دعوة إلى الإخوان لمراجعة الذات

بقلم: أ.د. سعيد إسماعيل علي
......................................

منذ أن حط الراحل حسن البنا رحاله في مدينة الإسماعيلية مدرسا ابتدائيا بعد تخرجه من دار العلوم وقام بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 ، حصر الدعوة في التهذيب الأخلاقى لبسطاء الناس ، وبتبصيرهم بقواعد دينهم الإسلامى الأساسية وتوجهاته العامة ، ذاهبا حيث كانوا في المقاهى والأزقة والحارات مما فتح الكثير من القلوب إلى ما يقول ، وإذا بالدعوة تنتشر انتشارا ملحوظا لا في الإسماعيلية وحدها ، وإنما في أرجاء كثيرة من مصر ، وفيما بعد ، تخطت الحدود لتتواجد في عدد من الأقطار العربية 0
لكن عام 1938 ، أى بعد مرور عشر سنوات على التأسيس ، شهد تطورا جذريا في نطاق الدعوة ، فإذا بالمؤسس يعلن أن الإسلام منهج حياة ، مما يفرض على الجماعة أن تمد نطاق دعوتها إلى مختلف المجالات فلا تقتصر على الوعظ والإرشاد والتربية والتهذيب ، وإنما تشتغل كذلك بالشأن السياسى ، وتقتحم العمل الاقتصادى ، وتقوم بالأعمال الاجتماعية الخيرية ، وتؤسس الصحف والمجلات ، وتسهم في عملية التربية والتعليم 00وهكذا 0
وما أن مرت عشر سنوات أخرى ، حتى أصبحت جماعة الإخوان تنظيما ضخما ذا انتشار عجزت التنظيمات الأخرى عن أن يكون لها مثله ، ثم إذا بقرار محمود فهمى النقراشى الذى كان رئيسا للوزراء عام 1948 بحلها بعد هذه السنوات العشر من الانغماس في العمل السياسى بمفهومه الشامل ، كما رآه المؤسس 0
ومنذ ذلك الحين ، لا أظن أن تنظيما مثل جماعة الإخوان المسلمين لاقى ما لاقاه من التشريد والمطاردة والسجن والاعتقال والطرد منذ مقتل النقراشى عام 1948 ، باستثناء الفترة التي رأس خلالها الوفد الوزارة منذ عام 1952 ، وبدايات ثورة يوليو من عام 1952 حتى عام 1954 ، وبعض سنوات التهدئة في عهد السادات 0
والآن ، ونحن في عام 2008 ، أى بعد ثمانين عاما بالضبط على تأسيس الجماعة ، ألا تحتاج إلى وقفة مع النفس من حيث التقييم والمحاسبة الذاتية ، وهى الخطوة المنطقية التي يؤكد النهج العلمى على ضرورة أن تصاحب العمل – أيا كان – من حين إلى آخر ، وهو أيضا ما يتفق مع النهج الدينى الإسلامى في أن يقوم الإنسان من حين لآخر بمراجعة نفسه ومحاسبتها في وقفة صدق مع الذات : فيم أخطأ وفيم أصاب ؟ وما الذى يمكن عمله غدا في ضوء نتائج هذه المحاسبة وذاك التقييم ؟
إن الذى يدعونى إلى توجيه هذه الدعوة إلى الإخوان ، هو ما أصبحنا جميعا نشهده من تصاعد في المواجهة من قِبَل النظام إلى درجة التوحش ، وخاصة منذ انتخابات 2005 وفوز 88 نائبا إخوانيا ، كان يمكن أن يزيد عددهم إلى أكثر من هذا لولا ما شهدته المرحلتان الثانية والثالثة من حرب ضارية ، وزاد هذا التحويش والحصار الأمنى المكثف في التجديد النصفى لمجلس الشورى ، ثم وضح صارخا في الانتخابات المحلية 2008 ، كل ذلك حتى لا يكون للإخوان تأثير في انتخابات الرئاسة القادمة في العام 2011 التي يرتب النظام لها بحيث يتحقق له ما يريد !
وتتلخص دعوتى إلى الإخوان في ضرورة التحول عن العمل السياسى بمعناه المعروف للتفرغ إلى عملية بناء الإنسان ، بالمعنى النفسى والتربوى والاجتماعى ، لماذا ؟
إن النظام في مصر ، مثله مثل الكثرة الغالبة من النظم العربية يستحيل أن يحقق ما تردده الوجهة الديمقراطية من تداول السلطة ، ذلك أن هذه النظم ، وصل أصحابها إلى مقاعد الحكم فيها ، إما بالوراثة ، أو بالصدفة ، أو على ظهر دبابة ، والحكام الذين أتى بهم الناس هم وحدهم الذين يحرصون على تداول السلطة ، والفئة الأولى تدافع عن وضعها دفاع حياة أو موت ، ومن ثم يكون الحرص الشديد على أن تخلو الساحة من القيادات البارزة المستقلة أو التنظيمات القوية 0
ومن هنا فليس صعبا فهم عدم استمرار بعض الوزراء في مصر عندما يعم إحساس شعبى عام من الارتياح والقبول لهم ، على ندرة هذه الفئة ، والعكس من ذلك ، كلما اشتد النقد لواحد ، استمر أكثر ، إلا إذا حدث ما هو غير عادى بحيث يضطر النظام إلى تغييره 0
وهكذا بالنسبة للتنظيمات السياسية حيث حرص النظام على عدم السماح بتأسيس حزب يمكن أن تكون له شعبية ، و من يصاب بمثل هذه الشعبية ، أو حتى باحتمال لها سرعان ما يعمل النظام إما على ترويض هذا الحزب أو على تفجيره من الداخل ، والأمثلة على هذا وذاك معروفة 0
هنا تجئ المشكلة بالنسبة للإخوان ، فهم أصحاب أكبر تنظيم في الوطن العربى كله ، وبالتالى فهم الجماعة الوحيدة التي تستطيع أن تكسب " الجولة الانتخابية " لو أجريت انتخابات حقيقية بعيدة عن كل الصور المخزية التي أصبحت ملاصقة لكل انتخابات مصرية 0
إننى أومن شخصيا بأن الإسلام " منهج حياة " لا انفصال فيه بين اقتصاد وسياسة واجتماع ، وثقافة ، وتعليم ، لكن هناك منطقا لابد من النظر إليه بعين الاعتبار ، ألا وهو مدى تهيوء الظروف ومناسبة المناخ لتقبل العمل السياسى من قِبَل جماعة مثل الإخوان !
إن الذى يريد زرع نبات ما لابد أن يعمل حسابا لنوع التربة ، والزمن ، هل يصلح هذا النبات أو ذاك للنمو الازدهار فيهما أم لا ؟
وليس النظام القائم وحده هو الذى يقف حجر عثرة في وجه العمل السياسى للإخوان ، فهناك قطاع غير قليل في الداخل لا يرحب بهذا العمل ، حتى لقد سمعت أكثر من مرة من البعض عندما كان الحديث يدور حول فشل النظام وما يعتوره من فساد ، حيث ترددت المقولة التي يرددونها أن البديل " وهو الإخوان " أخطر عليهم ، ذلك أن النظام قد نجح مع الأسف الشديد في أن يُدخل في روع الكثيرين ألا بديل له إلا الإخوان ، ما دام قد أضعف وحجّم وحاصر وخنق كل القوى السياسية الأخرى ، وهى خطة شيطانية مدروسة ومقصودة ، ذلك أنه كان بالإمكان أن تتاح الفرصة لمختلف التيارات والقوى أن تنشط وتزدهر وتقوى ، بحيث لا يرى الناس أن الاختيار يكون بالضرورة بين النظام الفاسد وبين الإخوان 0
فأما في الخارج ، فمختلف القوى العالمية تقف بالمرصاد في وجه أى وصول لقوى إسلامية إلى السلطة ، إلا إذا كانت " مُرَوّضة " ، وبالكاد ، وكلنا يذكر جيدا ماذا حدث للجزائر وشعبها عندما دخلت جبهة الإنقاذ المعترك السياسى ولاح في الأفق فوزها في انتخابات 1990 ، ودفع الشعب الجزائرى ثمنا باهظا من آلاف القتلى وأعمال عنف رهيبة 0 وعلى الأرض المحتلة في فلسطين ، عندما فاجأت حركة حماس العالم بفوزها بثقة الشعب الفلسطينى ، كيف وقفت كل القوى العالمية في وجهها إلى حد الحصار والتجويع ، وعلى العكس من ذلك بالنسبة لما يسمى السلطة الفلسطينية آلتي تمتلئ بالعديد من اللصوص والمتواطئين مع الاحتلال الإسرائيلى ، من حيث التأييد والدعم ، حتى من الدول العربية ؟! مما فضح أكذوبة ما تردده القوى الكبرى من دعوة إلى الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية 0
إنها ليست دعوة إلى التيئيس وإعلان الإفلاس ، ولا هى صورة من صور نهج " التقية " ، وإنما هى دعوة إلى الاتجاه إلى الأرض الصالحة للزرع والإنبات ، وهو الطريق نفسه الذى سبق للشيخ محمد عبده أن جهر به معارضا أستاذه جمال الدين الأفغانى الذى كان يريد التغيير من أعلى ، بالانقلاب على الحكام والنظم القائمة ، بينما دعا محمد عبده إلى البدء بتربية الصغار وفق الأصول العقيدية والتربوية والنفسية ، وأن تكاثر الأجيال التي تتلقى مثل هذه التنشئة السوية ، كفيل بأن يغير بنية المجتمع ، لكنها عملية طويلة المدى ، ذلك لأن بناء الشعوب لا يتم إلا عبر سنوات طويلة 0
إن هناك من الأصول الإسلامية ما يؤكد مثل هذا النهج ، فالمولى سبحانه وتعالى يؤكد على " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ، فماذا يعنى "حتى أن يغير الناس ما بأنفسهم" إن لم يكن التنشئة ورشد التربية وعمق التعليم ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ، أشار بعد عودته من إحدى الغزوات أنهم قد عادوا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، وكان يقصد أن الصراع المسلح هو الجهاد الأصغر ، أما الجهاد الأكبر فهو ضبط النفس والسيطرة عليها وتوجيهها على طريق الاستقامة تهذيبا وإصلاحا وأخلاقا 0
إننى لا أنسى أبدا مقولة سمعتها من الراحل الدكتور عبد الرازق عبد الفتاح أستاذ الهندسة الكبير ومؤسس جامعة حلوان ( نحن المهندسين ، إذا أردنا أن نهدم سلما بدأنا من أعلى وإذا أردنا أن نبنى سلما بدأنا من أسفل ) ! وأظن أن الإخوان لا يريدون هدم نظام ، وإنما بناء شعب ، فلابد من البناء من أسفل 0
أعلم علم اليقين أن هناك مقولة مهمة تؤكد على أن " البنية المجتمعية " هى التي يكون لها الدور الأكثر قوة وفاعلية في التنشئة ، وأنا نفسى كتبت عن هذا كثيرا ردا على من يقولون ( لكى نطور مجتمعا لابد من التربية ) حيث كنت أعكس المقولة فأقول ( لكى نطور تعليما فلابد من تطوير البنية الهيكلية للمجتمع ) لكننى ، في ضوء تجارب مريرة ، وخاصة منذ الحادى عشر من سبتمبر 2001 وجدت ضرورة المراجعة ، وهى المقولة نفسها التي تضمنها حديث رسول الله عندما خاطبنا جميعا مؤكد على " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته 000" ، ففى داخل نطاق سلطة كل منا ، فليعمل صالحا وليسهم في بناء من يكونون في نطاق ولايته 0
إننى كثيرا ما أشعر بقدر غير قليل من التمزق عندما أرى وأسمع عن الكثير من صور التنكيل والبطش التي تطال عددا من خيرة الناس ، فضلا عن تجويع عائلاتهم وتخريب بيوتهم وتشريد أولادهم ، وأتساءل : ما نهاية هذا كله ؟ إن الأفق مسدود ، وحسن السياسة يكمن في اللعب بالممكن !
...................................
*المصريون ـ في 10/9/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:02 AM
ثم كيف لا ألعن القلم والورق؟

بقلم: أنيس منصور
.......................

قرأت تعليقا لقارئ فاضل على ما كتبته عن أستاذنا العقاد، يقول: إن الذي ذكرته عن العقاد ليس صحيحا!
عيب يا سيدى، فأنت لا تعرف العقاد ولا تعرفني .. ولا تعرف مدى العلاقة وعمق الصلة ومدى الإعجاب، ولا عندك مستند ولا حق أيضاً في أن تقول ما قلت..
وليس من السهل نفسياً أن أتحدث عن فقر العقاد وكبريائه، فأنا أعرف كل ظروفه الشخصية، ولكن أعرف عظمته والإباء والعزة والكرامة.. فيوم زاره إبراهيم باشا عبد الهادي بلدياتي وقريبي وكان العقاد في مرضه الأخير، وضع تحت قدميه إحدى المجلات وفيها بضع مئات من الجنيهات، ولم يرها العقاد، ولكن بعد أن خرج إبراهيم باشا مدد العقاد ساقيه فسقطت المجلة والفلوس ونادى سكرتيره وابن أخيه أن يلحق بالباشا ويرد له فلوسه!
ولما رأيت حال العقاد طلبت من الأستاذين مصطفى أمين وعلي أمين أن يستكتبا العقاد مقالاً أسبوعياً وأن يدفعا له مقدماً فرفض العقاد، وهو أشد الناس حاجة إلى القليل من أي شيء!
ولما أبدى العقاد رغبته في أن يفسر القرآن تفسيراً عصرياً وأن يبدأ بسورة الرحمن، ذهبت مع د.عبد القادر حاتم رئيس الوزراء في ذلك الوقت ليعرض عليه مكافأة مقدماً، فرفض العقاد، وقال ليس قبل أن أسجل الأحاديث!
ولما عرضت عليه مع أحد الناشرين أن يعيد طبع عدد من كتبه رفض أن يتقاضى مليما قبل النشر!
وفجأة صدر كتاب للمحامي لطفي جمعة، وفي الكتاب صورة لخطاب بخط الأستاذ العقاد، الخطاب يذيب الحديد يوجع القلب ويصب كل اللعنات على حرفة القلم، يقول العقاد: لقد طلبت من كل الناس أن يساعدوني، فأداروا وجوههم وأذانهم.. فلا تخيب أملي، فانا لا أجد قوت يومي!
أعوذ بالله العظيم..
وليس أسوأ وأتعس من ذلك إلا ما قاله أبو حيان التوحيدي في نهاية كتابه «الإمتاع والمؤانسة» يقول: إنني فقير فأذلني بعطائك.. أعطني فإنني لا أجد.. أطعمني فقد قتلني الجوع..
فان يكون هذا التعليق الرديء على الذي قلت عن أعز الناس وأحبهم بأنني كذبت أو شنعت على العقاد فكيف لا ألعن الكتابة واليوم الذي أمسكت قلماً وأوجعت العين والرأس!
ــــــــــــــــــــــ
*الشرق الأوسط ـ في 4/3/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:02 AM
تلميذ السيدة زينب

بقلم : رجاء النقاش
.......................

في الشهور الأخيرة من حياة يحيي حقي‏1905‏ ـ‏1992‏ اشتد المرض علي الأديب الكبير‏,‏ وأصدر رئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور عاطف صدقي ـ رحمه الله ـ قرارا بعلاجه علي نفقة الدولة‏,‏ ودخل يحيي حقي المستشفي بناء علي هذا القرار‏,‏ وبعد أيام قليلة وقع زلزال مصر الشهير في‏12‏ أكتوبر سنة‏1992,‏ فأصر يحيي حقي علي الخروج من المستشفي وقال‏:‏ إن السرير الذي أشغله أولي به أحد المصابين في الزلزال‏,‏ ولم تطل حياة يحيي حقي بعد ذلك كثيرا‏,‏ فقد عاد إلي المستشفي وتوفي في يوم‏9‏ ديسمبر‏1992.‏
لم يكن موقف يحيي حقي عندما أصر علي ترك سريره في المستشفي لأحد المصابين في الزلزال نوعا من التمثيل لإثارة العطف أو لفت الأنظار‏,‏ بل كان موقفا حقيقيا صادقا من جانب أديب انسان عاش حياته كلها ملتزما بالصدق والأمانة من البداية إلي النهاية‏.‏
ولد يحيي حقي الذي نحتفل بذكري ميلاده المئوية هذا العام في حارة الميضة بحي السيدة زينب في‏7‏ يناير سنة‏1905,‏ وقد سافر يحيي حقي بعد إتمام تعليمه في كلية الحقوق سنة‏1925‏ إلي كثير من بلدان العالم‏,‏ وتعلم لغات عديدة‏,‏ وعرف العواصم الكبري وعلي رأسها باريس وروما‏,‏ وتزوج من السيدة جان الفرنسية‏,‏ بعد أن ماتت زوجته الأولي التي أنجبت له ابنته الوحيدة السيدة نهي ومع هذه التجارب كلها ظل حي السيدة زينب في قلبه علي الدوام‏,‏ لاينساه ولايبتعد عنه روحيا ولو بخطوة واحدة‏.‏ ويكاد يحيي حقي يقول لنا في كل ما يكتبه إن هذا الحي الشعبي العريق هو الجامعة التي تعلم فيها أحسن العلم‏,‏ وأحسن الأدب‏,‏ وأحسن الأخلاق‏,‏
وأحسن الألفاظ والعبارات‏,‏ ولاينافس يحيي حقي في عشق المكان إلا عبقري آخر هو نجيب محفوظ الذي عشق حي الجمالية بنفس الدرجة التي عشق بها يحيي حقي حي السيدة زينب‏,‏ ويكفي أن نلقي نظرة سريعة علي عناوين كتب يحيي حقي حتي نعرف أن قاموسه الأدبي مستمد من هذا الحي‏,‏ أو من هذه الجامعة الشعبية الكبيرة‏,‏ فمن عناوين كتب يحيي حقي نقرأ أم العواجز وهي لقب يطلقه الناس علي السيدة زينب نفسها‏,‏ وهناك ايضا قنديل أم هاشم وأم هاشم هو لقب آخر يطلقه الناس علي السيدة زينب‏,‏ ثم نقرأ من عناوين يحيي حقي الأخري خليها علي الله ومن فيض الكريم وعطر الأحباب ومن باب العشم وكناسة الدكان وكل هذه العناوين وثيقة الصلة بلغة حي السيدة زينب‏,‏ وهي لغة التواضع والتسامح‏,‏ والفرح بالحياة‏,‏ والتأدب في مخاطبة الناس‏,‏ وفتح الباب بالمحبة والمشاعر الطيبة للتعامل الكريم مع الآخرين‏.‏
إن تأثير أجواء السيدة زينب واضح جدا علي يحيي حقي وأدبه‏,‏ وشخصية يحيي حقي نفسها منعكسة تماما علي لغته الأدبية‏,‏ أي علي أسلوبه وهنا نجد تطبيقا حيا صادقا للقول الفرنسي المشهور بأن الأسلوب هو الرجل‏,‏ ونستطيع أن نقول بناء علي هذه القاعدة الصحيحة إن لغة يحيي حقي‏,‏ هي يحيي حقي نفسه‏,‏ وفي هذه اللغة نجد نوعا من الخشوع والتقوي والتدين‏,‏ وهو شعور نخرج به دائما من كتابات يحيي حقي‏,‏ ولا أظن أبدا أن الذين يحبون هذه الكتابات يخطئون حين يشعرون بأنهم يقرأون كتابة فيها روح دينية صوفية‏,‏ بالاضافة إلي ذلك فنحن نجد أننا مع يحيي حقي أمام لغة دقيقة ليس فيها طرطشة‏,‏ ولاثرثرة‏,‏ وليس فيها ذيول يجرها كاتبها وراءه دون أي ضرورة فكرية أو لغوية‏,‏ ومن أقوال يحيي حقي عن نفسه أنه دائما يلتزم بدقة اختيار اللفظ ووضعه في مكانه ثم يضيف إلي ذلك قوله إنني عاشق متيم باللغة العربية فهي من أغني لغات العالم‏,‏ وقواعدها بسيطة‏,‏ ومن الممكن معرفتها بسهولة‏.‏
هذا هو إحساس يحيي حقي باللغة العربية التي يعبر بها عن أفكاره ومشاعره‏,‏ فهو من ناحية يحرص علي الدقة في اختيار ألفاظه‏,‏ بحيث تبدو اللغة في كتابته لغة هندسية ومنضبطة‏,‏ ومن ناحية أخري فإن عشقه للغة العربية يجعله قادرا علي اكتشاف مافي هذه اللغة من جمال‏,‏ لانك لاتستطيع أبدا اكتشاف جمال شيء إلا إذا أحببته باخلاص وصدق واستمتاع‏.‏
وقد اندفع يحيي حقي من خلال حبه للغة العربية إلي قراءة الأصول الأدبية الأساسية في هذه اللغة‏,‏ فقرأ روائع الشعر العربي في عصوره المختلفة‏,‏ من الجاهلية إلي العصر الحديث‏,‏ وعندما نقول انه قرأ هذا التراث الشعري‏,‏ فينبغي أن نعرف انه قرأه قراءة متأآنية دقيقة متذوقة‏,‏ وقرأه بفهم عميق واحساس صادق أصيل‏,‏ ولم يقرأ هذا الشعر قراءة سريعة خاطفة‏,‏ وهذه نقطة ينبغي أن تلتفت إليها أنظار الأجيال الأدبية الجديدة‏,‏ حيث يظن البعض أن القصة لا علاقة لها بالشعر‏,‏ وهذا خطأ كبير‏,‏ يحذرنا منه يحيي حقي‏,‏
فهذا الأديب الكبير لم يصل إلي لغته النقية المكثفة الدقيقة إلا من خلال جهد واسع في قراءة التراث الشعري العربي‏,‏ وجهد آخر في استيعابه ودراسته وتذوقه‏,‏ بل لقد وضع يحيي حقي أمامنا معني بالغ الأهمية من خلال حبه للغة العربية وتراثها الشعري‏,‏ وقد عبر عن هذا المعني بقوله إنني أشترط أن يكون في أي قصة نفس شعري‏,‏ وتلك فكرة دقيقة ومهمة‏,‏ فالقصة إذا خلت من روح الشعر فقدت الكثير من أهميتها وقدرتها علي التأثير العميق‏,‏ وهذا مانحسه بوضوح في أدب يحيي حقي‏,‏ فإلي جانب إحساسه الصوفي الديني بالناس والاشياء‏,‏ وأفكاره العميقة في النظر إلي ال حياة والمجتمع‏,‏ فإننا نحس بروح الشعر وهي ترفرف علي أدب يحيي حقي كله فترفعه إلي مستوي فني وانساني بالغ القيمة والمتعة والجمال‏,‏ وتوفر له نوعا من الموسيقي الرقيقة الخفية التي لايخطئها القلب علي الإطلاق‏.‏
وفي أدب يحيي حقي نلتقي بظاهرة أخري شديدة التميز‏,‏ فهو أدب يخلو تماما من الصراخ والخطابة والوعظ والإرشاد والمناقشات الطويلة المملة‏,‏ وهو أدب شديد التركيز والكثافة دون أن يقوده ذلك إلي أي نوع من الغموض المرفوض‏,‏ وفي عبارة بديعة ليحيي حقي نسمعه يقول‏:‏ حين تكتب أغلق فمك‏,‏ وإياك أن تفتحه وهذه عبارة رائعة تستحق أن يضعها كل كاتب حقيقي صادق أمام عينيه‏,‏ وأن يقرأها كل يوم‏,‏ مرة واحدة علي الأقل‏,‏ فالكتابة المهمة غير الصاخبة والبعيدة عن الضوضاء والخالية من الزخارف الشكلية هي التي تصنع الناس وتؤثر في المجتمعات وتقود الحياة إلي الأمام وفي عبارة جميلة أخري عن الأدب المثالي في نظره يقول يحيي حقي‏:‏ إنني حين أقرأ هذا الأدب‏,‏ لا أشعر أنني أقرأ‏.‏
وهكذا يقدم لنا يحيي حقي مقياسا دقيقا للأدب الجميل المؤثر‏,‏ فقمة النجاح الأدبي تكون عندما يشعر قاريء الأدب انه لا يعاني من أي إرهاق روحي أو ذهني‏,‏ وأنه يقرأ كلاما قريبا إلي القلب‏,‏ وليس أدبا فضفاضا زاعقا مليئا بالضجيج والصخب‏,‏ فالأدب الجميل المؤثر هو الذي نقرؤه ونحس كأننا لانقرأ من فرط السهولة واليسر والتجاوب بيننا وبين مانقرؤه‏,‏ وليس ذلك لأن هذا الأدب سطحي يتناول الحياة والتجارب الانسانية بخفة وسهولة‏,‏ بل علي العكس تماما‏,‏ لأنه يكون أدبا صادقا يتسلل إلي النفوس دون تعقيد أو افتعال‏.‏
تلك بعض اللمحات من حياة يحيي حقي الخصبة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلا بمناسبة ذكري ميلاده المئوية‏,‏ والهدف من ذلك هو تجديد الاهتمام به‏,‏ والإشارة بوضوح إلي أن الذين يريدون أن يدخلوا عالما من الافكار الرائعة والفن الجميل ويريدون أن يلتقوا بشخصية انسانية ساحرة في حديثها إلينا عن طريق القصص أو المقالات من يريدون شيئا من ذلك‏,‏ فعليهم بالعودة إلي يحيي حقي وكتاباته الممتعة التي تفيض بالفكر والحكمة والجمال والتنوع غير المحدود فقد كان يحيي حقي إلي جانب موهبته الأدبية الرائعة صاحب ثقافة واسعة جدا‏,‏ كما أنه كان من أصحاب التجارب الكبري التي اتاحت له أن يعرف الكثير عن الدنيا والناس‏.‏ كل ذلك جعل منه شخصية فريدة‏,‏ وقد انعكست مواهبه وتجاربه وثقافته علي كتاباته‏,‏ فأنت مع هذه الكتابات تعيش في عالم ممتع متنوع الفكر والثقافة والتجربة‏.‏
كل ذلك في إطار من طيبة القلب والأمانة والدقة‏,‏ مع الإحساس الدائم بأن يحيي حقي يكتب كأنه يصلي‏.‏
ولاعجب في ذلك‏,‏ فهو تلميذ السيدة زينب‏,‏ وقد بقي تلميذا لها حتي بعد أن دار ولف في أنحاء العالم وعرف أهم لغات الدنيا‏,‏ وقد تعود‏,‏ مهما ابتعد‏,‏ أن يعود من جديد إلي رحاب الست الطاهرة أم هاشم‏,‏ فهناك فتح عينيه علي الحياة‏,‏ وهناك أقام بوجدانه وقلبه وروحه إلي النهاية‏,‏ وهناك استحق أن نقول عنه انه تلميذ السيدة زينب وياليت الذين يقرأون هذا الكلام‏,‏ ممن لهم كلام أن يطلقوا اسم يحيي حقي ولو علي حارة الميضة التي ولد فيها‏,‏ فلاشك أن ذلك سوف يكون خير نبأ تسعد به وتطرب له روح هذا الأديب العظيم‏.‏
.................................
*الأهرام 22/5/2005م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:04 AM
ناقد لبناني يستغيث من شعر العقاد‏!‏

بقلم‏:‏ رجاء النقاش
..............

قام طه حسين بمبايعة العقاد بإمارة الشعر سنة‏1934,‏ وذلك بعد سنتين من وفاة أمير الشعراء الأول والأخير أحمد شوقي سنة‏1932,‏ وكانت مبايعة طه حسين بلا جدوي‏,‏ لأن أحدا لم يتبعه في اعطاء تاج الإمارة للعقاد‏,‏ ذلك لأن العقاد العظيم عند الناس كان هو العقاد المفكر صاحب العقل الكبير والثقافة الواسعة والقدرة الفذة علي التحليل‏,‏ أما العقاد الشاعر فلم يكن موضع إجماع‏,‏ بل كانت نسبة قليلة محدودة من قراء الشعر ونقاده هي التي تري في شعر العقاد ما رآه طه حسين من الجمال والقوة والتميز علي غيره من شعراء عصره مما يجعله في رأي هذه الأقلية جديرا‏,‏ بأن يكون أميرا علي الشعر والشعراء‏,‏ وإن كانت هذه الإمارة في واقع الأمر بلا عرش ولا مال ولا جاه‏.‏ والذي أعطي لإمارة الشعر هيبتها وجلالها المادي في أيام شوقي‏,‏ أن شوقي كان أميرا أرستقراطيا ثريا وجيها في الحياة قبل أن يكون كذلك بين الشعراء‏.‏ أما العقاد المكافح القادم من أسوان فقد كان فقيرا‏,‏ وسوف يبقي فقيرا طيلة حياته ولو جعلوه أميرا علي الشعراء والناثرين‏,‏ أو جعلوه‏..‏ محافظا لأسوان‏!!‏
أشرت في مقال سابق الي أن مبايعة طه حسين للعقاد بالإمارة كانت عملا من أعمال السياسة أكثر منها عملا من أعمال الأدب والنقد‏,‏ وفي ذلك العصر‏,‏ أي في ثلاثينات القرن الماضي كانت عين السياسة والسياسيين مركزة علي الأدب والأدباء‏,‏ فالقصر الملكي يريد أن يكون له أدباؤه وشعراؤه‏,‏ وكان هناك رجل في القصر الملكي اسمه زكي الابراشي باشا كان وكيلا للديوان ـ فيما أذكر ـ وقد جعل من أهم وظائفه السياسية أن يكسب الي صف الملك فؤاد أدباء وشعراء لهم وزن وتأثير‏,‏ وكانت له ميزانية غير قليلة لشراء من يستطيع من الأدباء والفنانين‏.‏
أما الأحزاب السياسية فقد كانت تتقاتل فيما بينها لتحظي بين صفوفها بأديب شاعر تتوجه من خلاله الي الجماهير وتطلب علي يديه الرضا والقبول‏.‏ وتلك قصة جديرة بأن تجد من يرويها في يوم من الأيام‏,‏ لما فيها من متعة‏,‏ ولما تكشفه من صفحات وطنية وسياسية كثيرة لاتزال غائبة عن العيون وعن ذاكرة الناس‏.‏
في عام‏1934,‏ وفي هذا المناخ الخاص الذي كانت فيه القوي السياسية تعتبر الأدباء والشعراء أداة بالغة الأهمية في كسب الرأي العام والتأثير عليه‏,‏ التقي طه حسين مع العقاد في حزب الوفد تحت قيادة الزعيم الوطني مصطفي النحاس‏.‏ والعقاد وفدي قديم منذ انشاء الحزب علي يد سعد زغلول في ثورة‏1919,‏ أما طه حسين فقد كان وفديا حديث العهد بالوفد‏,‏ وقد جاء الي الوفد من صفوف الأحرار الدستوريين حوالي سنة‏1930,‏ ولابد أن طه حسن قد أدرك بعد اقترابه من الوفد أن الوفد كان يحب أن يرفع شأن العقاد‏,‏ فالعقاد كان في ذلك الوقت هو نجم نجوم الكتاب والأدباء والصحفيين الوفديين‏,‏ وكان قد دخل السجن سنة‏1930‏ بتهمة العيب في الذات الملكية وكانت التهمة الحقيقية هي دفاع العقاد في شجاعة هائلة عن الدستور وحرية الوطن والمواطنين‏,‏ مع هجومه بلا تحفظ علي الاستبداد والمستبدين من أنصار الملك وأعوان الانجليز‏.‏
ومن أطرف الذين وقفوا ضد شعر العقاد ناقد لبناني كبير هو مارون عبود‏1886‏ ـ‏1962‏ في كتاب شهير له عنوانه علي المحك علي وزن مفك ففي هذا الكتاب دراسة واسعة لشعر العقاد‏,‏ يخرج فيها الناقد اللبناني الكبير بالرفض لشعر العقاد‏.‏
وهذا نموذج مما كتبه مارون عبود عن العقاد‏,‏ حيث يقف هذا الناقد علي الطرف المقابل للمتحمسين لشعر العقاد‏.‏ يقول مارون عبود‏:‏ طالعت دواوين ثلاثة للعقاد أنفق علي تحبيرها برميل حبر وقنطارا من الورق وغابة من الأقلام‏.‏ تحسبه سمسارا يصدر شعرا في دواوين وبضاعته أشكال وألوان‏,‏ فكأنه دكان قرية فيه جميع حوائج البيت‏,‏ وليس الذنب ذنب الأستاذ‏,‏ فهو عارف بأصول الفن‏,‏ ولكن الكلام يستعصي عليه‏,‏ نفسه تطلب ومعدته لا تقطع‏,‏ فيقعد ملوما محسورا‏,‏ خذ هذا العنوان الرائع عيد ميلاد في الجحيم‏.‏ فماذا تري في هذه القصيدة وهي خير ما في ديوانه وحي الأربعين؟ بيانا دون الوسط‏,‏ وشعرا أجش‏,‏ تغلب عليه صنعة النثر وصبغته‏,‏ وعلي ضوء قوله إنما الشاعر يشعر ـ بفتح الياء وضم العين ويشعر ـ بضم الياء وكسر العين رحت أفتش في جحيمه ولا نور يهديني‏,‏ فما وجدت خيالا يرضيني‏,‏ ولا شعورا يسليني‏,‏ فعدت بخيبة أردد‏:‏ مالي لا أري الهدهد‏.!!.‏
وهنا يشير الناقد مارون عبود الي الآية القرآنية الكريمة من سورة النمل وهي علي لسان سيدنا سليمان ونصها‏:‏ وتفقد الطير فقال مالي لا أري الهدهد‏,‏ أم كان من الغائبين‏.‏
والناقد يريد القول هنا أن الفن كان غائبا في القصيدة كما غاب الهدهد عن طيور سليمان‏.‏
ويواصل مارون عبود تعليقه علي القصيدة فيقول‏:‏ القصيدة غراء فرعاء أي طويلة ممشوقة مصقول ترائبها أي ناعمة الصدر ولكنها مقعدة تخلو من الاهتزازات والنبرات والصدي البعيد‏,‏ أنكون في جهنم ونبرد؟ أنحضر عيدا‏..‏ ونحزن؟ ثم نقول‏:‏ إن الشاعر من يشعر ويشعر؟‏.‏
وتبلغ السخرية في نقد مارون عبود للعقاد حدا عنيفا عندما يعلق علي أبيات أخري له فيقول‏:‏ ماذا نقول؟
أما في مصر عاقل ينصح هذا الرجل؟ المروءة ياناس‏!‏
أنقذوا أخاكم‏,‏ وكفوا عنا شعروركم
والشعرور تصغير للشاعر‏.‏
أما الأبيات التي علق عليها مارون عبود بكل هذه السخرية‏,‏ وهذه الاستغاثة الط ريفة وإن كانت قاسية‏,‏ فهي أبيات من قصيدة للعقاد في ديوانه عابر سبيل وعنوان القصيدة هو سلع الدكاكين في يوم البطالة‏,‏ والمقصود بيوم البطالة ـ كما هو واضح ـ يوم العطلة‏,‏ وقد كتب العقاد مقدمة نثرية للقصيدة يقول فيها‏:‏
بشيء من التخيل يستطيع الانسان أن يسمع سلع الدكاكين في أيام البطالة أو العطلة تشكو الحبس والركود‏,‏ وتود هذه السلع أن تبرز لتعرض علي الناس وتباع ولا تفضل الراحة والامان علي مايصيبها من البلي والتمزيق بعد انتقالها الي الشراة المشترين‏,‏ كما أن الجنين في عالم الغيب لا يفضل أمان الغيب علي متاعب الحياة وآلامها‏,‏ ولذلك تظهر الأجنة جمع جنين ألوفا بعد ألوف الي هذا المعترك الأليم‏.‏
ثم تأتي بعد ذلك الأبيات التي علق عليها الناقد اللبناني مارون عبود تعليقه الساخر المستغيث‏,‏ حيث يقول العقاد في قصيدته‏:‏
مقفرات مغلقات محكمات
كل أبواب الدكاكين علي كل الجهات
تركوها‏...‏ أهملوها
يوم عيد عيدوه ومضوا في الخلوات
البدار‏...‏ ما لنا اليوم فرار
أي صوت ذاك يدعو الناس‏...‏ من خلف جدار
أدركوها‏...‏ أطلقوها
ذاك صوت السلع المحبوس‏...‏ في الظلمة ثار
وليس عندي ما يدل علي أن هناك أي خصومة شخصية بين الناقد اللبناني مارون عبود وبين العقاد‏,‏ بل ليس عندي ما يقول بأنهما قد التقيا في أي مناسبة‏,‏ ولذلك فأنا أظن أن رأي مارون في شعر العقاد هو رأي أدبي قائم علي ذوق الناقد وطريقة فهمه للشعر‏.‏ أما ماجاء في نقد مارون عبود من سخرية قاسية فتلك صفة خاصة تتميز بها كل كتابات مارون عبود‏,‏ سواء كانت كتابته عن العقاد أو عن غيره‏.‏
أنا لا أستطيع أن أسخر من العقاد‏,‏ فالعقاد عندي له إجلال ومهابة ومقام عظيم‏,‏ وهو أحد الكبار الذين حملوا الأنوار الي العقل العربي في القرن العشرين‏,‏ والذين أناروا كما أنار العقاد‏..‏ كيف نقف منهم موقف الساخرين؟‏!.‏
لكني مع ذلك وبكل تواضع أميل من الناحية الموضوعية الي رأي مارون عبود في قصيدة العقاد‏.‏ فالقصيدة هي فكرة جافة خالية من العاطفة وفيها صنعة‏,‏ ولكن ليس فيها فن‏,‏ والصنعة هي التعبير عن المهارة‏,‏ أما الفن فهو التعبير عن الشعور ونبضات القلب والتجربة الانسانية‏.‏

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:05 AM
الحلم الصهيوني تم تقويضه

بقلم: الدكتور عبد الوهاب المسيري
..............................

ليس هناك من سبيل لفهم وتفسير العنف الإسرائيلي المشهور في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية،‏ إلا من خلال العودة إلي الرؤية الصهيونية للواقع،‏ التي تحدد إدراك الإسرائيليين لأنفسهم ولمن حولهم‏،‏ وإدراك المرء للواقع ‏(وليس الواقع في حد ذاته‏)‏ هو الذي يحدد سلوكه وكيفية استجابته لما يدور حوله‏.‏ كان علي العودة إلي المقولة البسيطة الساذجة التي تشكل أساسا للتصور الصهيوني للواقع‏، وهي أن فلسطين أرض بلا شعب وأن اليهود شعب بلا أرض‏.‏ والنصف الثاني من المقولة‏:‏ أن اليهود شعب جائل لا وطن له،‏ ثبت كذبه.‏ إذ إنه بعد قرن كامل من الاستيطان الصهيوني وبعد نصف قرن من إعلان الدولة‏، لا تزال الغالبية الساحقة ليهود العالم موجودة خارج الدولة الصهيونية‏،‏ مما ينفي عن هذه الدولة صفة أنها وطن كل يهود العالم،‏ وينفي عن اليهود صفة أنهم شعب يتطلع للعودة لوطنه‏.
وبالنسبة للنصف الأول من المقولة ‏(أرض بلا شعب‏)‏ فالمسألة أكثر عمقا ولا تتحمل أي تهاون،‏ إذ إن الإجماع الصهيوني يستند إليها،‏ ففلسطين من منظور صهيوني‏,‏ هي «إرتس يسرائيل:‏ وطن اليهود القومي»‏ ومن ثم فإن اليهود‏ ـ‏ كل اليهود ـ‏ لهم حقوق مطلقة فيه،‏ والحقوق المطلقة لا تقبل الآخر،‏ مما يعني إنكار حقوق العرب في أسوأ تقدير أو تهميشها في أحسنه‏، ومن هنا قانون العودة الصادر عام‏1950‏ الذي وصفه بن جوريون بأنه عمود الصهيونية الفقري،‏ وهو قانون يمنح أي يهودي ترك وطنه المزعوم من عدة آلاف من السنين الحق في العودة ليصبح مواطنا فور عودته، وتنكر ـ‏ في الوقت نفسه ـ‏ هذا الحق علي ملايين الفلسطينيين القابعين في مخيمات اللاجئين‏.‏
هذا الإجماع نموذج للعنف الفكري‏،‏ فهو رؤية اختزالية للواقع المركب يستبعد من وجدان الصهاينة فلسطين وشعبها وتاريخها بل وجغرافيتها‏،‏ والصهيونية في هذا لا تختلف عن التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية الأخرى‏؛‏ حين يتم نقل كتلة بشرية من أوروبا ويتم توطينها في أرض جديدة فيزعم أعضاء هذه الكتلة أن الأرض التي حلوا فيها أرض عذراء، ومن ثم يحق لهم اغتصابها من سكانها الأصليين‏،‏ ويحل لهم إبادتهم أو طردهم‏.‏
ومما عمق من العنف الإدراكي لدي الصهاينة،‏ هو تفسيرهم للعقيدة اليهودية،‏ فقد حولوا العهد القديم إلي فلكلور الشعب اليهودي‏،‏ وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضها العبرانيون ضد الكنعانيين وغيرهم من الشعوب التي أبادوا بعضها‏،‏ وهو يفصل فصلا حادا بين الشعب اليهودي المقدس والأغيار ـ أي غير اليهود‏ ـ‏ بكل ما يتبع ذلك من ازدواجية في المعايير، تجعل الآخر مباحا تماماً، وتجعل استخدام العنف تجاهه أمرا مقبولا‏.‏
إننا إذا ما حاولنا أن ننظر للواقع من خلال عيون مستوطن صهيوني يري العالم من خلال هذه العدسات الإدراكية فسنجده يقول‏:‏ إذا ظهر عربي علي شاشة وعيي،‏ فإنه يتحدى خريطتي الإدراكية،‏ المفروض أنه غير موجود،‏ وإن تجاسر وطالب بحقوقه ونادي بتطبيق قرارات هيئة الأمم علي «إرتس يسرائيل»،‏ أرض الميعاد اليهودية،‏ فهذا دليل علي جهله وتخلفه،‏ ولابد من تلقينه درسا‏ً،‏ وإن بدأ يتحرك نحوي‏ ـ‏ أنا اليهودي، عضو الشعب المختار، وصاحب الحقوق المطلقة ـ‏ فهذا يعني أنه إنسان مجنون وخطر لابد من القضاء عليه‏،‏ فالعرب لا يفهمون سوي لغة القوة ‏(وهذا هو أحد بنود الإجماع الصهيوني‏).‏
هنا يتحول العنف الإدراكي إلي عنف فعلي مسلح‏،‏ أي إلي إرهاب‏،‏ فتنطلق الصواريخ والمدافع والطائرات لتصبح فلسطين أرضا بلا شعب‏،‏ أو أرضا يقطنها شعب لا سيادة له يعيش داخل كانتونات تراقبه العيون الصهيونية المسلحة لتضبط حركته وتجعله يتحرك داخل حدود الإدراك الصهيوني‏،‏ وحينما يطالب الصهاينة الفلسطينيين بالجلوس معهم علي مائدة المفاوضات فهم يطلبون منهم ذلك وهم قابعون داخل إدراكهم الصهيوني،‏ فيعرضون عليهم سلاما صهيونيا حسب شروط صهيونية‏،‏ يضمن استسلام الفلسطيني،‏ فإن لم يقبل الفلسطينيون بالسلام ـ الاستسلام،‏ فإن جيش الدفاع الإسرائيلي سيتحرك ليدك المنازل ويسويها بالأرض، ليضمن أن الواقع الفلسطيني يتفق مع الإدراك الصهيوني له‏.‏
‏ثمة إحساس عميق لدي المستوطن الصهيوني بأن العربي الغائب لم يغب‏،‏ وأن وجود الشعب الفلسطيني لا يهدد حدود الدولة أو سيطرتها علي أجزاء من الأرض الفلسطينية وحسب،‏ وإنما يهدد وجودها كله‏.‏ والإسرائيليون دارسون نهمون لتجربة استيطانية سابقة تمت في نفس المكان وهي تجربة حروب الفرنجة‏,‏ وممالك الفرنجة التي دامت نحو قرنين من الزمان،‏ رحل أصحابها،‏ ولم يبق من آثارهم سوي بعض الأطلال،‏ لهذا السبب يتعمق الهاجس الأمني علي مر الأيام،‏ لا يسكنه شيء،‏ ومهما قدم العرب من تنازلات،‏ يظل الهاجس الأمني قائما،‏ وكأنه لا علاقة له بالواقع،‏ فهو حالة إدراكية مرضية لها جذور عميقة في الواقع‏.‏
هذا الهاجس الأمني ولد إحساسا عميقا باليأس لدي الإسرائيليين‏,‏ فالمؤرخ الإسرائيلي «يعقوب تالمون» يتحدث عن عقم الانتصار،‏ بعد أن رأى الجيش الصهيوني ينتصر في حرب تلو الأخرى ولا يحقق شيئا لأن الشعب الفلسطيني يرفض الاختفاء، ولأن الشعب العربي لا يتوقف عن تأييد الفلسطينيين، وأن الشعوب الإسلامية لا تزال مستمسكة بالقدس وبأرض فلسطين‏.‏ أما الشاعر الإسرائيلي «حاييم جوري» فيتحدث عن أرض إسرائيل،‏ أي فلسطين قائلا‏:‏ «إن هذا التراب لا يرتوي،‏ فهو يطالب بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى»،‏ بل إنه يري أن «الإسرائيلي يولد وبداخله السكين الذي سيذبحه‏».‏
إن الإحساس باليأس قد يؤدي في النهاية إلي الفرار والهزيمة،‏ ولكنه في المراحل الأولي يؤدي إلي مزيد من العنف الفكري الذي يؤدي إلي مزيد من الإرهاب الفعلي،‏ وكلما زادت المقاومة الفلسطينية زاد البطش إلي أن يصل المستوطن الصهيوني إلي اللحظة التي يدرك فيها أن العنف لن يجدي فتيلا أمام المقاومة،‏ وأن تحالف إسرائيل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والعالم الغربي‏ (وهذه هي آخر بنود الإجماع الصهيوني‏)، لن يفيدها كثيرا في محاولة قمع الفلسطينيين،‏ عندئذ سيمارس هذا المستوطن تحولا إدراكيا إذ إنه لن يمكنه الاستمرار في الادعاءات أمام نفسه بأن فلسطين هي «إرتس يسرائيل»، وأنها أرض بلا شعب تنتظر عودته منذ آلاف السنين،‏ عندئذ ستسقط الأسطورة وتبدأ النهاية‏.‏
في ‏18‏ أكتوبر عام‏1973‏ كتبت مقالا بعنوان «لا نهاية للتاريخ»، أشرت فيه إلي أنه بغض النظر عن نتيجة الحرب،‏ فإن نظرية الأمن الإسرائيلية المبنية علي فكرة الحدود الجغرافية الآمنة،‏ والتي تسقط عنصر الزمان،‏ قد انتهت،‏ لأن العرب أثبتوا مقدرتهم علي تطوير أنفسهم بمرور الزمن‏.‏ وحينما حانت اللحظة المواتية‏ تحركوا وألحقوا الهزيمة بالعدو الذي أدرك بعدها أن الأمن لا يوجد في المكان وحسب،‏ وإنما يوجد في الزمان أيضاً،‏ وأنه ليس مسألة خاصة بالعلاقة بالجبال والحواجز المائية والترابية،‏ وإنما أمر يتعلق بالعلاقة مع البشر‏.‏ وقد أنجزت انتفاضة ‏1987م‏ شيئاً من هذا القبيل،‏ فمن خلال فعل المقاومة، تنازل الإسرائيليون واعترفوا بالوجود الفلسطيني،‏ وجوداً هزيلاً،‏ محاصَراً من كل مكان،‏ ولكنه وجود حقيقي‏,‏ أي أن الخريطة الإدراكية الصهيونية تم تعديلها بشكل جذري،‏ أما انتفاضة الأقصى ‏(التي يطلق عليها البعض اسم انتفاضة الاستقلال‏)‏ فقد تركت جرحا غائرا في الوجدان الصهيوني أكثر عمقا وجذرية من أي جرح سابق،‏ إذ إنني أرى أن الحلم الصهيوني قد تم تقويضه وإلى الأبد،‏ وانتهى الوهم بأنه يمكنه التعايش مع العربي.‏ ومن الآن فصاعداً،‏ مهما يحدث بعد انتفاضة الأقصى‏، حينما سينظر الصهيوني إلي العربي بعيونه المسلحة،‏ فإنه سيري مشروع انتفاضة،‏ وسيري يداً تُمسك بحجر‏,‏ وأن هذا العربي الذي يسير أمامه في سلام‏،‏ هو في واقع الأمر عربي يلتقط أنفاسه ليعود ليقاوم وليرفع رايات العدل والصدق في زمن يكثر فيه الكذابون والجبناء‏..‏ وهذا هو الإنجاز الأعظم لانتفاضة الاستقلال‏..‏ والله أعلم‏».‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: صحيفة "الأهرام"، العدد (41609)، الصادر في، 7/11/2000م، ص11.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:06 AM
المفكرة والقلم طريق النجاح

بقلم: د. حلمي محمد القاعود
........................

كان الرئيس البوسني "علي عزت بيجوفتش" ـ رحمه الله ـ يقول: علينا دائماً بالمفكرة والقلم.. كما كان - رحمه الله- ينعى على المسلمين عدم تخطيطهم ليومهم وغدهم، مع أن الإسلام يحضّ على التخطيط والإتقان والاستفادة من الوقت، وعدم تضييعه عبثاً.
تذكرت مقولة "بيجوفتش" وأنا أرى كثيراً من الناس، وبعضهم أصدقاء، يهملون في المواعيد، ويتناسون أموراً كُلّفوا بها، ويعتذرون دائماً عن تقصيرهم في عمل ما، أو إنجاز ما تحت ذرائع مختلفة، وأسباب متباينة!
التربية الإسلامية تجعل الفرد المسلم، مستقيماً واضحاً، في كلامه وسلوكه ومنهجه، حتى يصل إلى الصدق في القول والفعل بوصف "الصدق" سمة عامة، وطبيعة ذاتية في المسلم، لا تعرضه للمؤاخذة، أو تسحب الثقة منه أو تضعفها.
إن كثرة الشواغل والالتزامات تحتّم على المسلم أن يلتزم بما يقول أو يعد، وأن يرتّب وقته ترتيباً سليماً يضع في حسبانه المستجدات والطوارئ؛ ولذا فإن المفكرة التي على المكتب أو في حقيبة اليد، ومعها القلم الذي يسجل فيها المطلوبات والمواعيد الخاصة به، سواء على المستوى العام أو الصعيد الشخصي، تصبح ضرورة لازمة، حين ينظر فيها يتذكر ارتباطاته والتزاماته ليفي بها ويقوم عليها.
ولا ريب أن التخطيط للعمل اليومي، يحقق لصاحبه راحة كبيرة، ويمنحه قدرة جيدة على الإنتاج والإبداع، وتعقبه من تداعيات التقصير والاعتذار.
هناك أشخاص عاديون يتحركون في أفق محدود، يتعوّدون فيه على بعض الأعمال الروتينيّة، ولا تتجاوز علاقاتهم المجال المحدود الذي يعيشون فيه، ومع ذلك فهم مطالبون بالالتزام بواجباتهم العامة والخاصة، وأعتقد أن "المفكرة" تساعدهم على الوفاء بهذه الواجبات وغيرها.
أما الأشخاص غير العاديين الذين تتسع آفاق علاقاتهم والتزاماتهم؛ مثل الأطباء والعلماء والأدباء والكتاب والأساتذة ورجال الأعمال وغيرهم من أعيان المجتمع ووجهائه ونشطائه؛ فإن المفكرة بالنسبة لهم تصبح "فرضاً" لازماً، لا يستطيعون الاستغناء عنه أو التفريط به، وإلا وقعوا في التقصير، وارتكبوا "ذنب" الاعتذار!
تجد شخصاً من هؤلاء يقابلك معتذراً عن خلف موعد أو عدم تحقيق اتفاق، بحجة النسيان أو المشاغل الكثيرة أو الظروف، ولا ريب أن هذا الشخص لا يعتذر لك وحدك، ولكنه يعتذر لغيرك، فقد صار منهجه هو "الاعتذار"، وحين يتكرر منه ذلك؛ فإنك تقول: فلان لا يصدق، ولا يُعتمد عليه، ولا يُوثق به؛ لأن سلوكه لم يكن استثناء، ولكنه صار قاعدة.. قد يكون طيب النوايا، مخلص التوجه، ولكن السلوك أو التطبيق ضيع الإخلاص والطيبة جميعاً، وخلّف "فصامية" في شخصية صاحبه "المسلم"، وهو ما يأخذه علينا خصوم الإسلام، ويرونه نقصاً فينا وفي إسلامنا، في حين أن إسلامنا مظلوم منا قبل غيرنا.
قال تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف:30]، فإحسان العمل في شتى المجالات، له أجره وثوابه عند الحق سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف:2-3]، وهذا رفض واضح وصريح للانفصام بين القول والفعل، والسؤال هنا فيه استنكار وتبكيت لمن يقول شيئاً ويفعل غيره، وفيه وعيد ضمني وتهويل وازدراء بمن يعيشون الانفصام ويكون سلوكهم مناقضاً لما يعلنونه ويتحدثون عنه.
الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن إتقان العمل والوفاء بالوعد أو العهد ورفض الفصام النكد بين القول والفعل كثيرة جداً لا يحتملها المقال، وتفيد مع الآيات الكريمة أن المسلم لا بد أن يكون دقيقاً في عمله، ملتزماً في سلوكه، منظماً في حياته، وإلا فإنه سيخسر كثيراً مادياً ومعنوياً.
إن قضية الوقت أو الزمن في حياة المسلم محسومة دينياً، فلا يوجد ما يسمى "وقت فراغ" بالنسبة له؛ إن وقته كله مشغول، وزمنه كله ممتلئ. هناك وقت للعمل، ووقت العبادات، ووقت الأسرة، ووقت المجتمع أو خدمة المسلمين، وإن تبقَّى بعد ذلك وقت فائض فهو للنوافل أو الذكر أو القراءة.. كثرة الالتزامات بالنسبة للمسلم لا تجعله يعيش في فراغ أبداً، وهو مطالب - كما يهديه الحديث الشريف- بالعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، والعمل لأخراه كأنه يموت غداً.. فهل يبقى له بعد ذلك فراغ؟! إن استثمار الوقت فيما يفيد صاحبه والإسلام والمسلمين؛ يحتاج إلى إرادة قوية تنظم هذا الوقت، وتعتاد التنظيم، وترتضيه نمطاً يومياً للحياة!
ولا ريب أن المفكرة بالنسبة لمن تتعدّد شواغلهم، وتكثر التزاماتهم ضرورة ومهمة، وإذا كانت المفكرة أساسية للفرد المسلم، فهي أكثر أهمية للمجتمع المسلم.. ولعل سر نجاحات المجتمع الغربي (الأوروبي والأمريكي) هو هذه المفكرة (التي تسمّى بلغة العصر التخطيط الإستراتيجي)، وهذا التخطيط يشمل كل نواحي الحياة التي يقوم عليها بناء المجتمع وتقدمه وانطلاقه في الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والثقافة والتعليم والإبداع والاختراع والابتكار.. الخ
إن هذا التخطيط لا يتوقف عند سنة معينة أو سنوات محددة، ولكنه يمتد إلى الأجيال القادمة، فيتناول الثروات والموارد والقوى البشرية والعسكرية وغيرها، لتحقيق أحلام المجتمع وطموحاته، فضلاً عن معالجة نواحي القصور والضعف التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ومصيره!
"مفكرة" المجتمع المسلم، توفر الوقت والجهد، وتنظم الحركة بما يضيف إلى رصيد "المسلم" و"المسلمين" جميعاً.. وليس ما يخصم من هذا الرصيد.
إن الذين يتعلّلون بضيق الوقت تسويغاً لتقصيرهم في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو الالتزامات الشخصية مخطئون.. ويحتاجون إلى المفكرة والقلم إذا كانوا حقاً مخلصين!
...................................
عن موقع "لها أون لاين".

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:07 AM
كمال نشأت‏:‏ ستون عاما من الشعر

بقلم: فاروق شوشة
.................

في مستهل الخمسينيات‏,‏ كان جيلنا يتابع عددا من القصائد‏,‏ تلتمع علي صدر الصفحات الأدبية‏,‏ وتحمل مذاقا شعريا جديدا ومختلفا البعض يري فيها محاولة للفكاك من أسر القصيدة الرومانسية‏,‏ التي أرساها شعراء أبولو الكبار‏:‏ إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل وغيرهم‏,‏ وآخرون يرون فيها البدايات الأولي لاشراق حركة شعرية جديدة‏.‏ هي بمثابة البواكير في حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر أو التيار الواقعي في الحركة الشعرية الحديثة‏..‏ وكان أصحاب هذه القصائد يحرصون علي إثبات أنهم أعضاء في رابطة النهر الخالد‏,‏ التي لم يميز الناس منها إلا ثلاثة هم‏:‏ فوزي العنتيل ومحمد الفيتوري وكمال نشأت‏.‏
وبقدر ما كان العنتيل مهموما بالأرض المصرية والفلاح المصري وواقع الحال في القرية المصرية‏,‏ يعزف علي أوتاره الشجية وبلغته الشعرية الخفيضة النبرة‏,‏ المتوهجة بالايحاء‏,‏ أغنياته الأولي التي جمعها بعد ذلك في ديوانه الأول عبير الأرض‏,‏ كان الفيتوري حاملا سيفه‏,‏ شاهرا كلمته‏,‏ معلنا ثورته في وجه الناهبين حريته ووطنه وتاريخه‏,‏ المستذلين شعبه الافريقي الأسود‏,‏ في لغة حادة مستوفرة متوترة‏.‏ جمع أناشيدها بعد ذلك في ديوانه الأول أغاني إفريقيا‏,‏ أما كمال نشأت فكان يمتح من ينبوع مغاير‏,‏ هو وجدانه السكندري أولا‏,‏ القاهري ثانيا‏,‏ ويبدع بلغته الفراشية‏,‏ وإيقاعاته الجياشة بالنغم الشجي‏,‏ قصائده التي سيضمها ديواناه‏:‏ رياح وشموع وأنشودة الطريق‏.‏ وكان الثلاثة بالنسبة لنا ـ نحن المنبهرين والمتابعين والمتأملين لمسار الحركة الشعرية ـ وعودا كبري لشعر المستقبل‏.‏
وإن هي إلا سنوات قليلة‏,‏ حتي أصبح ثلاثتهم أوسمة علي صدر الحياة الشعرية‏,‏ منجرفين في المد الشعري لحركة الشعر الجديد‏,‏ وإن كانوا حراصا بين الحين والحين‏,‏ علي إيقاظ النغم العمودي للقصيدة‏,‏ تعبيرا عن تكوين شعري راسخ الدعائم‏,‏ وإيمانا بأن كتابة القصيدة الجديدة لا تحول دون ممارسة الصيغة العمودية طبقا للحال الشعرية والتوجه الشعري‏,‏ من غير أن يضيق فضاء إبداعهم الشعري بهذه الثنائية الشعرية واقتدارهم فيها‏.‏
وسرعان ما أصبحت قصيدة نامت نهاد لكمال نشأت عنوانا علي مرحلة شعرية‏,‏ وزمن شعري جميل‏,‏ كان الشاعر يصدح فيه بصوته المجلجل‏,‏ وحنانه الأبوي‏,‏ وتوهج انتمائه إلي دفء البيت والوطن‏,‏ والأسرة والواقع والمستقبل‏:‏
نامت نهاد
وبقية من بسمة فوق الشفاه
لما تزل فوق الشفاه
ويد بجانب خدها
ويد تنام بصدرها
والأرنب المنقوش في الثوب الصغير
نزق المسير
وصفارة مترنحة
وعلي الوساد
كالزهرة المتفتحة
نامت نهاد
حين اختلطت بعض قصائد الديوان الأول لكمال نشأت رياح وشموع بشعر ابراهيم ناجي ـ حين نشر اعماله الكاملة ـ وكان كمال نشأت قد دفع بأصول ديوانه الأول لشاعره الرومانسي الأثير ناجي ليكتب له تقديما ـ لكن من جمعوا شعر ناجي من مصادر شتي‏,‏ بينها الأوراق المتناثرة في مكتبه ـ ضموا قصائد كمال نشأت إلي شعر ناجي‏,‏ وكانت هذه أول شهادة فنية بأن كمال نشأت الشاب الصغير السن قد بلغ من النضج واكتمال الأدوات الشعرية ماسهل اختلاط شعره ـ وهو في مراحله الأولي ـ بشعر ناجي الذي اكتمل وتحقق‏.‏ وكان طبيعيا‏,‏ وضروريا‏,‏ أن تخلو طبعة المجلس الأعلي للثقافة التي أعدها الشاعر حسن توفيق لشعر ناجي ـ المعروف والمجهول ـ من سبع عشرة قصيدة للشاعر كمال نشأت‏!‏
وحين يمتد الزمن‏,‏ ويتناثر شعراء رابطة النهر الخالد علي خريطة الحياة‏,‏ ويخرج كمال نشأت للعمل طويلا في العراق‏,‏ وقليلا في الكويت‏,‏ فإنه لا يتنكر للود القديم ورفقة الحياة‏,‏ حين يري في قصيدته العودة إلي محمد الفيتوري عودة إلي الوطن‏,‏ وإلي موقعه من الحياة الشعرية‏,‏ مستعيدا صوته القديم ومكانه الطليعي‏:‏
افتحوا ياأيها الحراس أبواب المدينة
افتحوها
كيف لا تنجذب القربي
وتهفو في الشرايين الدماء
إننا من هذه الأرض التي
صلي عليها الأنبياء
وانحنت فوق روابيها السماء
افتحوا ياأيها الحراس أبواب المدينة
افتحوها
إننا منكم ولسنا غرباء‏!‏
كان هذا الحنين إلي الوطن‏,‏ والتوق إلي العودة‏1989‏ متخذا من الفيتوري معني ورمزا‏,‏ قد سبق افتقاد شديد للضلع الثالث في مثلث الرابطة‏:‏ فوزي العنتيل الذي كان قد سبق إلي الرحيل‏.‏ وقد اهتاجه صوت مغن يشبه صوت فوزي‏:‏
كان لي يوما صديق
اسمه فوزي
اقتسمنا قطعة الخبز
وعشنا الضحكات
وملأنا الأمسيات
بانفجارات أغانينا‏,‏ وفي أشعارنا
هدمت مصر
وكل الأمهات
‏.............‏
وضحكنا‏:‏
ياأبا الأفواز يا
واختفي الصوت‏,‏ به صوت صديقي
واضمحلت بين عيني المرايا
والضحيكات الصبايا
والنساء الكاسيات العاريات
إنه صوت صديقي
قسما بالله ذا صوت صديقي‏!‏
سبع مجموعات شعرية هي‏:‏ رياح وشموع‏,‏ أنشودة الطريق‏,‏ ماذا يقول الربيع‏,‏ كلمات مهاجرة‏,‏ أحلي أوقات العمر‏,‏ النجوم متعبة‏,‏ جراح تنبت الشجر‏,‏ وعديد الدراسات الأدبية والنقدية‏,‏ ورسالته للدكتوراه عن أحمد زكي أبو شادي رائد جماعة أبولو ـ فضلا عن المختار من أشعار كمال نشأت‏,‏ بمقدمة ضافية للناقد والشاعر الدكتور يوسف نوفل ـ ورحلة للابداع الشعري علي امتداد ستين عاما متصلة‏,‏ كل ذلك يضمن لكمال نشأت دوره الطليعي ومكانته الرائدة‏,‏ ويفسح الطريق لجديد قادم من الابداع‏.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأهرام ـ في 24/7/2005م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:08 AM
وداع بغــــداد

بقلم: علي الطنطاوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوداع يا "بغداد".
يا بلد المنصور والرشيد، والنعمان وأحمد، والكرخي والجنيد، وأبي نواس والعباس، ومخارق وإسحاق، ومطيع وحمَّاد.
يا منزل القواد والخلفاء، والمحدثين والفقهاء، والزهاد والأتقياء، والمغنين والشعراء، والمجَّان والظرفاء. يا مثابة العلم والتقى، واللهو والفسوق، والمجد والغنى، والفقر والخمول، يا دنيا فيها من كل شيء!
الوداع يا دار السلام، ويا موئل العربية، ويا قبة الإسلام.
يا بلداً أحببته قبل أن أراه، وأحببته بعد ما رأيته.. لقد عشت فيك زماناً مرَّ كحلم النائم، صحوت منه على صوت الداعي يؤذن بالفراق، فلم أجد منه في يدي إلا لذع الذكرى. وهل تخلف الأحلام ـ يا بلد ـ إلا الأسى والآلام؟
ولكني على ذلك راضٍ راض، فالوداع يا بغداد.. واسلمي على الزمان!
****
ودعتها والسيارة تشتد بي إلى المحطة تسلك إليها شوارع ذات بهجة وجمال، شبهتها (والمحطة غايتها) بليالي الحب كلها أنس وحلاوة، ولكن نهايتها وحشة الوحدة ومرارة الفراق. وعاينت الوداع فأيقنت أني مفارق بغداد عمَّا قليل، وأني سأتلفت فلا أرى رياضها ولا أرباضها، ولا أبصر دجلتها ولا نخيلها، فجرى لساني بقول الأول (وإن من الأقوال ما لا تبلى جدّته ولا يمضي زمانه):
أٌقول لصاحبي والعيس تهـــوي / بنا بين المنيفــــــة فالضمار
تمتع من شميم عــرار نجـــد / فمــا بعد العشية من عـــرار
شهــور قد (مضين) وما شعرنا / بأنصـاف لهـــن ولا ســرار
فأما ليلهن فخــير ليــــل / وأطـــيب ما يكـون من النهار
وجعلت أذكر كم ودعت من أحباب، وكم فارقت من منازل، وكم قطعت قلبي قطعاً نثرتها في أرض الله الواسعة التي لا تحفظ ذكرى، ولا ترثي لبائس!
ورأيتني لا أكاد أستقر في بلد حتى تطرحني النوى في آخر، كنبتة لا تكاد ترسخ في تربة وتمدّ فيها جذورها حتى تقلع وتنقل إلى تربة أخرى.
ورأيت أني دخلت بغداد يوم لم يكن قد جاءها أحد من أصحابي، فلبثت فيها وحيداً مستوحشاً، لا أعرف منها إلا المسجد، وما كان لمسلم أن يرى نفسه غريباً في بلد فيه مسجد، ولكنها العاطفة الضعيفة المتهافتة! فلما ألفتها وصارت بلدي، وغدا لها في قلبي مكان نفيت عنها!
دخـــلنا كارهين لها فلما ألفناها خرجنا (مكرهينا)
وفكرت في أمري متى ألقي رحلي، ومتى أحل حقائبي؟ وهل كتب عليَّ أن أطوف أبداً في البلاد، وأعيش غريباً وحيداً بعيداً عن أهلي وكتبي وصحبي؟
وهاجت في رأسي الخواطر السود، وماجت، حتى لقد رأيت الشوارع الحالية بالزهر صحراء مجدبة، ورأيت شعاع القمر المضيء مظلماً خابياً.
ومن طوَّف تطوافي، وأقبل مثلي على بلاد ما لها في نفسه صورة، ولا له فيها صديق، وفارق أهلاً إليه أحبة، وصحباً عليه كراماً، ومن كانت حاله كحالي، عرف صدق مقالي!
*****
وصفر القطار وسار، وطفقت ألوّح بمنديلي لصديقيَّ الأُثيرين "أنور" و"حسن"، حتى واراهما عني الظلام، فنظرت حولي فإذا أنا وحيد في العربة الفخمة، لا أنيس ولا جليس، فكرَّ فكري راجعاً إلى بغداد.
بغداد، يا مهد الحب، يولد الحب على جسرك الذي تحرسه (العيون)، وينمو في زوارقك ذات الأجنحة البيض التي تخفق كخفقان قلوب راكبيها، ويشب في كرخك وتحت ظلال نخيلك.
فتشوا، وكم تحت هذا الثرى من بقايا القلوب التي حطَّمها بسهام (العيون) هذا المخلوق الجبَّار، الذي وُلد على الجسر شاباً، ونما في الزورق، واكتهل في الكرخ، ثم لم يمت لأنه من أبناء الخلود.
سلوا أرض بغداد: أعندها خبر من شهداء الغرام؟
سلوا جوّ بغداد: أين النغمات العذاب التي عطَّرت نسيمه بعطر الجنة، فهزت قلوباً، وأهاجت عواطف، وأضحكت وأبكت، وأماتت وأحيت. هل أضعت ـ ويحك ـ هذه الثروة التي لا تعوَّض؟!
سلوا الجسر.. يا "جسر بغداد" إن ما بقي من حديثك قد ملأ كتب الأدب، حتى لم يعرف الناس سوقاً للعواطف والأفكار والعبر أكبر من جسر بغداد، فأين سائر أخبارك؟
كم ضممت ذراعيك على عشيقين فنعما بينهما بلذة الحب؟(1)
وكم تركت حبيباً ينتظر فلا يرجع بعد الانتظار إلا بالخيبة والأسى!
وكم عطفت على بائس منكود، وأعرضت عن منكود بائس، فأريت الأول من مشاهد الحياة ما هوَّن عليه ما هو فيه، وزدت الثاني بؤساً ونكداً.
وكم وعيت من أسرار الحب والبغض، والفرح والحزن، والغنى والفقر، والعزة والذل، وكلّ ما تحتوي الحياة وتشمل النفس من ألوان؟ كم رأيت من حصاد الأدمغة وثمرات القلوب؟ كم مدت تحت أقدام خليفة كانت تصغى له الدنيا إذا قال؛ لأنه ينطق بلسان محمَّد (صلى الله عليه وسلم)، وقائد كانت تخضع له الأمم إذا سار؛ لأنَّه يلوح بسيف محمد (صلى الله عليه وسلم).
يا جسر غازي الجديد، الهائل العظيم، أعندك نبأ من ذلك الجسر الذي كان عالماً من العوالم؟ والذي كان سرُّة الدنيا وقطب رحاها؟ وكان للجدّ إذا جدَّ الجدُّ، وللهزل إذا جاز الهزل. فحوى المجد من أساسه، وجمع المتعة من أطرافها.
وهذه المنارة المنحنية المائلة في "سوق الغزل" تنظر بعيني أم ثكلى.. سلوها أين مسجدها الذي كان يضيق على سعته بالمصلين، حتى تمتد الصفوف إلى الشارع ثم تتالى حتى تبلغ النهر؟
أين أولئك العلماء الذين أترعوا الدنيا علماً، وملؤوا آفاق الأرض نوراً وهدى؟ أين مواكب الخلفاء حيث...
الخيل تصهل والفوارس تدّعي والبيض تلمع والأسنَّة تزهر
أين فرسان المنابر وأبطالها؟ أين جيران المحاريب وجلاسها؟ أين... أين..؟
يا أسفي! لقد سرق المسجد، وهدم المنبر، وضاع المحراب، ولم تحفظ الحجارة ـ يا بغداد ـ مآثرك ومصانعك، ولا وعت الأرض ذكريات حبك، ولا أبقى الجوّ رنَّات عيدانك.. أفلا حفظتها قلوب أقسم أصحابها أنهم ذاكرو عهدك وأنهم مرجعو مجدك؟
فأين مسجد بغداد الجامع يا مديرية الأوقاف؟ أين المسجد يا إدارة الآثار؟ أين المسجد يا من اتخذتم المسجد بيوتاً ودكاكين وتركتم المنارة منحنية عليه تبكي؟!
أين المدرسة النظامية يا من أقمتم على أنقاضها "سوق الشورجة" لتبيعوا فيه البصل والثوم..وقد كانت تباع فيها حيوات العلماء وعصارات عقولهم وقلوبهم؟!
لا تحزني يا بغداد واصبري؛ فإنَّ كل شيء يعود ما بقي في القلب إيمان، وفي الفم لسان، وفي اليد سنان.
****
وتلفت ورائي فإذا بغداد قد اختفت وراء الأفق، وغابت مسارب "الأعظمية" التي تحاذي النهر، تنكشف تارة فتضيء ثم تختفي في ظلال النخيل، كشاعر منفرد متأمل، أو محب متعزَّل، يناجي طيف الحبيب، ويسامر ليالي الوصال التي تلوح له صورها. والنهر يطلع عليها مرة بصفحته البيضاء المشرقة التي تشبه أمنية بدت لحالم، ثم يحجبه عنها النخيل، ويمحوه الظلام كما تمحو الحياة بواقعها الأحلام وتطمس صور الأماني..
وغابت شوارع الصالحية ذات الفتنة والجلال، وغابت المآذن الرشيقة وغابت القباب.. وبقيت أنا والماضي!
هذا الماضي الذي طالما قاسيت منه، وطالما كابدت، ثم كلما أوغلت به انحداراً في أعماق نفسي، ودفنته في هوة الذكرى، وقلت مات؛ عاد حياً كاملاً تثيره نغمة، وتهيجه صورة، ويبعثه بيت من الشعر.. فيبعث بحياته آلامي.
غابت بغداد، فسلام على بغداد. وأشهدوا أنه ما بعد دمشق بلد أحب إليَّ من بغداد، ولا بعد الحور شجر أجل في عيني من النخيل، ولا بعد "بردى" نهر أعزّ على نفسي من "دجلة".
أستغفر الله! إلا حَرَم الله ومدينة نبيه، فهما والله أحبّ البلاد إليَّ، وماؤهما ألذ المياه في فمي، وشجرهما أبهى الشجر في بصري..
السلام عليك يا بغداد وعلى ساكنيك السلام.
علي الطنطاوي

-------------------
(1) الأزواج الذين اجتمعوا بعقد الشرع لا الفساق الذين اجتمعوا بعقد إبليس!

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:09 AM
الذوق الأدبي

بقلم: د. عبد القدوس أبي صالح (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

نستطيع أن نُعرِّف الذوق الأدبي بأنه "قدرة يُميَّز بها جمالُ النص الأدبي أو رداءته" .. وما من شك في أن الناس يتفاوتون في الذوق الأدبي كما يتفاوتون في الطعام والشراب.
ومع أن من الصعوبة بمكان أن توضع معيارية للذوق الأدبي إلا أن النقاد المعاصرين وضعوا مصطلح "الذوق السليم" ليكون معياراً تقريباً للذوق المتوسط الذي لا يهبط إلى مستوى الذوق السقيم، ولا يرقى إلى مرتبة الذوق المتفرِّد.
والذوق الأدبي موهبة فطرية، وهو ينمو بالثقافة وسعة الاطلاع، كما ينمو بالدربة والمران على تذوق النصوص.
وللذوق الأدبي العام أهمية بالغة في توجيه الحركة الأدبية، ويذهب الأستاذ عمر الدسوقي إلى أن طغيان المادة، وجفاف المياه، وفساد السلائق .. كلُّ ذلك أدّى إلى انحراف الذوق الأدبي في العالم العربي نحو الأدب الهابط والأدب الرخيص الذي يُثير الغرائز، بل ربما وصل إلى الركاكة والغثاثة.
ومن المؤسف أن كثيراً من الأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف، ويُقلدهم الآخرون، وبذلك نرى انحطاطاً محزناً في الإنتاج الأدبي شعراً ونثراً، والسبب في رأي الناقد المذكور يعود إلى إهمال الذوق الأدبي العام، وعدم تعهده بالصقل والتهذيب في المنزل والمدرسة والمجتمع، ومع فقدان التوجيه السَّديد الذي يأخذ بيد القارئ إلى ما يسمو بروحه وعقله وخلقه، ويأخذ بيد الشّادين في الأدب فيدلّهم على الطريق الأقوم.
ومما يُضخِّم المشكلة أننا ندخل فيما يشبه الحلقة المفرغة، فالأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف بإنتاجهم الهابط، والجمهور يُقبل على الإنتاج الهابط بسبب انحراف الذوق العام.
ومع أن الذوق موهبة فطرية ـ كما قدّمنا ـ فليس هناك إنسان محروم من قدر معين في الذوق الأدبي، والذي يُمكن تنميته بالتثقيف والرعاية والصقل والتهذيب، والممارسة الذاتية.
وأمّا الرعاية والصقل والتوجيه فهي عملية مستمرة تبدأ من الآباء المثقفين لتنتهي بالنقّاد المتمرّسين الذين لهم دور كبير في مسيرة الأدب وتوجيهه، ويأتي ما بين الآباء والنقّاد دور المدارس والجامعات من حيث العناية بتذوُّق النص الأدبي، وتوجيه الأجيال إلى دراسة أدب التراث، والوقوف عند روائع الشعر القديم، والتوجيه إلى حفظ الكثير منها أو مدارسته، وفي هذا المجال نستطيع أن نسترشد بما ذهب إليه ابن الأثير في ضرورة أن يُكثر المرء من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك "تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، ولا يستغني عن شعر المولَّدين المجيدين لما فيه من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البدائع".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب: د. حسين علي محمد (بالاشتراك): فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية، سلسلة "أصوات مُعاصرة"، العدد 114، دار هبة النيل العربية، القاهرة، 2003م، ص123، 124.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:09 AM
علي أحمد باكثير

بقلم: نجيب محفوظ
.................

سعدت بما سمعته من أن جمعية أصدقاء علي أحمد باكثير أقامت هذه الأيام الدورة الثانية لمهرجان علي أحمد باكثير المسرحي الذي كانت قد أقامت دورته الأولي في العام الماضي‏,‏ فقد أثلجت صدري أنباء هذا المهرجان بعد أنباء الحادث الأليم الذي وقع في بني سويف‏.‏
ولقد عرفت علي أحمد باكثير منذ سنوات الشباب حين كنا نخطو خطواتنا الأولي في الكتابة الأدبية‏,‏ أنا في الرواية وهو في المسرح‏,‏ فقد كنا أنا وهو ضمن الفائزين في جوائز وزاره المعارف وكان هذا الفوز هو الذي فتح أمامنا طريقا للنشر بعد أن كانت أعمالنا قابعة في الأدراج‏,‏ ثم توطدت العلاقة بيننا بعد ذلك علي مدي السنوات بعد أن صارت أسماؤنا معروفه في المجال الأدبي‏,‏ وقد كنا نلتقي أسبوعيا في كازينو الأوبرا‏.‏
لقد كان علي أحمد باكثير علي ثقافة عاليه وكان حجة في آداب اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها إجادة تامة. وقد عمل فترة طويلة مدرسا للغة الإنجليزية، لكنه انتقل بعد ذلك إلي مصلحه الفنون فتزاملنا مرة أخري‏,‏ حيث كنت أعمل بها أنا أيضا‏,‏ وقد كنت من أشد المعجبين بأدب علي أحمد باكثير برغم أنه كان كاتبا مسرحيا تخصص في المسرحيات التاريخية وأنا روائي ملت كثيرا إلي المعاصرة والواقعية‏,‏ علي أن باكثير لم يقتصر إنتاجه الأدبي علي المسرح وحده والذي ترك لنا فيه أكثر من أربعين عملا‏,‏ وإنما كان شاعراً من الدرجة الأولى، شهد له بها العقاد والمازني وغيرهما‏.‏
ــــــــــــــــ
*الأهرام ـ في 23/9/2005م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:10 AM
أحمد فضل شبلول وذاكرة الإسكندرية

بقلم‏:‏ فاروق شوشة‏
.................

أكتب عنه لأهنئه بجائزة الدولة في شعر الأطفال‏,‏ الشاعر والمبدع السكندري أحمد فضل شبلول‏,‏ ذاكرة الإسكندرية‏,‏ ومؤرخها اليقظ‏,‏ وروحها التي تحمل عطرها إلي كل مكان في مصر وفي خارج مصر‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بجائزة لم يتقدم لها‏,‏ فهو في حقيقته أكبر منها‏,‏ وأعتقد أنها تأخرت عليه في زحام الصراع علي الجوائز والتدافع بالمناكب‏.‏ لكن اللجنة المسئولة عن جائزة شعر الأطفال لم تجد في الأعمال التي تقدم بها أصحابها ما يرقي إلي مستوي الجائزة‏,‏ فاستعملت حقها القانوني في ترشيح ما تراه مناسبا‏,‏ فكانت المجموعة الشعرية لأحمد فضل شبلول بمثابة النهاية الموفقة‏,‏ والعمل الذي اتفق الجميع علي اختياره وترشيحه للجائزة‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بسجله العصامي‏,‏ ورحلته الصعبة مع كل من الحياة والإبداع‏..‏ فبعد حصوله علي بكالوريوس التجارة عمل مديرا للنشر بشركة إعلامية سعودية‏,‏ ومصححا في مطابع جامعة الملك سعود بالرياض‏,‏ لكنه لم يضع وقته‏,‏ وكانت دراسته للكمبيوتر نقلة نوعية في ثقافته واهتماماته‏,‏ وانعطافة مهمة نحو لون من الكتابة الشعرية لا يكتبه غيره‏,‏ يمزج فيه بين معطيات الآلة والوجدان الإنساني‏,‏ بين لغة الأرقام وفضاء الكلمات‏,‏ بين العلم والتكنولوجيا ومغامرة الإبداع‏..‏ وكان من نتائج هذه الدراسة نجاحه في إصدار أول معجم عن شعراء الطفولة في الوطن العربي‏,‏ بالإضافة إلي دواوينه المتتابعة التي ضمنت له موقعه في الخريطة الأدبية والشعرية للإسكندرية‏,‏ ومن أبرزها‏:‏ مسافر إلي الله‏,‏ ويضيع البحر‏,‏ والإسكندرية المهاجرة‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بروحه الشفيفة ونفسه الصافية‏,‏ هو الذي عاني المرارات وتنكر الرفاق في مصر وفي خارج مصر‏,‏ ومازلت أتذكر رسائله الباكية التي بعث بها من خارج الوطن حين وجد ناقدا وأستاذا مصريا بارزا‏,‏ معارا إلي البلد الذي يعمل فيه ـ وهو يشيع عنه في كتابته وأحاديثه أن شعره يتضمن خروجا علي المقدسات والحرمات‏,‏ وهو يعلم أنه بهذا التفسير المغرض يعرضه إلي قطع رزقه‏,‏ فضلا عن تعرضه لمصير لا يعلمه إلا الله‏..‏ ونسي هذا الأستاذ أنه كان يباهي بأنه من رموز التنوير والنقد الجديد‏,‏ لكنه تكشف عن صغار في القدر واتضاع في القيمة‏,‏ ونجا أحمد فضل شبلول من كيده ودسه وتآمره‏,‏ ووضع كل همه في الكمبيوتر‏:‏ الكمبيوتر الصديق خانني‏/‏ لأنني لم أعطه الإشارة‏/‏ ولم أبدل الحروف بالرقم‏/‏ ولم أبرمج المشاعر‏/‏ وأطلق الأوامر‏.‏ الكمبيوتر الذي علمته الحنان والأمان خانني‏/‏ لأنني أدخلت في اللغات والشرائح الممغنطة‏/‏ عواطف الأزهار والأشجار والأنهار‏/‏ وقصة العيون ساعة السحر‏/‏ ورقصة الأغصان والأحلام والمطر‏/‏ أدخلت واسترجعت بسمة العيون‏/‏ إشراقة الحنين‏/‏ نداء هذه لبحار‏/‏ الكمبيوتر المحار‏/‏ علمته الأسرار‏/‏ فخانني ولم يعد يحار‏!‏
الكمبيوتر الصديق‏!..‏ آه من الحديد عندما يخون‏/‏ آه من الأزرار واللوحات والأرقام‏/‏ أطلقت في السوالب الهامدة‏/‏ شعاع كهرباء‏/‏ علمتها البكاء‏/‏ علمتها الفرح‏/‏ رافقتها للبحر والرمال والضياء‏/‏ جعلتها تصادق النوارس المهاجرة‏/‏ وتطلق العنان للأفكار‏/‏ تحب وقتما تريد‏/‏ وتلعب‏/‏ تكهرب القلوب وقتما تشاء‏/‏ وتذهب‏/‏ تحاور العقول والأشياء‏/‏ وتغضب‏/‏ منحتها لسرور والغضب‏/‏ سألتها تخزين كل لحظة تمر بالشموس والنفوس‏/‏ تسجيل أجمل الثواني‏/‏ وأفخم المعاني‏/‏ وأروع الأغاني‏/‏ فعاتبت‏.‏
وإذا كان الكمبيوتر الصديق قد خانك أيها الشاعر والإنسان المرهف‏,‏ فلا تستغرب أن يخونك من تزيا بزي النقاد والأساتذة‏,‏ وحاول بإيذائك أن يكون خادما مطيعا للأسياد‏..‏ ومبروك يا أحمد‏
...................................
*الأهرام ـ في 20/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:11 AM
صفقة تطهير الذاكرة

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
.......................

(1)‏
عملية إطلاق سراح الأسري لدي إسرائيل شهادة أعادتنا إلي زمن البراءة والكبرياء‏,‏ وذكرتنا بما نستطيع أن نفعله‏.‏ بقدر ما أن المطالبة باعتقال الرئيس السوداني شهادة ردتنا إلي زمن الانكسار‏,‏ ونبهتنا إلي ما يمكن أن يفعل بنا‏.‏
لا أعرف أي قدر من الدهشة يمكن أن يعتري شباب جيل هذا الزمان حين يطالعون قصص بطولات العائدين‏,‏ ويتعرفون علي هوياتهم‏.‏ أحدهم كان سمير القنطار اللبناني الدرزي الذي انخرط في جبهة التحرير قبل ثلاثين عاما‏,‏ وبدأ نضاله وهو في سن السادسة عشرة‏,‏ إذ نجح مع ثلاثة آخرين في الدخول إلي إسرائيل عن طريق البحر في عام‏1979,‏ واستطاعوا الوصول إلي مستوطنة نهاريا‏,‏ وكان هدف خطتهم هو اختطاف رهائن من الجيش الإسرائيلي لمبادلتهم بالأسري العرب‏,‏ فاشتبكوا مع سيارة للشرطة وقتلوا اثنين من جنودها‏,‏ ثم اقتحموا منزلا واختطفوا رجلا وابنته ليحتموا بهما في تقدمهم‏,‏
لكن الشرطة لاحقتهم وأمطرتهم بوابل من النيران فقتلوا اثنين من الفدائيين‏,‏ واضطر القنطار إلي قتل الرجل وابنته‏,‏ وفي هذه العملية التي صدمت الإسرائيليين ألقي القبض علي القنطار‏,‏ وقرروا الانتقام منه‏,‏ فصلبوه وعذبوه‏,‏ وأصدروا ضده أحكاما بالسجن لمدة‏542‏ عاما‏,‏ ورفضوا أي حديث عن مبادلته تحت أي ظرف‏,‏ حتي اعتبر إطلاق سراحه خطا أحمر‏,‏ وتداول السياسيون والإعلاميون منذ ذلك الوقت عبارة تقول‏:‏ إن إسرائيل لن تلد المسئول الذي سيفرج عنه‏.‏
في أحد التوابيت التي تمت مبادلتها رقد رفات دلال المغربي‏,‏ الفلسطينية ابنة العشرين عاما‏,‏ التي خرجت من أحد المخيمات المقامة في لبنان‏,‏ واختارتها حركة فتح لتكون في قيادة مجموعة ضمت‏13‏ شخصا كلفت في عام‏1978,‏ قبل شهر من عملية سمير القنطار‏,‏ بتنفيذ عملية جريئة‏,‏ استهدفت الاستيلاء علي مقر الكنيست في تل أبيب‏,‏ واحتجاز من فيه رهائن لمبادلتهم بالأسري العرب‏.‏ من البحر جاءوا في قوارب مطاطية أنزلتهم علي شاطئ يافا القريبة من تل أبيب‏,‏ ووصلوا قبل طلوع الشمس إلي الطريق العام‏,‏
حيث نجحوا في إيقاف حافلة ضمت‏30‏ إسرائيليا وأجبروا قائدها علي التوجه إلي تل أبيب‏,‏ وفي الطريق صادفتهم حافلة أخري فأوقفوها وأنزلوا ركابها وضموهم إلي الرهائن المذهولين الذين معهم‏,‏ أبلغت دلال المغربي الجميع بأنهم لا يريدون قتل أحد منهم‏,‏ لكنهم يريدون مبادلتهم مع زملائهم الذين تحتجزهم الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وأخرجت من حقيبتها علم فلسطين وقبلته‏,‏ وعلقته في مقدمة الحافلة‏.‏ لاحقتهم قوات الجيش ووضعت الحواجز في طريقهم‏,‏ لكنهم نجحوا في اجتيازها‏,‏ وإلي أن واجهتهم المدرعات الإسرائيلية التي قصفت السيارة وأمطرت عجلاتها بالرصاص‏,‏ ودارت معركة عنيفة أسفرت عن مقتل‏30‏ إسرائيليا وجرح‏30‏ آخرين‏,‏ أما المجموعة الفدائية فقد قتل جميع أفرادها بمن فيهم دلال‏,‏ باستثناء اثنين أحدهما هرب‏,‏ والثاني سقط جريحا‏.‏
‏(2)‏
كل قادم من إسرائيل في عملية التبادل‏,‏ سواء كان حيا أو في تابوت خشبي‏,‏ وراءه قصة أقرب إلي الأسطورة‏,‏ ولم تكن الوقائع وحدها المدهشة في ذلك الزمن‏,‏ الذي يبدو الآن سحيقا وموغلا في القدم‏,‏ وإنما كان المناخ مدهشا بدوره‏,‏ فقد كانت المقاومة قيمة عليا توافق عليها العالم العربي بأنظمته وشعوبه‏(‏ لا تنس أن أحد قادة السلطة الفلسطينية وصف قبل عامين عملية فدائية في إسرائيل بأنها محاولة حقيرة‏!),‏ وكان المقاومون أبطالا يشار إليهم بالبنان‏,‏ والانخراط في صفهم أمل يهفو إليه الشباب العربي في كل مكان‏.‏ أيضا كان العدو واضحا‏,‏ ولا مكان للاختلاف حوله‏,‏ وفي مواجهته كان الإجماع منعقدا علي مستوي القطر والأمة‏,‏ وبطبيعة الحال فإن الصف الفلسطيني كان واحدا برغم تعدد فصائله‏.‏
مجموعة سمير القنطار الدرزي اللبناني لم تذكر الهوية الدينية أو القطرية لأي منهم‏,‏ أما مجموعة دلال المغربي فقد ضمت فلسطينيين ولبنانيين واثنين من اليمنيين‏,‏ وجميعهم كانوا دون العشرين من العمر‏.‏
لم يتم حتي كتابة هذه السطور التحقق من أصحاب الرفات الذي تم تسلمه من الإسرائيليين‏(‏ أكثر من‏190‏ جثة عربية سلمت‏),‏ لكن الثابت أن القائمة التي قدمها حزب الله إلي الإسرائيليين تضمنت أسماء شهداء يمثلون كل ألوان الطيف اللبناني‏,‏ الشيعة‏,‏ والسنة‏,‏ والأكراد‏,‏ والدروز‏,‏ وأعضاء سابقين في جبهة التحرير الفلسطينية وغيرها من الفصائل الفلسطينية‏,‏ والحزب الشيوعي القومي السوري‏.‏
لم يكن المناخ العربي وحده المواتي لمساندة المقاومة والتعويل عليها‏,‏ وإنما كان الظرف الدولي عنصرا مساعدا علي تبني ذلك الموقف‏.‏ كان الاتحاد السوفيتي سندا قويا للأمة العربية في مواجهتها مع إسرائيل‏,‏ فضلا عن أن العرب كان لهم أصدقاؤهم الذين ساندوهم‏,‏ وأخص بالذكر هنا الصين والهند وبقية دول عدم الانحياز‏.‏
مشهد تبادل الأسري عند رأس الناقورة في لبنان يعيد إلي أذهاننا كل ذلك الشريط‏,‏ علي نحو يحيي في ذاكرة الأمة صفحات من تاريخها القريب‏,‏ بعضها كاد يطويه النسيان‏,‏ وبعضها تعرض للمسخ والتشويه‏,‏ فضلا عن ذلك فإنه يثير أسئلة عدة تتعلق بتفسير الموقف الإسرائيلي الذي ذهب إلي حد تجاوز خطوطه الحمراء‏.‏
‏(3)‏
الصدمة كانت عنوانا لتعليقات النخبة الإسرائيلية علي صفقة الرضوان التي حملت الاسم الحركي للشهيد عماد مغنية‏(‏ الحاج رضوان‏),‏ القائد العسكري الأبرز في حزب الله‏,‏ الذي رتب عملية خطف الجنديين الإسرائيليين في عام‏2006,‏ وبسببها شنت إسرائيل عدوانها علي لبنان في صيف ذلك العام‏,‏ إذ وصفها أحدهم بأنها الصفقة البشعة‏(‏ عوفر شيلح في معاريف‏7/18),‏ وقال آخر‏:‏ إن يوم تبادل الأسري هو يوم أسود في تاريخ إسرائيل يجعل المرء يخجل من انتمائه إلي البلد‏(‏ نعومي راجن في يديعوت أحرونوت‏7/17),‏ أما الكتابات والتصريحات التي تحدثت عن فقدان إسرائيل لقدرتها علي الردع‏,‏ وهزيمتها أمام حزب الله في حرب‏2006,‏
التي فشلت في تحقيق هدفيها‏(‏ القضاء علي حزب الله‏,‏ واستعادة الجنديين الأسيرين‏)‏ فهي بلا حصر‏.‏
يهمنا في التعليقات الإسرائيلية تواتر الإشارة إلي أن صفقة التبادل لا ترفع من أسهم حزب الله فقط‏,‏ وإنما من شأنها أن تقوي ساعد المقاومة في العالم العربي‏,‏ وتعيد إلي الأذهان أساليبها ومقدراتها‏,‏ الأمر الذي لا يسبب إزعاجا لإسرائيل فقط‏,‏ وقد يدفع حركة حماس إلي التشدد في شروط إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير لديها جلعاد شاليط‏,‏ ولكنه أيضا يسبب إحراجا للدول المعتدلة في المنطقة‏,‏ التي تصالحت مع إسرائيل‏,‏ وانحازت إلي السلام كخيار استراتيجي لها‏(‏ إسرائيل لم تعلن ذلك‏),‏ وفي الوقت نفسه فإن الصفقة تسبب إحراجا للسلطة الفلسطينية في رام الله التي أدانت المقاومة ولم تحقق شيئا علي صعيد إطلاق أسير واحد من الأحد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية‏.‏
الذين دافعوا عن الصفقة قالوا إنها تعزز مكانة إسرائيل الأخلاقية والقيمية‏,‏ وتبرهن علي أن إسرائيل مستعدة لأن تبذل أي شيء آخر من أجل استعادة أبنائها‏,‏ حتي الأموات منهم‏,‏ وهذا ما قالته ميري ايزن المستشارة الإعلامية لرئيس الوزراء‏(‏ كأن الاحتلال وتجويع الفلسطينيين وإبادتهم بالتدريج لا يخدش مكانة إسرائيل الأخلاقية‏).‏
صحيح أن التقاليد والتعاليم الدينية تدفع إسرائيل إلي الإلحاح علي استعادة رفاة جنودها‏,‏ لكن ذهابها في ذلك إلي حد تجاوز ما اعتبرته خطا أحمر بالإفراج عن سمير القنطار‏,‏ وإعادة رفات دلال المغربي‏,‏ يعطي انطباعا قويا بأن الأمر أكبر من تلك التقاليد والتعاليم‏,‏ وفي التحليلات والتعليقات المنشورة إشارة إلي أن إسرائيل أدركت أن وجود أولئك الأسري لديها يكلفها الكثير‏,‏ والضرر فيه أكبر من النفع‏,‏ خصوصا أن استمرار احتجازهم يغري المقاومة بمحاولة اختطاف جنود إسرائيليين جدد‏,‏ الأمر الذي يعقد الأزمة ويفاقمها‏.‏
بالتوازي مع ذلك فهناك عوامل أخري يتعذر تجاهلها‏,‏ منها مثلا أن إسرائيل تريد أن تنهي القضايا المعلقة مع لبنان‏,‏ بما فيها احتلال مزارع شبعا‏,‏ لكي تفسح المجال للمطالبة بتجريد حزب الله من السلاح‏,‏ باعتبار أن وجود تلك القضايا المعلقة هو الذي يبرر تمسك حزب الله بسلاحه‏,‏ وبإغلاق ملفات القضايا العالقة يسقط ذلك المبرر‏,‏ علما بأن تجريد الحزب من سلاحه ليس فقط مطلبا إسرائيليا يستهدف إفقاده لعنصر قوته‏,‏ ويعد تمهيدا مطلوبا قبل القيام بعمل عسكري ضد إيران‏,‏ لكنه أيضا مطلب أمريكي تبناه مجلس الأمن وأصدر به القرار رقم‏1559‏ الذي صدر عام‏2004,‏ الذي لم يأبه به الحزب‏.‏
علي صعيد آخر فإننا لا نستطيع أن نعزل الصفقة عن أجواء التهدئة التي تطلق إشارتها في المنطقة العربية‏(‏ من غزة إلي مباحثات سوريا وإسرائيل وتركيا‏),‏ وهذه التهدئة تلتقي عندها مصالح أطراف عدة‏,‏ فإسرائيل تريدها لتتفرغ للتعامل مع الملف الإيراني‏,‏ والإدارة الأمريكية تتطلع إليها لكي تضمها إلي رصيد الجمهوريين الخاوي في انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل‏,‏ ذلك أن الحماس للتصويت للمرشح الجمهوري جون ماكين السائر علي درب بوش‏,‏ قد يتراجع إذا وجد الأمريكيون أن ذلك سيؤدي إلي استمرار الحرائق في المنطقة التي تسببت فيها سياسات الأخير‏.‏
‏(4)‏
صفقة الرضوان التي تمت في السادس عشر من يوليو الحالي بدت وكأنها ومضة عابرة في الفضاء العربي المعتم‏,‏ الذي يخيم عليه شعور قوي باليأس‏,‏ ويعاني الانقسام والفرقة‏,‏ بما استصحبه ذلك من شعور بالضعف‏,‏ وانقلاب منظومة القيم السائدة‏,‏ والافتقاد إلي الإجماع العربي حول مختلف قضايا المصير‏,‏ وعلي رأسها قضيتا فلسطين‏,‏ واستقلال القرار الوطني‏.‏
إن شئت فقل إن الصفقة أعادت إلي الذاكرة واحدة من لحظات العزة في زمن الاستضعاف العربي‏,‏ الذي سوغ للأمريكيين احتلال العراق‏,‏ وإعدام رئيسه‏,‏ ثم التحريض علي اعتقال الرئيس السوداني‏,‏ ومباركة كل الجرائم الإسرائيلية والدفاع عنها‏.‏
إن حزب الله بلحظة العزة التي استعادها لم يخترع العجلة‏,‏ لكنه فعل ما ينبغي أن تفعله أي حركة للتحرر الوطني‏,‏ تستمد شرعيتها من إيمانها بعدالة قضيتها وتفانيها في الدفاع عنها‏,‏ ومخاطبة العدو باللغة التي يفهمها‏,‏ وإذا أضفنا إلي ذلك الثقة في النفس وفي الله‏,‏ فإن كل ما يبدو مستحيلا يصبح ممكنا‏.‏
إن الدرس الكبير الذي ينبغي أن نتعلمه من الصفقة أن أعداءنا ليسوا بالقوة التي يصورونها لنا‏,‏ وأننا لسنا ضعفاء بالقدر الذي نتوهمه‏.
.................................
*الأهرام ـ في 22/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:11 AM
التجريب الأدبي..موهبة..أم تقليد للآخرين ؟!
.................................... ...

د.ماهر شفيق فريد: ليست تجارب خاصة لكنها تقوم علي إنجازات السابقين
د.حسين حمودة : الجديد يستكشف أرضاً مجهولة ويقدم جماليات جديدة

حوار: د. زينب العسال
...........................

مع تعدد الأعمال التجريبية في الإبداع المصري. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل التجريب في أدبنا تقليد أم تعبير عن موهبة؟ وما أهم الإبداعات الحديثة التي عنيت بالتجريب؟
التجريب في القرن العشرين كما يقول يوسف الشاروني بدأ بالاتجاه الرومانسي ممثلاً في كتابات جبران وزينب لهيكل وقصص المنفلوطي وخواطره. ثم تحول التجريب إلي الرمز في الثلاثينيات كما في أهل الكهف للحكيم. وكتاب "المنبوذ" لأنور كامل. ويأتي في قالب حوار بين رجل وامرأة. وأهداه صاحبه إلي أعداء هذا الكتاب. ثم جاء محاولات بشر فارس وجماعة السورياليين : رمسيس يونان. وأنور كامل. وجورج حنين. وقد مثلت هذه الأعمال تجاوز التقليدية أعمال لجنة النشر للجامعيين. وأسهمت مجلة "الكاتب المصري" التي كان طه حسين يتولي رئاسة تحريرها في تعميق هذا الاتجاه بتقديم الكتاب الفرنسيين والغربيين بعامة. مثل سارتر وكامي وكافكا. وقدم لويس عوض علي نفس المجلة كتابات الإنجليز المحدثين مثل جويس وت.إس. إليوت. في 1948 ظهرت في مجلة "الفصول" التي كان يصدرها محمد زكي عبدالقادر. كتابات لمحمود أمين العالم وفتحي غانم ويوسف الشاروني وأحمد عباس صالح وعباس أحمد. ونشأت حركة نشطة وجادة في الإسكندرية. وكتب بدر الديب "حرف الحاء". وفتحي غانم "سور حديد مدبب". ثم كتب إدوار الخراط "حيطان عالية" ومحمد منير رمزي "بقايا شموع". ثم ظهر محمد حافظ رجب ودارت معارك بينه وبين فريد أبو حديد وكبار أدباء الفترة. وفي المسرح كتب الحكيم "ياطالع الشجرة "والطعام لكل فم". بعد أن عرضت في مسارح القاهرة الكراسي ليونيسكو ولعبة النهاية لبيكيت وغيرها. وقد وافق الحكيم علي نبرة اليأس التي تخللت المسرحيات الأجنبية. وإن وافق علي الشكل التجريبي. وتعددت الأعمال التي تنحو نحو التجريب مثل أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. والظلال في الجانب الآخر لمحمود دياب. والقاهرة لعلاء الديب. وقصة بهاء طاهر القصيرة "المظاهرة" والتي يبدو بطلها أقرب إلي بطل الغريب لألبير كامي. وقد قدمت شخصياً العديد من الأعمال التي تحمل تجارب جديدة. مثل زيطة صانع العاهات. ومصرع عباس الحلو. وهما كما نعلم شخصيتان في زقاق المدق لنجيب محفوظ. ثم كتبت القصة وما يقابلها. فالرجل والمزرعة وآخر العنقود يقابلهما اعترافات ضيق الخلق والمثانة ومن تاريخ حياة مؤخرة. وهكذا. والآن. لا يوجد ما يذكرنا بالمراحل السابقة من حيث التجريب في الموضوعات والأساليب. لكن الجديد يطل برأسه كما أري من الإنترنت. وبالتحديد مدونات الإنترنت التي يتجاور فيها الشعر والنثر والفنون الأخري. إنه يختلف تماماً عن أدب المطبعة.
زاوية جديدة
والتجريب الحقيقي في تقدير د.ماهر شفيق فريد يصدر عن رغبة في رؤية الأشياء من زاوية جديدة. وكسر قواعد المنظور التقليدي. فالأسلوب التجريبي ثمرة حساسية مغايرة لما هو شائع. ومحاولة لاكتشاف مناطق جديدة من الخبرة لم يتطرق إليها السابقون. وكل عمل فني جيد يشتمل علي عنصر من التجريب بدرجات متفاوتة. وإلا كان تكراراً للأعمال التي سبقته. التجريب مغامرة فنية وعقلية وروحية. تحاول أن تلبي حاجات عصر جديد. وترتبط بالأفكار والتصور والمذاهب الفلسفية التي تميز العصر. لقد كان تجريب السورياليين وثيق الصلة باكتشافات فرويد عن العقل الباطن والدوافع الغريزية وآليات الحلم والرغبة والإحباط. وكان تجريب جيمس جويس وفرجينيا وولف في استخدام المونولوج الداخلي وثيق الصلة بنظريات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس. عن تيار الشعور. وتداعي الأفكار. وكانت رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" وثيقة الصلة بفكرة الديمومة عند معاصره الفيلسوف برجسون وأبحاثه عن الذاكرة ومعطيات الشعور وهكذا. وأعتقد أن الفترة الذهبية للتجريب في أدبنا المعاصر هي في عقد الأربعينيات من القرن الماضي. كانت فترة جيشان سياسي واجتماعي وصراع بين الأيديولوجيات. هذه هي الفترة التي بدأ فيها يوسف الشاروني وإدوار الخراط وفتحي غانم وبدر الديب تجاربهم القصصية الأولي. وواكبهم رمسيس يونان وفؤاد كامل في الفن التشكيلي. وفي فترة تالية ظهرت تجارب محمد حافظ رجب في القصة القصيرة. وحركة الشعر الحر علي أيدي عبدالصبور وحجازي وأبو سنة. وتطويع صلاح جاهين شعر العامية لأعمق التأملات الفكرية. وإفادة ألفريد فرج من التراث العربي وكتاب ألف ليلة وليلة ومسرح بريخت. وإبداع يوسف إدريس فناً قصصياً مصرياً يتمرد علي قوالب القصة الغربية. وإن أفاد منها. وتجارب جبريل والغيطاني وصنع الله في الإفادة من التراث والفولكلور. واستخدام طبقات التاريخ في نقل مشاغل الحاضر واهتماماته. والتوثيق الصحفي إلي جانب الخيال الفانتازي والبعد الصوفي. بل إن أدباء من جيل أسبق عمدوا إلي التجريب. مثل إفادة توفيق الحكيم من مسرح العبث الأوروبي. وتطعيمه بمادة فولكلورية في "ياطالع الشجرة". وابتكاره شكل المسرواية في "بنك القلق". وكما هو الشأن في كل تجربة جديدة. فإننا نجد في مقابل كل عمل أصيل عشرة أعمال زائفة. تقوم علي المحاكاة والرغبة في الإبهار. ولا تنبع من موهبة حقيقية. لقد ظهر علي سبيل المثال عشرات المقلدين لإدريس في مرحلة الواقعية الطبيعية. لكنهم سقطوا من الذاكرة الأدبية. وفي اعتقادي أن أبرز المجددين فكراً وتقنية في المشهد الأدبي اليوم: اعتدال عثمان ومحمد المخزنجي ونبيل نعوم في القصة القصيرة. ومحمد سلماوي في المسرح. وحسني حسن في الرواية. ومن الراحلين كانت هناك تجارب مهمة ليحيي الطاهر ومستجاب وخيري عبدالجواد. لكن اللحظة الراهنة ليست لحظة تجريب بصفة خاصة. إنما هي لحظة بناء علي منجزات أجيال سابقة.
أرض مجهولة
ويري د.حسين حمودة أن التجريب يفترض أنه يمثل درجة متقدمة من درجات المغامرة الفنية. بمعني أنه يبحث عن معايير ومقاييس جديدة للفن. والإبداع بشكل عام لا يكتفي بالجماليات السائدة. إنما يغامر باستكشاف أرض مجهولة. وجماليات جديدة. الفنان المجرب أقل اقتناعاً من الفنانين الآخرين بما هو سائد من جماليات وآفاق فنية. إنه يخوض في أرض مجهولة بحثاً عن أفق جديد. وهناك مبدعون بحكم طبيعتهم. أو بحكم ما لست أدري يميلون دائماً إلي مساءلة ما أنجزوه. ويطمحون دائماً إلي تجاوز تجاربهم السابقة. ومن بين هؤلاء المبدعين قلة نادرة. امتلكوا قدرة هائلة علي النسج. بمعني أنهم كانوا يبدأون مراحل جديدة في أعمالهم كأنها بدايات متجددة في إبداعهم. فيها شيء من الشعر. وشيء من الحكمة. وشيء من السرد. وشيء من لغة الحلم. وهي بذلك تمثل ما يشبه المثار الجديد في تجربة نجيب محفوظ التي كانت متجددة دوماً.
وتشير د.سحر الموجي إلي أن عبارة التجريب تنطبق الآن علي جيل التسعينيات. مثل مصطفي ذكري وإلي حد ما منتصر القفاش. وما قدمه أحمد العايدي ومنصورة عز الدين. وتقول الموجي إنه من الصعب أن نقدم قوالب جديدة. نعم. نحن نأخذ القوالب الغربية. ونضع عليها مضاميننا وأسئلتنا. وهذا ليس ضد العمل. لكن الفيصل هو الأسئلة التي يطرحها العمل. وسكة التجريب التي يسير فيها.
.................................................. .
*المساء ـ في 26/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:12 AM
عبد المنعم عوّاد يوسف
ودوره الريادي في حركة الشعر الحر

حاوره: بهاء عوّاد
................

أولا: نهنؤك على صدور المجلد الأول من أعمالك الشعرية الكاملة، والذي يضم خمسة دواوين، هي: هكذا غنى السندباد، وبيني وبين البحر، ولكم نيلكم ولي نيل، وكما يموت الناس مات، وأغنيات طائر غريب.
وسؤالنا: ماذا يبقى للمجلد الثاني؟
-المجلد الثاني الذي سيصدر قريباً يضم ستة دواوين: أربعة منها سبق نشرها منفردة، هي: للحب أغني، والشيخ نصر الدين والحب والسلام، والضياع في المدن المزدحمة، وعناق الشمس. واثنان لم يسبق نشرهما، هما: المرايا والوجوه، وعندما نادتني عيناك.
*هل يُمثِّل هذا كل نتاجك الشعري؟
-لا بالطبع، هناك ثلاثة دواوين للأطفال هي: «عيون الفجر» الذي نشرته دائرة الثقافة بالشارقة، إلى جانب «ساحرة الأفق الشرقي» و «الطفل والزهرة» اللذين نشرتهما الهيئة المصرية للكتاب، والمسيرة مستمرة بإذن الله، ولهذا كنت أُفضِّل أن يكون العنوان «الأعمال الشعرية» فقط، لا الأعمال الكاملة باعتبار أن الاكتمال لا يكون إلا عند التوقف عن كتابة الشعر، وأنا ـ ولله الحمد ـ مازلت مستمرا في كتابته.
*ونحن أيضاً نرجو أن يتواصل العطاء، وسؤالنا التالي:
جاء في النبذة المنشورة على الغلاف الأخير من المجلد الأول هذه العبارة «والشاعر عبد المنعم عواد يوسف أحد روّاد الشعر الحديث الذين امتلكوا ناصية اللغة وحسَّ التركيب، وتواصلوا مع التراث والحداثة معاً». فهل تتفضَّل بإجلاء دورك في الحركة الشعرية المعاصرة؟
-يوضِّح هذا الدور الدكتور صلاح رزق في مقدمته للمجلد الأول بقوله «ينتمي عبد المنعم عواد يوسف إلى تلك الكوكبة الرائدة التي امتلكت جسارة الاجتراء على تحويل تيار التدفق الشعري إلى منعطف جديد مشرب بروح الاستكشاف ولذة الافتراع .. تلك الكوكبة التي ضمّت في طليعتها صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وعز الدين إسماعيل ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأحمد عبد المعطي حجازي، وفي ركبهم سار حسن فتح الباب وكامل أيوب وكمال عمار وكمال نشأت ومجاهد عبد المنعم مجاهد ومحمد الفيتوري ومحمد مهران السيد … وغيرهم.
لقد سجل عبد المنعم عواد يوسف مكانه في صدارة جهود الفريق الأول بقصائده: زهرة تذوي، والكادحون، وكما يموت الناس مات».
ويؤكد هذه الحقيقة من قبل الدكتور علي شلش في كتابه «اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر» حيث يقول في ص99 من الكتاب المذكور: «لم يحدث قبل عام 1952م أن نشرت المجلات شيئاً من محاولات الشباب في كتابة الشعر القائم على التفعيلة الواحدة، مما سمي بعد ذلك باسم «الشعر الحر» وقد اتخذ هذا النوع معنى مختلفاً عن معنى الشعر الحر الذي ساد في الثلاثينيات والأربعينيات، ورأينا بعض نماذجه هنا، حيثُ قامت على تعدد البحور. فقبل أسابيع من توقف «الثقافة» انفردت بنشر بعض محاولات الشعراء في هذا المجال، ولم تكن هذه المحاولات قد توسّعت في نظام التفعيلة الواحدة بعد؛ وقد شارك فيها صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعبد المنعم عواد يوسف».
وأذكر أنني حينما نشرت قصيدتي «الكادحون» عام 1952م قابلني صديقي الشاعر محمد مهران السيد ثائراً، واتهمني أنني أسعى إلى إفساد شعرنا العربي بمثل هذه المحاولات الدخيلة عليه ـ على حد قوله آنذاك ـ وحينما تيقّن مهران أن الدافع الحقيقي إلى كتابة هذا اللون هو التطور ومسايرة روح العصر، لا الإفساد أو التخريب أقبل على كتابته حتى أصبح من فرسانه المعدودين.
*وهل تتحقق الريادة بمجرد السبق والنشر؟
-لا بالطبع، فمن يرجع إلى قصيدتيَّ «الكادحون» و«كما يموت الناس مات» سيلمس نضجاً فنيا أشاد به النقاد، ويكفي أن قصيدتي «وكما يموت الناس مات» كان يعدها ناقد مرموق ـ هو المرحوم الدكتور عبد المحسن طه بدر ـ فتحاً جديداً في الشعر العربي، ويؤكد ذلك تأثر شعراء كبار بها، ويكفي أن الشاعر الكبير أمل دنقل قد ضمَّن إحدى قصائد ديوانه «مقتل القمر» مقطعاً منها.
*الأمر الذي لا شك فيه أن هذه التجربة الإبداعية التي امتدّت إلى ما يُناهز نصف القرن قد تحددت في سمات موضوعية وفنية محددة، نطمع أن تفصل لنا ذلك.
-أستطيع من الناحية الموضوعية أن أُجمل تجربتي الإبداعية في عدة محاور، منها المحور العاطفي الذي يدور حول قصائد الحب والوجدان، ومنها المحور الصوفي الذي يدور حول المواجيد والإشراقات الروحية، ومنها المحور الذي يدور حول الغربة والبُعد الطويل عن أرض الوطن ومُعاناة الاغتراب، ومنها المحور الوطني الذي يتبلور حول قضايا الوطن السياسية ومعاناة الواقع والمجتمع. ومنها المحور القومي الذي يتبنى مشكلات وطننا العربي الكبير وقضاياه المصيرية كالقضية الفلسطينية مثلاً. وأخيراً المحور القائم على تأمل قضايا الوجود الكبرى وما وراء الطبيعة.
هذه بإيجاز أهم المحاور الموضوعية لتجربتي الإبداعية.
أما من الناحية الفنية، فأحاول إثراء معجمي الشعري مع الحرص على واقعيته وبساطته وتنوع موسيقاه وشفافية صوره، والارتكاز على الرمز وتوظيف الموروث العربي والفرعوني والإنساني، وخصوصية البناء الكلي للقصيدة.
وعن البناء الموسيقي للتجربة، فأنا أعتمد على التنوع الإيجابي في التشكيل الموسيقي. وإيماناً مني بدور الموسيقى في تشكيل بنية الشعر، وما يُمكن أن تؤديه في إنجاز هذه المهمة الفنية بالصوت واللفظ والتركيب والترديد والتكرار في كل سياق. كما أعتمد على عنصر التدوير الموسيقي، بحيث تتواصل عدد التفعيلات مع الوقفة الشعورية المراد التعبير عنها، فتصل أحياناً إلى أكثر من مائة تفعيلة لتنتهي بقافية تتوحّد في بقية المقاطع التي يشكل كل منها هذه الدفقة الشعورية.
هذا إلى جانب التكثيف الشديد في بعض التجارب التي تشكل ما يسمى بشعر اللقطة القائم على المُفارقة.
*هذه التجربة الثرية، وهذا العطاء الكبير الذي وصل إلى أحد عشر ديواناً .. هل تعتقد أنه لاقى المُلاحقة النقدية التي يستحقها؟
-الحقيقة أن غيابي عن مصر فترة طويلة جعلني بعيداً عن دائرة النقد، ولكنني بعد عودتي إلى مصر ـ ويبدو أن البعيد عن العين بعيد عن النقد ـ قد لاقيت عناية خاصة من النقاد بأعمالي الشعرية تبلورت في عدد من المداخلات النقدية الهامة بالإذاعة والصحف لنقاد مرموقين من أمثال الدكاترة صلاح فضل وأحمد درويش ورمضان بسطويسي وحسن فتح الباب، وصلاح رزق، وحسين علي محمد، ووليد منير، ومحمد عبد المطلب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، ومصطفى الضبع … وغيرهم.
كما أن أكثر من رسالة جامعية تعرّضت لأعمالي الشعرية، وآخرها رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم للدكتور قطب عبد العزيز، هذا إلى جانب رسالتين للماجستير إحداهما بكلية اللغة العربية ـ جامعة الأزهر، فرع دمنهور، والأخرى بآداب بنها، تم تسجيلهما حول تجربتي الإبداعية، ودراستها فنيا.
كما أسعدني أخيراً أن تخصص لي مجلة «الثقافة الجديدة» ملفا خاصا تناول فيه تجربتي الإبداعية بالدراسة والنقد أكثر من ستة باحثين ونقاد، والشكر لله على كل حال.
*ورد في حديثك عن مجمل أعمالك الشعرية أن لك ثلاثة دواوين للصغار .. فما مدخلك إلى أدب الطفل؟
-أحاول في شعري الموجّه للصغار أن أحببهم إلى هذا الفن الجميل، ومن ثم فقصائدي للصغار ليست مجرد أناشيد، وإنما هي قصائد حقيقية تتواءم مع مدارك الطفل الذي أتوجّه إليه بالخطاب، مع الحرص على توفر كل القيم الفنية التي يتطلبها الشعر الحقيقي من معجم شعري موحٍ، وتشكيل بالصورة، واعتماد على الرمز، مع بناء موسيقي رفاف يتعانق مع التجربة، مع تجنب الوعظ والإرشاد وإزجاء النصيحة.
*حصلت منذ سنوات على جائزة الدولة في الشعر، (وكان ذلك عام 1994م)، فما الجوائز الأخرى التي حصلت عليها؟
-حصلت على الجائزة الأولى في الشعر عام 1960م من مهرجان دمشق بقصيدتي «الأطفال والذرة»، كما حصلت في العام التالي (1961م) على الجائزة نفسها من مهرجان دمشق أيضاً عن قصيدتي «قصة لاجئ». كما حصلت على جائزة الشعر الأولى من رابطة الأدب الحديث عام 1962م عن قصيدتي «ولدي علاء»، كما حصلتُ على شهادة امتياز من جمعية كفافيس العالمية على دوري الريادي في الشعر.
*يُقال إن لك موقفاً ضد قصيدة النثر .. فما قولك في ذلك؟
-أولاً: أنا لستُ ضد قصيدة النثر بشكل مطلق، وإنما أنا ضد قصيدة النثر التي يكتبها أدعياء وعاجزون لا يستطيع الواحد منهم أن يكتب سطراً واحداً موزونا .. وأنا لا أرفض قصيدة النثر لمجرد خلوها من الوزن، فليس بالوزن وحده يتحقق الشعر. فإذا ما توافرت في القصيدة الشروط الفنية التي تجعل منها شعراً حقيقيا فسوف أقبل عليها حتى لو خلت من الإيقاع الخارجي؛ فالقصيدة لها إيقاعها الداخلي الذي به وحده يتحقق الشعر.
كيف أرفض قصيدة نثر جيدة يكتبها شعراء حقيقيون أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس ومحمد صالح … وغيرهم.
وأنا لي شخصيا قصيدة نثر يتيمة أشار إليها الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه الذي تناول فيه هذا الإبداع بعنوان «النص المُشكل» .. وأكرر إنه اتهام باطل من أساسه، فالقصيدة الجيدة تستأثر بمشاعري سواء أكانت موزونة أم غير موزونة، المهم أن تتحقق فيها العناصر الفنية التي تجعل منها فنا شعريا حقيقيا؛ فالوزن وحده لا يُحقق الشعر وإلا لكانت ألفية ابن مالك شعراً.
*ما رأيك فيمن يقولون إن الشعر لم يعد فن العربية الأول، وأنه قد تخلى عن عرشه الذي طالما احتله للرواية؟ فهل حقا نحن في عصر الرواية؟ وهل يغلب عليك التشاؤم حول مستقبل الشعر؟
-الشعر بخير، ولا يعيش مأساة كما يتصوّر البعض، وما يتصوره البعض انزواء، أراه أنا دليل صحة. الشعر يعيش انتعاشة غير مسبوقة، وكثافة نوعية. وسيظل الشعر ديوان العرب .. ربما يكون الزعم بأننا نعيش عصر الرواية يكمن وراءه أن كثيراً مما يُنشر من الشعر لا يجد المتلقي ذاته فيه، ربما بسبب الغموض المفتعل في بعض النماذج في الوقت الذي مازالت تحرص فيه الرواية على أن تكون مرآة لمجتمعها، أو أن المعطيات والمستجدات الاجتماعية تفرض روحها بقوة على الروائي، كما أن الرواية غنية بالتفصيلات الإنسانية والاجتماعية فتعبر عن ذوات متعددة لا ذات واحدة كما هو الحال في القصيدة، فالمتلقي يجد نفسه دائماً في الرواية على أية صورة من الصور، وربما رأى بعض المتلقين في غموض القصيدة ما يعني أنها أدارت له ظهرها، فكان أن أدار لها ظهره .. ومع كل ذلك أُكرر أن الشعر بخير.
*عشتَ فترةً طويلة في دولة الإمارات العربية، فما تأثير هذه الإقامة الطويلة في تجربتك الإبداعية؟
-اعتز اعتزازاً خاصا بهذه الفترة العزيزة من حياتي التي قضيتها في دولة الإمارات، وكان حصيلتها مجموعة من الأصدقاء الأعزاء من أدباء الإمارات وكتابها الذين مازالت تربط بيني وبينهم أواصر عميقة من الصداقة الحقة، كما أن هذه الإقامة الطويلة قد تركت بصماتها على تجربتي الإبداعية، ومن يقرأ ديواني «بيني وبين البحر» و «هكذا غنى السندباد» سيجد أصداء كثيرة لما ترسّب في نفسي من رؤى وتجارب عزيزة على نفسي بحكم هذه الإقامة التي امتدت إلى ما يقرب من ربع قرن.
إن الحياة في الإمارات بطبيعتها ومناخها الخاص وحياة الناس فيها قد شكّلت ملامح أساسية في هذه التجربة، بل أستطيع القول: إن بعض قصائدي في هذين الديوانين اللذين أشرت إليهما تعتبر تسجيلاً لتجارب ذاتية عشتها في هذه الدولة العزيزة على نفسي، بحيث أعتبر هذه القصائد جزءاً من سيرتي الذاتية.
ــــــــــــــــــ
(من كتاب "الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عواد يوسف، للدكتورين حسين علي محمد، وخليل أبو ذياب)

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:13 AM
إذا قامت فلسطين الدولة

بقلم : أمين هويدي
........................

يشير تطور الأحداث علي المستويين الاقليمي والعالمي الي أن الدولة الفلسطينية سوف تخرج الي عالم الوجود قبل نهاية عام‏2008‏ مالم تلعب الأيادي الخفية لتحول دون ذلك‏.‏
هذا الحدث ـ إن تم ـ سوف يتحقق باتفاقيات تعبر عن توازن قوي الأطراف الموقعين عليه وليس عن توازن مصالحهم‏,‏ وتعبر في نفس الوقت عن الأمر الواقع الجغرافي أكثر مما تعبر عن الحقوق التاريخية‏..‏ تحقق الأغراض الناقصة للأطراف وتترك استكمالها للمستقبل في عبارات غامضة لأن الغموض هو الذي يفتح المجال لمزيد من الحوار‏...‏ إذن هو سلام واقعي‏Real‏ وليس سلاما كاملا‏Perfect,‏ يزيل كل التناقضات لأن هذا مجرد وهم‏..‏
ومن الطبيعي أن يوافق البعض علي الاتفاقيات التي تضع فلسطين مرة أخري علي الخريطة‏,‏ ومن الطبيعي أيضا أن يعترض البعض الآخر ـ وفي تقديري أنه يمكن التجاوز عن ذلك ـ لأن الدول لاتبني بوعود أو ضمانات أو اتفاقيات‏,‏ ولكنها تبني بحكم قادتها وسواعد أبنائها‏.‏
تيودور هرتزل لم يعجبه وعد بلفور في بداية الأمر ـ كما ورد في مذكراته ـ فقد تحدث عن وطن قومي ولم يتحدث عن دولة يهودية في فلسطين ولكن المولود كبر وأصبح دولة في المنطقة التي أخترناها وهذا قول واقعي فقد تمكنوا من تحويل ماكتب علي ورق الي واقع علي الأرض‏..‏
والحدث إن تحقق حدث مهم يعتبر نقطة تحول خطيرة في المنطقة يضع الجميع أمام مسئوليات خطيرة ـ وبهذه المناسبة أذكر أنه بعد اتفاقية إيفيان التي اعترفت باستقلال الجزائر أن الأخ كريم بلقاسم عضو مجلس الثورة الجزائري مر علي منزلي وهو في طريقه للعودة الي الجزائر وعلي مائدة عشاء سريع قال لي بلهجته البربرية المحببة سي أمين‏.‏ لقد انتقلنا من الجهاد الأصغر الي الجهاد الأكبر ولم أكن أعلم وهو يفارقني ولا هو ايضا أن هذا اللقاء هو آخر لقاء يتم بيننا لأنه قتل بعد ذلك بفترة وجيزة في أوروبا في الصراع الخشن علي السلطة بين الزملاء الذين وحدهم الصراع ضد المستعمر وفرقهم الصراع عليها بعد ذلك ولم يكن كريم هو آخر ضحايا هذا الصراع‏...‏
وفي ظني أن أهم وأخطر قضية تفرض نفسها علي الأخوة وهم يبدأون أول خطوة في طريق الجهاد الأكبر هو موضوع وحدة القيادة السياسية حتي تتحرك الأمور برأس واحد وهذا أمر صعب في عالمنا العربي‏,‏ حيث نجد دولة مثل لبنان سارت بلا رأس لعدة شهور بالرغم مما في ذلك من أخطار علي الأمن القومي للبلاد‏,‏ نجد في نفس الوقت في فلسطين و هي دولة تحت الإنشاء رءوسا كثيرة تتحرك دون دولة يصعب اللقاء بينها ويصعب اتفاقها علي كيفية حراسة بوابات العبور لتمر منها عربات السولار والغذاء والماء والدواء‏...‏
وهنا يتساءل المرء كيف يكون عليه الوضع لو استمر هذا الحال الذي تتصارع فيه الرءوس بلا دولة لينتقل الي صراع نفس الرءوس وقد أصبح لها دولة؟‏!!‏ الأمر يحتاج الي وحدة القوي لأن الطريق شائك وصعب أوهكذا أظن‏.‏
مرت اسرائيل قبل إعلان الدولة بمراحل تعددت فيها عصابات الإرهاب مثل إلهاجاناة‏,‏ شتيرن زفاي ليومي‏,‏ الأرجون إلا أنها تحولت الي احزاب سياسية تحت زعامة أحد الإرهابيين وهو دافيد بن جوريون وأنتخبته كرئيس للوزراء ووزير للدفاع إلا أن عقبة كبري كانت تعترض الطريق وهي تعدد الأذرع العسكرية للعصابات الإرهابية والدولة لابد أن يكون لها جيش واحد بقيادة عسكرية واحدة تعمل تحت قيادة سياسية واحدة الأمر الذي جعل بن جوريون يدعو الي مؤتمر في أبريل‏1948‏ إتفق فيه علي أن تحل العصابات نفسها وتحريم قيام الجيوش الخاصة لتتبع الحكومة الأسرائيلية
إلا أن عصابة الأرجون بقيادة مناحم بيجين عادت وانسحبت من الأتفاق بل وبالرغم من أن بن جوريون كان قد أصدر أمرا بصفته وزيرا للدفاع بأن تلغي أي اتفاقات تسليح تكون العصابات قد عقدتها قام مناحم بيجين بإصدار أوامر الي عصابته بتفريغ شحنة مهمات وأسلحة من علي سطح الباخرة ألتالينا ـ‏Altalina‏ الي البر لحساب عصابة الأرجون رافضا كل محاولات الوصول الي أتفاق فأصر بن جوريون علي موقفه حتي لو أدي الأمر الي قيام حرب أهلية وأمر ايجال آلون قائد البالماخ وقتئذ بأن يغرق الباخرة بالمدفعية ونفذ آلون الأمر في نفس الليلة فانفجرت السفينة بما عليها من ذخيرة وأسلحة وقتل في هذه العملية مائة اسرائيلي وأودع مئات من الأرجون في السجون كل ذلك حدث في سبيل توحيد الجهود لتسيير المركب تحت قيادة ربان واحد وإلا غرقت بمن عليها‏.
أقرأ من صفحات التاريخ بصوت عال حتي يسمعني الأخوة وهم يتهيأون لخوض بحار الجهاد الأكبر المتلاطمة ويعملوا علي تنفيذ الدروس والنقاط والعبر من الآن كأساس لترتيب البيت وتنظيم أجهزته والتفكير في اليوم التالي‏..‏ أعني اليوم الذي يلي توقيع الاتفاقيات لتصبح فلسطين دولة واختم بعدة نصائح صادرة من قلب شيخ عاش القضية وسار في بعض دروبها‏.‏
*‏ العمل في نطاق دولة يختلف تماما عن العمل في إطار منظمة أو جماعة لأن العمل فوق سطح الأرض يختلف عن العمل تحت سطح الأرض‏.‏
‏*‏ ميزوا بين الأعداء والأصدقاء ووحدوا نظرتكم للعداوة والصداقة فصديق البعض صديق الكل وعدو البعض عدو الكل‏.‏
‏*‏ فكروا بعقولكم كجبهة واحدة وابنوا بسواعدكم كآلة واحدة والتاريخ أمامكم فخذوا منه الدروس حتي تتجنبوا تكرار الخوض في أحداثها فهذا يوفر كثيرا من الجهد والدم والدموع فالأشلاء والجماجم التي ملأت طريق المقاومة فيها الكفاية‏.‏
‏*‏ الدولة لها رأس واحد يتمثل في القيادة السياسية ولها عين واحدة تتمثل في القيادة العسكرية التي تعمل تحت القيادة السياسية لها علم واحد ونشيد واحد تحت شعار إن عشنا فلنعش للوطن وإن متنا فلنمت تحت العلم‏..‏
..................................
*الأهرام ـ في 29/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:14 AM
عاصـــــــــــفة عـلي تركيـــــــــــــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
..................

لا تكف تركيا عن ادهاشنا حتي في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ‏,‏ حتي جعلت المحكمة الدستورية تنظر الان في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شئونها‏!‏
‏(1)‏
هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز‏,‏ الامر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الاسبق الي القول بانك في تركيا لا تستطيع ان تعرف ماذا سيحدث خلال الاربع والعشرين ساعة التالية‏.‏ لذلك فلا غرابة في ان تكون احدي اهم مشكلات الصحفيين هناك انهم يجدون انفسهم مضطرين للركض و اللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الاحداث التي لا تستكين‏.‏
احدث حلقات ذلك المسلسل وقعت امس‏((‏ الاثنين‏)‏ حين بدات المحكمة الدستورية في نظر دعوي المطالبة باغلاق الحزب الحاكم و حرمان قياداته من العمل السياسي‏,‏ في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخب و رئيس الوزراء‏.‏ و في الوقت ذاته يجري الاعداد لمحاكمة‏88‏ شخصا آخرين يشتبه في انتسابهم الي اخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر‏,‏ بتهمة الاعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم‏.
المشهد من الخارج يبدو صراعا بين حزب العدالة و التنمية الذي يلاحق قادته و اعضاؤه بتهمة خلفيتهم الاسلامية‏,‏ و بين قوي التطرف العلماني‏.‏ لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عاما‏,‏و بين المجتمع الذي اعرض عنها و صوتت اغلبيته للطرف الذي اقتنعت بانه الاصدق في التعبير عنه‏.‏ الباحث التركي البروفيسور محمد التان وصف ما تشهده البلاد الآن بانه انتقال في الجمهورية التركية الاولي الي الجمهورية الثانية‏.‏
الاولي هي دولة‏'‏ الاتحاد و الترقي‏',‏ و تلك المنظمة السرية التي اطاحت بنظام السلطان عبد الحميد الثاني‏,‏ بواسطة المؤامرات السرية‏,‏ ثم حكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين الي قيام الجمهورية‏.‏ ويعتقد الاستاذ التان و معه عدد من المثقفين الديمقراطيين ان جمعية الاتحاد و الترقي تناسلت و استمرت منذ حكم اتاتورك و حلفائه الي يومنا هذا‏.‏ و هي تقوم علي عقيدة نخبوية تزدري الشعب و تعادي الدين‏,‏ و تحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية‏.‏ و لاجل الحفاظ علي امتيازات حكمها‏,‏ فانها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة و غير المشروعة‏.‏ اما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة‏,‏ و تتصالح مع الدين و لا تعاديه‏.‏
‏(2)‏
في شهر مارس الماضي قدم المدعي العام التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبا الي المحكمة الدستورية العليا دعا فيه الي حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم‏,‏ و منع‏71‏ شخصا من قياداته واعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة‏5‏ سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني و محاولة قلبه‏.‏ قدم الرجل‏17‏ ملفا الي المحكمة حفلت بالادلة و القرائن التي استند اليها في دعواه‏.‏ وكان منها اخبار نشرتها الصحف تحدثت عما يلي‏:‏ اتجاه الحكومة الي تجميع الحانات التي تبيع الخمور في اماكن معينة بالمدن‏-‏ منع بلدية استنبول اعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة‏-‏
تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الائمة و الخطباء في استنبول‏_‏ تصريحات اردوغان‏(‏ رئيس الوزراء‏)‏ بعد قرار المحكمة الاوروبية بشان حظر الحجاب‏,‏ التي قال فيها ان موضوع الحجاب يجب ان يسال فيه العلماء‏-‏ اتهام رئيس بلدية من اعضاء الحزب الحاكم بانه روي ذات مرة طرفة‏(‏ نكتة‏)‏ عن اتاتورك ـ قول رئيس البرلمان السابق بولنت ارينج بانه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبق في تركيا‏.
رغم ان هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت علي اخبار نشرتها الصحف التي هي احدي ادوات الصراع‏,‏ الا ان المدعي العام استند اليها في اتهام الحزب الحاكم بانه يسعي الي تقويض النظام العلماني و يعمل بصورة خفية علي اقامة دولة اسلامية‏!‏
المحكمة الدستورية قبلت باجماع اعضائها الاحد عشر النظر في دعوي الحظر‏,‏ حيث لم تكن هذه هي المرة الاولي التي تبحث فيها قضية من هذا النوع‏.‏ اذ منذ تاسيسها في عام‏1963‏ قامت بحظر‏24‏ حزبا‏,‏ كانت الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او الكردية في المقدمة منها‏.‏ اذ في عام‏1970‏ قضت بحل حزب‏'‏ النظام العام‏'‏ الذي اسسه نجم الدين اربكان‏,‏ و في عام‏1988‏ حلت حزبا آخر اسسه اربكان باسم‏'‏ الرفاه‏'.‏ و في عام‏2001‏ قضت بحل حزب ثالث اسسه باسم‏'‏ الفضيلة‏'.‏ و معروف ان الجيش كان قد قام عام‏1980‏ بانقلاب ادي الي حظر آخر لاربكان باسم حزب‏'‏ الخلاص‏'.‏
اغلب الظن ان المدعي العام حين قدم طلبه الي المحكمة الدستورية كان مطمئنا الي ان اعضاءها يقفون في صفه‏.‏ فاعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر‏,‏ و هو بدوره علماني متطرف و كان من اعداء حزب العدالة و التنمية‏.‏ علما بان بعض اعضاء تلك المحكمة ينتمون الي الطائفة العلوية المعادية تاريخيا لاي اجراء له صلة بالانتماء الاسلامي‏.‏ و جدير بالذكر في هذا الصدد ان اثنين من الشخصيات العلوية توليا حقيبة وزارة العدل في السابق‏,‏ هما محمد موغو لتاي و حكمت سامي ترك‏.‏ و اثناء وجودهما علي راس الوزارة انخرط في سلك القضاء عدد غير قليل من العلويين‏,‏ تدرج بعضهم في سلك الوظيفة حتي وصلوا الي المحكمة الدستورية العليا‏.
‏(3)‏
امس بدات المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية‏,‏ و يفترض ان تصدر قرارها بشانه قبل ان ينتهي شهر اغسطس‏.‏ الا ان تفجير الموضوع كان له تاثيره علي الوضع الاقتصادي منذ الاسابيع الاولي ذلك انه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة و التنمية في السلطة‏,‏ شهدت تركيا استقرارا و نهوضا اقتصاديا غير مسبوق‏.‏ ففي حين كان معدل الاستثمار الاجنبي قبل وصول الحزب الي السلطة اقل من مليار دولار سنويا‏,‏ فاذا بهذا الرقم يتضاعف و يصل الي‏22‏ مليار دولار في عام‏.2007‏ و حين اعلن عن رفع قضية اغلاق الحزب اهتزت الاسواق بسرعة‏,‏ فانهارت البورصة بنسبة‏7%,‏ و هي اعلي نسبة للهبوط منذ سبع سنوات‏,‏ و ارتفعت نسبة الفائدة و زادت نسبة التضخم‏.‏
و خلال اسبوعين فقط من رفع الدعوي هربت الي الخارج رؤوس اموال قدرت بـ‏15‏ مليار دولار‏.‏ و ازاء ذلك لم يكن غريبا ان تسوء سمعة تركيا الاقتصادية‏,‏ حتي ان مؤسسة‏'‏ ستاندارد آند بورز‏'‏ العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي‏,‏ قامت بخفض درجتها من الموجب الي السالب‏,‏ الامر الذي يعني ان الدعوي التي رفعها المدعي العام لم توجه الضربة الي حزب العدالة وحده‏,‏ و انما اصابت بدرجة اكبر الوضع الاقتصادي لتركيا‏.‏
‏(4)‏
الاخطر من قضية حزب العدالة و التنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم‏'‏ ارجنكون‏'‏ و يشار اليها في الادبيات السياسية التركية بانها‏'‏ الحكومة العميقة‏',‏ التي تضم مجموعة من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرفها العلماني و الولاء للتعاليم الاتاتوركية‏,‏ بما تتضمنه من مخاصمة للتعاليم الاسلامية‏.‏ و هي في ذلك تقتفي اثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين‏,‏ علي عكس الانجليزية المتصالحة معه‏.‏
فجر الجمعة‏21‏ مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الارهاب بمداهمة‏22‏ عنوانا مختلفا في استنبول و انقرة‏,‏ و القت القبض علي‏14‏ شخصا بينهم ثلاثة اسماء لامعة من اركان الصف الاول في تيار التطرف العلماني‏.‏ الاول الهان سلجوق رئيس تحرير جريدة‏'‏ جمهوريت‏'‏ التي اسسها اتاتورك و تعد لسان حال الايديولوجيا الكمالية‏,‏ و دوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي‏(‏ الحزب الشيوعي الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته‏)‏ و كمال علعمدار اوغلو‏,‏ الرئيس السابق لجامعة استنبول‏,‏ الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب‏.‏
و من هؤلاء ايضا قائد الجيش الاول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون‏,‏ و قائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر ارويفور‏,‏ الذي يراس‏'‏ جمعية الفكر الكمالي‏'.‏ هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الامنية الجارية منذ شهر يونيو من العام الماضي في قضية شبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ حيث عثرت الشرطة في احد منازل استنبول علي مجموعة من الاسلحة المستخدمة في عمليات ارهابية‏,‏ كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة‏.‏ و تم آنذاك اعتقال‏39‏ شخصا بينهم عدد من ضباط الجيش المتقاعدين والاكاديميين و رجال الاعمال و الصحفيين‏.‏
ذكرت صحيفة‏'‏ صباح‏'‏ ان المداهمات التي تمت في مارس الماضي ادت الي ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب علي الحكومة التركية‏,‏ تضمنت البدء بتقويض ثقة الراي العام في الحزب الحاكم و اثارة الجماهير ضدها‏,‏ قبل الضغط لاسقاطها‏.‏ و نشر الكاتب علي بايرام اوغلو في زاويته بجريدة‏'‏ الفجر الجديد‏'‏ المؤيدة للحكومة‏,‏ نص مقالة لجنرال متقاعد نشرتها صحيفة‏'‏ جمهوريت‏'‏ في الثالث من فبراير الماضي‏(‏ قبل تقديم دعوي حظر الحزب‏),‏ قال فيها ما نصه‏:‏ الاسلام السياسي يحكم تركيا اليوم‏,‏ و لم يبق امامنا سوي ابعاد حزب العدالة و التنمية عن الحكم‏...‏ و الخطوة الاولي في هذه الحملة هي رفع دعوي ضده‏,‏ بعدما اصبح مركزا للممارسات المناهضة للعلمانية امام المحكمة الدستورية‏,‏ من قبل مدعي عام المحكمة العليا‏,‏ وصولا الي حظر نشاطه‏.'‏
تحدثت الصحف التركية عن ان الثلاثة الكبار الذين القي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الامنية منذ يناير الماضي‏,‏ و ان مكالماتهم الهاتفية سجلت‏,‏ مما اعطي للمحققين اشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة‏.‏ كما بينت ان الهان سلجوق رئيس تحرير‏'‏ جمهوريت‏'‏ كان علي معرفة مسبقة بالدعوي التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة و التنمية و فرض الحجر السياسي علي قادته‏.‏
‏(5)‏
حتي اذا تم حظر الحزب‏,‏ فان اعضاءه سيشكلون حزبا آخر‏.‏ و الذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي‏,‏ يمكن ان يرشحوا انفسهم كمستقلين‏,‏ و ستظل اغلبية اعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة‏,‏ الامر الذي يعني ان خسارة الحزب ستكون محدودة‏,‏ بالمقارنة بالخسارة التي يمكن ان تلحق بشبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ التي يتعرض رموزها للمحاكمة في اول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود‏.‏ حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم‏'‏ شبحي‏'‏ تتيقن الطبقة السياسية من وجوده‏,‏ لكن احدا لم يتعرف علي شخوصه‏,‏ الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام‏.‏
انها المعركة الاخيرة و الضربة القاضية لتيار التطرف العلماني‏,‏ الذي مني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب‏,‏ و ظهور قوي ديمقراطية كسرت الوصاية المفروضة‏,‏ و التزمت بالعلمانية التي هي حجر الاساس في النظام الجمهوري التركي‏,‏ و لكن بمفهوم ايجابي يؤمن بالمجتمع و يتصالح مع الدين‏,‏ كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون و تمسكوا بادارة عجلته الي الوراء طوال‏80‏ عاما‏.‏
.................................
*الأهرام ـ في 29/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:14 AM
عبد العظيم المطعني في رحاب الله

بقلم: جمال سلطان
.................

فقدت الأمة أمس عالما جليلا من أخلص رجالها وأكثرهم بلاء في الدفاع عن حرماتها وأيضا أكثرهم تواضعا وتعففا عن الكثير مما يشتهيه آخرون ويلهثون خلفه.
رحل عنا العالم الجليل الدكتور عبد العظيم المطعني ، بقية الخير في علماء الأزهر ، وأستاذ البلاغة ، والعالم الموسوعي ، والكاتب الصحفي أيضا ، الذي بدأ رحلته في الشأن العام بالكتابة الصحفية ، بدءا من الأهرام ومرورا بالنور وآفاق عربية وانتهاء بصحيفة المساء حيث كان يكتب في رمضان من كل عام مقالا يوميا ، كما وهب المكتبة العربية العديد من الكتب التي تمثل مرجعا في بابها مثل كتابه الجامع في دفع الشبهات المثارة حول السنة النبوية ، وكتابه "الإسلام في مواجهة الايديولوجيات المعاصرة" إضافة إلى كتبه عن بلاغة القرآن والمجاز في القرآن.
المطعني من ذلك الجيل الذي كان موسوعيا بمعنى الكلمة في معرفته بتراث الإسلام واللغة والأدب والفقه والتفسير والتاريخ ، ولذلك أتت كتاباته شديدة التنوع ، كما أن خبرته في الكتابة الصحفية والاشتغال بقضايا الشأن العام مبكرا ، جعل له حضورا كبيرا في الفكر الإسلامي المعاصر بذكاء من يعرف خلفيات الصورة والأحداث و"الخنادق" الفكرية ، حيث اشتبك في معارك فكرية كبيرة مع الأفكار "المستوردة" كان فيها قوي الحجة نافذ النظرة ، يعرف خلفيات من ينتقده وتاريخه ومراوغاته.
لم يكن أزهريا تقليديا ، بل كان شديد الانفتاح ، كذلك كان الرجل جريئا في تصديه للأفكار والمشروعات والقوانين التي يرى أنها تمثل خطورة على مستقبل الأمة ، أو أنها تمثل طعنا في ثوابت الدين ، مهما كانت العواقب ، ومهما كان أصحاب المشروع المقدم نفوذا وهيمنة ، وقد تصدى ـ في هذا المجال ـ لقوانين المرأة وقوانين الطفل التي تقدمت بها السيدة سوزان حرم رئيس الجمهورية خلال السنوات الأخيرة ، وفندها بقوة وهاجمها بضراوة في أكثر من صحيفة وأكثر من موقع ، وكان نقده لهذه المشروعات يمثل النقد الأكثر شمولا وأهمية وتأثيرا ، لأنه لا يدخل من الباب الشرعي وحده ، بل يمزجه بخبرة التاريخ وتطورات رحلة التآمر على الأسرة المسلمة من قوى أجنبية عديدة ، ولذلك عاش الرجل ومات وهو بعيد تماما عن أي مغانم سلطوية ، أبعدوه عن أي منصب أو مركز ، رغم أن بعض من تولى المناصب الكبيرة كان لا يرقى لمرتبة تلميذه ، غير أن حضوره وقوت حجته وسلاسة بيانه وبلاغته وجاذبية منطقه جعلته مقصدا للعديد من الصحف والمجلات لاستكتابه في مصر والعالم العربي ، وكذلك لإذاعة القرآن الكريم ، حيث كانت له أحاديث غاية في الروعة واليسر والعمق معا ، وكان الرجل زاهدا في تلكم المناصب بالفعل ، ولم أشعر يوما التقيته فيه أن بداخله غصة من هذا الإبعاد ، كان مشغولا بالانتاج الفكري ، والكتابة ، والعطاء ، والاشتباك مع قضايا الواقع بهمة وحماسة من يرى أنه في ميدان ، وأنه يجاهد بالفعل ، شرفنا بالكتابة في مجلة المنار الجديد في أكثر من مقال ودراسة رصينة ، كما تشرفت بالحوار معه في حلقة أو اثنتين على ما أذكر من برنامج "قضية وكتاب" الذي كنت أقدمه في قناة اقرأ الفضائية قبل حوالي عشر سنوات ، كما تعلمت واستفدت من كتاباته ومقالاته ، وكان الرجل شديد التواضع ، لا يحاول أن يبدو معك كعالم كبير أو شخصية ذات هيبة ، إلا هيبة العلم والفكر و صفاء القلب ، وكان من النوع الذي يخجلك بالفعل في تواضعه ، كما كان هذا التواضع سمته في بيته ومسكنه وفي ملبسه وشأنه كله ، رحمه الله .
.................................
*المصريون ـ في 30/7/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:15 AM
روائي بالبراشوت!

بقلم: محمد جبريل

في زمن تتصور فيه الماعز أن لها صوتاً مطرباً. ولا يحاول من يعاني لحمية الأنف أن يعالج نفسه قبل أن يكتسب صفة المغني. ويتحول البهلوان إلي نجم سينمائي تدين له أدوار البطولة. ويتصدي لقضايا الدنيا والآخرة صاحب المعرفة الدينية التي لا تزيد عن قصار السور..
في هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. والصحيح بالزائف. لا يبدو مستغرباً أن يهبط علينا بالبراشوت من لا نعرفه. فيقدم نفسه باعتباره روائياً يستحق المكانة الأهم بين المبدعين الحقيقيين!
أين كان؟ لا أحد يدري! أما لماذا فاجأنا بظهوره. فالسر كما تري في ظاهرة السداح مداح التي نواجه أسوأ سلبياتها.
طالعتنا المجلة الثقافية العربية بحوار مطول مع هذا "الروائي" وأضع الصفة بين مزدوجتين فزكي نفسه بما يرفضه احتراماً للنفس أديباً في مكانة الشاروني أو بهاء طاهر والشيخ ومطر وشوشة وصنع الله وأبوسنة وفياض وغيرهم من رموزنا المبدعة.
ظني أن "الروائي" هو الذي كتب الأسئلة والأجوبة مع تقديري لمن وضع اسمه في نهاية الحوار فأجري تقييماً للأجيال المختلفة. وأطلق الأحكام الغريبة والمتعسفة. ثم وضع نفسه في موضع الصدارة!
سألت عدداً كبيراً من الأصدقاء إن كانوا يعرفون هذا الروائي المفاجأة. فأجابوا بالنفي. وأنهم لم يقرءوا شيئاً من إبداعات الروائي الهابط بالبراشوت. حتي الصفة الموازية التي قدم بها نفسه. وهي الأستاذية في الجامعة. لم نتعرف إليه فيها. من خلال متابعات للحياة الأكاديمية. ولحياتنا الثقافية والإبداعية بعامة.
إنه روائي مهم من اللحظة التي قرر فيها أن يهب نفسه هذه الصفة. وهي لحظة تجاوز فيها بلا مبرر موضوعي مئات المبدعين الذين يمتلكون الموهبة. ويعانون التعبير والتوصيل.
اختار كاتب الحوار أن يبدأ من حيث انتهي الآخرون. أو من حيث آخر محاولاتهم. ودس نفسه بين مبدعين حقيقيين من حقهم بإبداعات قرأناها لهم أن يطمئنوا إلي مكانتهم في إبداعنا العربي.
ذكرني الحوار الذي اختار صاحبه لنشره مجلة عربية محترمة. بحكاية أشعب والأولاد حين ضايقوه بمعاكساتهم. فحدثهم عن حفل قريب. وبعد أن جري الأولاد ناحية موضع الحفل. قال أشعب لنفسه: ربما هناك حفل بالفعل. ومضي وراء الأولاد!
لكن حياتنا الثقافية المصرية رغم كل سلبياتها تحفل بالمبدعين والنقاد والقراء المتابعين الذين يجيدون التعرف إلي تكوينات الصورة. وما عرفته بإلحاح السؤال أن أديبنا المجهول لا مكان له حتي خارج إطار الصورة.
...............................
*المساء ـ في 9/8/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:16 AM
محمود درويش‏..‏ كان أجملنا‏..‏

بقلم : ‏فاروق جويدة‏

لانستطيع أن نصنف محمود درويش علي أنه شاعر عادي‏,‏ ولا نخضع أشعاره لمقاييس النقد الأدبي‏.‏ فهناك بعض الشعراء الذين اختارتهم الاقدار ليكونوا رموزا وليسوا‏ فقط مجرد شعراء‏.‏
وفي تقديري أن محمود درويش واحد من هؤلاء الشعراء وكان من الممكن أن يكون شاعرا عربيا عاديا‏,‏ لكن محمود درويش هو شاعر القضية الفلسطينية بلا منافس‏.‏
وبقدر ما اشعلت القضية الفلسطينية عقل ووجدان الإنسان العربي طوال نصف قرن من الزمان بقدر ما أخذ درويش مساحة في هذا الوجدان العربي‏.‏
إن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولي‏,‏ ولأن درويش رمز هذه القضية فقد احتل مكانة أكبر بكثير من مجرد أنه شاعر كبير‏,‏ ولهذا حينما يقيم محمود درويش كشاعر في مسيرة الشعر العربي لا يستطيع أحد أن يفصله عن هذه القضية أو يفصل هذه القضية عنه‏.‏
هذه مقدمة لابد منها أما محمود درويش الشاعر فأنا شخصيا أري أنه يمثل موهبة كبيرة بالفعل وأنه اضاف للشعر العربي لونا ومذاقا جديدا‏,‏
وقدم تجربة شعرية متميزة ارتبطت بقضية قريبة جدا إلي قلوب الناس‏,‏ واستطاع أن يعبر عن كل هذا من خلال شعر جميل في لغته وصورته ورشاقة أسلوبه‏.‏
ومحمود درويش في السنوات الأخيرة وبرغم رصيده الشعري الكبير كان يسعي إلي اضافة جانب جديد إلي تجربته الشعرية‏,‏
وهو أنه شاعر إنسان يغني لهموم الإنسان في كل مكان‏,‏ وليس فقط شاعر قضية يمكن أن يختلف الناس عليها أو يتفقون‏.‏
كان شعر درويش في السنوات الأخيرة شعرا ناسفا يمثل مأساة الإنسان في هذا العصر بكل جوانب القبح والقسوة فيه‏.‏
وكنت أتمني لو امتد العمر بمحمود درويش حتي يكمل هذا التحول الخطير والكبير في مسيرته في الشعر‏.‏
وقد عرفت محمود درويش عن قرب والتقينا كثيرا في مناسبات عديدة منذ دعاني الراحل الكبير ياسر عرفات إلي الغداء في مقره في عمان في منتصف الثمانينيات‏,‏ وكنا نقدم يومها مسرحية الوزير العاشق علي مسرح جرش‏,‏
وكنت في صحبة عبدالله غيث‏,‏ وسميحة ايوب‏,‏ ونخبة من نجوم مصر كان في مقدمتهم كرم مطاوع وسعد أردش ومنذ هذا اليوم لم تنقطع صلتي بمحمود درويش‏,‏ وكثيرا ما جمعتنا لقاءات نزار قباني ومحمود درويش وأنا‏.‏
ولا شك أن رحيل محمود درويش خسارة كبيرة للشعر العربي‏,‏ وخسارة أكبر للقضية الفلسطينية‏.‏ ولأصدقاء درويش ومحبيه وما أكثرهم‏!,‏ غياب محمود درويش سوف يترك فراغا رهيبا‏.‏
.................................
*الأهرام ـ في 11/8/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:16 AM
سعد الدين وهبة صاحب سكة السلامة

بقلم: علي محمد الغريب


مؤلف مسرحي متميز وسيناريست قدم للمسرح والسينما عشرات النصوص.
من مواليد 4/2/1925 في قرية دميرة مركز طلخا محافظة الدقهلية وتخرج في كلية الشرطة عام 1949 ، وعمل ضابطاً بالشرطة، ثم تخرج في كلية الآداب قسم فلسفة عام 1956 من جامعة الإسكندرية.
الوظائف والمناصب التي تقلدها:
عمل بالصحافة من عام 1954 حتى عام 1964، وشغل منصب مدير تحرير جريدة الجمهورية من عام 1958 وحتى عام 1964، وعمل كاتباً غير متفرغ بالأهرام منذ عام 1992.
عمل في وزارة الثقافة من عام 1964 وحتى عام 1980، وشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، ورئيس مجلس إدارة دار الكتب العربي للطباعة والنشر، ورئيس مجلس إدارة هيئة الفنون، ووكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية، ووكيل أول وزارة الثقافة الجماهيرية، وسكرتير المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ووكيل أول وزارة الثقافة، ونائبا للوزير من عام 1975 وحتى عام 1980، ورئيس مجلس إدارة صندوق رعاية الأدباء والفنانين.
اُنتخب نقيباً للسينمائيين عام 1979، ثم رئيساً لاتحاد النقابات الفنية، ثم اُنتخب رئيساً لاتحاد كتاب مصر عام 1997، كما اُنتخب عضواً لمجلس الشعب.
اُختير رئيساً لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1985، ورئيساً لمهرجان القاهرة لسينما الأطفال 1990، ورئيساً للاتحاد العام للفنانين العرب.
قام بكتابة السيناريو والحوار والتأليف لعدد من الأفلام السينمائية والأعمال التليفزيونية منها:
زقاق المدق ـ أدهم الشرقاوي ـ الحرام ـ مراتي مدير عام ـ الزوجة رقم 13 ـ أرض النفاق ـ أبي فوق الشجرة ـ أريد حلاً ـ آه يا بلد.
كما قدم للمسرح عدة مسرحيات من أهمها:
المحروسة ـ السبنسة ـ كوبري الناموس ـ سكة السلامة ـ يا سلام سلم وغيرها
الأوسمة التي حصل عليها:
حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة عام 1965، و وسام الشرف الفرنسي من درجة ضابط عام 1976، و وسام سيمون بوليفار من حكومة فنزويلا عام 1979، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1985، وجائزة الدولة التقديرية عام 1987، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1988، ووسام الفنون والآداب بدرجة قائد من الحكومة الفرنسية، ووسام الاستحقاق من تونس عام 1991.
توفي في الحادي عشر من نوفمبر 1997.
....................
*عن موقع: مسرح أون لاين ـ 27/01/2008م.

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 03:17 AM
الشاعر الكبير‏..‏ والشاعر الحقيقي

بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي

كنت أفضل أن أنتظر بعض الوقت لأكتب عن محمود درويش بعد أن تكون صدمة الرحيل المفاجئ قد خفت والشعور الثقيل بالفقد قد انقشع قليلا‏,‏ ليفتح المجال أمامنا للحديث عن الشعر الذي لابد أن يبقي بعد رحيل الشاعر‏,‏ لكني لم أجد الانتظار لائقا‏,‏ فمحمود درويش لم يكن مجرد شاعر أقرأه في دواوينه‏,‏ وإنما كان أيضا صديقا عزيزا ربطتني به حياة عريضة عشناها بأحداثها الكبري وتفاصيلها الصغيرة بين القاهرة‏,‏ وبيروت‏,‏ وباريس التي طالت إقامتنا فيها‏.‏
واذا كنت قد عرفت محمود درويش كإنسان عن قرب فقد عرفته أيضا عن قرب كشاعر‏,‏ لقد ظهرت في الخمسينيات‏,‏ كما يعرف الجميع‏,‏ من القرن الماضي قبل أن يظهر هو ببضع سنوات فمن الطبيعي أن يصل اليه شعري قبل أن يصل الي شعره‏,‏ خاصة وأنا أنتمي لجيل متمرد خرج في مصر والعراق ولبنان علي تقاليد الشعر الموروثة‏,‏ وأنشأ في الشعر العربي حركة جديدة تبنتها الأجيال التالية واعتنقت مبادئها وتابعت روادها‏.‏ حتي اذا ظهر هو في الستينيات مع غيره من أبناء جيله في مختلف الأقطار العربية ومع الشعراء الفلسطينيين الذين قدمهم لنا الشاعر يوسف الخطيب في مختاراته شعراء الأرض المحتلة قرأناه كما قرأنا سميح القاسم‏,‏ وتوفيق زياد‏,‏ وسالم جبران‏.‏ وكما قرأنا أمل دنقل‏,‏ وممدوح عدوان‏,‏ ومحمد علي شمس الدين‏,‏ وعبدالعزيز المقالح‏,‏ وسواهم‏.‏
كان ظهور هؤلاء الشعراء تصديقا لرهاناتنا الفنية من جانب‏,‏ فحركة التجديد التي شن عليها الشعراء والنقاد المحافظون حربا متصلة أصبحت هي مستقبل الشعر ولم تعد محصورة في روادها وإنما تجاوزتهم لتتحقق في الأجيال التالية التي انضمت لها وأضافت اليها‏.‏ وكان ظهور الفلسطينيين بالذات من جانب آخر تحقيقا لأملنا في أن يبقي في فلسطين المحتلة ما يذكر العالم بعروبتها‏,‏ ويشهد بحق الفلسطينيين في استرداد ما فقدوه‏,‏ الشعر هنا لم يكن مجرد جمال فني أو كمال روحي‏,‏ وإنما كان شهادة للتاريخ‏,‏ وبرهانا ساطعا علي وجود لا يموت ولايزول‏,‏ وعندما ظهرت قصيدة محمود درويش الشهيرة سجل أنا عربي هلل لها الناس واحتفوا بها‏,‏ رغم لغتها البسيطة ولهجتها المباشرة لأنها قالت في الوقت الذي ظهرت فيه ما كنا في حاجة لأن نقوله‏.‏
هذه الوظيفة الحيوية للشعر تمثلها محمود درويش كما تمثلناها‏.‏ وكانت واضحة له كما كانت واضحة لنا‏,‏ فعندما قرر أن يرحل عن الأرض المحتلة ويقيم في الخارج اختار القاهرة‏,‏ لأنها كانت في ذلك الوقت ـ أوائل سبعينيات القرن الماضي ـ هي المكان الذي يستطيع فيه الحالمون بالثورة أن يجدوا أنفسهم وأن يجدوا من يحتضنونهم‏.‏
بعد ذلك بسنوات قليلة قررت أن أترك القاهرة لأقيم في باريس‏,‏ وقرر محمود درويش أن يترك تونس بعد أن ترك القاهرة وبيروت ليقيم في باريس التي استضافتنا معا بضع سنوات‏.‏
ثم كان لقاؤنا الأخير في الملتقي الأول للشعر العربي الذي عقده المجلس الأعلي للثقافة في العام الماضي‏,‏ وبين الستينيات الأولي التي ظهر فيها محمود درويش والسنوات الأخيرة التي سبقت رحيله أصبح محمود درويش ملء السمع والبصر‏,‏ لقد أخلص للشعر أكثر مما أخلص لحياته ذاتها‏,‏ ودخل فيه أطوارا عدة أوصلته في هذا الفن لاكتشافات لم يوفق لها إلا القليلون‏.‏
‏***‏
نستطيع إذن أن نقول مع القائلين إن محمود درويش شاعر كبير لكني أفضل أن أقول عنه وعن أي شاعر مثله إنه شاعر حقيقي‏.‏ أولا لأن الصفة الأولي ابتذلت جدا وأصبحت تطلق علي واحد يستحق ومائة لا يستحقون‏,‏ ثم لأن الاستعمال المجاني لهذه الصفة جعل المقصود بها غائما غير واضح‏,‏ فهي مجاملة أكثر منها إقرارا بحق‏.‏
وربما اختلطت فيها الاعتبارات الفنية باعتبارات أخري سياسة أو اجتماعية‏,‏ علي حين ينصرف الكلام عن الشاعر الحقيقي للشعر وحده‏,‏ وحين ينصرف الكلام للشعر نبحث عن وجه الحق فيه بصرف النظر عن شهرة صاحبه أو عدم شهرته‏,‏ عن مواقفه السياسية التي نتفق معها أو نختلف‏,‏ وعن المكان الذي يحتله الشاعر في المجتمع‏,‏ والعمل الذي يمارسه في الحياة‏,‏ والعلاقة التي تربطه بنا‏.‏
هكذا يكون البحث عن الشعر الحقيقي طريقا الي النقد الحقيقي الذي ينقلنا من الاستجابات العاطفية الساذجة التي يندفع لها البعض ويستغلها البعض الآخر الي معرفة واثقة تساعدنا علي أن نقرأ الشعر قراءة صحيحة نتذوقه فيها ونفهمه‏,‏ ونميز بين مواطن القوة فيه ومواطن الضعف‏,‏ ونكشف عن مفردات تأليفه وتشكيله‏,‏ ونتمثل الدور الذي لعبته الذكري فيه والحلم‏,‏ وما أدركه الشاعر بحواسه وما أدركه بحدسه وخياله‏.‏
ولقد قرأت فيما قيل عن محمود درويش بمناسبة رحيله مبالغات ترفع في الظاهر من قدره وتحط من قدر الشعر‏,‏ حين يتحدث بعضهم عما تفرد به محمود درويش ويبالغ في ذلك الي الحد الذي يبدو فيه وكأن محمود درويش لا يدين لشاعر ممن سبقوه بشيء‏,‏ وكأنه لم يكتب قصيدة ضعيفة‏,‏ وكأنه لم يترك لغيره من الشعراء الأحياء فضيلة من الفضائل التي اجتمعت له وحده ولم يفز واحد منهم بواحدة منها ـ حين نقرأ هذه المبالغات نقول اذن فقد مات الشعر بموته ورحل برحيله‏.‏ حين نقرأ هذه المبالغات التي تنفي الشعر لترفع من قدر الشاعر‏,‏ نخرج منها وقد فقدنا الإيمان بالشعر والشاعر والنقد والناقد‏.‏
ولا شك أن محمود درويش يتفرد بلهجة شعرية وصل اليها بعد عمل متواصل وقدمها كتجربة لم يزعم لها الكمال‏,‏ بل كان جديرا أن يعيد النظر فيها لو امتد به العمر‏,‏ ففيها أكتشافات حقيقية‏,‏ وفيها تجارب واختبارات‏.‏
إلا أن ما يشترك فيه محمود درويش مع غيره من الشعراء أكثر بكثير مما يمتاز به دونهم‏,‏ فضلا عن أن امتيازه ليس نابعا من ذات مغلقة علي نفسها‏,‏ وإنما هو نابع من امتياز اللغة التي كتب بها‏,‏ وناتج عن اتصاله بغيره وحواره مع الشعراء الآخرين‏.‏
غير أن معالجة هذه المسائل في الشعر تحتاج لثقافة وذوق وخبرة لم تعد للأسف متاحة للكثيرين الذين يهرفون الآن في الشعر بما لا يعرفون‏,‏ ويبالغون حتي نصدقهم‏,‏ ويقيسون الشاعر بحجمه لا بقيمته‏,‏ ويحلفون حتي لا نطالبهم بشرح أو تفسير‏.!‏
...................................
*الأهرام ـ في 13/8/2008م.

ماجد الملاذي
12-09-2008, 02:01 PM
د. حسين علي محمد
بعد التحية
بدأت قراءة نصوصك المختارة حتى وصلت إلى (جملة القول) في الفصل الأول :
وجملة القول فيه أنه النظام الذي يحقق الوحدة الإنسانية، فلا يعترف بالعصبية ولا بالجنسية ولا بالوطنية، وإنما يجعل الأخوة في الإيمان، والتفاضل بالإحسان، والتعاون على البر والتقوى. فإذا تصوّرتم هذا النظام، فقد تصورتم الإسلام. وإذا أخذتم به فقد اطمأن العالم المضطرب، واستقر السلام المزعزع. ولا يعنينا بعد ذلك أن تُطلقوا عليه لفظاً يونانياً أو لاتينيا ما دمتم تسلمون وجوهكم إلى الله، ولا تُسلمون قيادكم لمحمد!
فلم أكمل وتوقفت عن القراءة .
لقد فهمت القصد ، و لا أظنّ أن هناك من داع لأن أقرأ المزيد .

د. حسين علي محمد
12-09-2008, 09:36 PM
شُكراً للأديب الأستاذ
ماجد الملاذي
على التعليق والمُشاركة،
مع تحياتي

د. حسين علي محمد
07-12-2008, 11:44 AM
حجازي والقصيدة الخرساء

بقلم : فاروق شوشة

أخيرا أطلق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي قنبلته الأدبية المدوية لهذا الموسم‏,‏ المتمثلة في كتابه الجديد قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء الصادر ضمن مطبوعات مجلة دبي الثقافية عدد نوفمبر‏2008,‏ والشاعر الكبير يهدي كتابه إلي شعراء الأجيال القادمة علي اختلاف اجتهاداتهم ومراميهم‏,‏ بادئا بإعلان موقفه الواضح في أنه لا يعترض علي ما يكتب تحت هذا الاسم قصيدة النثر‏,‏ فالكتابة حق مكفول للجميع‏,‏ ولمن شاء أن يجرب ما شاء من صورها‏,‏ وأن يبحث عن الشعر في أي شكل‏,‏ وأن يخلط الشعر بالنثر والنثر بالشعر إذا أراد‏,‏ شريطة أن يتحلي بشيء من التواضع وسعة الصدر‏,‏ فيسلم بأن لنا حقا كحقه في أن نقرأ ما كتب‏,‏ وأن نناقشه فيه فنقبل منه ما نقبل ونرفض مانرفض‏.‏
الكتاب يضم عددا من المقالات والدراسات والمداخلات نشرها شاعرنا الكبير من قبل‏,‏ وعندما جمعها بين دفتي أدي هذا إلي اكتمال الفكرة ووضوح الموقف‏,‏ وبيان التهافت لدي من حاولوا أن يصرفوه عن رأيه المتمثل جوهريا في أن القصيدة تفقد وجودها عندما تتخلي عن الوزن أو الموسيقي الشعرية‏,‏ وأن الذين يدعون أن قصيدة النثر تقوم علي إيقاع جديد يعجزون عن شرح هذا الايقاع أو توضيح ماذا يقصد به‏,‏ الأمر الذي أدي إلي أن يكون أحد عناوين الكتاب‏:‏ قد أفسد القول وهي عبارة تكملتها‏:‏ حتي أحمد الصمم‏,‏ ثم يقول ان قصيدة النثر لم تستطع بعد مرور أكثر من قرن علي ظهورها أن تقنعنا بأنها قصيدة‏,‏ أو بأنها شعر بالمعني الاصطلاحي للكلام‏,‏ أو بأنها شعر آخر يكافئ الشعر كما نعرفه أو يساويه‏.‏
ومن أخطر ما يراه البعض أن الوزن في الشعر حلية أو قيمة شكلية تضاف إلي الكلام فتزيده جمالا في نظر بعضهم‏,‏ أو تقيده وتضغط عليه وتكبح جماحه‏,‏ وتنال من حريته وقدرته علي التعبير في نظر بعضهم الآخر‏,‏ وهي نظرة قاصرة بعيدة كل البعد عن الصواب‏,‏ فالشعر ليس مجرد معني يمكن ان يستقل بنفسه‏,‏ والمعني في الشعر لا يتحقق بدلالة الألفاظ وحدها‏,‏ بل يتحقق بدلالات الألفاظ وأصواتها في وقت واحد‏,‏ وشاعرنا الكبير يؤسفه أن يجد نفسه مضطرا إلي الدفاع عن البديهيات ومنها حاجة الشعر إلي الوزن‏,‏ في لغتنا وفي كل اللغات‏,‏ فالوظيفة الحيوية التي يؤديها الوزن في الشعر ليست في حاجة إلي بيان أو توضيح‏,‏ قصيدة النثر إذن ثمرة من ثمار الصمت الذي أصبنا به‏,‏ فنحن خرس لا نقول ولا ننشد‏,‏ ثم هو يؤكد في موضع آخر من كتابه‏:‏ الموسيقي في الشعر شرط من شروطه‏,‏ كما أن السرد في القصة شرط من شروطها‏,‏ فلا قصة بلا حكاية ولا شعر بلا موسيقي‏.‏
ولأن القضايا الأدبية ـ في رأي حجازي ـ لا تسقط بالتقادم‏,‏ فلابد من طرحها مرة بعد مرة‏,‏ وجلاء وجه الحقيقة في خضم حياة أدبية وثقافية غائمة غاصة بالأكاذيب تصعر خدها للناس وتستعلي علي الحقائق الخرساء‏,‏ بعد افتقاد هذه الحياة ـ في كثير من الحالات ـ إلي نقد جاد نزيه مسئول‏,‏ ينتشل النقد من غموضه ولا مبالاته وفوضاه‏,‏ وأنا أزيد علي هذه الصفات‏:‏ الغرضية النفعية‏,‏ والوصولية‏,‏ وادعاء الأستذة الجوفاء‏.‏
وفي صفحات من البحث العميقق‏,‏ يتصدي حجازي لتوضيح من أين جاءت فكرة الثابت والمتحول‏,‏ التي أطلقها أدونيس وتابعه فيها من تابعه‏,‏ ليثبت أن مطلقها الحقيقي هو المستعرب الفرنسي الراحل جاك بيرك عندما ميز بين البنية الثابتة والظواهر المتغيرة‏,‏ مشيرا إلي السؤال الذي طالما طرحه علي الثقافة العربية‏:‏ الأصالة والمعاصرة‏,‏ الارتباط بالينابيع الأولي دون توقف يؤدي إلي الركود‏,‏ والتدفق دون انقطاع عن هذه الينابيع يؤدي إلي الجفاف والضياع‏,‏ وهكذا أخذ بيرك يتحدث عن الثابتوالمتحول بهذا المعني‏,‏ فالثابت عنده هو القانون العام أو هو النظام الذي يقوم به البناء‏,‏ أما المتحول فهو الناتج المتحقق المرتبط بالوقت والظرف‏,‏ المعرض بالتالي للتحول والتغير‏.‏
ولعل من أطرف ما يتضمنه هذا الكتاب القنبلة تسجيله للحوار الذي دار بين الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي والناقد المفكر الكبير محمود أمين العالم حول المقصود بالإيقاع في قصيدة النثر‏,‏ حجازي يري أنها خالية من الايقاع‏,‏ ويستطيع أن يثبت ذلك باختبار مقاطعها الصوتية فلا يجد فيها تكرارا ولا انتظاما‏,‏ والعالم يقول إن فيها إيقاعا‏,‏ لكنه لا يستطيع أن يبرهن علي مايقول‏,‏ وهو موقف يشاركه فيه النقاد الذين يتحمسون لقصيدة النثر باعتبارها مستقبل الشعر العربي‏.‏
هذا الكتاب من شأنه أن يبدد الضباب ويوقظ الوعي ويدفع الآخرين الي قول الحق دون مراوغة أو التباس‏,‏ وياعزيزي حجازي ان افضل دفاع تقوم به عن الشعر الحقيقي هو صدور مجموعتك الشعرية الجديدة طلل الوقت التي طال انتظارها‏,‏ ليعرف الناس الفرق الهائل بين الشعر واللاشعر‏,‏ بين القصيدة الناطقة والقصيدة الخرساء‏.
..............................................
*الأهرام ـ في 7/12/2008م.

مأمون المغازي
24-12-2008, 05:02 AM
في الحقيقة كنت أبحث عن هدية تليق بالأروقة بمناسبة انصرام سنة وتشققها عن سنة جديدة نتمنى أن تأتي بالخير ، كنت أتجول في أروقتنا بين كل سطر ، وبين حنايا الفكر ، في كل مسلسلة أدبية وكل عقد شعري ، فكرت أن أكتب ، وفكرت أن أصمم ، وفكرت وفكرت وعدت كي أتنسم العبق فكرًا هنا فرأيت أن تكون هديتي للأروقة هذا المتصفح الذي يجمع بين الفكر والذائقة دون تخصصية وبموضوعية الأستاذ الذي يجلب لمريديه كل ما يفيدهم ويعود عليهم بالنفع . هي جرعات فكرية وفنية .

وقد تابعت مع الدكتور : حسين علي محمد هذه الصفحات الرائعة والآن أهديها للأروقة وكل من فيها ولا تعليق فيها ، وإنما المشاركة تكون بمقالات مختارة تنسجم مع ما يطرحه الدكتور : حسين من مقالات ، وهذه هي المرحلة الأولى ، والمرحلة التالية فيها الخير بإذن الله .

الدكتور : حسين علي محمد،
أنت تصوغ لنا كنزًا يحق للأروقة أن تحتفي به ، ولنا أن نتعلم كيف نعمم ما راق لنا من عقول سكنت مقالاتها .

لك محبتي واحترامي وتقديري

مأمون .

تم تثبيته للأهمية والفائدة

د. حسين علي محمد
24-12-2008, 05:08 PM
شُكراً للأديب المبدع الأستاذ الكبير
مأمون المغازي
على هذه الكلمات الجميلة،
مع موداتي.

د. حسين علي محمد
24-12-2008, 05:09 PM
ظاهرة السخرية في نثر حسين سرحان
للدكتور عبد الله الحيدري

عرض: أ.د. حسين علي محمد


تتجه هذه الدراسة إلى الكشف عن ظاهرة السخرية في نثر حسين سرحان (1322 ـ 1413 هـ).
وقد جاء في أولى صفحات الكتاب إضاءة من مقالة لحسين سرحان: «إن الهزء بالنفس هو أول الطريق إلى السخرية.. والذي لا يقبل النقد بحال من الأحوال ويترفع عنه ويسمح لنفسه أن ينقد وليس عليه أن يناله النقد، فإنه يعبر بذلك عن سوء طبيعة مركبة فيه!» (1).
وقد أهدى المؤلف كتابه إلى طفلته «أمل» بهذه الكلمات المعبرة: «إلى ابنتي الغالية «أمل» وهي تبدأ خطواتها الأولى في سلم التعليم بحب وحماسة.. أهديه إليها إعجاباً بأناشيدها الطفولية العذبة، وسخريتها المحببة من أوراقي وكتبي وانغماسي الدائم وسطها متجاهلاً - أحياناً - تساؤلاتها الملحة عن أشيائها ورغباتها ولعبها!!»(2).
وقد أشار المؤلف في مقدمته إلى حبه قراءة الأدب الساخر بقوله: «ومع أنني في حياتي آخذ الأمور بجدية واهتمام فإنني في المقابل أهفو إلى قراءة الكتب الساخرة، وأتعلق بالكتَّاب الساخرين، وخصوصاً إذا كان القالب فصيحاً لا تتسلل إليه الكلمات العامية أو المبتذلة»(3).
وهذا الحب هو الذي قاده إلى الكتابة عن ظاهرة السخرية في نثر حسين سرحان، موازنا بين نثر السرحان ونثر إبراهيم عبد القادر المازني.
ومعروف أن جذور السخرية ترجع إلى الآداب اليونانية القديمة، وقد استخدمها بعض الكتاب العرب الأقدمين، ومنهم: ابن المقفع والجاحظ وغيرهما لمهاجمة بعض أنماط السلوك البشري السيئة مثل البخل والغرور، وقد استخدمها بعض كتاب العصر الحديث شعراً ونثراً، ومنهم: عبد العزيز البشري، وإمام العبد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومحمد مصطفى حمام ... وغيرهم.
ويفهم حسين سرحان السخرية على أن «تسخر من عيوبك في عيوب الناس الآخرين»، ومن ثم فهو كالجاحظ في سخريته؛ فكلاهما تصدر السخرية ـ عنده ـ عن مفهوم ورسالة وهدف، وليس الأمر عفويا أراد به تسلية القراء والترفيه عنهم، وينطلق ـ كما يرى المؤلف ـ عبر سخرية الرحمة، ويعني بها النقد اللاذع لعيوب المجتمع، بأسلوب غير مباشر، بقصد إصلاحها أو تلافيها.
ويرى المؤلف أن المقالات الساخرة تشكل ربع مقالاته، وقد ساقها في صورة المقال الاجتماعي، أو المقال القصصي، أو المقال الذاتي.
أما المقالات الجادة فتشكل ما نسبته 20 % تقريباً، ومعظمها من المقالات التأملية، والأدبية، والسياسية، ومقالة الشخصية، والرسائل المقالية.
وبقية المقالات يُمكن تصنيفها بأنها مقالات حيادية (وهي تشكل النسبة الأكبر)، ومعظمها مقالات ذاتية، ووصفية، وصحفية، أو عروض لكتب، أو إجابة عن أسئلة من جريدة أو مجلة.
مراحل السخرية عند سرحان
بدأت السخرية في كتابات السرحان المبكرة (1349 ـ 1360هـ)، وهي سخرية تمتزج بالجد، ولا يظهر فيها عنصرا الفكاهة والدعابة ـ اللذان ظهرا في كتاباته بعد ذلك، وكان يستخدم السخرية المباشرة دون أن يستعين بتقنيات السخرية، من رمز، ومفارقة، وحديث على لسان الشخصية يُحاول أن يستكنه أعماقها ويُعبر عنها، ومن مقالات هذه المرحلة المبكرة «تيه الأدباء» و«أنا آسف جدا».
وفي المرحلة الثانية (1365 ـ 1382 هـ)، كتب عدداً من المقالات التي تنضح بالسخرية، ومها: «ذيل الطاووس»، و«تعال معي إلى الطائف»، و«عيش وملح» وغيرها.
يقول في مقالة «عيش وملح»: «فإني أخشى بوادر القراء، وأخشى مع ذلك أن يضربوني برغيفي على رأسي، ويذروا الملح في عيني».
وقد ألح السرحان في هذه المرحلة على السخرية بأدبه ونفسه، وأفاض في ذكر بعض مثالبه، ووصف أدبه في مراحله الأولى بأنه يجمع بين السخف والغثاثة والثقل، ووصف نفسه بالجبن، ونفى عن نفسه أن يكون فاضلاً، وأورد ما يؤكّد ذلك؛ فقد يكذب حينما يستحي من صديق فيصوّب فعله وإن كان خاطئاً، ويُداهن كلما أجمع مجلس على مدح إنسان لا يستحق المدح، فيُشايعهم على ذلك!
ويصف نفسه بالغبي الذي لا حيلة له في غبائه، وأن صوته شبيه بالصوت الذي أنكره الله في القرآن الكريم.
وهو بالتأكيد لا يقصد هجاء نفسه، وإنما يرمز إلى كشف المعوج من السلوك والطبائع، والادعاء، والتناقض، والكذب، والنفاق، والتعالم، والثرثرة ... وغيرها من النقائص والعيوب التي نجدها في مجتمعاتنا.
وفي المرحلة الرابعة (1383 ـ 1400 هـ) تتابعت مقالاته الساخرة التي امتزجت فيها السخرية بالفكاهة، ومن مقالات هذه المرحلة مقالة «رفاق في الطريق» التي صور فيها حرص أحد المكفوفين في صورة ساخرة تبعث على الضحك:
«نزل عم ناصر الأعمى وجرابه المكتظ في يده، فأخذنا بيده حتى أقعدناه في الأرض، وهبّت عاصفة رملية مدوية، وعندما كادت تهدأ العاصفة انفلتت صيحة من عم ناصر الأعمى، وقال:
ـ جرابي طار!
.. وتوزّعنا نبحث عن الجراب الطائر بدداً، وعم ناصر الأعمى في عويل متصل!».
وفي عام 1386 هت توفي ولده الوحيد (محمد)،وفي العام التالي أصيب العالم الإسلامي بصدمة سياسية قاسية تمثلت في هزيمة عام 1967م، وهنا نجد سخرية حسين سرحان تتحول من سخرية ناعمة مملوءة بالتفاؤل وممتزجة بالفكاهة إلى سخرية متشائمة حزينة؛ تعتمد على المُغالطة في النظر إلى الأشياء، كما تعتمد قلب الحقائق!
ومن مقالات هذه المرحلة مقالته «فرادى وثناء»، التي تخيّل فيها أنه مات ثم عاد إلى الحياة، فراعه ما حدث من تطور مذهل وتغيير جذري، يقول:
«عندما مت قبل بضع عشرة سنة، ثم رُدَّتْ عليَّ الروح .. وجدتُ العالم على شكل لم أعهده قط .. عدتُ فيا لهول ما رأيت! لقد صنع الناس لهم ملاعق تنوب عن الكفوف، وشوكا تجزي عن الأنامل، وسكاكين تؤدي وظيفة الأنياب».
وفي المرحلة الرابعة (1401 ـ 1413هـ) تحوّلت السخرية من الرمز والفكاهة والدعابة والنقد المبطَّن اللاذع بأسلوب فكه إلى سخرية مباشرة، يُراد بها الحقيقة، يرى فيها المؤلف «سخرية كئيبة متشائمة؛ ليس فيها روح السرحان الساخر الضاحك العابث» كما رأيناها في المراحل السابقة.
وفي هذه المرحلة يقول عن نفسه: «لقدْ أصبحتُ أنام بلا نوم، وأصحو بلا صحْو ... لقد أصبحتُ فضوليا في هذه الحياة».
ويقول في مقالة «ريش متناثر من جناح طائر»: «أصبحتُ مثل الطلل القديم هيكلاً عظميا تصفر فيه الرياح ... ولقد بصقتُ على وجهي في المرآة، كما يعلمُ الله».
والسخرية هنا مباشرة ـ غير عميقة ـ تنبع من إحساس بالضعف والوهن وفقدان الرغبة في الحياة، وتتجه إلى الذات وتتأمّل في ماضيها وحاضرها، فيقودها التأمل إلى التهكم والإحباط واليأس.
بين السرحان والمازني
وازن المؤلف بين الكاتبين الساخرين الكبيرين، وتوص إلى عدد من النتائج، منها:
أ-أنهما يشتركان معاً في السخرية من النفس، ثم السخرية بالآخرين، غير أن المازني توسع في ذلك فسخر بمن حوله من أسرته: أمه وأبيه وزوجته، وهو ما لم يفعله السرحان.
ب-يتبسط المازني في سخريته، ولا بجد حرجاً في استخدام بعض الألفاظ العامية، بينما السرحان يبتعد عن استعمال الألفاظ الدارجة والعامية.
ج-يجنح السرحان إلى القالب الساخر في الظاهر، الجاد في الباطن، بينما يميل المازني إلى الإضحاك، ولا يهدف إلى قصد معين.
(وقد نقل المؤلف ذلك عن دارسة أدب المازني الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، ولا نوافق المؤلف أو الدارسة على ذلك).
د-سخرية المازني مباشرة ولا وجود للرمز فيها، بينما يميل السرحان في بعض ما يكتب إلى مزج السخرية بالرمز .
***
إن هذا الكتاب يضيف لبنة للمكتبة العربية بدراسة ظاهرة فنية ملموسة هي ظاهرة السخرية عند أحد كتاب المقالة البارزين في الأدب العربي الحديث، وقد حقق الكتابُ ما ابتغاه الكاتب وأشار إليه في مقدمته بقوله: «هذا الكتاب يحاول أن يرصد ظاهرة أسلوبية بارزة في نثر حسين سرحان ـ رحمه الله ـ، معترفاً بأن الظاهرة تحتاج إلى توسع وبسط ليشمل إضافة إلى نثره شعره. وعزائي أن ظاهرة السخرية في نثره أبرز من شعره، فلعل أحد الباحثين يتصدى للكشف عن السخرية في شعره محلِّلاً ومتأملاً؛ ليكون البحث مكملاً لهذه الدراسة»(4).
تحياتنا للكاتب الذي اعتنى بجمع نثر حسين سرحان ودرسه في رسالته للدكتوراه()، ثم قدم كتاباً عن السرحان قاصا(6)، ثم قدم هذا الكتاب الجميل عن ظاهرة أسلوبية لافتة في نثر حسين سرحان.
هوامش
..................
( ) د. عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري: ظاهرة السخرية في نثر حسين سرحان، ط1، مطابع الحميضي، الرياض 1427هـ-2006م، ص4.
(2) السابق، ص9.
(3) السابق، ص5.
(4) السابق، ص9.
(5) انظر كتابه: آثار حسين سرحان النثرية: جمعاً وتصنيفاً ودراسةً، ط1، النادي الأدبي بالرياض، الرياض 1426هـ-2005م.
(6) انظر كتابه: حسين سرحان قاصاًً، ط1، كتاب الرياض (129)، مؤسسة اليمامة الصحفية، الرياض 1425هـ-2004م.

سلمى زيادة
29-12-2008, 10:54 PM
فلسفة الكون وتوازن الوجود

بقلم : د. مصطفي الفقي / أخبار اليوم 25 / 3 / 2006



يرتكز الكون علي فلسفة تستحق التأمل ويقوم الوجود علي توازن يثير الدهشة بل أن الكوارث الكبري في تاريخ البشرية والأوبئة التي اجتاحت الانسانية هي تعبير ضمني عن تلك الفلسفة وذلك التوازن ، فكتب التاريخ العسكري تكشف عن أن وباء 'الطاعون' قد حصد أرواح عشرات الآلاف من الجنود وحسم المعارك وقهر الغزاة ، كما أن مرض 'السل' استشري بشكل وبائي في التجمعات العمالية المكدسة في عصر الثورة الصناعية في أوروبا حتى اجتاح العالم بشكل وبائي قبل اكتشاف 'البنسلين' وغيره من المضادات الحيوية، والحركة الوطنية المصرية تذكر أن 'صب مصر وشهيد غرامها' 'مصطفى كامل' قد قضى في عامه الرابع والثلاثين بذلك الداء اللعين ، وهل ننسى مرض 'الكوليرا' الذي اجتاح الريف المصري في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي؟ وهل غابت عنا الآثار الفتاكة 'للملاريا' في أدغال افريقيا وأحراش آسيا؟ إنها حكمة الخالق أن يبتلي البشرية بموجات من الكوارث والأوبئة ليقول للإنسان أنك 'لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا' فعندما تقدم البحث العلمي أطل داء لعين على إنسان العصر وأعني به مرض 'السرطان' الذي أظن أنه كان موجودا منذ بدء الخليقة ولكن الذي حدث هو أن وسائل التشخيص وأساليب اكتشاف المرض هي التي تقدمت ووضعته علي خريطة الحياة ليؤكد عجز الإنسان ويثبت أن إرادة الله فوق كل شيء، بل إن عالم الحيوان قد دخل وسيطا في الأمراض منذ القدم بدءا من 'برغوث' علي ظهر فأر يحمل جرثومة 'الطاعون'! مرورا ببعوضة 'الملاريا' ودودة 'البلهارسيا' وصولا إلى جنون البقر و'انفلونزا' الطيور، حتى أن المرض الأخير يبدو مثيرا للدهشة ومبعثا للقلق لأنه ينتقل من الطير إلى الطير ثم من الطير إلى الإنسان ثم من الإنسان إلى الإنسان ، دورة معقدة توحي بأن الله الذي أراد أن يعاقب 'إنسان الرذيلة' منذ نهايات القرن الماضي هو الذي بعث بمرض نقص المناعة 'الايدز' وجعل نقطة انطلاقه حيوانية هي الأخرى حيث بدأ من القردة ليعيد للإنسان رشده ويفرض عليه قدرا من الحذر والعفة كانت حياة الإنسان الماجنة بحاجة إليهما ، وهكذا تتحكم قدرة الخالق الذي يجب أن نسلم بوجوده مهما كانت دياناتنا ومعتقداتنا لأن لكل شيء سببا في مسيرة الحياة وتوازن المخلوقات من الناحيتين البيولوجية والأيدولوجية حتي تدرك البشرية كلها أنها في قارب واحد لا يعرف اختلاف القوميات أو تباين الديانات أو تعدد اللغات ، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان ، وهل غاب عنا حجم الكوارث الكبرى التي تعبر عن الطبيعة الغاضبة بين حين وآخر من زلازل مروعة وأعاصير قاتلة وفيضانات مدمرة وبراكين مخيفة ، إنه بحق وجود مضطرب يضيف إليه الإنسان مصادر أخرى للتوتر والقلق والعذاب بالحروب الدامية والصراعات الطاحنة والجرائم المنظمة ، ثم نتساءل بعد ذلك إلى أين تمضي الحياة ؟ وإليى متى يستمر الوجود ؟ إنها ليست شطحة فلسفية أو سفسطة فكرية ولكنها محاولة لاكتشاف مقومات تلك الفلسفة وعناصر ذلك التوازن وهنا نشير إلى الملاحظات التالية:
أولا: لا توجد في تاريخ المعمورة كائنات بلا جدوي حتي ما اندثر منها 'فكل ميسر لما خلق له' وقد نتساءل أحيانا عن جدوى وجود الحشرات الضارة والزواحف السامة والوحوش المفترسة ويغيب عن ذهننا أن وجودها هو ضرورة للتوازن البيئي واستمرار الحياة علي الأرض، ويكفي أن نتذكر أن من لدغات النحل يخرج العسل غذاء للمرضى والناقهين.
ثانيا: أن الإنسان يأكل الحيوان والنبات ، والحيوان يأكل النبات وقد يأكل الانسان أيضا في دورة عجيبة توحي بأن الحلقة المنتظمة للوجود مرتبطة بالعناصر السابقة دون تفرقة بل أن مثار الدهشة الحقيقية هو ذلك التشابه الكبير بين الإنسان والحيوان خصوصا 'الثدييات' وهو ما يؤكد أن نظرية 'داروين' وإن كانت تحتاج إلى مراجعة إلا أنها لا تخلو من متعة فلسفية وتفسير قد نتفق معه أو نختلف لمفهوم النشوء والارتقاء.
ثالثا: أن حدود التوازن في الخلق لا تقف عند التوازن 'البيولوجي' ولكنها تتجاوز ذلك إلي التوازن 'الايدولوجي' فما أكثر المعتقدات والديانات والفلسفات في ربوع الدنيا، ولقد عشت في الهند سنوات أربع بدت لي فيها تلك الدولة العظيمة وكأنها متحف للزمان والمكان في آن واحد ففيها توليفة كبيرة من كل شيء، فيها الغنى الفاحش والفقر المدقع وفيها الموحدون والوثنيون وفيها لغات بغير عدد وكأنما يبدو ذلك تأكيدا لما جاء في القرآن الكريم (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
رابعا: أن النفس البشرية والعقل الانساني هما أشد تعقيدا آلاف المرات من أكثر أجهزة 'الكمبيوتر' تقدما ورقيا ولازلت استمتع بتذكر جلوسي في مقهى 'لاندمان' في العاصمة النمساوية وعلي نفس الطاولة التي كان يجلس عليها العالم النفسي الشهير 'سيجموند فرويد' لكي أربط بين التيارات المادية في الفكر الانساني لأوروبا الحديثة من 'الماركسية' إلى 'الدارونية' وصولا إلي 'الفرويدية' في محاولة من أصحاب هذه النظريات لصياغة فلسفة جديدة للكون والخروج بنظرية متوازنة للوجود ، لا أظن أنهم نجحوا تماما في ذلك!
خامسا: أن 'مالتوس' عندما خرج بنظريته المتشائمة حول المشكلة السكانية في العالم وأنذر بالمخاطر المنتظرة للتوازن المفقود بين الحاجات والموارد لم يغفل في الوقت ذاته الآثار المعروفة للكوارث الطبيعية والأوبئة البشرية ودورها في استعادة قدر من ذلك التوازن الغائب وعندما جاء من بعده من يبشرون بالتعديلات علي هذا الفكر المتشائم من أمثال 'دركايم' وغيره كانت الحسابات المطلوبة تضع الحروب أيضا عاملا مباشرا في تحقيق ذلك التوازن ويكفي أن نتذكر أن ضحايا الحرب العالمية الثانية يزيدون على الخمسين مليونا في وقتها.
هذا طواف سريع حول الآثار الناجمة عن محاولات تلقائية تسعى بها الطبيعة من جانب والبشر من جانب آخر لإحداث توازن الوجود ولعل الذي أثار عندي هذا الموضوع الآن هو تلك الزوبعة الدولية الكبرى التي أثارها مرض 'انفلونزا الطيور' ومشهد ملايين الدجاج الذي جرى إعدامه علي امتداد خريطة الدنيا ولو أنه كان مذبوحا مذبوحا في كل الأحوال! وقد بدا لي شعور حزين غامض عند التخلص من 'الكتاكيت' الصغيرة وهي تستقبل الحياة القصيرة وتصافح الوجود العابر، كما أن مؤتمرا طبيا مصريا قد أشار إلى أن عملية الابادة الضرورية للدجاج سوف تؤدي إلي استفحال مرض 'الأنيميا' بين أطفال مصر وهو ما يحصد مئات أضعاف عدد ضحايا 'انفلونزا الطيور' حتى الآن، ثم يبقى خطر داهم آخر يتهدد المناطق الفقيرة من العالم خصوصا في القارة الافريقية وهو عودة مرض 'السل' من جديد علي نطاق واسع وكأنما كانت القارة المقهورة التي فيها ما يكفيها بحاجة إلى 'السل' لينضم إلي 'الايدز' في تحالف لعين يسحق المجتمعات الافريقية البائسة، والعجيب أن كل ذلك يحدث والبشرية تنفق البلايين كل عام في انتاج أسلحة الدمار الشامل وحروب الابادة والصراعات الدموية والمعارك الطاحنة .



د. حسين علي محمد

شكرًا على هذه الصفحات الرائعة
تحيتي

سعود العبد الله
30-12-2008, 12:07 AM
مقالات قيمة تستحق القراءة

وانتقاء ينم عن وعي وفكر راق .

د. حسين علي محمد

شكرا لحضورك الأدبي المائز

ولك الود و التقدير


تحياااتي

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:24 PM
شكراً للأديبة المبدعة الأستاذة
سلمى زيادة
على الإضافة،
مع تحياتي.

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:25 PM
مقالات قيمة تستحق القراءة

وانتقاء ينم عن وعي وفكر راق .

د. حسين علي محمد

شكرا لحضورك الأدبي المائز

ولك الود و التقدير


تحياااتي

شكراً للأديب المبدع الأستاذ
سعود العبد الله
على التعليق الجميل،
مع تحياتي.

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:26 PM
قراءة في مسرحية «الغائب والبركان» لمحمد سعد بيومي

تقنيات العمل المسرحي في مسرحية "الغائب والبركان"
للشاعر الكبير محمد سعد بيومي

بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
........................

شاعرنا الكبير الأستاذ محمد سعد بيومي ، مؤلف هذه المسرحية هو أحد الشعراء المعاصرين الذين أخذوا يثرون الساحة الأدبية بإبداعهم المتميز في مختلف مجالات الأدب : الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية النثرية والشعرية .. ولشاعرنا الكبير قدم راسخة وباع طويل في هذا الإبداع حيث وضع عددا من هذه الإبداعات الشعرية ما بين مجموعات شعرية ـ دواوين ـ وبين مسرحيات شعرية كانت باكورتها مسرحية " وينتصر الموت " الفائزة بجائزة أفضل نص مسرحي متميز لعام 2005 ، كما وضع مسرحية أخرى بعنوان " بلقيس " ، ووضع بعض الدواوين منها " رحلة آدم " ، ومنها أيضا بالاشتراك مع آخرين " حوار الأبعاد " ، و " نصغي ويقول الموج " وغير ذلك من الإبداعات الشعرية والنثرية التي تؤكد عبقريته ، وتجسد اقتداره الفذ على الإبداع ..
وقد جاءت مسرحية " الغائب والبركان " لتجسد مهارة هذا الشاعر وإبداعه في بناء المسرحية الشعرية خاصة لما وفر لها من تقنيات وجماليات دفعتنا إلى أن نقوم بهذه الرحلة العجلى في جنباتها نتحسس أطرافا من تلك الجماليات والتقنيات ..
وأول ما يتبادر إلى الذهن ونودّ التنبيه عليه في هذه المسرحية أنها تعالج قضية اجتماعية لها وجودها وأهميتها وتأثيرها البالغ في المجتمع الريفي المصري إلى يوم الناس هذا وهي قضية الثأر التي لم تفلح موجات التطور الاجتماعي الهائل التي اجتاحت هذا المجتمع في زعزعتها أو زحزحتها لتحتل مكانا متخلفا في مسيرة هذا المجتمع برغم كل المحاولات الإصلاحية والسياسية والتطورات الاجتماعية التي كرست لتحقيق هذا الهدف أو تلك الغاية فظلت هذه الغاية أو القضية تشغل بال المجتمع الريفي المصري ، وتتحكم في مسيرته الخلقية والاجتماعية والفكرية على السواء ، وعلى كافة مستوياته ، مما جعلها من أهم ، بل أهم القضايا الاجتماعية التي تشغل بال المصلحين الاجتماعيين ، وسائر المفكرين ، كما صارت هذه القضية من أهم الموضوعات التي عُني بها الأدباء والمبدعون ، وأنتجوا فيها كثيرا جدا من الأعمال الأدبية والفنية من أفلام وتمثيليات وروايات وأقاصيص ومسرحيات شعرية ونثرية .. وعلى الرغم من خفوت صوت حدة هذه الظاهرة الاجتماعية في هذه المرحلة قياسا إلى ما كانت عليه في المرحلة السابقة خاصة وغيرها من المراحل عامة بطبيعة الحال فإنها ما تزال تحرك المياه الراكدة ، وتلقي فيها بين الحين والآخر بعض الحجارة التي تثيرها وتنشر فيها الاضطراب ، وتعيدها جذعة بعد ما كادت تختفي وتنسحب من على خشبة المسرح الاجتماعي .. وهكذا ما تزال هذه القضية الاجتماعية البالغة التأثير تحرك التيار الاجتماعي ، وتشغل كافة مؤسسات الدولة والمجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية وغيرها ، وما تزال تلحّ وتضغط وتصرخ بقوة وعنف ، وبأعلى صوتها عسى أن يستجيب لها أقطاب الإصلاح ودعاة الفكر الاجتماعي ليوجدوا لها حلاّ جذريا ودواء ناجعا يمحو آثارها ، ويخلص المجتمع من شرورها وآثامها المدمرة ، ويوقف نزيف الدم المنهمر من شرايين المجتمع بين الواترين وأصحاب الأوتار الذين ما تزال تلك الترات تصرخ في آذانهم في كل حين ، تنشر فيها طنين الثأر ، وصراخ العار والهوان الذي لا يفارقهم حتى يأخذوا بثارتهم من واتريهم ..
هكذا وجد شاعرنا الكبير الأستاذ بيومي نفسه مدفوعا إلى رحاب هذه القضية الاجتماعية البالغة الأثر لتكون موضوعا لمسرحية " الغائب والبركان " في محاولة يائسة لتكريس الإصلاح الاجتماعي عبر محو قضية " الثأر" في المجتمع الريفي المعاصر .. ولكن ، هل يا تُرى نجح هذا الشاعر في تحقيق هذه الغاية ؟ أم أنه كان رقما على قائمة المصلحين الاجتماعيين الذين مارسوا محاولة الإصلاح الاجتماعي الخاص بهذه القضية ؟!
وسنرجئ الإجابة عن هذا التساؤل إلى نهاية الدراسة التحليلية لهذه المسرحية !
هكذا اختار شاعرنا الكبير " بيومي " موضوع الثأر ليكون موضوعا لمسرحيته " الغائب والبركان " محاولا علاجها وفق معطياته ومرئياته الثقافية والفكرية والاجتماعية الخاصة ..
فأما " الغائب "، فهو الأب " عبد الله الصابر" الذي غيّبه القتل بعد اعتداء زوج أمه عليه وتدبير قتله بسبب الطمع والرغبة في الاستيلاء على ثروة أمه ـ ممتلكاتها ومصاغها ـ والحيلولة دون وصولها إلى ابنها من قِبَل الزوج الطماع الجشع الشرس ..
وأما " البركان " ، فهو الثورة والتمرد على مرتكبي هذه الجريمة ، وعدم الركون والاستسلام لإرادتهم والمطالبة بثأرهم والانتقام لأبيهم المغدور.. كما نلمح في الكلمة الرغبة الهائلة للانتقام والثأر من قاتل أبيهم ، والاستعداد التام له .. (ص21)
ويتتبع المؤلف أحداث المسرحية منذ أن أخذ " الضبع " زوج الأم الشرس يمدّ يده إلى ممتلكاتها يأخذ منها ما يشاء ، أو يقدر عليه راضية مرة وكارهة مرارا .. ورأى الابن " عبد الله الصابر " ولمس معاناة أمه وآلامها وعذاباتها التي كان الضبع يصبها عليها بلا رحمة لم يطق السكوت والصبر على ذلك فقرر وضع حد لتلك التصرفات الشرسة العنيفة ، والتقى الضبع وتمكن من معاقبته وحذره من معاودة إيذاء أمه .. وأسرها الضبع في نفسه ، واستعان ببعض رجاله المجرمين لتأديب الصابر بل لتغييبه ليخلو له الجوّ مع الأم فيستولي على بقية ممتلكاتها ليتمتع بها وحده ، بل إنه أقام في القصر الذي استولى عليه من ممتلكات الأم التي ورثته عن زوجها الأول والد عبد الله الصابر ..
وتنقضي فترة طويلة بلغت عشرين سنة على هذه الأحداث سكت عنها المؤلف باعتبارها مرحلة ـ فترة الإعداد للانتقام وتهيئة الموتورين للأخذ بثأرهم من قاتل أبيهم .. وهي الفترة التي شهدت ميلاد الابن والابنة بعد قتل أبيهما .. وقد أسقطها المؤلف من حساب مسرحيته ليفتتحها عندما بلغ الابنان " زاهر وزهرة " التوأمان العشرين من العمر لتبدأ مسيرة الحدث المقرر للمسرحية والمتعلق بأخذ الثأر من قاتل أبيهما " الضبع " ! وهو الحدث الذي أدار حوله المسرحية ، والغاية التي تغيّاها منها وهي " الثأر وضرورة الانتقام من المجرم واستعادة الحق الضائع " .. على أننا لا ندري لماذا سكت المؤلف عن هذه الغاية إلى بلوغ الابنين العشرين من العمر إلاّ أن يكون من تأثير التطور الاجتماعي الذي عاشت فيه الأسرة المنكوبة في المدينة .. وهو مجتمع مخالف ومغاير لمجتمع الريف والكفور والنجوع الذي لا يطيق على الثأر كل هذا الصبر والانتظار.. المهم أن الشاعر هنا رصد لحظة التطور أو التحول عند بلوغ العشرين من العمر ؛ ومع ذلك وجدناه يسكت عن قضية الثأر ولا يشير إليها أية إشارة على لسان الأم " شمس " أو الخال " نور" ، وهما مناط الأمر ومداره ، بل هما محركا القضية باتجاه الثأر المنتظر .. ويدع الأمور تجري بتلقائية غريبة ويحس القارئ وكأنها لا تعنيه من قريب ولا من بعيد .. ثم يحدث انكسارا حادا ، وانعطافا مفاجئا غبّ طروحات متعددة حول غياب الأب واحتمالات ذلك الغياب غير المبرر صدرت عن زاهر وزهرة .. والغريب أن الأم هنا في هذه المرحلة نراها تتدخل لتوقف تلك الاحتمالات ، وتضع حدا لتلك المداولات الدائرة بين ابنيها وكأنها لم تكن تفكر في الأمر ، ولم يكن يعنيها أن يفكر الولدان في قضية الثأر والانتقام لوالدهما القتيل .. وكأنها على الأقل كانت تودّ أن ترجئ الأمر إلى وقت آخر بلا مبرر منطقي معقول .. وهكذا جاء موقف الأم غريبا ومنافيا للموقف وهي تحاول إيقاف سيل الاحتمالات المتدفق والذي أبدت تجاهه برما ظاهرا وضيقا بالغا .. ومن غير أن تشير أو تكشف لهما شيئا من أسرار غياب أبيهما وحقيقة غيابه الذي طال كثيرا الذي يمكن أن يضع حدا لتلك الاحتمالات .. بل على العكس وجدناها ـ أو دفعها المؤلف إلى أن يطرح الولدان كافة الاحتمالات غير المفيدة وغير المناسبة التي تشغلهما جانبا ، والالتفات إلى حياتهما ليمارساها بشكل طبيعي مناسب ، ويتمتعا بما فيها من سعادة .. ويطول الحوار بين الأم وابنيها حول " الأب الصابر " ، والسر الذي قد يكون وراء غيابه الطويل وتخفيه عنهما ..خصوصا وأن الأم لم تخبرهما بموته بل برحيله وسفره .. وهو أمر يدعو إلى الانتظار والترقب والأمل في اللقاء ..
وعلى غير العادة والمألوف في مثل هذه الحالات يغادر زاهر المكان في توتر شديد بلا داع أو سبب مكشوف لما يسود الأمر من تلقائية وطبيعية معهودة .. فكثرا ما يموت الآباء والأطفال صغار ، أو قبيل ولادتهم ، وتمضي الحياة بشكل طبيعي عادي خاصة إذا اعتادوا عليه وألفوه ولا يجدون مالا يدفعهم إلى البحث فيه أوالتنقيب على أسراره وخفاياه .. ولكن صاحبنا الشاعر المؤلف هنا أبى إلاّ أن يعقّد الحدث ويؤجج الصراع ، ويضع في قلب المسيرة عقبة كأداء ن أو يلقي في النهر حجرا ضخما يثير الأمواج محدثا الانحراف الحاد في مسيرة الحدث الذي قامت عليه الرواية أو المسرحية .. حيث اخرج زاهرا متوترا وفي عصبية هائجة لم تألفها الأم من قبل .. لماذا ؟ لا ندري ؛ ثم ردّه إلينا بسرعة خاطفة ، أو كما يقول المؤلف " كالبرق " ، وقد استلّ سكينا ويقف في مواجهة أمه وشقيقته زهرة ، واندفع يلوّح بها لهما مهددا أن يغرسها في أحشائه إن لم تكشف له الأم عن حقيقة أبيه وسرّ غيابه الطويل .. ولا تجد الأم بدّا من إماطة اللثام عن هذا السر الذي أخفته عنهما كل هذه السنين ، وكشف حقيقة غياب الأب مكتفية بتحذيره من مغبة التهور والرغبة في الانتقام وعواقب الثار الوخيمة .. أو كما يقول المؤلف ، من عواقب البركان الذي يوشك على الانفجار والثورة ، وما ينذر به من تدمير وهلاك للجميع وخصوصا لابنيها العزيزين اللذين سيكونان أول ضحاياه .. ثم تكشف لهما السر الذي اختزنته في أعماقها كل هذه السنين وأن الضبع زوج الجدة هو الذي قتل أباهما قبل ولادتهما بمساعدة رجاله الأشرار غدرا وغيلة لموقفه المدافع عن أمه وحمايتها من بطش الضبع الشرس وابتزازه الذي لا ينقطع ..
والذي نود الإشارة إليه هنا في هذه الحركة أو الجزء من الحدث فيما وراء ما أسلفنا من افتعال ظاهر غير مبرر، وحركة مسرحية فاترة غير منطقية مع انعدام المناسبة المعقولة فيها ، أن الشاعر المؤلف هنا يذكرنا ـ واعيا أو غير واع لذلك ـ بطرف من قصة قيس بن الخطيم الأوسي الذي قتل أبوه وجده قبل أن يتمكن أحدهما من الأخذ بثأر الآخر .. وكان قيس ما يزال طفلا حدثا ، فعمدت أمه إلى كومة من التراب جعلتها في صحن الدار وأوهمته أنها قبر أبيه وجده اللذين ماتا كما يموت الناس ، إلى أن نازع فتى من لداته فعيّره بقتل أبيه وجده وعدم الأخذ بثأرهما .. فانطلق إلى أمه يستخبرها حقيقة الأمر ، فأنكرت ما تناهى إليه مؤكدة ما أوهمته به كل تلك السنين خوفا عليه من نفس المصير الذي آل إليه أبوه وجده ، وأنهما ماتا كما يموت الآخرون .. فما كان منه إلا أن عمد إلى سيف وغرسه في الأرض ، ثم هددها بالاتكاء عليه ليخرج من ظهره إن لم تخبره بحقيقة الأمر ؛ فاضطرت كارهة لإخباره ، ثم دلته بعد أن تجلى عزمه للانتقام والثأر على من يمكن أن يساعده على ذلك إلى آخر القصة المعروفة المروية في أخبار قيس بن الخطيم في ( الأغاني 3/2ـ7) ..
على أن المشكلة هنا ليست في اعتماد المؤلف المسرحي الحديث على هذه الحكاية وتوظيفها في مسرحيته ، أو الإفادة منها في بعض جوانبها .. فذلك شيء مشروع وغير منكور ولا غضاضة فيه .. ولكن المشكلة أنه لم ينجح في التمهيد لها تمهيدا مناسبا وطبيعيا يشبه ما حدث لقيس بن الخطيم يساعد على تصعيد الحدث بتلقائية طبيعية مناسبة خالية من التكلف والاعتساف ، بل جاء به منقطعا مبتوتا ومبتورا دونما مبرر معقول ..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:27 PM
( 2 )

على أن شمس " الأم " هنا كانت فيما يبدو تريد لابنها زاهر ما كانت تسعى إليه أم قيس بن الخطيم وتتمناه لولا التحول غير المتوقع والمفاجئ الذي وقع لابنها .. وهكذا بدت " شمس " حريصة على نسيان الماضي برمته ليتمكن الفتى من التمتع بحياته على الرغم من الإفصاح عن موقفها المغاير والادعاء بأنها كانت تعدّهما لهذه المهمة " الأخذ بثأر أبيهما من قاتله "!
وإن كنا نظن أن ذلك محض اختلاق دفعت إليه محاولة زاهر ابتزاز الحقيقة من أمه بطريقة مقلدة لطريقة قيس بن الخطيم الآنفة الذكر ، وإن تباينت عنها في الدوافع والظروف ومبلغ تلقائيتها أو افتعالها ..
وتتواصل مسيرة الحدث في المسرحية فتخبر الأم ابنها عن جريمة الضبع وقتله أباه ثم قتله عمه " بهاء " لتأمين عدم وجود من يمكن أن بأخذ بثأره منه والانتقام له خصوصا وأنه ارتكب جريمتيه دون أن يعلم بحمل الأم وما يمكن أن تضع من ولد يمكن أن يأخذ بثأره منه وذلك لاختفاء الأم منذ وقوع الجريمة وفشله في العثور عليها برغم بحثه الطويل والمضني عنها .. وفي المقابل ظلت الأم تواصل مراقبتها الشديدة والدقيقة للضبع والتعرف على تحركاته إلى أن يأتي الوقت المناسب الموعود للثار .. ثم تأخذ الأسرة في التنسيق للثأر والانتقام بتوجيه الخال "نور" وتخطيطه بعيدا عن عيون الضبع وأعوانه ، وعن إجراءات السلطة بعد أن أغلقت ملف القضية وعلقت القضية " ضدّ مجهول " كما هو الشأن في كثير من جرائم الريف خاصة .. والذي يتبادر إلى الذهن أن زاهر وزهرة هما المخولان الرئيسان للانتقام والثأر خاصة وأن الشاعر كشف منذ الكلمات الأولى في المسرحية عن عنايتهما المتميزة برياضة " الكاراتيه " و" الجودو " ، وما تميزا به من براعة فائقة خارقة فيهما ، وأنهما ستكونان وسيلتهما الفعالة للانتقام والثأر.. بيد أن ما حدث فيما بعد لم يستطع أن ينجح في الكشف عن هذا الدور الذي تأهبا له واستعدا كل ذلك الاستعداد ، ولم يساهما في تصعيد الحدث في المسرحية ، بل تركه المؤلف وكأنه يتعامل مع أشخاص عاديين لا دور لهذه الرياضة في تصرفاتهم وأفعالهم .. وبدلا من أن يقوم الابنان " زاهر وزهرة " بدور المواجهة مع الضبع ورجاله ، قامت الأم شمس بهذا الدور في حركة سرعان ما اكتشفها الضبع وعرف حقيقتها برغم انقضاء عشرين سنة على آخر لقاء بينهما ، وبرغم ما كان يسود ملامحها من مظاهر جديرة بأن تخفي معالمها الحقيقية ، وبرغم تأكيد الطبيب الخاص بالضبع أن جروحها سطحية .. وبرغم تصنعها وتمثيلها عليهما ، أكّد الضبع أن صوتها ليس غريبا عليه ، بل إن ملامح وجهها تخبره برياح الصابر .. حتى إذا أدرك كل ذلك ألقى في وجهها بالحقيقة وأكذ لها أنها امرأة الصابر .. وفي الحقيقة إن كل هذه التفاصيل تمثل افتعالا ظاهرا بدا من المؤلف للتعجيل بالنهاية وتصعيد الحدث بصورة مفتعلة وغير طبيعية خصوصا بعد اكتشاف الضبع أمرها وأدرك صلتها بالصابر ، وأمر بتقييدها في المكان في انتظار تنفيذ حكم الإعدام فيها لإقدامها على هذا العمل الخطير.. بيد أن المؤلف في هذه اللحظة يكلف الأم بحركة كاراتيه تمارسها بسرعة البرق وهي تستل سكينا تضعها على رقبة الطبيب مهددة الضبع .. ويدور حوار طويل بينهما بغية إيجاد حل مناسب يرضي كافة الأطراف المتنازعة ، وينهي القضية على وفاق تام بينهم مع تأكيده المتواصل على براءته من دم زوجها الصابر .. وفي هذه اللحظة يدخل بعض رجال الضبع ، ويتمكنون من إفشال خطة شمس ، وتنعطف مسيرة الحدث في المسرحية عند هذه النقطة ، وتأخذ الضبع في التفكير بارتكاب جريمة جديدة بقتل شمس .. وكاد الأمر يتم له كما أراد قبل حضور الأبناء والخال الذين كان ينتظر منهم تدارك الأمر وتحويل الحدث لتحقيق النتيجة المرجوة والغاية المقصودة .. ثم يدور حوار طويل آخر يجريه المؤلف بين شمس وسالم ـ أحد رجال الضبع ـ والذي عرض عليها مساعدتها وفك قيودها مؤكدا لها براءته من دم زوجها الصابر وغيره ، وأنه لم يقتل أحدا ، ولم يرتكب جريمة واحدة في حياته فيما وراء سكوته وعدم الإدلاء بشهادته في قضية مقتل الصابر خوفا من انتقام الضبع .. ثم ينصحها بالابتعاد عن طريق الضبع محذرا لها مما يمكن أن يقع لها من شره وأذاه .. وتتعقد الأحداث عندما يفاجئ الضبع سالم وهو يحاول فك قيود شمس فيستجديه أن يفك قيودها لتنصرف .. ويوهمه الضبع بأنه كان بالفعل يهمّ بتحقيق هذا الأمر ، ثم يأمره بفك قيودها ، ويخرج من جيبه مدية يغرسها في ظهر سالم فيسقط على الأرض مضرجا بدمائه .. وهنا يتوعد شمس بقتلها كما قتل سالم .. ويستدعي رجاله فيحضر منهم ثلاثة ..كما يحضر ثلاثة آخرون هم زاهر وزهرة ونادر ابن الخال نور بعد أن تمكنوا من تقييد الثلاثة الآخرين من رجال الضبع ، وانتزعوا ملابسهم وارتدوها ليبدوا كأنهم من رجال الضبع .. ويدور حوار طويل بين أفراد فريق الصابر حيث أخذت شمس تحرض على ضرورة الإسراع في قتل الضبع ، في حين دعا نادر إلى ضرورة تقديمه إلى المحكمة لينال عقابه المناسب .. وإذ يحتدم الجدل بين آل الصابر يتمكن رجال الضبع من فك قيودهم في غفلة من آل الصابر وينقضوا عليهم ويتمكنوا منهم ويقيدوهم ويقتادوهم إلى غرفة داخلية .. ويظل الضبع يرسف في قيوده ويلح على بعض رجاله أن يفكوا قيوده ، وتبدأ المساومة بينهم : الثروة في كفة وحياة الضبع في كفة أخرى .. وبعد حوار طويل وجدل واسع يتمكن المقنعون من الحصول على مفتاح الخزنة فينقسمون فريقين : فريقا يبقى في حراسة الضبع ، وفريقا يذهب لجمع الأموال من الخزنة .. حتى إذا طال غياب فريق الخزنة ، أخذت الوساوس تغزو نفوس المقنعين الذين بقوا في حراسة الضبع بعد أن عرضوا أطرافا من سيرتهم القذرة في رفقة الضبع وخدمته وما ارتكبوا من جرائم لخدمته وتنفيذ أوامره .. وكان الضبع لم يكف عن توسلاته لهم أن يفكوا قيوده ليخلص من انتقام شمس .. وأخذ يوحي إليهم بهروب أصحابهم بالمال .. حتى إذا تكشفت لهم حقيقة أصحابهم وهروبهم بالثروة فكوا قيود الضبع .. وقبل أن يتمكنوا من الخروج داهمهم فريق الصابر الذين تمكن الخال نور من فك قيودهم وحاصروهم .. وهنا حاولت شمس أن تقتل الضبع ويلح سالم عليها أن تسمح له بتنفيذ هذا الأمر انتقاما من الضبع ويتمكن من ذلك .. وفي هذه اللحظة تظهر الجدة " حياة " أم الصابر ، ويلتئم شمل الأسرة من جديد بعد أن نال المجرم جزاءه العادل .. وتذهب الثروة المسروقة مع بعض رجال الضبع الهاربين ليردد الجميع عبارة :
" المجرم ما زال طليقا " !
= حركة الحدث ومسيرته وتطوره وتصعيد ه :
من هذا العرض السابق لأحداث المسرحية تبينت لنا مسيرتها وما وفر لها المؤلف من تصعيد جيد ومناسب لا يخلو من التشويق والدقة والتنامي المناسب المجرد من الافتعال فيما وراء المقدمة أو التمهيد الذي شهد حوار زاهر مع أمه شمس ، والذي يمكن أن يعدّ خارجا عن إطار الحدث الرئيس للمسرحية الذي بنيت عليه ، والذي ابتدأ منذ كشف شمس حقيقة ما جرى من أحداث غياب الأب الصابر ، ومن ثم بدأ التخطيط للانتقام والثأر من المجرم الضبع وهو أس الأحداث التي قامت عليها المسرحية .. ومنذ لحظة الكشف وتحديد هوية المجرم القاتل ، ومعرفة زاهر له انطلقت مسيرة الحدث منذ اللوحة الثانية من لوحات المسرحية وهي تشهد تصعيدا طبيعيا وتلقائيا ومتوازنا لم يترك المؤلف فيها ثغرة للصدفة أو الافتعال المفسد لبنية الحدث ومسيرته .. والمتأمل في اللوحة الثانية يجدها تبدأ في طرح قضية الصراع بين عبد الله الصابر والضبع الذي ينتهي بقتله ..
ثم تأتي اللوحة الثالثة لتواصل مسيرة الكشف عن سر الصابر" الغائب " ، ودور شمس في تنشئة زاهر وزهرة وإعدادهما للثأر من قاتل أبيهما بعد أن تخلص الضبع من العم بهاء محاولا أن يسدّ منافذ الثار من حوله ليحقق لنفسه الأمن والأمان .. ثم يبتدئ التدبير للوصول إلى الضبع والانتقام منه وفق الخطة الدقيقة التي وضعتها شمس ، وبدؤوا تنفيذها بكل ما شهدته من ضروب التصعيد والتنامي والمفاجآت التي اعترضت مسيرة الحدث بشيء كثير من التلقائية والبعد عن الافتعال فيما وراء تمكن الضبع من التعرف على شمس بعد كل تلك السنين ، وسيطرتها على الموقف بعد تمكنها من الانقضاض على الطبيب ، خاصة منذ أن ساعد سالم شمس وأمكنها من دخول القصر بصفتها امرأة نالها قدر كبير من العذاب والألم ، وموقف الضبع من ذلك وتخوفه من العواقب ، ورفضه لسلوك سالم محذرا مما سيجره عليه من أذى وشر على النحو الذي رأيناه آنفا .. كما يشكل مجيء المقنعين من رجال الضبع في هذه اللحظة تصعيدا جيدا ومناسبا لما ينطوي عليه من الإثارة والتحول والانعطاف في مسيرة الأحداث لما نجم عنه من سيطرته على شمس وما تبع ذلك من أحداث لعل من أبرزها بداية التحول في مسيرة سالم مع الضبع باتجاه شمس في نهاية اللوحة الرابعة وإعلانه عزمه على مساعدتها للخروج من القصر والإفلات من قبضة الضبع .. ويتأزم الموقف عند مفاجأة الضبع لسالم وهو يحاول فك قيود شمس ، ويرميه بسكين تنغرس في ظهره .. ويظهر التصعيد من جديد عند وصول المقنعين الستة ودخولهم القاعة التي كان فيها الضبع وسالم وشمس .. وإن ظهر الافتعال في تواجد زاهر وزهرة ونادر من بين المقنعين قبل أن يكشف المؤلف عن ظروف تواجدهم معهم في هذه اللحظة .. بيد أن التصعيد يبلغ الذروة عندما يهم الضبع بقتل شمس حيث فوجئ بضربة جودو من زاهر الذي كان يتخفى في لباس أحد المقنعين لينكشف أمرهم عندئذ .. وهنا بدأ فريق الصابر في ممارسة دورهم الذي أعدّوه للانتقام من الضبع .. وعندما بدأت المشاورات بينهم في تحديد طريقة الانتقام المناسبة للضبع وتنفيذ العقوبة فيه أحدث المؤلف تطويرا جديدا في الحدث بما أوجد من صراع أو خلاف بين أعضاء فريق الصابر حيث تصدى نادر لرفيقيه رافضا تنفيذ عقوبة الإعدام في الضبع بيدهم مصرا على إحالة القضية إلى القانون ، أو جهة الاختصاص المسؤولة في الدولة لتقوم بمحاكمته والاقتصاص منه على جريمته التي ارتكبها بحق عبد الله الصابر ، ويصر رفيقاه الآخران على تنفيذ العقوبة والحكم في الضبع بأيديهم ..
كذلك أحدث المؤلف تصعيدا آخر في مسيرة الحدث في المسرحية عندما أخذ المقنعون من فريق الضبع في الاقتراب من بعضهم في أثناء انشغال فريق الصابر في قضية الانتقام من الضبع حتى تمكنوا من فك قيودهم .. وفي هذه اللفتة حركة درامية جيدة لها دورها وتأثيرها البالغ في تصعيد الحدث حيث تمكنوا عندئذ من الانقضاض على فريق الصابر ومفاجأتهم وسيطروا عليهم وقيدوهم واقتادوهم إلى حجرة أخرى داخلية .. وكانت الخطة التي وضعها فريق الصابر تقضي بإبقاء الخال نور خارج القصر تحسبا للظروف ، أو حدوث شيءما يمكن أن يفسد خطتهم فيهرع لإنقاذهم .. وهذا ما حدث بالفعل بعد سيطرة فريق الضبع عليهم
ويلقانا تصعيد آخر في الحدث عندما بدأت المساومة بين الضبع ورجاله المقنعين الذي عرضوا عليه إنقاذه وحياته مقابل ثروته .. ثم يتوالى تصعيد الأحداث عندما طال عياب فريق الضبع الذي ذهب للحصول على الخزنة حيث أخذ رفاقهم يتوجسون خيفة من هروبهم بالمال وعدم عودتهم إليهم .. وقد أبدع المؤلف في رصد هذه الحركة وما تنطوي عليه من تحول في المواقف وتسجيل ما ارتسم على ملامحهم من آثار، وساد تصرفاتهم من توتر وقلق ظاهرين .. ويستغل الضبع هذه اللحظة وما شهدته من تحول في استمالة رجاله إليه لتدبير خروجه من القصر للحاق بالآخرين الذين سرقوا المال ..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:28 PM
( 3 )
أما التصعيد الأخير في مسيرة أحداث المسرحية فكان عندما حاولت شمس قتل الضبع فتصدى لها سالم ليقوم هو بهذه المهمة انتقاما لنفسه ، وشفاء لغليله لما لقي من الضبع ..
= بناء الشخصية في المسرحيـــة :
أول ما يمكن أن يلاحظ على بناء الشخصية في مسرحية " الغائب والبركان " أنها كادت تأتي جميعها متوازنة ومتساوية من حيث الأدوار التي حددها لهم المؤلف وأدوها فيها وإن بدا في بعضها في أحيان نادرة شيء يسير من التفاوت على نحو ما حدجث لشخصية سالم مثلا في المشهد الأخير من المسرحية عندما أصر على أن يقوم بدور رئيس ومهم بتطوعه وإصراره على قتل الضبع دون شمس .. ذلك أن الشاعر بنى مسرحيته على فريقين متقابلين : فريق الصابر وفريق الضبع ؛ أما فريق الصابر فكان شخوصه الزوجة شمس والابن زاهر والابنة زهرة والخال نور وابن الخال نادر وعبد الله الصابر الزوج وحياة أمه أو الجدة ؛ وكان فريق الضبع مكونا من " الضبع " الذي كان أبرز الشخوص ـ أو الشخصية الرئيسة بصفته مدبر جريمة قتل عبد الله الصابر ، إضافة إلى ممارساته العدوانية تجاه الأم / الجدة حياة للاستيلاء على ما لديها من مال بعد قتل ابنها والاستيلاء على القصر وهروب شمس من وجهه .. وهكذا يبدو الضبع الشخصية الرئيسة في المسرحية من هذا الجانب .. حتى إذا احتدمت الأحداث وتتابعت وتوزعت على بقية الشخوص ألفينا الضبع يتساوى مع غيره من الشخوص منذ البدء وحتى الختام .. وهذا ما يجعلنا نرى في بناء الشخصية في هذه المسرحية شيئا ظاهرا من التساوي والتماثل وعدم التميز الذي يجعل من بعض الشخوص شخوصا رئيسة أو محورية ، ومن بعضها الآخر شخوصا ثانوية ..
على أن بناء المسرحية بهذا الشكل حرص على إيجاد الفوارق المتنوعة بين شخوصها فجعل من بعضها شخوصا رئيسة ، وجعل من بعضها الآخر شخوصا ثانوية .. ولكنها سرعان ما تواصلت مع غيرها لتثبت وجودها الرئيس في مسيرة الأحداث والوصول إلى النهاية .. وبعبارة أخرى نستطيع ـ ربما ـ أن نقرر ما أسلفناه منذ قليل ما يتعلق بطبيعة الشخوص في هذه المسرحية وما يميزها من تساو وتماثل ظاهرين ..
أما شخوص فريق الصابر فكانوا قسمين : قسم محوري وأساسي وهم شمس وزاهر وزهرة ونادر.. وهؤلاء تساوت ملامحهم وتماثلت أدوارهم وتحركاتهم على خشبة المسرح وإن تأخر ظهور بعضهم حينا من الدهر " نادر" الذي ظهر في القصر في أثناء الصراع مع الضبع والرغبة في الانتقام منه ، ثم تلاهم الخال نور من خلال المهمة التي نفذها وهي إنقاذ أفراد فريق الصابر في النهاية .. أما عبد الله الصابر فقد كان ظهوره في أثناء مواجهة الضبع لوضع حد لتصرفاته العدوانية على الأم حياة وإيقاف ابتزازه المستمر لها ..حتى تم قتله على يد رجال الضبع بعد أن أعيته الحيلة في إبعاده عن طريقه .. وقد جاء دور عبد الله الصابر وظهوره في المسرحية في نهايتها عقب استرجاع مصاغ الجدة حياة .. وإن سبقت الإشارة إلى هذا الأمر عند كشف حقيقة غياب الأب بعد إصرار زاهر على معرفة الحقيقة ..
كذلك جاءت شخوص فريق الضبع قسمين : شخوص رئيسة وهي الضبع وسالم ، وثانوية وهم المقنعون من رجاله الذين كانوا أدوات تنفيذ لجرائمه وتصفية خصومه .. وظلوا على هذه الحال إلى أن جاءت فرصة الخلاص منه عبر المساومة التي دارت بينه وبينهم لتخليصه وإنقاذه مقابل ثروته .. كما أن المؤلف قسم المقنعين قسمين : فريق فاز بالمال ، وفريق أبقاه في مراقبة الضبع قبل أن يقرروا مغادرة القصر للحوق بفريق الثروة ..
وهذا قد يعني أن المؤلف وقف بأحداث مسرحيته عند نقطة النهاية للقضية الرئيسة التي أقام عليها المسرحية وطرحها فيها وهي الثأر والانتقام من الضبع لقتله عبد الله الصابر .. وعلى الرغم من تحقق هذه الغاية وإن تم على يد سالم ، فقد أراد المؤلف لمسرحيته أن تحمل غاية أخرى تتمثل في القضاء على كل من كان على شاكلة الضبع ورجاله الأشرار الذين يعيثون في الأرض فسادا ويروعون الآمنين وينشرون الشر والأذى بينهم .. ولذا جاء صراخ فريق الصابر في ختام المسرحية يجسد هذه الغاية وهم يرددون في غيظ وحسرة وأسف ورغبة في الانتقام من كل المجرمين أمثال الضبع ورجاله :
السارق والقاتل ما زالا في الأرض طليقين
المجرم ما زال طليقا
المجرم ما زال طليقا ! (68)
أما الملامح التي حاول الشاعر المؤلف التركيز عليها في بناء شخوص المسرحية فكانت كذلك محدودة ومتميعة وغير حاسمة وغير فعالة في أطرها التي حددها لها .. ولأنه رصدها في موقف محدد جاءت ثابتة وغير متنامية أو متطورة ، وذلك أن الحدث في المسرحية كان يسعى إلى تحديد ملامح الشخوص لعنايته بالحدث فيها وما يمكن أن يتبعه من تطوير وتصعيد لبلوغ النهاية أو لحظة التنوير .. ومن هنا جاءت ملامح شخصية كل من شمس وزاهر وزهرة ونادر ونور(فريق الصابر) واضحة ومحددة .. بل إننا نجد أبرز ملامح شخصة زاهر وزهرة مثلا إجادة رياضة الكاراتيه والجودو .. وهذا قد يوحي إلى القارئ أنهما سيقومان بدور رائع ومتميز في إطار هذه الرياضة الحاسمة في الصراع الشخصي أو القتال الفردي وما يتوخاه من الدفاع عن النفس .. ومثل هذا التفوق الذي تحقق لهما فيها قد يوحي من جانب آخر إلى المتلقي أو القارئ بما سيقومان به من دور فعال في توجيه أحداث أو الحدث في المسرحية من خلال هذه الرياضة المتميزة .. بيد أن المؤلف تناسى كل ذلك من أجل أن يحدث تصعيدا وتطويرا مفاجئا في حدث المسرحية وتشريقا يشد المتلقي عندما جعل المقنعين ـ الذين يمكن أن تكون رياضة الكاراتيه والجودو من أساليب القتال التي يتدربون عليها ويحرصون على حذقها لمواجهة مختلف الظروف ـ يتمكنون من فريق الصابر ويعطلون قدراتهم الخاصة والمتميزة في رياضة الكاراتيه والجودو .. على أن ذلك يمكن أن يكون من قبيل حرص المؤلف على البناء الواقعي المحتمل لحدث المسرحية ..
= ا لإخراج والديكـــور :
يشكل الإخراج والديكور مظهرا أو جانبا مهما ورئيسا من جوانب العمل المسرحي لما يؤديه من وظيفة التعدد المكاني والزماني المناسب لتطورات الحدث في المسرحية ، وكذلك التطوير النفسي المصاحب لبعض الأحداث والشخوص .. والملاحظ أن المؤلف في هذه المسرحية قد حرص حرصا بالغا على وظيفة الإخراج المسرحي وتشكيلات الديكور المناسبة لتطوير أحداثه وحركات شخوصه تمثلت بوضوح في عمليات توزيع الأضواء لتتواءم مع تطور الأحداث ومواقف الشخوص وفق مخطط نفسي دقيق وواع.. وقد كشف المؤلف عن هذا الأمر أو الجانب المهم في الإضاءة وهو يقدم مسرحيته حيق يقرر أن " الإضاءة تلعب دورا هاما في هذا العمل المسرحي الشعري؛ فسحب الإضاءة يشير إلى اغتيال اللحظة المشرقة ، ولتكثيفها مدلول ، ولمزجها مدلول ، ولبقائها مدلول ، في حالتي المزج والنقاء " . (5) وهو هنا يقسم الإضاءة ثلاثة أقسام : " سحب الإضاءة أو انزياحها من على خشبة المسرح " ؛ وهذا يكون عند الإعلان عن انقضاء مرحلة سعيدة أو بهيجة من الحدث لتحل محلها مرحلة أخرى مثقلة بالكآبة أو الحزن .. وهي بذلك تغدو إشارة إلى حدوث تغير نفسي أو حدثي مهم إلى الأسوأ .. والملاحظ أن المؤلف حرص على توزيع الأضواء على خشبة المسرح وفق ما تقتضيه الأحداث وتطورها ، ونجح في ذلك إلى حد كبير وإن لوحظ إغفاله للإضاءة في بعض الأحيان وفي مواطن كثيرة كانت تستدعي وجودها وفق الدرجات الضوئية التي قررها في نصه السابق كما في ص ص 27 ، 35، 51.. كما وجدناه في ص 45 يشير إلى خفض الأضواء الحمراء دونما إشارة سابقة إلى وجودها ..
كذلك استخدم المؤلف المؤثرات الصوتية وخاصة الموسيقية في جوانب من المسرحية للدلالة على تطور الحدث وتصعيده فيها ..
كذلك حظي الديكور بعناية محدودة من المؤلف وثابتا لكونه يتردد بين نموذجين ك نموذج خاص بمنزل آل الصابر في اللوحتين الأولى والثالثة ، ونموذج القصر الذي كان يقيم فيه الضبع ـ قصر الأم أو الجدة حياة الذي استولى عليه الضبع بع قتل عبد الله الصابر في اللوحات 2، 4، 5، 6 حيث دارت أغلب الأحداث في القصر ..
= الزمان والمكـــان :
للزمان والمكان أهمية بالغة في العمل المسرحي لارتباطه الوثيق بالأحداث وتطورها ، وكذلك بالنسبة للشخوص فيها الذين يقومون بالتردد ما بين الأزمنة والأمكنة فيها وفق ما يقتضيه تطور الأحداث .. ويلاحظ قارئ المسرحية أن الزمان في البداية دار حول عبد الله الصابر الذي طال غيابه ، أو قل المجهول المصير بالنسبة لزاهر وزهرة .. وهذا يعني أن الأم شمس لم تخبر ابنيها بموت أبيهما بل أوحت إليهما أنه مسافر منذ زمن ولم يرجع بعد وأنها ما تزال في انتظار عودته شأنها في ذلك شأنهما .. وهذا ما دعاهما إلى مواصلة التساؤلات عنه والإلحاح في ذلك لمعرفة الحقيقة .. وإن جاء موقف المؤلف سلبيا في هذا الجانب حيث غلّب احتمال العودة على احتمال الموت الذي لا رجعة منه كما توحي بذلك مناقشات وأحاديث الابنين وحوارهما منذ فاتحة المسرحية وما كان يوحي به من تفاؤل بعودته ولقائه واختفاء احتمال الموت وما يوحي به من انقطاع الأمل والرجاء في العودة واللقاء .. ونتيجة للتطور غير المنطقي الذي رأيناه في موقف زاهر من أمه وتهديدها بقتل نفسه بالسكين جاء تقريرنا عما في هذا المشهد من افتعال وانقطاع عندما وقعت لحظة المواجهة وهدد زاهر أمه بقتل نفسه إن لم تخبره بحقيقة أمر والده وسر غيابه الطويل . حتى إذا أخبرته كارهة بالحقيقة رأينا الزمان والمكان يتقدمان خطوة مهمة وأساسية وحاسمة عبر تدبير الانتقام والثأر من الضبع وإعداد الخطة المناسبة لذلك .. ثم بدأ تنفيذ الخطة . وفي قصر الضبع أخذ الزمان يتدرج عبر تطور الأحداث وأدوار الشخوص على نحو ما مرّ بنا حتى حانت لحظة النهاية بمصرع الضبع على يد سالم أحد رجاله لئلا تتورط شمس في هذه الجريمة فيطالها القضاء .. على أن الانفتاح الزماني في المسرحية يمكن أن نلحظه من خلال الجملة التي كررها فريق الصابر غبّ مصرع الضبع وهروب المقنعين من رجاله بالثروة :
" المجرم ما زال طليقا " !
لما توحي به من ضرورة الملاحقة والمتابعة للقبض عليه وتقديمه للمحاكمة للقصاص منه وإنهاء القضية وإقفال ملفها .. وهذا يوحي بإضافة زمن جديد تتم فيه هذه الأحداث ..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 01:31 PM
(4)
كذلك جاء المكان في المسرحية محدودا جدا وفق ما اقتضاه تطور الأحداث فيها بين مكانين رئيسين هما منزل آل الصابر، وقصر الجدة حياة حيث كان الضبع يقيم .. وقد كان منزل آل الصابر مسرحا لأحداث اللوحة الأولى والثالثة ، في حين جاء مسرح الأحداث أو مكانها في قصر الضبع في اللوحات الباقية 2، 4، 5، 6 .. كذلك يلاحظ قارئ المسرحية دور الديكور والمؤثرات الصوتية والإخراج والإضاءة في تشكيل المكان فيها ..
= ا لإ يقـــاع الموسيقي في المسرحية :
تقوم هذه المسرحية من أولها إلى آخرها على تفعيلة واحدة هي تفعيلة " الخبب " فعِلن " أو " فعْلن " مستغلا سائر تحولاتها الإيقاعية الممكنة ؛ هذا في إطار الحوار الدائر ما بين الشخوص في المسرحية .. أما فيما يتعلق بعبارات الإخراج والديكور والأضواء وتوزيع الأدوار بين الشخوص وترتيب الأحداث ، فقد جاءت كلها في أسلوب نثري بحت قصد المؤلف من ورائه إلى وضع فواصل دقيقة بين النص المصور للأحداث وتطويرها وأدوار الشخوص فيها وبين مظاهر الإخراج الفني .. مع أنه كان يمكنه أن يصوغ كل ذلك في إطار موسيقي دون أن تفسد بنية المسرحية على نحو ما فعل ويفعل كثير من كتاب المسرحية الشعرية كما هو مألوف .. ولا نستطيع نحن ولا غيرنا أن يفرض على المؤلف مثل هذا البناء الإيقاعي دون غيره إّ له مطلق الحرية والقصد في البناء الذي يرتضيه ..
بيد أن الذي يمكن أن نبديه نحن أو غيرنا هو التساؤل عن التزام المؤلف بتفعيلة واحدة في المسرحية وعدم التنوع في استعمال تفعيلات أخرى قد تكون أنسب لتطوير الأحداث والتغييرات التي تلحق الشخوص خلافا لكثير من الشعراء الذين نوّعوا في تفعيلات مسرحياتهم ، بل نوّعوا في إطار القصيدة الواحدة في كثير من الأحيان ؟
على أن هذا التساؤل يمكن أن يتجاهله المؤلف تماما ولا يجيب عنه لأنه حق خاص له ولا يمكن لأحد أن يفرض غيره عليه سواء اقتنعنا بتبريره إذا وجد ذلك التبرير أم لم نقتنع ..
على أننا إذا تناولنا المسرحية من هذا الجانب الموسيقي الخاص بتفعيلات الخبب ألفينا كثيرا من التجاوزات الموسيقية المتعلقة بالوزن أو الإيقاع التي أفسدته إفسادا ظاهرا في كثير من المواطن ومنها ما جاء في قوله على لسان زهرة وهي تصف أخاها زاهرا : (ص10)
شا بٌّ ممتاز .. بطل من أبطال الجودو
حيث اجتمع ساكنان في كلمة واحدة هي " شابٌّ " المشددة الباء ؛ وهذا فساد ظاهر في بنية التفعيلة وغير جائز وإن وقع فيه أو ارتكبه كثير من الشعراء المعاصرين الذين اطلعنا على شيء من أشعارهم ونوّهنا بذلك كثيرا .. ولسنا ندري لماذا يصر هؤلاء الشعراء المبدعون على ارتكاب هذه الخطيئة أو الجناية الإيقاعية وفي طوقهم التخلص منها بسهولة ويسر كأن يبدلوها بكلمة " شبّ " بدون المدّ وهي تؤدي المعنى المقصود من سابقتها تماما ..
وقد تكرر هذا الخطأ ذاته في قوله :
النار الشابّة في وجداني تزأر .. (30)
وكان يمكنه تغييرها إلى كلمة " المتأججة بأعماقي " مثلا ..
وقد وقع الشاعر في هذا الخطأ أيضا في قوله : (ص36)
" خفت من الضجة والمارّة " ؛ وكان يمكنه تغييرها بكلمة " والناس " .
وفي (ص 11) وقع خطأ طباعي أفسد الإيقاع في قوله :
" فقال لي " ؛ وصوابه : " فقل لي " !
وفي عبارة أخرى وردت على لسان زاهر حيث يقول : (ص13)
" هذا ما قالته الأم إليّ " !
وحذف " إليّ " خير وأهون من بقائها على هذا الفساد .. إذ الصواب أن يقول : " لي" بدلا منها ، أو تقديم " لي " على الأم .. وكذلك قوله : (ص14)
من قال " أنسى " ؟!
حيث وصل همزة القطع في كلمة " أنسى " على سبيل الضرورة القبيحة ، وذلك لإمكانه الخروج منها بإضافة السين إليها فتصبح " سأنسى " ؟!
وفي جملة " وكلام معاد " (16) فساد وزني قد يستقيم بإحدى طريقتين : بمنع صرف " كلام " ، كما يمكن إصلاحها بتغيير كلمة " معاد " إلى كلمة " يتكرر " مثلا .. والأخرى أصوب من الأولى وأسلم استعمالا .. كذلك كان يمكنه تكرير كلمة " مكرور" التي سبقت مع كلمة " استفسار" ليكون بين يديه ثلاث طرق لإصلاح الفساد الوزني في هذه الجملة ..
ومن ذلك ما جاء في قوله على لسان شمس تخاطب زاهرا : (17)
لا يا بني .. أبوك لم يهرب
وإصلاح هذا الفساد الوزني يمكن أن يتمّ بتغييرها إلى : " لا لا يا ابْني .. فأبوك لم يهرب ".
وفي هذه الصفحة نفسها جاءت عبارة " فالصفحة مملوءة بالآلام " ! وقد جاء فيها فساد وزني ظاهر في كلمة " مملوءة " التي يمكن إصلاحها باستبدال كلمة " مترعة " أو " مثقلة " مثلا بكلمة " مملوءة " .
وفي عبارة " هل كنت تشكّ في طهر أبيك " (19) وقع اضطراب موسيقي يمكن إصلاحه بنحو قوله : " هل كنت تشكّك في ..." ، أو هل كنت تشك بطهر أبيك " !
وفي عبارة " وانساب الدم من فيه المجرم " (24) نلمس قلقا واضطرابا في التركيب يمكن إصلاحه بتغييرها إلى عبارة " من فم ذاك المجرم " ..
وفي عبارة " لم تعثر أيدينا عن أثر ليدان القاتل " .. (26) وهذه يمكن إصلاحها بمثل عبارة " لم تعثر أيدينا قطّ على أثر ... "
وفي قوله : " أرجوك أفيقي .. وإلاّ سأضيع " (39) ؛ ويمكن الاستغناء عن كلمة " وإلاّ " فيها .. وفي كلمة " جراحك " في قوله : " يعرف كيف يداوي جراحك " خطأ وزني يرجع في أغلب الظن إلى زيادة الألف فيها ، ويمكن إصلاحه بإسقاطها لتصبح " جرحك "!
وثمة فساد وزني ورد في عبارة " أو ماذا أتى بي إلى بيتك " (40) .. ومثله ما جاء في قوله : " كي ينقضّوا على عنقك فيهم غلّ الدنيا " (56) ، وعبارة " لكن الكرة في أيدينا " (58) ، ويمكن إصلاحه بتغيير " في " بحرف الباء لتصبح " بأيدينا " ، أو بكلمة " بملعبنا " وتلقانا عبارة " أنت وأنت انضمّا إلي " (61) ، ويجب تغيير كلمة " إلي" بكلمة " لي "..
وفي عبارة"ولماذا أفكّ قيودك يا ضبع"(64)أحدث إطلاق ألف" ماذا" فسادا وزنيا ظاهرا..
على أن قارئ هذه المسرحية يعثر في جنباتها فيما وراء هذه الأخطاء الوزنية أو الإيقاعية بعض الأخطاء المتنوعة ومنها ما جاء في قوله :
... وأبعدتكما عن أيدي الضبع دواما خشية أن تمتد ّ أياديه ..
وتغرس في جسدي كل مدية ليل ... "
ففي كلمة " دواما " حشو ظاهر لا حاجة إليه ، كما نجد في كلمة " كلّ مدية " اضطرابا إيقاعيا يستدعي إسقاط كلمة " كل " ؛ كما أن كلمة " أياديه " يمكن إسقاطها والاستغناء عنها تماما لورودها في بداية العبارة خصوصا وأنها قد تعني جمعا ليد التي هي " الفضل والمعروف ".. وفي هذه الحال يمكن أن تأتي العبارة على هذا النحو :
" خشية أن تمتدّ وتغرس في جسدي مدية ليل " ...
وقد كررها مرة أخرى في قوله : " لا بدّ وأن يمثل بين أيادينا " (30)،(34) ، حيث يمكن تغييرها إلى " يدينا " ؛ أو عبارة " لا بدّ وأن نحضر ذاك المجرم .. لنحاكمه ونحاسبه ... "
وفي عبارة " لكننا لم نعلم " (34) خطأ طباعي بزيادة إحدى النونين في " لكننا " ..
وفي عبارة " لم أنس طعان الصابر " (29) خطأ مرده إلى أن كلمة " طعان " تعني المطاعنة مصدرا آخر لـ " طاعن " ، وهذا ما لم تقصده شمس ، بل قصدت ما أصابه من طعنات الضبع القاتلة .. وكان عليه أن يقول : مثلا : لم أنس الطعنات الغادرة بجسم الصابر"
وفي قوله على لسان سالم مخاطبا الضبع :
ولقد خفت من القيل .. وخفت من القال " (36) وكان يمكنه الجمع بينهما في مثل قوله : " خفنا من قيل ومن قال .. " ؛ ومن ذلك ما جاء في قوله : " لم أعثر قط على أرضك " (44) ، حيث أفضل كلمة " أثرك " عليها ..
ويلقانا خطأ لغوي في كلمة " وتشفي " (50) وصوابها " وتشفٍّ " بالتنوين وإسقاط الياء لأنها اسم منقوص في حالة الجر ، وتقدر حركة الإعراب على الياء المحذوفة .. ومثلها كلمة " متدلي " (55) وصوابها " متدلٍّ " بإسقاط الياء منها ..
وفي كلمة " لم يتوفر" خطأ لغوي آخر شائع صوابه " يتوافر " أي يتحقق ويتهيّأ له ، أما " يتوفر" فتعني العكوف على الشيء لفحصه ومعرفته ..
وهناك عبارة كررها الشاعر مرتين في المسرحية تكشفان عن الخيبة وعدم تحقيق النفع المرجو من العمل ؛ وقد أفادها من التعبير الشعبي المكرور " خرج من المولد بلا حمص " !
وكانت عبارة المؤلف : " لكنا لم نخرج من هذا اللعب المحموم بلا حمص " (57 ، 64) ؛ وهي محاولة للتمرد على النص الشعبي الموروث بلا مبرر مناسب أو معقول فيما وراء الصياغة الشعرية المفروضة ..
على أن هذه الهفوات التي أشرنا إليها ربما بشيء من الإلحاح ـ لا يسعني إلا الاعتذار عنها ـ لا يمكن أن تطعن في بنية هذه المسرحية ، أو تفسد جمالياتها التي حققها لهذا العمل المسرحي لمتميز الشاعر الكبير المبدع الأستاذ محمد سعد بيومي ، ولا تعدو أن تكون هفوات بسيطة ومحدودة جدا .. ولكننا رغبنا من وراء هذا الحصر أن يتخلص الشاعر الكبير منها ومن أمثالها في أي عمل إبداعي آخر ليحقق له إشراقا وجمالا ظاهرين ..
وإلى أن نلتقي بهذا الشاعر الكبير في إبداعات أخرى نتمنى له ولكافة أدبائنا الشباب مزيدا من التفوق والإبداع لتحقيق رسالتهم الأدبية ، وخدمة أمتهم العربية والإسلامية ؛؛
والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل ؛؛؛
أ.د خليل أبو ذياب

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:36 PM
محمد يوسف والعزف علي كمنجة التوت

بقلـــم: فاروق شوشة
..................

الذكري الثانية لرحيله‏(18‏ نوفمبر‏2003)‏ يصدر له هذا الكتاب الجديد الذي كان يود أن يطول به الأجل ليراه‏,‏ ولم يشأ أن يسميه مجموعة شعرية‏,‏ وهو الذي أصدر خلال مسيرته الشعرية والأدبية عشرة دواوين هي‏:‏ قراءة صامتة في كراسة الدم‏(1970),‏ عزف منفرد أمام مدخل الحديقة‏,‏ الحفر بالضوء علي أشجار حديقة الدر‏,‏ صلصلة‏,‏ تغريبة الفرفور‏..‏ بيعة للضوء والماء‏,‏ ذاكرة للرأس المقطوع‏,‏ داليا‏,‏ شجرة الرؤيا‏,‏ أناهيد‏,‏ إغراءات الفراشة الإلكترونية‏,‏ ومسرحية شعرية بعنوان‏:‏ محاكمة زرقاء اليمامة‏.‏ لكنه أطلق علي كتابه هذا اسم نصوص‏,‏ لأنه بالفعل يضم مجموعة من الكتابات الشعرية والنثرية المتباينة‏,‏
التي تتراوح مابين جمرة الشعر المحتدمة‏,‏ والمقالة النثرية المدببة‏,‏ والخاطرة الوجدانية اللافحة‏.‏ لذا فإن المدي العريق الذي تتداخل فيه امتدادات محمد يوسف الإبداعية تصطخب فيه هواجسه وطموحاته وانكساراته وسخريته اللاذعة وحسه الحداثي وثقافته الإلكترونية‏,‏ صانعة رؤية قائمة محبطة‏,‏ هي رؤية الشاعر الذي توقف في محطات الدنيا‏,‏ وتأمل طويلا في أحوال الناس وتقلبات من كان يظنهم أصدقاء‏,‏ وإذا بالحياة تتكشف أمام عينيه عن سيرك كبير‏,‏ وغابة‏,‏ وليس إلا جناح الحزن والكآبة‏,‏ أما الحزن فهو شمس الكتابة‏:‏
ويخطو إلي السيرك‏,‏
والسيرك أقنعة‏,‏ وجنون وغابة
صاحبي‏:‏ بيننا الحزن مشترك
ملجأ من جناح الكآبة
صاحبي‏:‏ أبهذا النشيد الوريد
هو الحزن‏..‏
شمس الكتابة‏!‏
لاتندهش كثيرا إذا رأيت بعض صفحات هذه النصوص تمتليء بحشد من الأسماء الرموز‏,‏ بكل ماتحمله من ظلال ودلالات‏:‏ والت ويتمان وجون شتاينبك وآرثر ميللر‏,‏ ومارتن لوثر كنج ونعوم تشومسكي‏,‏ وتوفلر في مقابل فوكوياما وهنتنجتون وبيل جيتس‏,‏ وهنري كيسنجر في مقابل جورباتشوف‏,‏ وروزفلت في مواجهة ستالين أو رأيته ساخرا ناقما علي ثقافة الكاجوال ودالاس ومادونا وشوارزينجر وماكدونا لدز وديزني لاند وعلب الليل‏,‏ مترحما علي ملحمة جلجامش وأشعار رامبو‏.‏ فسرعان ماتكتشف أنك في حضرة مبدع عاري الأعصاب‏,‏ حياته معلقة بطلقة غيظ أو إحباط أو هزيمة‏.‏ وكأن هذا الكتاب إرهاص قدري بأن دائرة العمر قد أحكمت‏,‏ واقترب وقت إرخاء الستار‏.‏
لكن الشاعر الذي يجرفة إبداع متشبث بالحياة ـ رغم أنفه ـ يراوحه غض الأسماء التي مازالت تشكل ضوءا يثقب ظلمة الليل‏,‏ ونورا ـ ولو ضئيلا ـ في العتمة الطاغية وتشده هذه الأسماء إلي نجاوي نازفة وهو يتكيء إليها بديلا عن الجدار الذي يوشك أن ينقض‏:‏ نجيب محفوظ وأحمد مستجير‏(‏ رائد الهندسة الوراثية الذي يؤاخي بين الأضداد‏:‏ اليوجينيا والشعر‏,‏ الهندسة الوراثية وذاكرة الشجرة‏),‏ وأحمد زويل‏,‏ والمتنبي‏,‏ ويوسف‏.‏ يقول محمد يوسف في قصيدته الفيشاوي‏:‏
المقهي إيقاع أخضر
يدخل في إيقاع أخضر
حتي يبلغ أندلس الأوجاع
الشاي له ذاكرة النعناع
النعناع له ذاكرة الناي
‏................................‏
في طرف المقهي رجل إسباني‏:‏
غرناطة‏,‏ قصر الحمراء
وأبوعبدالله علي طرف المقهي الآخر
وأنا صعلوك أتجول في ذاكرة النعناع
وأسعي بين الوقتين‏:‏
التجسيدي برسم الحزن
التجريدي بسمت الرؤيا
الرجل الإسباني يحدق في ذاكرة النعناع
‏.....................................‏
الإيقاع رفيف‏,‏ عشب‏,‏ ورصيف
وأنا أتدلي من ذاكرة النعناع
صاحبتي‏,‏ سيدة الوقتين
ترسم موجتها
لتزين بهجتها بحنين النعناع
لأندلس الأوجاع
الساعة‏,‏ منتصف الناي
والشاي‏..‏
يرحل من ذاكرة النعناع‏!‏
لكأنما أراد الشاعر أن يكتب سيرته الذاتية بالشعر‏,‏ سيرته في منفي الغربة الطويلة‏,‏ بعيدا عن الوطن‏,‏ وعن الجذور والتخوم الأولي‏,‏ مد البحر يتقاذفه‏,‏ وأعباء الحياة تقتات دمه وأعصابه‏,‏ والجسد يخونه بلا توقف‏.‏ وهو يحاول أن يستبق النهاية الراصدة لخطواته بكتابات منهمرة‏,‏ يحمل هم متابعة نشرها من بعده ابنه الإعلامي أحمد حريصا علي تراث أبيه وأستاذه‏,‏ وواعيا بقيمة هذه الكتابات التي تكمل ملامح الرحلة الإبداعية لمحمد يوسف وقسماتها المتميزة‏,‏ من بينها‏:‏ كاف بيضاء لوردة الحواس‏(‏ ديوان شعر‏),‏ عولمة الكبسولة الإلكترونية ـ الإبداع ومزاحمة الآخر‏,‏ اليونسكو والبوصلة الخضراء‏,‏ العصافير تعبر مضيق العنكبوت‏(‏ شعر‏),‏ جحا في بيت العنكبوت الإلكتروني‏(‏ مسرحية‏).‏
ويرحل الشاعر وهو ـ كما قال عن نفسه ـ مشغول بقضية الصراع بين ذكاء الكائن البشري الفطري‏,‏ وذكاء الكائن الإلكتروني الاصطناعي في القرية البيو إلكترونية التي تحكمها قوانين هيمنة العولمة وتفريغ الإنسانية من جذورها وتجويف العلاقات الإنسانية‏,‏ وتطل علينا روحه الشاعرة ـ بعد عامين من رحيله ـ من خلال هذه النصوص المتوهجة بالشعر والسخرية والحكمة والتاريخ والفجيعة في كتابه الجديد البديع كمنجة التوت الصادر عن مركز الحضارة العربية‏.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأهرام ـ 13/11/2005م.

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:37 PM
ملتقى الثلاثاء يستحضر روح محمد يوسف

منى كريم
........

استحضر ملتقى الثلاثاء الثقافي روح الشاعر المصري الراحل محمد يوسف الذي كان قد ساهم في رفد الساحة الثقافية والإعلامية بكل مايملك، ولفترة طويلة كان آخرها انضمامه للملتقى كعضوفعال وخصب أعطى كثيرا من خبرته وحميميته للأعضاء الشباب حتى توفي في العام 2003.
وشهدت قاعة الملتقى في فندق سويس بل بلازا مداخلات عدة من أصدقاء الشاعر الراحل المتفاعلين مع رؤاه ، وممن تقاطعت حياتهم مع مشواره الإبداعي في أمسية أدارها ابن الشاعر والمذيع بقناة النيل الثقافية أحمد يوسف.
وقدم أعضاء الملتقى قراءات ونصوصا شعرية استعادوا من خلالها روح محمد يوسف الشاعر الحالم الذي كان يؤمن بالتغيير، ولم تخل القراءات من تأثر واضح بفقدان الشاعر وإن وصل الفارق الزمني لرحيله إلى 5 سنوات.
الزميل الكاتب الصحافي محمود حربي قال إن الراحل كان «شهيدا مجانيا عاش الحياة بعقلية وروح الزاهد، كنت التقيه في كل يوم جمعة نصلي ثم نتمشى بالقرب من المركز العلمي على شاطئ الخليج في شمس الشتاء وكنت أستمع إليه والكلمات تفيض بمخزون الحكمة وتجارب الحياة».
واستعرض حربي مواقفه مع محمد يوسف الذي حثه على إصدار كتابه الوحيد « حوارات على حافة الحلم»، وعن ثقته المفرطة في الآخرين، ودعمه للأصدقاء وخصوصا الشباب الذين كانوا يتحلقون قرب روحه البيضاء.
وقدم عضو الملتقى وصديق الراحل الشاعر نادي حافظ قراءة في شعر يوسف بعنوان « غوايات النص والتباسات المنصوص»، اعتبرت أن قضية الشاعر الأساسية كانت تكمن في صراع السلطة بتجلياتها ومعطياتها.
واستدعى الزميل جمال بخيت صورة الراحل بالقول : « نتذكرك في لحظات الرحيل حينما كانت الصداقة مشوارا طويلا نقطعه بحب».
وأشار بخيت إلى أنه استعان بخبرة الشاعر محمد يوسف حينما أراد نشر أول ديوان له، موجها الشكر إلى روحه المرفرفة في أرجاء المكان.
الشاعرالمصري مختار عيسى كان قد أعد ملفا كاملا عن الشاعر بعد رحيله ونشره في مصر عبر مجلة « مرايا الثقافية» واعتبر أن « وفاة محمد يوسف لم تكن مجانية فالحب الذي تركه في قلوب محبيه كان ثمنا لما امتلكه من صفات انسانية.
وذكر أن للشاعر الراحل مواقف سياسية واضحة في مصر وفي الكويت مخلصا لما يؤمن مبينا أن الملف الذي أعده في مجلة «مرايا» كان الفقيد قد رعاه شخصيا، بمشاركة الشعراء والكتاب دخيل الخليفة ونادي حافظ صالح النبهان وعباس منصور. ثم قرأ نصا شعريا استعاد الحميمية التي كانت تربطه بالشاعر الراحل.
وبروحه الصادقة قرأ القاص كريم الهزاع نصا التقط فيه كثيرا من تفاصيل العلاقة مع محمد يوسف، وقال أنه يرثي الرجل الذي كان هاجسه الأول الوعي الجمعي ومعاناة الإنسان وقد لفت إلى دوره أيضا في نشأة ملتقى الثلاثاء والسؤال عن الأصدقاء بشكل مستمر.
أما مفاجأة الملتقى فكانت كلمات «أناهيد» وهي أصغر أبناء الشاعر والحاصلة على المركز الأول في الكويت على مستوى المدارس الثانوية في الكتابة الإبداعية.
واستذكرت أناهيد دور والدها الذي علمها أن الأدب هو السبيل لتمثل معاني الحياة وتناولت في الوقت نفسه دور والدتها التي حافظت على ترسيخ المعاني التي عاش من أجلها الراحل. ثم قرأت أناهيد قصيدة مهداة إلى والدها.
واستشهد الروائي إسماعيل فهد إسماعيل برأي الشاعر السوري نزيه أبوعفش في ديوان محمد يوسف « الفراشة الألكترونية» الذي أرسل إليه حينما كان يقوم بالتحكيم لدار «المدى»، واعتبره شاعرا متفردا في أسلوبه ودربه الفني.
ثم تحدث اسماعيل عن حماس الراحل في العمل الثقافي ومساعدة الآخرين وخصوصا الشباب.
ولم يترك أعضاء الملتقى المناسبة من دون أن يتركوا شيئا من حزنهم في يوم اعتبروه تكريما متأخرا لـ» البلبل الأندلسي» كما يحلو لبعض زملائه تسميته.. وتناول الزملاء محمد النبهان وآدم يوسف وسعيد المحاميد أفكاره وموهبته، وأثره الإنساني، والإضافة التي قدمها إلى اللغة الشعرية، من خلال لغته الجديدة.
مدير تحرير مجلة الكويت علي العدواني تحدث عن البساطة في شخصية محمد يوسف وتواضعه الجم، وقال إن المجلة تفكر في عمل ملف يضم مجموعة المقالات التي نشرها الشاعر الراحل بعنوان « الطغاة في التاريخ».
في ختام الأمسية كشف الإعلامي أحمد يوسف ابن الشاعر الراحل عن إطلاق موقع على الانترنت لمحبي الشاعر والعمل على جمع كل ما خطه قلمه وكذلك رسائله إلى أصدقائه لإعدادها للنشر ، وناشد كل من لديه مخطوط خاص بمحمد يوسف أن يقدمه لضمه إلى مجموعة أوراقه.
..............................
*أوان ـ في 29/11/2008م.

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:38 PM
في الذكرى الخامسة لرحيله:
الشاعر محمد يوسف يحاور نفسه: الشعر شجرتي.. وأندلس يتمي
................................................

في الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر الكبير محمد يوسف عثرنا على هذه المقابلة التي كان قد أجراها مع نفسه بين أوراقه التي تركها وراءه
• .....؟
ــ الشعر شجرة مغروسة في دمي.
هو اندلس يتمي، واشارتي وشارتي الخضراء في غابة «الكبسولة» الالكترونية، وهو كلمتي «العلنية» لا «السرية» حين اجاور واحاور الكائنات: الفراشات، الطيور، الاشجار، الازهار، الانهار، البحار، و«الحيوانات» التي «لا تؤذي» التوازن الحيوي في «الكون» الذي يعاني من العدوانية والتشظي.
ومن ثم فان رؤيتي الشعرية ترتكز على ثلاثية:
الحلم
الحرية
الحب
والحرية هي جذر هذه الثلاثية، ولذا فانني اراهن على «يوتوبيا» انسانية لن تتحقق.
انها تراودني في «الحلم» احيانا على حافة الجنون، واحيانا اخرى على حافة اليوتوبيا.
• هل هناك حاجة للشعر في عصر العولمة، و«النعجة دوللي» والربوت الذكي، والفضاء الالكتروني المفتوح على «حماقات» «ديكتاتورية» التفوق التكنولوجي در «كهان» العولمة؟
ــ الشعر هو الشعر في كل زمان ومكان.
على رقعة الشطرنج الجيو-سياسية والجيو -ايديولوجية كان الشعر هو طائر الثلاثية التي اشرت اليها.
وفي عصرنا الذي نعيش فيه شدة وطأة القبضة «الجيو-عولمية» فان الشعر – في رأيي – له «وجود حيوي»..!
على الشاعر ان يعزف عزفا منفردا على «كمنجة» يتمه الخضراء برغم انه يفقد كل يوم «اندلسا» جديدا..
هذا الفقد او الفقدان هو «النار» التي تصهر «جوهر» الشعر فـ«يتواشج» ما هو ذاتي بما هو «جماعي» او «جمعي»!
حين تفقد وطنا كان على شكل حلم ثم اصبح على هيئة كابوس.. فان الشعر يعيد اليك الوطن ومعه الحلم المفقود.
على الضفة الاخرى.. فان الشعر يملك «الوصفة السحرية» لانقاذ «أمنا الارض» من صبغة الاحادية التنميطية التي يفرضها عليك فخ العولمة..! وبذلك تنجو «كينونتك» و«كيانيتك» وشخصيتك وهويتك وخصوصيتك..!
وهذا هو اليتم الكامل الذي يغويك على كتابة القصيدة.
هو معجزة العصفور الذي ينقــــر بـ«غنائه» فضاء فرديا يفضي الى فضاءات وتجليات و"تشظيات" ايضا..!
• (.......)؟
ـــ الغربة التي اعانيها هي غربة «الزمكان المتشظي».. وهي غربة اشعر في تضاريس جغرافيتها الغليظة القلب.. انني «لافرد» ولا «مواطن».. انا بين بين..!
أنا الكائن المعلق في فضاء «الزمكان: المتشظي»..!
والشعر هو «الكائن الشجرة» الذي ينتفض داخلي فـيلم شظايا كينونتي المعلقة..!
ليس هذا طرحا تشاؤميا بقدر ما هو وصف وتوصيف لـ حالتي.. وحالي و.. مقامي (بفتح وضم الميم) في غابة بشرية تجمع بين نقيضين:
ــ شفافية اليوتوبيا المستحيلة.
ــ وكثافة طروحات الديناصورات والخراتيت التي تحتكر «حماقة القوة».
هل تنتصر شفافية اليوتوبيا المستحيلة التحقق إلى كثافة ديناصورات العصر الجوراسي، وخراتيت الفضاء الالكتروني؟
أشك في ذلك.
• في ضوء هذا الطرح الذي يعتبر بوصلة لـرؤيتك الشعرية.. هل نحن، ساكني القرية التكنولوجية، بحاجة الى الرومانسية؟
ـــ الجواب نعم.
• لكن أي رومانسية؟! هل هي رومانسية القرن التاسع عشر التي تمحورت حول البعد الذاتي الوجوديّ للفرد ام هي رومانسية القرن العشرين التي ادانت االثورة الصناعية بسبب اعلاء شأن الآلة وتقزيم الكيان الانساني؟
ـــ في يقيني.. اننا نحتاج الى رومانسية تراعي:
أنسنة «كائنات الكبسولة الالكترونية» من ادوات واجهزة ذكية وروبوتات ذكية كذلك.
والسؤال: كيف يضفي هذا البعد الانساني على هذه الكائنات الذكية التي صنعناها ثم تركناها على «حل شعرها» لكي نتحول أمامها ومعها الى «رهائن» ضعيفة الارادة؟!
الجواب: بان نطهرها من «ثلاثية»:
- البورنوغرافية (الاباحية).
- العدوانية.
- الدموية.
أي «نستأصل» كل «الشهوات» التي تدفع «كهّان» التكنولوجيا الذكية او التكنولوجيا الحيوية الى صناعات ألعاب بيو - الكترونية تفسد حياتنا وأمزجتنا.
• كيف؟
ــ بالامتناع عن التعامل مع «كائناتهم» الذكية الشرسة والعدوانية التي تخلع ورقة التوت عن سوءاتها.
ولن يتأتى ذلك الا بالتمكين لوردة الرومانسية التي يفوح عطرها في عصر العولمة.
• ........؟
ــ أوافق ان اكتب نصاً شعرياً مع روبوت ذكي..؟!
لم لا..؟!
ستكون تجربة في غاية الاثارة.
فـ/ قصيدتي أو أبياتي ستكون من لحم ودم.. بينما ستكون أبياته «افرازات» من رقائق السيليكون المحشوة بـ/ مفردات الذكاء الاصطناعي والمخيلة الاصطناعية.
• ........؟
ــ الخيال العلمي ينبغي ان يكون جزءا لا يتجزأ من مخيلة الشاعر.. بل يجب أن يتصاهر الخيال الشعري وينصهر مع الخيال العلمي..!
لقد حاولت ذلك في ديواني الاخير «اغواءات الفراشة الإلكترونية» (الصادر عن دار المدى / دمشق)، ولونت الصورة الشعرية المتدفقة من خصوبة الخيال الشعري بـ/ دفقات من الخيال العلمي.
فإذا أضفت الى ذلك المرتكزات المعرفية والعرفانية وتجليات رموز المتصوفة وكنوز المأثورات الشعبية وشجرة المستودع الجيني (نسبة الى الجينات).. فإن مغامرة «اغواءات الفراشة الالكترونية» تعتبر اضافة نوعية الى رؤيتي ورحلتي وتجربتي الشعرية.
• ......؟
ــ بذرة الدراما هي الشعر.
والشعر من دون دراما يفقد خاصيته الجوهرية: جدلية التحاور مع الكون والكائنات.
ومعظم قصائدي مبطنة بـ/ البعد الدرامي.
وهي تتسم بــ/
ــ العنصر الحواري.
ــ التكثيف الدرامي.
ــ التحاور مع الذات والتحاور مع الآخر.
ــ الرمز المفتوح على الاختلاف وتعددية الدلالات.
وكما ذكرت.. فإن الخيال العلمي يبسط جناحيه على كثير من الصور الشعرية في قصائدي الاخيرة..
كما أنني أحلم ان اكتب مسرحية شعرية عن استنساخ آينشتاين ومارلين مونرو.
وأحلم ايضا أن أكتب مسرحية عن المتنبي.. ومسرحية عن عبدالناصر.
.............................
*القبس ـ في 19/11/2008م.

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:42 PM
عن محمد يوسف:
................
عزف منفرد أمام مدخل الحديقة

بقلم: سمير الفيل
...............

محمد يوسف قرأناه في بداية السبعينات ..
حينما اصدر ديوانين في سنوات متقاربة :
ـ ( قراءة صامتة في كراسة الدم ـ 1970 ) ..
ـ (عزف منفرد أمام مدخل الحديقة ـ 1972 ) ..
وكلاهما صدر عن سلسلة أدب الجماهير التي كان يشرف عليها القاص والروائي فؤاد حجازي .
فتنتنا القصائد ، واستمعنا إليها في ندوات شعرية بالمنصورة ودمياط .
كان من نفس جيل زكي عمر الذي لقى نحبه في عدن .

دارت عجلة الزمان ، وسافر إلى الكويت ، وكنا نتسقط أخباره بصعوبة .
مرة أرسلت لعلي منصور أسأل عنه ، وأصف خصلة الشعر البيضاء التي كانت تؤطر شعره ، وجاءني رد يوسف ضاحكا ..

ومنذ حوالي عامين ..
ربما أقل نشر محمد جبريل في المساء أن شاعرنا الجميل محمد يوسف على السرير الأبيض وفي انتظار عملية جراحية ..

ونشر رقم الموبايل الخاص به ..
ولم أكذب خبرا . اتصلت ودارت بيننا محادثة حميمية ووعدني أن يهبط دمياط ليزورني ، ويزور السيد النماس وأنيس البياع ومحمد علوش وكل اصحابه القدامى .
قبل أن يفعلها مات ..
مات الشاعر الجميل ، ومازال صوت العزف المنفرد يتهادى أمام مدخل الحديقة .

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:43 PM
مقالة مبكرة عن محمد يوسف:
..........................................
الأدب غير الرسمي في وادي النيل شاعر من الأقاليم1

بقلم: محمود حنفي كساب
.......................‏

مجلة الموقف الأدبي، العدد الثاني حزيران 1972 السنة الثانية.
الواقعة التاريخية في حد ذاتها لا تعدو أن تكون فاصلاً بين ما كان قبلها وما كان بعدها، والمسار الذي يرتضيه أي شعب من الشعوب لابد أن يتوقف اختياره على حدوث واقعة تاريخية، وقد كانت مصر قبل 23 يوليو 1952 ترزخ تحت نير أجيال من التخلف بفعل الحكم الأوليجارشي لأسرة محمد علي والاحتلال البريطاني البغيض إلى جانب كتل الجهل والفقر والمرض.. وحين حدثت واقعة تحرك الضباط الأحرار للسيطرة على مقاليد الحكم في مصر، ترتب على ذلك أن دالت كل القوى التي تتحكم في شعبنا، وابتلعت القوى الأخرى رغباتها.. والنظرة الموضوعية لثورة 23 يوليو تبين لنا أنها واقعة تاريخية أجري عليها العديد من التجارب، أنضجها كان تحرك عرابي بجيشه لمحاولة إدخال مصر في زمرة الدول المتحضرة... وحدوث ثورة 23 يوليو واقعة تاريخية مركبة، وتسميتها بالمركبة يفسر نتائجها الخطيرة في تغيير الخريطة الاجتماعية لشعبنا وبالتالي الخريطة الثقافية.‏
في 23 يوليو 1952 تحركت القوات المسلحة للشعب المصري بقيادة تنظيم الضباط الأحرار، والرجوع إلى الأوراق التاريخية للثورة يبين لنا أن متوسط أعمار هؤلاء الضباط لم يكن يتجاوز الخامسة والثلاثين، أي أنهم جميعاً كانوا في مرحلة الشباب، ومعنى ذلك أن الشباب المصري استطاع لأول مرة في تاريخ مصر أن يستولي على السلطة لتحقيق شباب أمة بأكملها مع مراعاة ما تعنيه كلمة شباب!‏
وتغلبت ثورة 23 يوليو 1952 على كل الصعاب التي اعترضت مسيرتها حتى التحول الاشتراكي بقرارات يوليو 1961 التي تعني في حد ذاتها واقعة تاريخية لها مداولها العميق، ولكنها تستند ـ أساساً ـ إلى طموح واقعة ثورة 23 يوليو.. ولقد ترتب على هذه الواقعة أن استطاع الشعب المصري التحول من شعب متخلف إلى شعب يطمح في أن يكون له ـ على مستوى العالم ـ دور يلعبه، ووفرت ثورة 23 يوليو ممكنات تحقيق هذه الغاية، أهمها كان منح المواطن المصري حق تلقي العلم بالمجان، وكان أن تمكنت أعداد هائلة من أبناء الشعب أن تنعتق من أسار الجهل. والدارس المدقق الذي يشتغل بالتاريخ الأدبي لاشك سيلاحظ مدى ما استطاعت ثورة 23 يوليو إضافته إلى الحركة الثقافية المصرية بفعل هذه الأعداد الهائلة من المتعلمين الذين خرج منهم أعداداً هائلة من المثقفين الذين انبثق عنهم أعداداً هائلة من الأدباء.‏
ولقد كانت القاهرة ـ إلى عهد قريب جداً ـ تشكل مركز الثقل في الحركة الأدبية المصرية ـ فهي بملايينها الخمسة تحتكر لنفسها كل منشآت النشر القادرة على إيصال الكلمة إلى أكبر عدد من القراء، أضف إلى ذلك استحواذها على محطات البث الإذاعي والتلفزيوني، ومنابع التمثيل المسرحي والسينمائي.‏
وترتب على منح حق التعليم المجاني أن استطاعت أعداد غفيرة أن تعايش الثقافة ومن ثم تفجرت لديها ملكة التعبير الفني، وكانت حركة الأدباء الشبان، ولقد كانت القاهرة تحتكر أيضاً جميع حركات النشر التي كانت بأيدي جيل الرواد وأتباعهم من الجيل الأوسط وبعض طلائع الجيل الثالث، وفي خضم المعركة التي أثارها الأدباء الشبان كانت هناك حركة أدبية جنينية تحاول أن تجد لها مكانا في أروقة ميدان المعركة، هذه الحركة هي حركة أدباء الأقاليم.. والدارس المهتم بالتاريخ الأدبي المصري لن يغفل بأية حال من الأحوال حركة الأدب في الأقاليم باعتبارها مصدراً هاماً من المصادر التي يعتمد عليها في دراسة شاملة عن الأدب المصري بعد ثورة 23 يوليو 1952.. إن فرسان هذه الحركة هم الذين ـ بلا مغالاة ـ سيشكلون ملامح الأدب المصري في السبعينيات، ذلك أنهم الذين يمارسون التغيير في مواقعه الأصلية، فهم يعايشون تلقي الكهرباء من السد العالي في أسوان، واستصلاح الأراضي البور في الصحراء، وبناء المصانع والمدارس والمستشفيات في أقاليم الجمهورية، لذا فحركتهم "تشرع سيف الدهشة" في وجه عالم القاهرة المتعنت اللاهث وراء الموضات الأدبية الوافدة من الخارج!‏
ومن أنضج الحركات الأدبية في الأقاليم حركتا المنصورة والمحلة الكبرى.. ففي المنصورة أنشأ الأدباء ـ احتجاجاً على أوزرار القاهرة وتعنتها ـ داراً للنشر، وانساب هذه الدار مؤلفات شبان مازالوا بعد على الطريق الأخضر للمعاناة الفنية، ولكنهم غامروا، ومغامراتهم شيء رائع، وكلماتهم مثيرة، وعوالمهم تجتذب بصدقها اهتمام الكثيرين.. وانتبهوا لهذه الأسماء: فؤاد حجازي، إبراهيم رضوان، زكي عمر، عبد الفتاح الجمل، زكريا باهي، وجيه عبد الهادي، محمد يوسف، منسوب شريف، محمد رضوان، شوقي عبد الكريم، محمد المسيري، محمد حسبو الغندور، محمود عباس، المغاوري عيد، حسين موافي، عادل حجازي، سالم عبد الوهاب وأحمد حسن وغيرهم كثيرون.. أغلبهم شبان صغار، ومغامراتهم في دروب الإبداع الأدبي ما تزال تحتاج إلى أسلحة ماضية أهمها الثقافة الأصولية بعيداً عن المتاح على صفحات الجرائد والمجلات والأثير، لكن مغامراتهم جديرة بالدراسة الموضوعية بعيداً عما يسمى بالناقد القاهري المسلح بممكنات النشر السهل في القاهرة والبلدان العربية.. إن مغامراتهم تحتاج إلى دارس يعيش في نفس المغامرات، دارس يعاني مما يعانون..‏
والمنصورة مدينة تاريخية، وما أن تواجهك محطتها الحديدية العتيقة، حتى تحس بأنك في حضن معبد تاريخي أصيل.. فهنا استطاع الشعب المصري أن يحقق انتصاراً حربياً هائلاً على الصليبيين، وأسر ملك الفرنسيين في دار ابن لقمان وفداه أتباعه، من هنا نجد الشعب في هذه المدينة له سمة مميزة.. إنهم يفخرون بأنهم أسروا لويس ملك الفرنسيين وما يترتب على هذه الواقعة من اعتزاز ومباهاة!‏
ومحمد يوسف شاعر جديد في الثلاثين من عمره يعمل في تدريس اللغة الإنجليزية، وفاز بجائزة الشعر في مؤتمر الأدباء الشبان الذي عقد في ديسمبر 1969 في مدينة الزقازيق، كما فاز بالجائزة الأولى في مسابقة الثقافة الجماهيرية، ونشرت له مجلات روز اليوسف والجمهورية والعمال والمساء وسنابل العديد من القصائد، وديوانه الذي أصدره في المنصورة تحت عنوان "قراءة صامتة من كراسة الدم" يؤكد طموحه من أجل الاستحواذ على عالم خاص به يمده بالكثير من أدوات تكوين رؤاه للعالم، وهو يقول في تعقيبه في نهاية الديوان: "الشعر ولادة عسيرة.. مكابدة حارقة.. الشعر ثورة وتفجير وصيغة لإعادة تركيب العلاقات الإنسانية.. الشعر ضرورة حياتية.. والشاعر هو الوسيط بين طرفين (الأنا) و(الخارج)، ودوره الذي ينبغي أن يقوم به هو كسر رتابة العلاقات المتراكمة المترسبة في أعماق الإنسان العادي وإعادة صياغتها، وتشكيك، وتفجير ينبوع الالتقاء بين (الداخل) و(الخارج) بحيث تتخلق الحياة عن طريق الوسيط الشعري خلقاً جديداً بعد إعادة تركيب علاقاتها من خلال الرؤية الشعرية..‏
إن دور الشاعر هنا هو الاحتجاج على تكدس (الرتابة) وكسر علاقة (الوتيرة الواحدة) وليس التصديق عليها.. إن الشاعر دائماً هو (القطب الموجب) أو ينبغي أن يكون هكذا وإلا فقد دوره إذا أصبح (قطباً سالباً).."، ويلاحظ القارئ من العبارات السابقة أن الشاعر لا يترك متلقي شعره وحيداً، وإنما يتدخل في تجربة التلقي عند القارئ، ويفرض عليه وجهة نظره من خلال إفهامه أن "الشعر ثورة وتفجير وصيغة لإعادة تركيب العلاقات الإنسانية"، ونحن كمتلقين لشعره نؤكد له إيماننا بهذا المفهوم، فنحن ـ الذين يتذوقون مثل هذا الشعر على الأقل ـ نعتقد أن "عالما بلا شعر هو عالم بلا عدالة بلا حرية بلا ضمير" ومن ثم فالشعر بالنسبة لنا "ضرورة حياتية"، ونؤمن أيضاً "بأن دور الشاعر هنا هو الاحتجاج على تكديس (الرتابة) وكسر علاقة 0الوتيرة الواحدة) وليس التصديق عليها"..‏
وكنت أود ألا يكشف لنا الشاعر عن معتنقه الشعري بهذه السهولة، خاصة أنه سيكشف لنا أن تعقيبه هذا لم يتحقق في العديد من القصائد التي ضمها الديوان، ومن ثم ينطبق عليه المثل العربي: "على نفسها جنت براقش".. ولا أريد للكلمات السابقة أن تعني أنني أترصد الأخطاء، وإنما ما أود التصريح به هو أن شاعرنا أمامه الكثير لكي تتأكد رؤاه الشعرية، ويتضح عالمه، ومن ثم فالمسارعة بتوضيح المعتنق الشعري قبل التكوين الذي لابد وأن يسبقه الكثير من المعاناة من أجل صياغة رؤيا شاملة للعالم ـ هي في الواقع مصادرة على المطلوب من أمثاله، وبالتالي كنت أود ألا يتسرع شاعرنا، كان عليه أن يكبت ملكة النثر لديه، ويملأ صفحة التعقيب شعراً، ويترك لنا مهمة توضيح معتنقه الشعري إن كان له معتنق!‏
ففي قصيدة "هبط نسر البرق في شدوان" يحاول الشاعر ـ برغم طموحه ـ أن يُشعر دراميا عن شدوان.. ويعلم القارئ أن شدوان هذه جزيرة صغيرة في خليج السويس شن عليها المعتدون الإسرائيليون هجوماً وحشياً لمحاولة احتلالها، وكسر شوكة المقاومة لدى الجندي المصري، ولكنه أي الجندي المصري أثبت بما لا يدع مجالا ًللشك انه حين يواجه العدو، وتتاح له فرصة مقاتلته يحقق المعجزات، ولم يستطع المعتدون الإسرائيليون احتلال الجزيرة أمام صمود الجندي المصري، وانسحبوا يجرون أذيال الخيبة والعار، ويلتقط الشاعر ـ عرب محاولة درامية ـ الواقعة، ولكنه يسقط صريع التقريرية، ومحاولة بناء الصور بتكلف زائد..‏
أيتها الجزيرة الصغيرة‏
وجهك كان مصحفا‏
عليه اقسم الجنود في الظهيرة‏
أن يحرسوارايتك المنيعة‏
وللوهلة الأولى يتبين لنا أن الشاعر بإدارته الحوار بين الصوت المنفرد والجوقة يريد خلق دراما شعرية محدودة عن طريق استغلال عناد الجنود وقتالهم للعدو ومعنى صمودهم في شدوان، ولكن القسم لم يستطع أن يرتفع إلى مستوى الدراما التي أرادها الشاعر، وإنما استطاعت التقريرية أن تجذبه ناحيتها مما أضر بالصورة الشعرية التي أراد شحننا بها، فترد الجوقة:‏
شدوان بندقية‏
تحرس أرض مصر‏
وتحرس القضية‏
بالموت أو النصر..‏
وحقا استطاعت شدوان أن تثبت أن الجندي المصري استطاع كسر العدوان، فماذا أضاف الشاعر؟!.. لا شيء وإنما نظم ما نقلته وكالات الأنباء والصحف والإذاعات شعرا، ومن ثم لا يرتفع ما أورده إلى مستوى الشعر، وهو القائل في تعقيبه: "الشعر ثورة وتفجير وصيغة لإعادة تركيب العلاقات الإنسانية".. ثم يستمر في التقريرية التي ولد الشعر الحديث احتجاجاً عليها، فيقول على لسان الجوقة:‏
الشمس في شدوان‏
تحارب الجرذان‏
تحارب الصواعق المحلقة‏
وتسبك الإنسان..‏
وفي "بكائية" تنحرف التقريرية قليلاً ليظهر صوت حقيقي متخلص من عبء الأنباء فيقول:‏
في شهقة التلاحم الليلي‏
يضيء وجهه كأنه نبي‏
ـ تعرفه؟‏
ـ أعرفه، قلبته حين افترقنا منذ عام ودعته حين اقتسمنا الكعكة الخضراء ودعته ذات مساء‏
ثم أتى يزورني في السترة الصفراء‏
وندبة على جبينه كأنها وسام‏
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-02-2009, 04:44 PM
ويثور سؤال: أليس مطلوباً من الشاعر أن يهتف لإنجازات أبطال أمته؟ وتكون الإجابة: إن الشاعر هو ضمير العالم، وقبل أن يكون ضميراً للعالم فهو ضمير أمته، وليس معنى أن يهتف الشاعر لإنجازات أمته أن يبتعد عن منطقة الشعر الذي هو قبل كل شيء نبوءة وثورة كما يقول شاعرنا، وتذكرني قصيدته الثانية وهي من الديوان نفسه والمعنونة بـ "قراءة صامتة من كراسة الدم" بالمقطوعة النثرية التي كتبها كامل حتة عن شهداء الصبحة، والتي كانت توزع علينا في الخمسينات ونحن في المرحلة الابتدائية، فقد شن العدو الإسرائيلي هجوما غادرا على أحد مواقعنا في سيناء يسمى (الصبحة) واستشهد من جنودنا عدد كبير.. وحقق كامل حتة في مرثيته النثرية مستوى فنيا ممتازا يقترب كثيرا من مكابدات الشعر في سبيل شحن القارئ بعديد من الصور تضمن انحيازه لموقف الكاتب.. أما محمد يوسف في "قراءة صامتة من كراسة الدم" فلم يبذل من نفسه سوى أقل القليل مما يعد تحصيل حاصل، وبدت قصيدته كوصف كتبه صحفي تحت التمرين تحتوي على بعض الإيقاعات الشعرية.. يقول:‏
مات حسام‏
أثناء القصف ولم تمهله الأيام‏
وكلنا نعلم أن العدو الإسرائيلي قد شن في 8 إبريل 1970 هجوماً غادراً بالطائرات على مدرسة بحر البقر، وقتل بقنابله عشرات التلاميذ الصغار الأبرياء، وكان من الممكن للشاعر أن يشكل بهذه الجريمة مرثية تصل إلى وجدان القارئ، تجعله يزداد نقمة على المعتدين، ولكنه ـ وكما أسلفت ـ لم يخرج عن دائرة وسائل الإعلام ونقلها للحدث وآثاره السطحية، ومن ثم بدد شاعرنا منجما غنيا كان بوسعه لو استمسك بما أورده في تعقيبه أن يقدم لنا رؤيا جديدة، وليت شاعرنا بدأ قصيدته بهذه السطور، وتخلى عن مقدماتها، أعتقد انه كان سيحقق مستوى آخر في التعبير.. يقول:‏
في مطر الضياء، وانهمار شمسنا‏
والزمن الكائن في شرنقة المشيئة‏
والبذرة الخبيثة‏
في رحم التكوين والبشارة البطيئة..‏
ثم هو في قصيدته "مسح درامي لليوم الثامن من إبريل 1970" وهو يهديها إلى أطفال مدرسة (شهداء 8 إبريل) الذين استشهدوا، والذين لا يزالون في ضمير الغيب ـ برغم قوله عنها "إنها محاولة شعرية تستهدف تجميع جزئيات غير موصولة وربطها بخيط الرؤية الشعرية لتشكل في النهاية إيقاعاً واحداً وإن كان ينبع في البدء من تنويعات مجزأة" ـ يستمر في تبني ما شحنته به أجهزة الإعلام التي غطت حادثة مدرسة بحر البقر فيقول تحت عنوان "من كراسة شهود الإثبات":‏
لم يعطنا مهلة‏
ولم يقل بأننا سوف نموت جملة‏
لكنه باغتنا،‏
متعلقاً من ساحة البراءة‏
محملا بالمطر الأسود،‏
والإساءة‏
.. ... ..‏
فأنزل العقوبة‏
بنا لكي يجف قلبها الحزين في لزوجة الرطوبة‏
وتعقم الأشجار، والحقول‏
والوتار‏
ويعقم النهار‏
وتستمر القصيدة في تداعيات الصور المباشرة، ومن ثم تفتقد رؤيتها الخاصة، وتفقد مبرر وجودها كشاهد ونبوءة.. ونتأكد من أن الشاعر يريد تأكيد عالمه الشعري بأساس تبني مكابدات شعبه ولكنه في تبنيه هذا يتجاوز الشعر، ويصبح ما يبدعه شيئاً بين الشعر والنثر والخطابة ومن ثم يتوه في منطقة الإبداع، فالشعر شيء غير هذا وذاك، وأروع ما في القصيدة الحديثة ـ التي ظهرت عندما تمرد الشعراء على الوزن والقافية والرثاء والهجاء والمدح ـ تلك الخصوصية التي تتميز بها، وحين يختار الشاعر وسيلته فلابد أن يخلص لها وذلك عن طريق دراسة واستيعاب تجاربها، ولكن شاعرنا وقع في منزلق التسرع، وإفراغ شحنته الانفعالية في قصائد لا تمت إلى الشعر الحديث بصلة، وإنما هي أقرب إلى الشعر التقليدي برؤاه الفجة المباشرة!‏
"إن دور الشاعر هنا هو الاحتجاج على تكديس (الرتابة) وكسر علاقة (الوتيرة الواحدة) وليس التصديق عليها". فهل استطاع الشاعر تحقيق ما يدعى أنه يؤمن به؟.. نفس قصيدته "معزوفة حب في الغربة" يتحدث عن حبيبته التي حاول نسيانها، ويعلم القارئ أن عاطفة الحب من أهم أغراض الشعر تقليديا كان أم حديثا، ولكن الشاعر الحديث يعالج الحب من خلال مأساة عالم بأسره، عالم يحتج عليه، ويريد هدمه وبناء عالم آخر يسمح للمحبين باللقاء والتفاعل بدون مصارعة التقاليد والموانع والأشواك، وشاعرنا ـ إذا تأملنا عنوان القصيدة ـ يود أن يجسد لنا لوعة المحب الذي تطارده عيون حبيبته ولا يستطيع الفكاك من ذكراها، ولكن محاولته تتضاءل أمام لوعته وبالتالي فهو يجدها في كل ركن يتجه إليه.. وهي رؤيا تقليدية أشبعناها عرضا على جماهير متلقي الشعر، ومن ثم ساهم شاعرنا في تكديس الرتابة وتوطيد علاقة الوتيرة الواحدة فيقول:‏
لكن أحلم أنني ـ هنا ـ‏
أغسل وجهي المتعب‏
في صوتك القادم‏
عبر الدموع حينما أشد من نتيجة الحائط‏
زنبقة يابسة أشم من نقائها‏
ذكرى اللقاء..‏
.. .. ..‏
حاولت أن أنساك إذ أطرقت‏
لكنني أخفقت‏
غفوت برهة، حلمت أنني‏
أضاف حينما احترقت..‏
ولكن شاعرنا يتقدم حثيثاً نحو الشعر.. نفس قصيدته "من دفتر الصمود والمقاومة في مدينة فلسطينية محتلة".. يتجاوز التقريرية في أحد مقاطع القصيدة، ويقدم لنا حلم مقاوم، ورقة هذا المقطع تغفر له بداية القصيدة الساذجة القصيرة النفس..‏
فيقول:‏
في منتصف الليل يزايلني الرعب‏
فلا أتشنج‏
اشتعل كفحمة برق، أتوهج‏
أحلم يا (راشيل) بوجهك عبر صحاري العالم‏
أنتشر رماداً ـ في منتصف الليل ـ ـ‏
وأسقط بعد النوبة‏
كسرة حزن رطبة‏
ويغني لسميح القاسم الشاعر العربي المقيم في الأرض المحتلة، ويصوره كطائر يوقظ النيام فيقول:‏
طار (سميح)‏
فوق مدينتنا عبر الريح‏
حط (سميح)‏
فوق مدينتنا، ألقى أبياتاً شعرية‏
صار (سميح)‏
فوق حناجرنا..‏
تحت زجاج نوافذنا، في صرخات ضمائرنا‏
أغنية...

وفي قصيدته "من سفر الجرح الواحد" ـ وهي في رأيي من أنضج قصائد الديوان ـ يعبر شاعرنا عن افتقاد المشاركة بيننا في المحنة والحزان، وعدم إحساسنا بغربة الآخرين، وعدم استطاعتنا التواصل مع الآخرين.. وانغماسنا في فرديتنا، وغوصنا فرادى في الأيام الحجرية التي تسمح فينا البراءة والصدق، وتحولنا إلى أشباح نتنكر لبعضنا البعض.. وهذه القصيدة ـ في رأيي ـ هي المعبر الحقيقي عن شاعرنا، ومن يريد معرفته لابد وأن يقرأ هذه القصيدة بإمعان، ففيها تتضح ـ بصدق ـ هوية الشاعر.. فهو هنا حزين، ومعذب بآلام الآخرين، ويريد لكل من حوله البراءة والحب والتواصل، ولكنه لا يرى شيئاً من هذا أو ذاك.. ويبكي، وينشج، فيقول:‏
لو أنا نقتسم الغربة في الوطن الواحد، والجرح الواحد‏
والحزن الواحد‏
لو أنا نقتسم الذكرى، والهجرة في المنحنيات الزمنية‏
لو أنا نقتسم الخبز الجيري، ونقتسم الأيام الحجرية‏
.. .. ..‏
ينهمر المطر الأسود في قريتنا،‏
نطفو مذعورين من الرجفة فوق السطح‏
يتخطفنا طير الألفة‏
يحملنا عبر المطر الأسود،‏
.. .. ..‏
لكنا في غمرة رجفتنا بالرأس ننوء‏
ونبوء‏
بالهمس الموبوء‏
نبكي إذ نمسخ وجه براءتنا‏
بالهمس‏
والقاموس الشعري للشاعر مايزال في مرحلة التكوين وأطياف قواميس شعراء آخرين تلوح في شعره مثل قاموس محمد عفيقي مطر الأمر الذي يصمه بالكسل اللغوي، فمن أهم مميزات الشاعر الحديث ابتداع قاموس شعري متفرد.. ولكن يبقى لمحمد يوسف فضل المغامرة بإصدار ديوانه الأول، وهو ـ في رأيي ـ يؤكد إصراره على أن يكون شاعرا...‏
وأتمنى أن يكون ديوانه الثاني متحرراً من التقريرية، موغلاً في الشعر، مؤكداً قاموسه الشعري المتفرد، أيباً من رحلة الإيمان بأن طين مصر قادر على إثراء العالم بفنان له وجهة نظر ورؤية إنسانية متكاملة.‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1 ـ عذابات ورثة ابن لقمان ـ مجموعة شعرية لمحمد يوسف ـ القاهرة 1972.‏

د. حسين علي محمد
01-03-2009, 06:34 AM
أدبنا العربي..جزر منفصلة

حوار: د. زينب العسال
..........................

د.حسين علي محمد : الثقافة الإلكترونية ألغت المسافات
شوقي حجاب: السياسة والنفط يؤثران علي الإبداع

قد يبدو العنوان مثيراً. لكنه ينطبق علي الدعوات التي ظهرت في العقود الأخيرة. خافتة الصوت في البداية. ثم علا الصوت بنبرة الاستعلاء التي يتحدث بها المثقفون في قطر ما من الوطن العربي عن كتاباتهم. مقابلاً لنبرة الاستخفاف التي يتحدثون بها عن كتابات الأقطار الأخري.
يشفق د.حسين علي محمد من هذه الظاهرة. ويري أن الثقافة العربية متواشجة من بدء التاريخ العربي. وازدادت الحميمية بالمطبعة والإذاعة والإنترنت. والكتاب الذي يظهر في القاهرة تجده في اليوم التالي في مسقط وتونس والرياض. والديوان أو الرواية الذي يظهر في بيروت تجده في اليوم التالي في أيدي مريديه في الوطن العربي من الماء إلي الماء. وقد قرّبت الثقافة الإلكترونية الحدود وألغت الحواجز والرقابة. فقد تمنع إحدي البلاد العربية قصيدة أو رواية أو كتاباً. لكنك في اليوم نفسه تستطيع قراءة هذه المادة. وقد حدث ذلك مع بعض المواد الأدبية.
أذكر علي سبيل المثال أن قصيدة نزار قباني "متي يعلنون وفاة العرب" حينما نشرت في جريدة "الحياة" صودرت الجريدة في ذلك اليوم. لكننا قرأنا القصيدة منشورة في اليوم نفسه. لقد عشت خارج مصر نحو عقدين من الزمان. وما وجدت صعوبة في الحصول علي كتاب ثقافي أريده. مهما يكن المكان الذي نشر هذا الكتاب. وهذا يدل علي التواصل الثقافي العربي الذي تثريه المطبعة والصحيفة والمهرجانات التي تقام كل يوم في عاصمة من عواصم الوطن العربي. فنحن أمة واحدة. ولساننا واحد. ولغتنا واحدة. وأدبنا واحد.
وحين كانت المواصلات صعبة والكلام للشاعر شوقي حجاب كان كل منا يبحث عن الآخر. فلما أصبحت الاتصالات والمواصلات أكثر يسراً تدخلت السياسة. وتدخل النفط. فأصبحنا بالفعل جزراً منعزلة سياسياً علي مستوي القيادات. وهو ما أثر علي الأدب. رغم أن الأدب دائماً علي يسار القيادات. لكنني أتذكر أننا كنا نبحث عن محمد ديب في الجزائر. ونزار قباني في سوريا. وفي الفن عن فيروز. الآن لا نبحث عن أحد. وقد أدي هذا إلي اتساع الهوة. لأن الأدب والفن هما السفراء. وأنا شخصياً أعي وقتاً لم تكن هناك حواجز بين الدول. وكان يأتي إلي بيتنا من ناس من المغرب. يستريح أياماً. ثم يستكمل رحلته إلي الحجاز. لم تكن هناك حواجز علي الإطلاق. هذا الكلام منذ 50 عاماً فقط. وكنت شاهداً عليه. ولعلنا نذكر المشاق التي خاضها سلامة حجازي ويوسف وهبي في تنقلهم بين ربوع الوطن العربي.
ويذهب د.حسين حمودة إلي أنه من المطلوب أن نفكر في البديهية القديمة التي تؤكد أن الأدب الحقيقي إنما ينتمي إلي الإنسانية كلها. إذا فكرنا علي هذا النحو فسنجد أنه من السهل تجاوز أية نزعة ضيقة تري أن أدب بلد ما أكثر أهمية من آداب البلدان الأخري ككل. الآداب في كل بلدان العالم تتكامل وتتفاعل معاً. فلماذا نضيق الحدود من حولنا؟ ويؤكد د.حمودة أن الأدب العربي ربما أكثر من أي شيء آخر يمثل جزءاً حقيقياً من الروابط التي تصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه. ربما كانت هناك صعوبات في إيصال بعض الكتب من هذا البلد العربي إلي ذاك البلد العربي. لكن المثقفين استطاعوا دائماً أن يذللوها. أو يتحايلوا عليها. وكان الكتاب بالتالي يصل دائماً إلي من يريد. وإن في وقت متأخر. ربما احتج بعض الأدباء أوبعض النقاد بأن أدب بلده لم يصل بالقدر الكافي إلي البلدان الأخري. لكنني أتصور أن هذا الاحتجاج أمر منسي تماماً. فمهما انتشر أي عمل أدبي داخل مساحة الوطن العربي. فلن يكون هذا الانتشار كافياً أبداً. ومن حق الأدباء والنقاد أن يطمحوا إلي مزيد من هذا الانتشار. أتصور أن بعض الأقطار العربية لها الحق في أن تؤكد علي تجربتها الأدبية والثقافية. وأن نبحث لهذه التجربة عما يميزها. لكني أتصور أيضا أن هذا يجب ألا يكون علي حساب التجارب الأدبية العربية الأخري. وربما كانت نزعة البعض لتأكيد هويته الإبداعية واضحة. وربما حادة. وهي نزعة من السهل تجاوزها.
ويعيد الناقد حسين عيد نشوء هذه الظاهرة إلي استقلال كل دولة في وطننا العربي في كيانها الخاص. ربما يسعي البعض إلي التحيز لأدب بلده الخاص. وإن كنا نلتمس للبعض العذر مع مسار النمو الذي تتخذه هذه الأقطار. ورغبة أدبائها وكتابها أن يكون لهم كيان خاص ومتميز. وسط وطن عربي مترامي الأطراف. لكن هذا التوجه مغلوط. لأننا في نهاية الأمر أبناء أمة واحدة. هي الأمة العربية. وكأديب مصري. فقد ولدت وسط وطن عربي. لأن وجود هذا الوطن العربي يسمح لي بهذا القدر من الانتشار المباشر بحكم اللغة العربية أساساً. أما إذا حولنا تضييق نطاق كل مجموعة من الكتاب وانغلاقها علي وطنها الخاص. فإن الخسارة هنا ستكون مزدوجة للوطن الخاص. والوطن العام في الوقت نفسه. والأصل أن نفيد من وجودنا ككتاب عرب وسط الوطن العربي. أما الانغلاق داخل حدود دولتي الصغيرة. فهو أمر مرفوض. وتشرذم خاطيء. لا يفيدنا كعرب.
وفي تقدير د.عبدالمجيد زراقط الأستاذ بالجامعة اللبنانية أن المشكلة ليست في الإبداع. وإنما في المبدعين. في بعض المبدعين علي وجه التحديد. إنهم يسيئون إلي قيمة إبداعنا العربي. وثقافتنا العربية بعامة. من خلال شبكاتهم التي تشمل أقطار الوطن العربي. إنهم قلة. لكنهم يحسنون التآمر والإفادة من وسائل النشر التي يشرفون عليها. وإخضاعها لصالح الشلة. بصرف النظر عن جودة الإبداع الذي يروجون له. أو فساده. إن التنبه لهذه الشبكة أهم من الدعاوي التي قد يفرضها التحمس لإبداع قطر عربي ما. أو ما يصدر عنه من أعمال نقدية ودراسات. فمهما علت تلك الأصوات المتحمسة. فإن إبداعاتها تظل منتسبة إلي الإبداع العربي جميعاً. الإحساس بالتفوق مطلوب. دون أن يماهيه إحساس بالدونية بالنسبة لإبداعات أخري هي جزء من الإبداع العربي. وتناولنا لها ينبغي أن ينطلق من هذه النظرة.
وجهة نظر أخري. يعبر عنها الشاعر أحمد فضل شبلول. فهو يري أن أدبنا العربي لم يصبح جزراً منعزلة. بل أصبح أكثر اقتراباً من بعضه البعض. فقد ظهرت أسماء أدبية في العالم العربي مهمة نتابعها ونقرأ لها ونفرح بها وبإبداعها. وتفوز هذه الأسماء بجوائز أدبية رفيعة المستوي. وتعقد دورات بأسمائها في مصر وخارجها. ولنأخذ مثالاً علي ذلك عبدالرحمن منيف. كما نأخذ أسماء مهمة خارج مصر حققت وجوداً كبيراً بإبداعها الذي نتواصل معه من أمثال إبراهيم الكوني في ليبيا. وواسيني الأعرج والطاهر وطار في الجزائر. ومحمد شكري ومحمد أنقار في المغرب. وصلاح الدين بوجاه في تونس وغيرهم الكثير والكثير. وكل هذا الإبداع يصب في مجري الأدب العربي المعاصر ليشكل نهراً متدفقاً علي الدوام. وقد أسهمت سلسلة "آفاق عربية" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة علي سبيل المثال في تقريب بعض الإبداعات العربية لدينا في مصر. ربما كانت هناك فترة من الفترات مرت علينا في مصر لم نكن نعرف فيها سوي صوت أدبائنا. وكان المبدعون العرب يعتبون علينا في ذلك. وأتذكر سؤالاً وجهه الكاتب التونسي رشيد الزوادي لكاتبنا الكبير توفيق الحكيم. عن رأيه في الأدب التونسي. فأجاب الحكيم بصراحته الجارحة أنه لم يعرف شيئاً عن هذا الأدب. علي الرغم من أن طه حسين كتب مقدمة رواية "السد" للكاتب التونسي محمود المسعدي. وأعتقد الآن أننا نعرف عن الأدب العربي خارج مصر الكثير مما كانت تعرفه الأجيال السابقة. وبالتالي لم يعد أدبنا العربي يعيش في جزر معزولة حتي لو نُسب كل أدب عربي لبلده. وهذا شيء طبيعي ولا غبار عليه. وقد لعبت المؤتمرات "وخاصة مؤتمرات المجلس الأعلي للثقافة في الرواية والشعر. ومؤتمرات اتحاد الكتاب في السنوات الأخيرة" والأسابيع الثقافية التي تعقد كل فترة وغيرها. دوراً مهماً في التقريب بين هذه الجزر المعزولة. أيضا تبادل الزيارات والسفر الذي أصبح أكثر يسرا من سنوات الستينيات والسبعينيات مثلاً. فضلاً عن أهم وسيلة موجودة الآن للتقريب بين المسافات بل إلغاء المسافات. وهي شبكة الإنترنت. وما تحققه من نسف لتلك الجزر وإلغائها في الواقع الافتراضي. لنعرف أكثر وأكثر عن أدبنا العربي في كل قطر عربي. وفي كل موجة من موجاته المتتالية.
................................................
*المساء ـ في 28/2/2008م.

سعود العبد الله
25-08-2010, 01:34 PM
مختارات راقية جدا و قيمة تستحق القراءة

نسأل الله العلي القدير ، في هذا الشهر الفضيل أن يرحم أخينا الدكتور حسين على بواسع رحمته و أن يغفر لنا و له و يتجاوز و أن يدخله الفردوس الأعلى بغير حساب ، اللهم آمين ...