مازن دويكات
26-08-2008, 04:19 PM
حضور للنبض غياب للجسد....قراءة في مجموعة وسائد حجرية للشاعر مازن دويكات
----------------------------------------------------
بقلم: سعيد محمد سعادة
شاعر ومسرحي -- نابلس / فلسطين
.................................................. ...
حضور للنبض غياب للجسد
باق هنا
جسد يسير وجثة متوثبة
لي في الأعالي شرفة زرقاء
لي فوق التراب مجرة الفوضى
وما يسري بـ لازورد ذاكرتي
ويرسوفي الحواس سفينة متأهبة(1)
وسائد حجرية انفلات من قبضة الدال الى اتساع المدلول ، واقصاء متعمد لفهمنا التقليدي – ذلك الفهم المتعلق بالبعد المضموني المجرد عن اي فضاء دلالي اخر يكتنزه جسد النص الشعري ،فهو ليس يعطينا سوى معنى وظيفي جاف من مثل : رثاء، تحسر،بكاء .. الخ-وصولا الى فهم حداثي اكثر عمقا من مجرد الوقوف على سطح النص واصدار احكام اعتباطية ساذجة ،وقيم تفسيرية رياضية مسطحة،لا تثري مخيلة القارئ ولا تفتح لفكره أي افق من افاق المعرفة المتعددة .هذا الفهم الحداثي - المتوالد لنا من القراءة العميقة للنص الشعري في المجموعة- سوف ينعكس بالضرورة على ذهنية القارئ كما معرفيا مكثفا بدلالاته ومعانيه الفنية كي يجعله يحيط بابعاد التجربة الانسانية وحيثياتها ، تلك التجربة التي سكبها الشاعر (مازن دويكات ) وقولبها في نصه الشعري – وسائد حجرية –على شكل قوالب فنية ومقطوعات غنائية مؤثرة حية ،اقتطعها من روحه ، واجتزأها من مشاعره وأحاسيسه المرهفة الشفافة ، كاشفا بها احوال شخوص غير عادية – ( حسين البرغوثي – اوديب ) غادرتنا لتسكن اجسادها عالم البياض والصمت الابدي ، في حين نحن ما زلنا فوق هذه البسيطة ،نحس بل ونلمس ارواحها في كل وقت وحين وهي تحلق في سماء الخلود واللاموت ،فارضة نفسها على الحياة بما أوتيت من اشعاع ابداعي وفني في شتى مجالات الادب والفكر الانساني .
إذن عالم البياض التي حطت به ركاب شخوص المشهد الشعري في المجموعة ، ليس معناه الفناء و الإنتهاء لهذه الشخوص من دون رجعة أو عودة بالنسبة لنا، وإنما – في مثل حالة هذه الشخوص – يعتبر الموت إعادة خلق من جديد لها ولإبداعاتها المتجددة و المستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فبرغم عالم البياض الذي انتقلت إليه إلا أنها ستبقى في مخيلتنا و مفردات حياتنا تحتل حيزا كبيرا من مساحة وقتنا وأفكارنا ، وذلك من خلال ما سطرته لنا من فكر وأدب وفن اتسم بالإبداعية و الديمومة الأبدية. ونحن لو نظرنا بعين الفكر و البصيرة الثاقبة لا بعين القراءة السطحية التي لا تتجاوز بؤبؤ العين ؛ لاستطعنا أن نلمس هذا الحس و التوجه الذي يكرس عدم الموت لدى جميع الشخوص في المجموعة برمتها ، وذلك مما أفاض به علينا احساس شاعرنا ( مازن دويكات) الذي تماهى مع شخوصه المبدعين في المجموعة من أولهم (حسين البرغوثي ) إلى آخرهم ( أوديب ) . فهذه قصيدة حملت اسم المبدع (غسان كنفاني ) حيث أكدت هذا المعنى بوضوح وأثبتته بشكل جلي قاطع لا مراء فيه:
قليل من الموت يكفي
لأعلم في لحظة ، أن حتفي
أعاد الحياة
على صهوة الحرف
عادت ، وعاد القلم
لإصبع كفي(2)
يضعنا الشاعر (مازن ) في هذا المقطع الشعري وجهاً لوجه مع الموت – القتل الذي أنهى ميكانيكية الشخصية عن الحركة في حين لم تنتهِ وظيفية الفكرة – اللغة من حركتها؛ فالقتل الذي اغتصب الشخصية و سلب منها الحياة جاء بسبب اصرارها على فكرتها ، تلك الفكرة المتمثلة في سلك كل طريق ودرب نضالي من أجل الوصول الى البيت – الوطن . والسؤال الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق هو : هل يعقل أن يقتل المرء لأنه يريد العودة الى وطنه؟! سؤال فضفاض يوقعنا في اشكالية كيفية الخروج ونوع العودة وآلية الرجوع. فلو نظرنا الى الشخصية (غسان كنفاني ) لوجدنا أنها نزعت وطردت من أرضها جبرا،وبسبب هذا الفعل الإجرامي الذي وقع عليها و على وطنها ، كان لا بد لها أن تقاوم بكل ما أوتيت من انتمائية للوطن ، من أجل استرداده من يد المحتل الغاصب و طرده منه ، و لهذا كانت الطريقة التي تبنتها الشخصية في سبيل تحقيق هذا الأمر يتمثل في شقين : الشق الأول؛ حمل السلاح ومقاومة هذا الإحتلال مقاومة حسية ، أما الشق الثاني فكان عبارة عن تعبئة الجماهير التي وقع عليها ما وقع على الشخصية على المستوي الفكري ، و ذلك من خلال ما سطرته من ابداعات اتسمت بروح المقاومةو النضال ضد هذا الغاصب المحتل ، و لهذا دفعت حياتها مقابل هذا الإنتماء النقي للوطن وقضيته ، فمنعت من ان تعود الى وطنها ، ومن هنا تكرست الشخصية وتجذرت في ذهن هاتيك الجماهير التي أصابها ما أصاب الشخصية من احتلال و تشريد و قتل . وشاعرنا ( مازن دويكات) بالطبع واحد من هذه الجماهير ، حيث كرس هذه الشخصية بأسلوب أكثر عمقا و تركيزا ؛ إذ أفردت مقطوعة شعرية تماهى بها مع الشخصية حتى العظم ، فجاءت – المقطوعة – كأنها تحكى و تنشد على لسان الشخصية نفسها.
يبدو أننا أطلنا الوقوف على مقطوعة (غسان كنفاني) لذا نعود الى المعنى الذي نحاول أن نثبته في ورقتنا هذه وهو أن شخصيات الوسائد حية برغم حالة الموت التي تقمصت أجسادها ، فهذه مقطوعة تحمل اسم (أبو حيان التوحيدي) التي جاء بها شاعرنا ( مازن ) على شكل حكم ينطق بها الراوي مدللا على جدية المعنى و صدقه ليترسخ ويتكرس في ذهن القاريء وعقله:
حيٌّ من يمتلك الكلمة
من يبحث عن خبز اليوم
بأسواق الوراقين
...................
مادام هناك سفر
يعلوه اسمه
أوحجر في مقبرة
فيه رسمه
يلمع في كل مكان
في كل زمان
حتى ولو غُـيّب جسمه(3)
هذه المقطوعة جاءت – كما قلنا آنفاً – على شكل حكم و مواعظ ، فما السبب يا ترى ؟ الشاعر مازن قبل كل شيء يريد ان يؤكد لنا أن المبدع ( أي مبدع) حي ولو غيب جسمه في التراب ، هذه قضية مفروغ منها ، و هي ما نحاول تأكيده في ورقتنا هذه، أما السبب في أن هذه المقطوعة جاءت بأسلوب وعظيّ في الطرح فهو متعلق بشخص (أبي حيان التوحيدي) وقصته ،فأبو حيان كان يحاول مرارا و تكرار أن يتصل بديوان الخليفة – بما ملك من فن الكتابة والتأليف و الفلسفة في شتى العلوم – ويحظى بمنزلة رفيعة ، إلا أنه كان يخفق دائما على مستوى السلطة – مع أنه كان ناجحا و ذا حضور مميز في أوساط المثقفين و بين العامة – فأصابته مرارة الخيبة و الفشل ونار التشاؤم و سوء الظن مما أدى به ذلك الى حرق كتبه بيديه .
وبما أن الحال كذلك فقد استوجب من شاعرنا مازن أن يقول بشكل ضمني في مقطوعته هذه موجها كلامه الى أبي حيان و أمثاله ، أن الحظوة و الشهرة تأتي من خلال فن الكلمة و ليس من الاقتراب من السلطان . و لذلك فهو (الشاعر ) ينكر على أبي حيان فعلته بحرق كتبه تلك الكتب التي لو بقيت لكانت أكبر رصيد له في حياته و بعد موته أيضا من أي شيء آخر .
حي من يملك فاكهة النار
و لا يطعمها للأوراق
حتى لو رفرف وطواط البرد
على نافذة الدار(4)
إذن الحالة هنا تستدعي أسلوب الحكمة و الموعظة ؛ لما فيها من إقناعية أكثر للقارئ من أي أسلوب بلاغيّ آخر .
إن القضية المركزية التي تدور حولها مجموعة ( وسائد حجرية ) هي تكريس شخصيات مبدعة في شتى مجالات الفكر و الفن استلبها منا شبح الموت و ألقاها في عالم البياض و الصمت ، فجاءت هذه الوسائد لتبعثها من جديد ، و تنفخ الروح بها في ذهن القراء ؛ لتخرج من عتمة النسيان إلى ضوء الذاكرة و المخيلة . فنحن عند التعاطي القرائيّ للوسائد لا نستشعر سردا شعريا جافا لسِـيَـر مبدعين من كتاب و فنانين و أدباء توارَوْا عنا ولفهم وادي ظل الحياة ، و إنما جاءت عبارة عن وقائع حية نحس بها و نسمع فيها شخوصا – برغم صمتها الميكانيكي – ما تزال تناضل و تقاتل حاملة سلاحها الإبداعي و ساعية بما أوتيت من صدق و انتماء من أجل انتصار قضاياها التي كانت تشغلها – و التي هي في النهاية قضايانا نحن – حتى تتحق و تخرج من عباءة التنظيرالكلامي الى حسية الواقع و ديناميكية الحياة فعلا وتطبيقا . لذ أصبحت هذه الشخصيات محطات إبداع و ينبوع فكر تحط بها ركاب الشعراء و وقوافل الشعراء فيما بعد ؛ تنهل و تغرف من معين عطائها و فكرها كل إبداع و فن ، متوسمة خطاها لاستكمال طريقها التي شقته في الحياة . بمعنى آخر ، أن كثيرا من الكتاب قد خرجوا من عباءة هذه الشخصيات الفذة حاملة لواءها في ساحة المعركة مع الحياة وعوادي الزمن .
وحدي تحملت المهمة في خروج سلالة الشعراء
فارتفعوا بعيدا فوق أجنحة اللغة(5)
فهاهو ( بوشكين) يستنطقه شاعرنا (مازن دويكات) ليحدثنا عن شاعريته المبدعة ، التي كانت بمثابة عدوى أصابت شعراء روسيا من بعده بآلية التغيير و التجديد نحو الأفضل على مستوى اللغة و الشعر و كذلك على مستوى الفكرة والمضمون في التعامل مع القضايا السياسية و خاصة في مواجهة قيصر روسيا:
لي أن أدمر برجي العاجي و أهبط
في الأقاصي منزل وعر الدروب، مهمتي أن أبلغه
الروح كامنة بقيثاري المقدس ، من هنا
نهضت نفوس ( غوغول) حاملة بيارق موتها(6)
مقطوعة بوشكين هذه ليست تشير الى خلود الشاعر المبدع فقط من خلال شعريته ( الروح كامنة بقيثاري المقدس ) وإنما تشيرأيضا و في نفس الوقت الى خلود كل مقاوم للظلم متمرد عليه ، حتى و لو كان هذا الظلم صاحب قوة وجبروت من ذوي السلطة و الجاه ، كقيصر أو غيره، في حين تؤكد – هذه المقطوعة – على أن موت هذا المقاوم يعني اقتراب نهاية الظلم و الظالم و الوصول الى التحرر و الخلاص و، ذلك أن قتل المقاوم لا ينهي المقاومة بل سوف يولد من جديد مقاوم آخر أكثر إلحاحا و صلابة من الذي قبله في طلب الحرية التحرر :
أسرج المهر الجميل ، أرى
مشانق( قيصر) في ليل ( سيبيريا) تبشر بالخلاص
وأقول : فلتذهب بعيدا أيها المجنون عن دمنا
وكل دم سيولد في ربى ( روسيا ) رسول
وأنا الرصاصة أوصلتني ، توّجتْ دميَ الحقول(7)
----------------------------------------------------
بقلم: سعيد محمد سعادة
شاعر ومسرحي -- نابلس / فلسطين
.................................................. ...
حضور للنبض غياب للجسد
باق هنا
جسد يسير وجثة متوثبة
لي في الأعالي شرفة زرقاء
لي فوق التراب مجرة الفوضى
وما يسري بـ لازورد ذاكرتي
ويرسوفي الحواس سفينة متأهبة(1)
وسائد حجرية انفلات من قبضة الدال الى اتساع المدلول ، واقصاء متعمد لفهمنا التقليدي – ذلك الفهم المتعلق بالبعد المضموني المجرد عن اي فضاء دلالي اخر يكتنزه جسد النص الشعري ،فهو ليس يعطينا سوى معنى وظيفي جاف من مثل : رثاء، تحسر،بكاء .. الخ-وصولا الى فهم حداثي اكثر عمقا من مجرد الوقوف على سطح النص واصدار احكام اعتباطية ساذجة ،وقيم تفسيرية رياضية مسطحة،لا تثري مخيلة القارئ ولا تفتح لفكره أي افق من افاق المعرفة المتعددة .هذا الفهم الحداثي - المتوالد لنا من القراءة العميقة للنص الشعري في المجموعة- سوف ينعكس بالضرورة على ذهنية القارئ كما معرفيا مكثفا بدلالاته ومعانيه الفنية كي يجعله يحيط بابعاد التجربة الانسانية وحيثياتها ، تلك التجربة التي سكبها الشاعر (مازن دويكات ) وقولبها في نصه الشعري – وسائد حجرية –على شكل قوالب فنية ومقطوعات غنائية مؤثرة حية ،اقتطعها من روحه ، واجتزأها من مشاعره وأحاسيسه المرهفة الشفافة ، كاشفا بها احوال شخوص غير عادية – ( حسين البرغوثي – اوديب ) غادرتنا لتسكن اجسادها عالم البياض والصمت الابدي ، في حين نحن ما زلنا فوق هذه البسيطة ،نحس بل ونلمس ارواحها في كل وقت وحين وهي تحلق في سماء الخلود واللاموت ،فارضة نفسها على الحياة بما أوتيت من اشعاع ابداعي وفني في شتى مجالات الادب والفكر الانساني .
إذن عالم البياض التي حطت به ركاب شخوص المشهد الشعري في المجموعة ، ليس معناه الفناء و الإنتهاء لهذه الشخوص من دون رجعة أو عودة بالنسبة لنا، وإنما – في مثل حالة هذه الشخوص – يعتبر الموت إعادة خلق من جديد لها ولإبداعاتها المتجددة و المستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فبرغم عالم البياض الذي انتقلت إليه إلا أنها ستبقى في مخيلتنا و مفردات حياتنا تحتل حيزا كبيرا من مساحة وقتنا وأفكارنا ، وذلك من خلال ما سطرته لنا من فكر وأدب وفن اتسم بالإبداعية و الديمومة الأبدية. ونحن لو نظرنا بعين الفكر و البصيرة الثاقبة لا بعين القراءة السطحية التي لا تتجاوز بؤبؤ العين ؛ لاستطعنا أن نلمس هذا الحس و التوجه الذي يكرس عدم الموت لدى جميع الشخوص في المجموعة برمتها ، وذلك مما أفاض به علينا احساس شاعرنا ( مازن دويكات) الذي تماهى مع شخوصه المبدعين في المجموعة من أولهم (حسين البرغوثي ) إلى آخرهم ( أوديب ) . فهذه قصيدة حملت اسم المبدع (غسان كنفاني ) حيث أكدت هذا المعنى بوضوح وأثبتته بشكل جلي قاطع لا مراء فيه:
قليل من الموت يكفي
لأعلم في لحظة ، أن حتفي
أعاد الحياة
على صهوة الحرف
عادت ، وعاد القلم
لإصبع كفي(2)
يضعنا الشاعر (مازن ) في هذا المقطع الشعري وجهاً لوجه مع الموت – القتل الذي أنهى ميكانيكية الشخصية عن الحركة في حين لم تنتهِ وظيفية الفكرة – اللغة من حركتها؛ فالقتل الذي اغتصب الشخصية و سلب منها الحياة جاء بسبب اصرارها على فكرتها ، تلك الفكرة المتمثلة في سلك كل طريق ودرب نضالي من أجل الوصول الى البيت – الوطن . والسؤال الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق هو : هل يعقل أن يقتل المرء لأنه يريد العودة الى وطنه؟! سؤال فضفاض يوقعنا في اشكالية كيفية الخروج ونوع العودة وآلية الرجوع. فلو نظرنا الى الشخصية (غسان كنفاني ) لوجدنا أنها نزعت وطردت من أرضها جبرا،وبسبب هذا الفعل الإجرامي الذي وقع عليها و على وطنها ، كان لا بد لها أن تقاوم بكل ما أوتيت من انتمائية للوطن ، من أجل استرداده من يد المحتل الغاصب و طرده منه ، و لهذا كانت الطريقة التي تبنتها الشخصية في سبيل تحقيق هذا الأمر يتمثل في شقين : الشق الأول؛ حمل السلاح ومقاومة هذا الإحتلال مقاومة حسية ، أما الشق الثاني فكان عبارة عن تعبئة الجماهير التي وقع عليها ما وقع على الشخصية على المستوي الفكري ، و ذلك من خلال ما سطرته من ابداعات اتسمت بروح المقاومةو النضال ضد هذا الغاصب المحتل ، و لهذا دفعت حياتها مقابل هذا الإنتماء النقي للوطن وقضيته ، فمنعت من ان تعود الى وطنها ، ومن هنا تكرست الشخصية وتجذرت في ذهن هاتيك الجماهير التي أصابها ما أصاب الشخصية من احتلال و تشريد و قتل . وشاعرنا ( مازن دويكات) بالطبع واحد من هذه الجماهير ، حيث كرس هذه الشخصية بأسلوب أكثر عمقا و تركيزا ؛ إذ أفردت مقطوعة شعرية تماهى بها مع الشخصية حتى العظم ، فجاءت – المقطوعة – كأنها تحكى و تنشد على لسان الشخصية نفسها.
يبدو أننا أطلنا الوقوف على مقطوعة (غسان كنفاني) لذا نعود الى المعنى الذي نحاول أن نثبته في ورقتنا هذه وهو أن شخصيات الوسائد حية برغم حالة الموت التي تقمصت أجسادها ، فهذه مقطوعة تحمل اسم (أبو حيان التوحيدي) التي جاء بها شاعرنا ( مازن ) على شكل حكم ينطق بها الراوي مدللا على جدية المعنى و صدقه ليترسخ ويتكرس في ذهن القاريء وعقله:
حيٌّ من يمتلك الكلمة
من يبحث عن خبز اليوم
بأسواق الوراقين
...................
مادام هناك سفر
يعلوه اسمه
أوحجر في مقبرة
فيه رسمه
يلمع في كل مكان
في كل زمان
حتى ولو غُـيّب جسمه(3)
هذه المقطوعة جاءت – كما قلنا آنفاً – على شكل حكم و مواعظ ، فما السبب يا ترى ؟ الشاعر مازن قبل كل شيء يريد ان يؤكد لنا أن المبدع ( أي مبدع) حي ولو غيب جسمه في التراب ، هذه قضية مفروغ منها ، و هي ما نحاول تأكيده في ورقتنا هذه، أما السبب في أن هذه المقطوعة جاءت بأسلوب وعظيّ في الطرح فهو متعلق بشخص (أبي حيان التوحيدي) وقصته ،فأبو حيان كان يحاول مرارا و تكرار أن يتصل بديوان الخليفة – بما ملك من فن الكتابة والتأليف و الفلسفة في شتى العلوم – ويحظى بمنزلة رفيعة ، إلا أنه كان يخفق دائما على مستوى السلطة – مع أنه كان ناجحا و ذا حضور مميز في أوساط المثقفين و بين العامة – فأصابته مرارة الخيبة و الفشل ونار التشاؤم و سوء الظن مما أدى به ذلك الى حرق كتبه بيديه .
وبما أن الحال كذلك فقد استوجب من شاعرنا مازن أن يقول بشكل ضمني في مقطوعته هذه موجها كلامه الى أبي حيان و أمثاله ، أن الحظوة و الشهرة تأتي من خلال فن الكلمة و ليس من الاقتراب من السلطان . و لذلك فهو (الشاعر ) ينكر على أبي حيان فعلته بحرق كتبه تلك الكتب التي لو بقيت لكانت أكبر رصيد له في حياته و بعد موته أيضا من أي شيء آخر .
حي من يملك فاكهة النار
و لا يطعمها للأوراق
حتى لو رفرف وطواط البرد
على نافذة الدار(4)
إذن الحالة هنا تستدعي أسلوب الحكمة و الموعظة ؛ لما فيها من إقناعية أكثر للقارئ من أي أسلوب بلاغيّ آخر .
إن القضية المركزية التي تدور حولها مجموعة ( وسائد حجرية ) هي تكريس شخصيات مبدعة في شتى مجالات الفكر و الفن استلبها منا شبح الموت و ألقاها في عالم البياض و الصمت ، فجاءت هذه الوسائد لتبعثها من جديد ، و تنفخ الروح بها في ذهن القراء ؛ لتخرج من عتمة النسيان إلى ضوء الذاكرة و المخيلة . فنحن عند التعاطي القرائيّ للوسائد لا نستشعر سردا شعريا جافا لسِـيَـر مبدعين من كتاب و فنانين و أدباء توارَوْا عنا ولفهم وادي ظل الحياة ، و إنما جاءت عبارة عن وقائع حية نحس بها و نسمع فيها شخوصا – برغم صمتها الميكانيكي – ما تزال تناضل و تقاتل حاملة سلاحها الإبداعي و ساعية بما أوتيت من صدق و انتماء من أجل انتصار قضاياها التي كانت تشغلها – و التي هي في النهاية قضايانا نحن – حتى تتحق و تخرج من عباءة التنظيرالكلامي الى حسية الواقع و ديناميكية الحياة فعلا وتطبيقا . لذ أصبحت هذه الشخصيات محطات إبداع و ينبوع فكر تحط بها ركاب الشعراء و وقوافل الشعراء فيما بعد ؛ تنهل و تغرف من معين عطائها و فكرها كل إبداع و فن ، متوسمة خطاها لاستكمال طريقها التي شقته في الحياة . بمعنى آخر ، أن كثيرا من الكتاب قد خرجوا من عباءة هذه الشخصيات الفذة حاملة لواءها في ساحة المعركة مع الحياة وعوادي الزمن .
وحدي تحملت المهمة في خروج سلالة الشعراء
فارتفعوا بعيدا فوق أجنحة اللغة(5)
فهاهو ( بوشكين) يستنطقه شاعرنا (مازن دويكات) ليحدثنا عن شاعريته المبدعة ، التي كانت بمثابة عدوى أصابت شعراء روسيا من بعده بآلية التغيير و التجديد نحو الأفضل على مستوى اللغة و الشعر و كذلك على مستوى الفكرة والمضمون في التعامل مع القضايا السياسية و خاصة في مواجهة قيصر روسيا:
لي أن أدمر برجي العاجي و أهبط
في الأقاصي منزل وعر الدروب، مهمتي أن أبلغه
الروح كامنة بقيثاري المقدس ، من هنا
نهضت نفوس ( غوغول) حاملة بيارق موتها(6)
مقطوعة بوشكين هذه ليست تشير الى خلود الشاعر المبدع فقط من خلال شعريته ( الروح كامنة بقيثاري المقدس ) وإنما تشيرأيضا و في نفس الوقت الى خلود كل مقاوم للظلم متمرد عليه ، حتى و لو كان هذا الظلم صاحب قوة وجبروت من ذوي السلطة و الجاه ، كقيصر أو غيره، في حين تؤكد – هذه المقطوعة – على أن موت هذا المقاوم يعني اقتراب نهاية الظلم و الظالم و الوصول الى التحرر و الخلاص و، ذلك أن قتل المقاوم لا ينهي المقاومة بل سوف يولد من جديد مقاوم آخر أكثر إلحاحا و صلابة من الذي قبله في طلب الحرية التحرر :
أسرج المهر الجميل ، أرى
مشانق( قيصر) في ليل ( سيبيريا) تبشر بالخلاص
وأقول : فلتذهب بعيدا أيها المجنون عن دمنا
وكل دم سيولد في ربى ( روسيا ) رسول
وأنا الرصاصة أوصلتني ، توّجتْ دميَ الحقول(7)