المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حضور للنبض غياب للجسد....قراءة في مجموعة وسائد حجر


مازن دويكات
26-08-2008, 04:19 PM
حضور للنبض غياب للجسد....قراءة في مجموعة وسائد حجرية للشاعر مازن دويكات
----------------------------------------------------



بقلم: سعيد محمد سعادة
شاعر ومسرحي -- نابلس / فلسطين


.................................................. ...

حضور للنبض غياب للجسد


باق هنا

جسد يسير وجثة متوثبة

لي في الأعالي شرفة زرقاء

لي فوق التراب مجرة الفوضى

وما يسري بـ لازورد ذاكرتي

ويرسوفي الحواس سفينة متأهبة(1)



وسائد حجرية انفلات من قبضة الدال الى اتساع المدلول ، واقصاء متعمد لفهمنا التقليدي – ذلك الفهم المتعلق بالبعد المضموني المجرد عن اي فضاء دلالي اخر يكتنزه جسد النص الشعري ،فهو ليس يعطينا سوى معنى وظيفي جاف من مثل : رثاء، تحسر،بكاء .. الخ-وصولا الى فهم حداثي اكثر عمقا من مجرد الوقوف على سطح النص واصدار احكام اعتباطية ساذجة ،وقيم تفسيرية رياضية مسطحة،لا تثري مخيلة القارئ ولا تفتح لفكره أي افق من افاق المعرفة المتعددة .هذا الفهم الحداثي - المتوالد لنا من القراءة العميقة للنص الشعري في المجموعة- سوف ينعكس بالضرورة على ذهنية القارئ كما معرفيا مكثفا بدلالاته ومعانيه الفنية كي يجعله يحيط بابعاد التجربة الانسانية وحيثياتها ، تلك التجربة التي سكبها الشاعر (مازن دويكات ) وقولبها في نصه الشعري – وسائد حجرية –على شكل قوالب فنية ومقطوعات غنائية مؤثرة حية ،اقتطعها من روحه ، واجتزأها من مشاعره وأحاسيسه المرهفة الشفافة ، كاشفا بها احوال شخوص غير عادية – ( حسين البرغوثي – اوديب ) غادرتنا لتسكن اجسادها عالم البياض والصمت الابدي ، في حين نحن ما زلنا فوق هذه البسيطة ،نحس بل ونلمس ارواحها في كل وقت وحين وهي تحلق في سماء الخلود واللاموت ،فارضة نفسها على الحياة بما أوتيت من اشعاع ابداعي وفني في شتى مجالات الادب والفكر الانساني .

إذن عالم البياض التي حطت به ركاب شخوص المشهد الشعري في المجموعة ، ليس معناه الفناء و الإنتهاء لهذه الشخوص من دون رجعة أو عودة بالنسبة لنا، وإنما – في مثل حالة هذه الشخوص – يعتبر الموت إعادة خلق من جديد لها ولإبداعاتها المتجددة و المستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فبرغم عالم البياض الذي انتقلت إليه إلا أنها ستبقى في مخيلتنا و مفردات حياتنا تحتل حيزا كبيرا من مساحة وقتنا وأفكارنا ، وذلك من خلال ما سطرته لنا من فكر وأدب وفن اتسم بالإبداعية و الديمومة الأبدية. ونحن لو نظرنا بعين الفكر و البصيرة الثاقبة لا بعين القراءة السطحية التي لا تتجاوز بؤبؤ العين ؛ لاستطعنا أن نلمس هذا الحس و التوجه الذي يكرس عدم الموت لدى جميع الشخوص في المجموعة برمتها ، وذلك مما أفاض به علينا احساس شاعرنا ( مازن دويكات) الذي تماهى مع شخوصه المبدعين في المجموعة من أولهم (حسين البرغوثي ) إلى آخرهم ( أوديب ) . فهذه قصيدة حملت اسم المبدع (غسان كنفاني ) حيث أكدت هذا المعنى بوضوح وأثبتته بشكل جلي قاطع لا مراء فيه:

قليل من الموت يكفي

لأعلم في لحظة ، أن حتفي

أعاد الحياة

على صهوة الحرف

عادت ، وعاد القلم

لإصبع كفي(2)

يضعنا الشاعر (مازن ) في هذا المقطع الشعري وجهاً لوجه مع الموت – القتل الذي أنهى ميكانيكية الشخصية عن الحركة في حين لم تنتهِ وظيفية الفكرة – اللغة من حركتها؛ فالقتل الذي اغتصب الشخصية و سلب منها الحياة جاء بسبب اصرارها على فكرتها ، تلك الفكرة المتمثلة في سلك كل طريق ودرب نضالي من أجل الوصول الى البيت – الوطن . والسؤال الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق هو : هل يعقل أن يقتل المرء لأنه يريد العودة الى وطنه؟! سؤال فضفاض يوقعنا في اشكالية كيفية الخروج ونوع العودة وآلية الرجوع. فلو نظرنا الى الشخصية (غسان كنفاني ) لوجدنا أنها نزعت وطردت من أرضها جبرا،وبسبب هذا الفعل الإجرامي الذي وقع عليها و على وطنها ، كان لا بد لها أن تقاوم بكل ما أوتيت من انتمائية للوطن ، من أجل استرداده من يد المحتل الغاصب و طرده منه ، و لهذا كانت الطريقة التي تبنتها الشخصية في سبيل تحقيق هذا الأمر يتمثل في شقين : الشق الأول؛ حمل السلاح ومقاومة هذا الإحتلال مقاومة حسية ، أما الشق الثاني فكان عبارة عن تعبئة الجماهير التي وقع عليها ما وقع على الشخصية على المستوي الفكري ، و ذلك من خلال ما سطرته من ابداعات اتسمت بروح المقاومةو النضال ضد هذا الغاصب المحتل ، و لهذا دفعت حياتها مقابل هذا الإنتماء النقي للوطن وقضيته ، فمنعت من ان تعود الى وطنها ، ومن هنا تكرست الشخصية وتجذرت في ذهن هاتيك الجماهير التي أصابها ما أصاب الشخصية من احتلال و تشريد و قتل . وشاعرنا ( مازن دويكات) بالطبع واحد من هذه الجماهير ، حيث كرس هذه الشخصية بأسلوب أكثر عمقا و تركيزا ؛ إذ أفردت مقطوعة شعرية تماهى بها مع الشخصية حتى العظم ، فجاءت – المقطوعة – كأنها تحكى و تنشد على لسان الشخصية نفسها.



يبدو أننا أطلنا الوقوف على مقطوعة (غسان كنفاني) لذا نعود الى المعنى الذي نحاول أن نثبته في ورقتنا هذه وهو أن شخصيات الوسائد حية برغم حالة الموت التي تقمصت أجسادها ، فهذه مقطوعة تحمل اسم (أبو حيان التوحيدي) التي جاء بها شاعرنا ( مازن ) على شكل حكم ينطق بها الراوي مدللا على جدية المعنى و صدقه ليترسخ ويتكرس في ذهن القاريء وعقله:

حيٌّ من يمتلك الكلمة

من يبحث عن خبز اليوم

بأسواق الوراقين

...................

مادام هناك سفر

يعلوه اسمه

أوحجر في مقبرة

فيه رسمه

يلمع في كل مكان

في كل زمان

حتى ولو غُـيّب جسمه(3)

هذه المقطوعة جاءت – كما قلنا آنفاً – على شكل حكم و مواعظ ، فما السبب يا ترى ؟ الشاعر مازن قبل كل شيء يريد ان يؤكد لنا أن المبدع ( أي مبدع) حي ولو غيب جسمه في التراب ، هذه قضية مفروغ منها ، و هي ما نحاول تأكيده في ورقتنا هذه، أما السبب في أن هذه المقطوعة جاءت بأسلوب وعظيّ في الطرح فهو متعلق بشخص (أبي حيان التوحيدي) وقصته ،فأبو حيان كان يحاول مرارا و تكرار أن يتصل بديوان الخليفة – بما ملك من فن الكتابة والتأليف و الفلسفة في شتى العلوم – ويحظى بمنزلة رفيعة ، إلا أنه كان يخفق دائما على مستوى السلطة – مع أنه كان ناجحا و ذا حضور مميز في أوساط المثقفين و بين العامة – فأصابته مرارة الخيبة و الفشل ونار التشاؤم و سوء الظن مما أدى به ذلك الى حرق كتبه بيديه .

وبما أن الحال كذلك فقد استوجب من شاعرنا مازن أن يقول بشكل ضمني في مقطوعته هذه موجها كلامه الى أبي حيان و أمثاله ، أن الحظوة و الشهرة تأتي من خلال فن الكلمة و ليس من الاقتراب من السلطان . و لذلك فهو (الشاعر ) ينكر على أبي حيان فعلته بحرق كتبه تلك الكتب التي لو بقيت لكانت أكبر رصيد له في حياته و بعد موته أيضا من أي شيء آخر .



حي من يملك فاكهة النار

و لا يطعمها للأوراق

حتى لو رفرف وطواط البرد

على نافذة الدار(4)

إذن الحالة هنا تستدعي أسلوب الحكمة و الموعظة ؛ لما فيها من إقناعية أكثر للقارئ من أي أسلوب بلاغيّ آخر .

إن القضية المركزية التي تدور حولها مجموعة ( وسائد حجرية ) هي تكريس شخصيات مبدعة في شتى مجالات الفكر و الفن استلبها منا شبح الموت و ألقاها في عالم البياض و الصمت ، فجاءت هذه الوسائد لتبعثها من جديد ، و تنفخ الروح بها في ذهن القراء ؛ لتخرج من عتمة النسيان إلى ضوء الذاكرة و المخيلة . فنحن عند التعاطي القرائيّ للوسائد لا نستشعر سردا شعريا جافا لسِـيَـر مبدعين من كتاب و فنانين و أدباء توارَوْا عنا ولفهم وادي ظل الحياة ، و إنما جاءت عبارة عن وقائع حية نحس بها و نسمع فيها شخوصا – برغم صمتها الميكانيكي – ما تزال تناضل و تقاتل حاملة سلاحها الإبداعي و ساعية بما أوتيت من صدق و انتماء من أجل انتصار قضاياها التي كانت تشغلها – و التي هي في النهاية قضايانا نحن – حتى تتحق و تخرج من عباءة التنظيرالكلامي الى حسية الواقع و ديناميكية الحياة فعلا وتطبيقا . لذ أصبحت هذه الشخصيات محطات إبداع و ينبوع فكر تحط بها ركاب الشعراء و وقوافل الشعراء فيما بعد ؛ تنهل و تغرف من معين عطائها و فكرها كل إبداع و فن ، متوسمة خطاها لاستكمال طريقها التي شقته في الحياة . بمعنى آخر ، أن كثيرا من الكتاب قد خرجوا من عباءة هذه الشخصيات الفذة حاملة لواءها في ساحة المعركة مع الحياة وعوادي الزمن .



وحدي تحملت المهمة في خروج سلالة الشعراء

فارتفعوا بعيدا فوق أجنحة اللغة(5)

فهاهو ( بوشكين) يستنطقه شاعرنا (مازن دويكات) ليحدثنا عن شاعريته المبدعة ، التي كانت بمثابة عدوى أصابت شعراء روسيا من بعده بآلية التغيير و التجديد نحو الأفضل على مستوى اللغة و الشعر و كذلك على مستوى الفكرة والمضمون في التعامل مع القضايا السياسية و خاصة في مواجهة قيصر روسيا:

لي أن أدمر برجي العاجي و أهبط

في الأقاصي منزل وعر الدروب، مهمتي أن أبلغه

الروح كامنة بقيثاري المقدس ، من هنا

نهضت نفوس ( غوغول) حاملة بيارق موتها(6)

مقطوعة بوشكين هذه ليست تشير الى خلود الشاعر المبدع فقط من خلال شعريته ( الروح كامنة بقيثاري المقدس ) وإنما تشيرأيضا و في نفس الوقت الى خلود كل مقاوم للظلم متمرد عليه ، حتى و لو كان هذا الظلم صاحب قوة وجبروت من ذوي السلطة و الجاه ، كقيصر أو غيره، في حين تؤكد – هذه المقطوعة – على أن موت هذا المقاوم يعني اقتراب نهاية الظلم و الظالم و الوصول الى التحرر و الخلاص و، ذلك أن قتل المقاوم لا ينهي المقاومة بل سوف يولد من جديد مقاوم آخر أكثر إلحاحا و صلابة من الذي قبله في طلب الحرية التحرر :

أسرج المهر الجميل ، أرى

مشانق( قيصر) في ليل ( سيبيريا) تبشر بالخلاص

وأقول : فلتذهب بعيدا أيها المجنون عن دمنا

وكل دم سيولد في ربى ( روسيا ) رسول

وأنا الرصاصة أوصلتني ، توّجتْ دميَ الحقول(7)

مازن دويكات
26-08-2008, 04:21 PM
والجدير بالذكر أن هذه الشخصيات في (وسائد حجرية) كانت أصحاب قضايا – و إن اختلفت في توجهاتها الفكرية و الدينية و الإيديولوجية – حيث أن كل شخصية كانت تحاول إثبات قضيتها و الدفاع عنها من خلال رفع قلم أو إشهار سيف ، دون الاكتراث بالثمن الذي ستدفعه مقابل ذلك و لوكان حياتها ، و نستضيء هنا بعبارات جاءت على غلاف المجموعة تصب فيما نحن نقول ( كل مبدع له ما يجعل منه مختلفا عما هو عادي بين الناس ، مواقف و تفاصيل حياة ، تؤهله لأن يكون مبدعا ، و قد يدفع ثمنها غاليا ، من سجن الى منفى ، و قد يصل به الأمر الى موت حقيقي أو ماهو في درجته). فهاهو (مؤنس الرزاز) يستنطقه الشاعر (مازن) أيضا ليحدثنا عن تجربته المريرة في مواجهة الظلم و الظلام ، و كذلك تجربة كل من هو مثله من المثـقفين ، عشاق الأرض و الوطن ، فلقد امتزج نبضه بنبض شعوب الوطن العربي ، تلك الشعوب المسحوقة تحت أرجل أنظمتها و سلطاتها الظالمة التي حولت هذا الوطن الكبير الى سجن ضيق، تقتل فيه كل عاشق للوطن و ترابه و كل مخلص له يسعى الى رفعته و تطويره نحو الأفضل ، فهذه الأنظمة العاتية ترى الأرض – الوطن – من أعلى عروشها ذبابة زرقاء و سلة مهملات ، لا يعنيها منه إلا ما يصب في مصالحها وما يزيد في أرصدتها من دراهم و دولارات

في كل عاصمة تركت دما على الأوراق

أمشي و الرصيف يعد نبضي

أين أمضي و البلاد خديعة العشاق

أقبية عليهم مظلمة

والأرض من أعلى العروش ، ذبابة زرقاء

سلة مهملات الأنظمة(8)

هذه هو نبض (مؤنس الرزاز) الذي يقف الى جانب المقموعين و المسحوقين من الشعوب المغلوبة على أمرها ، و كذلك يشتعل هذا النبض بنقد لاذع للأنظمة و السلطات المجرمة التي تهدم بنيان الوطن و تحطم أركانه على حساب مصالحها الشخصية ، لذلك كان حريا لمثل هذه الشخصية الممتلئة بالإنتماء الوطني و المفعمة بكل حب لكل ذرة من رمل تراب الوطن أن تبقى حية ولو اختطفتها يد الموت من بيننا وحطت جسدها في عالم البياض و الصمت .

إن شخصيات (وسائد حجرية) شخصيات ميتة ، و لكن موتها موت ميكانيكي على مستوى الجسد ، إلا أنها مازالت حية و ظيفيا على مستوى الإبداع العطاء الفني ، و الذي يدفعنا الى القول بعدم موتها وظيفيا أمرين لا ثالث لهما، الأمر الأول : الإبداع و مايحوي من فكر و أدب و فن ، والذي خلفته الشخصيات لنا بما يحمل من استمرارية و تجدد سوف يظل و يبقى في خدمة الفكر الإنساني بشموليته أبد الدهر. و الأمر الثاني: الأسلوبية الكتابية التي جاء بها الشاعر (مازن دويكات). أما فيما يخص الأمر الأول فقد أشرنا إليه في الفقرات السابقة من هذه الورقة ، حيث كان محور نقاشنا خلود هذه الشخصيات – برغم موتها – من خلال ابداعاتها ، فالموت عبارة عن إعادة خلق من جديد لها:

بكامل نبضه وصل

سأخرج في الصباح

وأبدأ العمل

أنا المولود ثانية

ولي عمران

أولهما مع الثاني

هنا اتصلا(9)

هذه الشخصيات الفذة سوف تبقى حية بيننا ، تحاورنا و نحاورها ، وذلك لما سطرته لنا من فكر و أدب وفن ، اتسم بالإبداعية و الديمومة الأبدية :

ببساطة الأشياء أكتب ما تردده

شفاه الناس دون تلعثم

وأقول أغـنيتي كضوء الشمس

تشرق في القلوب ولا تغيب عن الفم(10)

نعم هذه الشخصيات الفذة لم تمت ، ولم تدخل منطقة النسيان في مخيلتنا ، و الدليل على ذلك هو أننا ما زلنا نتعاطى إبداعاتها ، و نتقرّى بعمق و روية منجزاتها ، حيث تركت أثرا كبيرا في ذاكرتنا ووجداننا ، لدرجة أن كثيرا من كتابنا اليوم قد توسموا خطاها متخذين إبداعاتها سراجها منيرا ودليلا واضحا في المضي قدما نحو إبداعات جديدة، ونحو مجتمع أكثر تحضرا وأعمق معرفة وثقافة:



لم تتكسر أجنحتي أبدا

الأول في الشرق يرفرف

والثاني في الغرب يطـوّف

وأنا بينهما

نسر يعبر كل مدى

لم يذهب زبدي

فوق الرمل سدى

هذي كلماتي خبز الإنسان

أعشاب وأزهار البستان(11)

هذا فيما يخص الأمر الأول المتعلق بقضية الخلود، وعدم فناء و انتهاء شخصيات (وسائد حجرية) برغم موتها ، أما فيما يتعلق بالأمر الثاني، و المختص بأسلوبية الشاعر (مازن) والطريقة التي حدثنا بها عن هذه الشخصيات ، من خلال استنطاقها و محاورتها، وكأنما هي ماثلة أمامه بشحمها و لحمها ، يحدثها و تحدثه ، ثم يسجل بقلمه خلاصة هذه المحاورات ، على شكل مقطوعات شعرية ، فهو بهذه الأسلوبية قد دخل إلى منطقة الشعور لهذه الشخصيات ، وعبر إلى مكامن الأسرار ومواقع الأحلام بها ، متماهيا وممتزجا مع نفسيّاتها و أحاسيسها ، فتارة يقلب أوراق حياتها ، وأخرى ينبش أسرارها وأحلامها ، و ثالثة يتجول في حدائق إبداعاتها، يشتم عطر وردة هنا ، و يهدد على جناح عصفور هناك ، حانيا على برعم ورد هنالك ... الخ ، حتى أنه ليشعرنا – برهافة حسه و عمق تجربته الشعرية و فيض مشاعره الجياشة تجاه شخصياته في المجموعة – أن هذه الشخصيات هي التي تتكلم وتتحدث محاورة بلسانها كاشفة لنا عما يعتلج بداخلها من مشاعر و أحاسيس، ولذلك جاء أسلوب الشاعر ، بما فيه من زخم شعوري شفاف ، و تعبير لغوي مكثف - بعمق الصورة و شعرية المفردة – ينأى بعيدا بالمجموعة كاملة عن الوصف التقريري ، و الوقائع التسجيلية الجافة:

تلكم يدي عدّوا بيادركم بكفـّي

شاهدوا حقل السنابل كيف ينمو في تجاعيدي

هنا الأطفال كانوا يلعبون

هنا نساء الساحل الغربي

علقن المناجل في جدائلهن في عيد الحصيد

هذي يدي اليمنى اقرؤوا فيها كتابي

صفحتي لم تحترق ، بيضاء ناصعة

وليس بها سوى لهب القصيد

وأنين نرجسة تحلق حولها

نحل الخلائل و الصدى

شكوى العبيد الى العبيد(12)

جاء هذا الأسلوب مغايرا لما عهدناه ممن كتبوا في مثل هذا الموضوع ؛ فالشاعر (مازن) لم يكتب مجموعته الشعرية بأسلوب رثائيّ تحسري أو بكائي فجّ ، ينعى به هذه الشخصيات ، مما يشعرنا بموتهم و انتقالهم إلى عالم الفناء والنسيان بلا رجعة ، كي يستدر عواطف حزننا ويثير شؤون دموعنا ، ثم سرعان ما تزول هذه الحالة البكائية الرثائية حالما ننتهي من قراءة المجموعة دون إحداث أي أثر في نفوسنا، يكون بمثابة الزاد لنا ، نقتات كلما مسنا جوع الفقد وظمأ البعد لهذه الشخصيات العظيمة في مسيرة الحياة و الزمن ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فالشاعر أيضا لا يسر لنا مسيرتهم و سيرة حياتهم بشكل تقليدي ، ينحى منحى التسجيلية الوثائقية و التقريرية الجافة حول ملابسات حياتهم و سيرتهم التاريخية من مثل: وُلد ونشأ و مات ،...الخ ، بل نراه يستحضرهم في مجموعته الشعرية (وسائد حجرية) أرواحا حية مستنطقا إياها بهمسات دافئة و دفقات شعورية مؤثرة ، تداعب الوجدان و تهز المشاعر والأحاسيس ، فنستشعر نشاطها و حيويتها ونلمس حركتها و فعلها في هيكلية النص الأدبي و بنائه الشعري منذ بداية المجموعة و حتى نهايتها ، فالشاعر يضعنا في داخل الشخصية لننظر بعينها و نحس بإحساسها لما يحيط بها من مؤثرات متعددة ؛ سواء كانت مؤثرات بيئية ، أو لواعج شعورية تعتلج في داخلها، متفاعلة مع هذا المؤثر؛ لتنعكس رؤية شعرية حية ، نتعاطاها كل لحظة و في كل وقت .

هذا الأسلوب الذي طرحة الشاعر (مازن) في وسائده هو الذي جعله متميزا – و بحق – عمن كتبوا في نفس المجال ، وحتى نكون أكثر دقة و تحديدا في كلامنا فإن هذا الطرح لم يجيء على مستوى الإطار العام في الشكل – أي البنية الشكلية – لقصائد المجموعة ، وإنما جاء على مستوى العبارة و الجملة الشعرية وتراكيبها حيث نتحسس عند قراءة مفردات المقطوعات الشعرية و صورها البيانية ، وجود الجو الخاص الذي تسبح في داخله شخصيات المجموعة ، بمعنى آخر أننا عند قراءة مقطوعة ما – أي مقطوعة في المجموعة – لا نرى أنها جاءت مكررة لمقطوعة أخرى من نفس المجموعة ، أي بدت كل مقطوعة و لها أسلوبها الخاص ، الذي ينسجم مع الشخصية ونفسيتها ، و يتواءم كذلك مع مفردات بيئتها و محيطها الحسي المادي . هذا التوجه المبني على الاختلاف و المغايرة في أسلوبية كل مقطوعة ، من حيث الإحاطة بملابسات الشخصية معنويا كان أم ماديا وعدم تكريرها لمقطوعة أخرى ، لا ينفي وجود خيط رفيع يربط ربطا عضويا المقطوعات كلها مع بعضها البعض ؛ لتشكل فيما بينها وحدة مترابطة الموضوع و الفكرة ، و هي تكريس هذه الشخصيات في ذهن القراء ، و بعثها من جديد لتحلق في سمائنا و أفقنا الثقافي المعرفي .

إذن هذه هي مجموعة (وسائد حجرية) المتميزة بأسلوبها و مضمونها على حد سواء ، فهي عزف موسيقي شجي لكل المقامات على آلة الشعر ، ونقش بمعاول اللغة على جدار النسيان الصلب ، الذي انبنى في مخيلتنا و ذاكرتنا تجاه شخصيات غير عادية ، أبت إلا أن تظل وتبقى نابضة في جسد الحياة و قلبها بما قدمته لنا من دماء و حبر ، جاء على شكل إبداع فكري وفني ، يمدنا بأسباب البقاء و الكينونة في معركتنا مع التاريخ و الزمن. ونحن في هذه المجموعة و من خلال قراءتنا لها ، لعلنا قد نكون ، فتحنا بابا من أبواب أفضيتها المتعددة ، على امل يتناولها كتاب و أدباء آخرون بالدرس و التحليل ، عساهم يفتحون بها ما استغلق من أبواب أخرى ، لم نتطرق لها في ورقتنا هذه ، ومنا جميل العذر إن كنا قد أطلنا الحديث هنا أو هناك ، أو أخفقنا في الوقوف على بعض المحاور في قراءتنا لها ، و ما فيها من دلالات ومعاني متعددة القراءات

ابراهيم خليل ابراهيم
04-09-2008, 07:22 PM
يلمع في كل مكان

في كل زمان
_
تحياتى

مازن دويكات
27-10-2008, 12:28 AM
يلمع في كل مكان

في كل زمان
_
تحياتى

تحياتي لشخصك النبيل

أيها المبدع.

شريفة العلوي
07-01-2009, 02:04 PM
قراءة القراءة هي اعادة للكتابة وهي التنامي الأفقي الذي يظل محتفظا بمعياره العلوي بينما جذوره تظل راسخة في قاعدتها , لذلك دائما الاحظ النص النقدي هو إبداع يتناول الإبداع بأضفاء جمالية مستنتجة من أصول الفكرة ذاتها ..وكما يعود النهر الى البحر تعود القراءة النقدية الهادفة الى النص وفي يديها كل أصدافها الإبداعية ..لهذا قد يرواغ النص القارئ العادي ولكنه لا يمكن ان يفلت من مصيدة ذائقة نقدية راصدة

شكرا للشاعر مازن دويكات والأديب الناقد سعيد محم سعادة

مازن دويكات
26-08-2009, 03:34 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شريفة العلوي http://arweqat-adb.com/vb/images/zajilnejom/buttons/viewpost.gif (http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?p=68607#post68607)
قراءة القراءة هي اعادة للكتابة وهي التنامي الأفقي الذي يظل محتفظا بمعياره العلوي بينما جذوره تظل راسخة في قاعدتها , لذلك دائما الاحظ النص النقدي هو إبداع يتناول الإبداع بأضفاء جمالية مستنتجة من أصول الفكرة ذاتها ..وكما يعود النهر الى البحر تعود القراءة النقدية الهادفة الى النص وفي يديها كل أصدافها الإبداعية ..لهذا قد يرواغ النص القارئ العادي ولكنه لا يمكن ان يفلت من مصيدة ذائقة نقدية راصدة

شكرا للشاعر مازن دويكات والأديب الناقد سعيد محم سعادة



شريفة

أشكر لك هذا الحضور الثري وهذا المرور البهي

لك تحياتي الزميل سعيد سعادة, فهو يشهد لهذه القدرة في متابعة النص بكل تجلياته وأبعاده, وهذا لن يحققه إلا مبدع/ة على الصعيدين.. الكتابة والقراءة.
دمت شريفة بكل خير .