المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أدب المساءلات الحرجة عند الزوايدي ج 1


عبد العزيز ضيف الله
14-08-2008, 03:58 AM
أدب المساءلات الحرجة عند الزوايدي: ج .1مقاربة في مجموعة" قصة بسيطة جدا"

بقلم عبد العزيز ضيف الله : قاص و ناقد تونسي

نام طفلي بعد أن شاغب أمه و أخاه و أرهقني برغبته الملحاح في ملامسة كل ما تطاله يده و ما لا تطاله ، كانت تلك طباع أخيه حين كان في سنه ، فأهم خصائص الأطفال الفضول و تسمية الأشياء و عجمها بالأسنان.
استخرجت من مكتبي مجموعة فيصل القصصية لأقراها ففاجأني طفل آخر بين ثنايا قصصه ، إنه يحاول برغبة مشابهة أن يعيد اكتشاف ما حولنا فينبه حواسنا الكليلة إلى أدق التفاصيل منبهرا بما يرى و يسمع في لغة تشي هي ذاتها بالاندهاش و التعجب
و الحيرة .
و في محاولة أرجو ألا تكون فاشلة لضبط نهجه " العابث " ها أنا ألزم ( و أنا اعتذر عن هذا ) نصوصه السائبة بأوان أخشى أنها تضيق بها .
1- تسمية هواجس الطفل و أحاسيسه :
يخاطبنا الأطفال بلغة تبدو غامضة و مفككة الأوصال و ننجح أحيانا في فهم تلك الجمل و المفردات لكن بجهد و بعد مؤالفة ، و قد حرصت لهذا الغرض على مرافقة هذه النصوص جريا على نهج النقد التكويني الذي هو محاولة لإعادة تشكيل سيمياء المشاعر و الايديولجيات و الأحاسيس كما استفدنا من جوليا كريستيفا في أطروحتها المركزية إذ ترى أن الذات البشرية عالقة بين السيميائي و الرمزي
فلاحظنا هذه الظواهر :
- عودة الطفل إلى المنابع و تجديد الأسئلة و بعثها غضة طرية تجعله يرى الأمور بعين خالية من كلل العادة و الحرام " و ما يِهمْ " و " لا جديد تحت الشمس " إلى آخر هذه العبارات الدالة على تكلس المشاعر و الأفكار و الانسحاب من العالم للاحتماء بقوقعة القطيع : الجماعة .
- رفض الامتثال إلى ما تأمرنا به الجماعة في حاضرها و تاريخها الطويل .
- تجديد النظر إلى القضايا المغفلة و المعلّقة و تلك المعتبر أمرها محسوما فهي " هكذا خِِلقة " " هذا ما صار " لا فائدة في بحثها " .
و في الحقيقة فان هذا النهج هو ما أطلقت عليه " جوليا كريستيفا " صراع الجانب النزوي السيميائي ممثلا في الطبيعة و الأم مع الجانب العقلاني الاجتماعي الرمزي ممثلا في اللغة و القوانين و الاب .
و حتى لا نغالي كثيرا فان الزوايدي في نصوصه ليس إلا رجلا يحن إلى طفولته فهو من جهة يسعى أن يكون الطفل المتحرر المتحلل من قيوده المجاهر برغباته و لكنه لا يفتأ يتذكر انتسابه إلى فئة الكهول المحكومين بالضواغط الاجتماعية و من هذا المنطلق سوف نتابع هذا التراوح بين النزق الطفولي بكل مشمولاته و الالتزام بضوابط التشريع المعهود لدى الكهل .
2- طفل يكبر قبل أوانه :
منذ صفحة الإهداء يعلمنا الزوايدي أنه ذو هموم بل هم مهتم بهموم الآخرين ضمنا " إلى الصابرين على الهم .. همي و همومهم " و أعترف بداهة بدا لي هذا الإهداء قد نحا نحو المغالاة فهو يوحي أو على الأصح يعلن سلفا أننا سنكابد مع هذه النصوص هموما ، فكان في الإهداء تزلفا و اعتذارا للقراء في آن .
و عند الارتحال بين النصوص ارتأيت أن أحصي هذه الهموم التي وعدنا بها هذا " العابث " و قد وجدت من تلك الهموم ألوانا ، فهي على سبيل المثال في :
بيني و بينك : انتظار المجهول و ازدواج الولادة و الموت إلى حد التماهي بل ان هذا التماهي تجلى في ثنائيات أخرى : لذة الإنجاب و الم الفقد بسبب الموت و قد استمر هذا التماهي إلى آخر عبارة في النص حيث يقول : "بياض شديد ناصع ، تماما مثل السواد ."
يوم مع الذئاب : همّ معاشرة الجماعة القطيع بل هو في نهج سارتري يقول معه " الآخرون هم الجحيم " حيث يسمي القصة " يوم مع الذئاب " .
قصة بسيطة جدا : هم الكتابة حيث تتمثل المشكلة في محاولته المستحيلة ملاحقة و ملامسة كل شيء ، فالحياة جبل من التناقضات و الرمزي : المقيد بضوابط لا يقدر على ملاحقة تلك التناقضات " كيف تتغير الحياة بين إقبال و إدبار ؟ "
" و لكن نقطة استفهام عقربية هذه المرة برزت لعيني عندما أزعجني سؤال فاجأني لأول مرة : و لكن لماذا أكتب ؟ "
3- أسئلة الوجود مجددا :
لعلنا نلخص هذه الأسئلة في : كيف هي ؟ و لماذا هي هكذا ؟ و من هو ؟
- كيف هي ؟ تعاود النصوص في هذا الباب مساءلة الحياة و الواقع و الزمن عن ذاته و خصائصه في شهوة دؤوب لملاحقة الكنه و الجوهر .
" هل يمكن أن يغتال الصبي أمه ؟ هل تنطلق حياته بموتها ؟ أم يموت لتحيا ؟ "
" باب صنعه نجار و هو يتابع ببصره النهم فتيات الحي في قصة بيني و بينك ( هذا الباب يفصل بين الحياة و الموت ) في إشارة غريبة إلى وقوع الإنسان في وحل الغريزة متناسيا نذير الموت أو بعبارة أخرى تزاوج اللذة و الألم المؤدي عند " بوذا " إلى " الدوخا " و الوقوع في عجلة الصيرورة أو المتاهة و سببها الأهم التكرار و فقدان المعنى بسبب هذا التكرار .
و تجسد قصة اليد اليمنى هذه الدائرية و الوقوع في الشرك حيث يستيقظ السارد فيقفز من المضجع الى المغسل و رغم ان لقاءه بنفسه في المرآة أثار فيه سؤال الماهية فإنه يسارع في عجلته المعتادة قائلا : " ما اظن في العمر متسع للسؤال " ثم يغادر الى الشارع و ما فيه و من فيه حيث يغدو مع الناس جميعا سائرا على ايقاع متكرر معناه الزيف و الخداع ، فيشارك صحبه اللغو و البغي على الآخرين و تلتبس الامور فلا يفهم كيف تعبر اللغة عن الهزائم باسماء الانتصارات مبديا عجزه " إذ لم تفده دروس اللسانيات في هذا المجال بشيء " و يتواصل هذا السير في وجوه شتى " إذ الحياة تحتاج إلى التصابي يوما و الى التغابي أياما " فإذا الحب ينشأ من التقاء ذئب شهواني بنعجة ساذجة " تقول لي أحبك سذاجة و أفول لها احبك اشتهاء و نبتسم لبعضنا مصدقين " .
هكذا إذا يغدو السارد ذئبا في جملة الذئاب الذين انتقدهم في قصة " يوم مع الذئاب " و يغدو " الآخر هو الجحيم " متطبقا على ذاته التي أنكرها و عدها في جملة الآخرين .
إن الدنيا الراحلة ظاهرا في قصة " دنيا " و التي يكتشف انه هو الذي يرحل عنها . و الموت الذي يجاور الولادة و الزمن الذي يلتبس و لا يدري الساعاتيون كنها ،و القوم الذين استغرتهم زوايا نظرهم الضيقة في " الجدار الأحمر " ففسروا الظاهرة انطلاقا من مشاغل آ نية تحيل على محدودية الأفق . و هؤلاء الناس الذين يستقبلون الربيع ( الحياة ) اعتمادا على مصالحهم الخاصة في سلوك شاذ يقود الى إيقاف الحياة عن سيرها فإذا " الربيع لم يكن ربيعا " ( كذا عنوان القصة ) و كذا حال المدينة و اهلها " التمعت الاذهان بحكايات خاصة ملأت كل البلدة " ثم تأتي التفسيرات البلهاء و الحلول المشعوَذة لهذه المشكلة دون جدوى أما الإجابة الجوهر فستأتي من مكان آخر من شخص مختلف .
- لماذا هي هكذا ؟
كلما واجهتنا الحياة بإغرابها و التبست معانيها " فالزمان يأبى الثبات و الأماكن تأبى الحركة " ( قصة الغروب ) ينبعث السؤال الحرج " لماذا ؟ " و هو سؤال مشاكس هدام عند العلمويين فيتساءل الرجل في " اليد اليمنى " " و لم اليمنى ؟ ألأني تعودت ذلك ؟ " " لماذا يظن كل عاشق دوما أن قصته لا مثيل لها ؟ " " لماذا اكتب ؟ " حتى تبلغ الحيرة مداها : " هذي المرافئ تتجاذبني "
- من هو ؟
إذا اشتدت الحيرة بالربان فلا بد له من منارة ففي بحر متلاطم الأمواج و في مجتمع يُنعت أفراده بالذئاب لابد من معيار أو ذات جوهر تخرج بنا من اللجيّ إلى ضفاف آمنة ، فإذا نظرنا في قصة انصراف نجد فيها نموذجا للهادي و هذه صفات الرجل :
- " أما هذا الرجل فوحده يسير في الاتجاه الآخر ... "
- رأسه يبدو متنافرا مع جسد ضئيل لا يكاد يبين .. "
- " لم يسأل و لم ينظر إلى الأفلاك و لا إلى بوصلة فقط استشار نفسه ."
- كان يسير بمشقة في دربه الوعر .. و لم يتساءل .. فهل يبلغ متردد غايته ؟
أما النهاية فكانت على هذه الصورة : " كان صاحبنا يسبح في بحر من نور شمس سطعت فاذا بنورها يشع في عينيه فينعكس عنهما لمعانا تضيء منه الأرض على امتداد البصيرة .. "
هذه الشواهد على كثرتها احتجنا إليها لتشكيل الصورة الكاملة لهذا المنقذ من الضلال . فهو رجل فذ لا يعول على سابق علم و لا قواعد و أعرافا مرعية ، عقله يغلب على دواعي جسده بل هو على الطريقة الصوفية و مثلها السقراطية يحيي العقل و يميت الجسد فيتحمل المشاق و طول السفر بحثا عن الحقيقة التي ستنير دربه ثم يغدو ضرورة منقذا للآخرين .
إن أخص خصائص هذا الفذ انه بلا ذاكرة و قد ترددت هذه العبارات و أشباهها في قصص مختلفة حيث نجد أن الجواب عن تساؤل أهل المدينة المفتقدين للربيع يأتي من فتاة صغيرة في عينيها" بهجة غامرة و فيض حب ظهر في إشراق وجهها المستدير ذي الملامح الطفولية البريئة " إنها من النبع الأول و في سن البراءة في عمق الغاب بعيدا عن ذئاب المدينة تهمس " إنهم لم يقبلوا على الربيع فكيف يقبل عليهم ؟ "
فالهادي أو المهتدي يجب أن يشرع نهجه مبتعدا عن " الاكليشهات " " كان يا ما كان " (قصة بسيطة جدا ) و هو إذ يباشر الحياة مع الناس ينطلق هكذا " نضوت عني أثواب الذكرى و خرجت إلى الناس عاريا .. "
4- تيمات الزوايدي في قصصه :
لاحظتُ أثناء قراءة هذه القصص أن جملة من العناصر تظهر مرارا في المجموعة فالمرآة و الساعة و مسربٌ يتخذ أسماء مختلفة و لكنه يتسم بالطول و التعرج و الظلمة .. كل هذه تتواجد في قصصه حتى انه لا يمكن إغفالها ..
ففي معظم القصص ثمة مرآة تمكن الشخصية من الترائي و الانشطار و الحوار الباطني أو المسموع كما أن ساعة أو احد لوازمها كالصوت و العقرب تظهر في أكثر من قصة ، ثم هذا النفق الذي يتجدد ظهوره بأكثر من اسم و في أكثر من مناسبة . ان هذه الأشياء تتحول إلى كناية على معان تلح على ذهن السارد و لكنها يمكن ان تعتمد كتقنية تيسر تطوير الأحداث و تجذير ملامح الشخصيات .
فمن جهة ثبت لدينا أن من بين أسئلة الوجود هذا القلق من الزمن الذي يأكلنا و يُنقص من أعمارنا " كل ثانية تنقصني " و من جهة أخرى تغدو المرآة صيغة تقنية لاستحضار شخصية إضافية في قصص ذات شخصية واحدة غالبا .
أما هذا النفق أو الدهليز أو الممر الذي في المستشفى و غير هذا المثال كثير فهو حمّال أوجه .
ففي قصة ( دنيا ) هو نفق قاد إلى العدم و الزوال .
و هو في قصة ( بيني و بينك ) قاد إلى المجهول و هيّج أسئلة عن تناقضات الحياة.
و هو في قصة ( انصراف ) انتهى إلى فضاء مضاء بنور الشمس : الحقيقة ..
و هو غالبا في قصص أخرى كناية على المتاهة و امتلاء الحياة بالمتناقضات .

ريمه الخاني
18-08-2008, 03:27 PM
لماذا يظن كل عاشق دوما أن قصته لا مثيل لها ؟
لولا هذا الاحساس لما ساد الحب وتكاثر هذا اولا
ثانيا اجد ميزة رائعه جدا في قصص الكاتب فيصل وهو عنايته في اخرج نصه لغويا تماما.
وهذا قل تواجده لفيض النصوص لدى كل كاتب او ربما عدم تفرغه الكامل
دراسه قيمه

فيصل الزوايدي
19-08-2008, 09:20 PM
أخي عبد العزيز أجدد شكري لهذه القراءة المستفيضة لمجموعتي القصصية الأولى " قصة بسيطة جدا "
دمت في الخير

فيصل الزوايدي
19-08-2008, 09:21 PM
لولا هذا الاحساس لما ساد الحب وتكاثر هذا اولا
ثانيا اجد ميزة رائعه جدا في قصص الكاتب فيصل وهو عنايته في اخرج نصه لغويا تماما.
وهذا قل تواجده لفيض النصوص لدى كل كاتب او ربما عدم تفرغه الكامل
دراسه قيمه

أخت ام فراس أعتز برأيك في نصوصي كثيرا فشكرا لدعمك المتواصل
دمت في الخير

عبد العزيز ضيف الله
23-08-2008, 01:25 AM
أم فراس أشكر مرور ك العطر

عبد العزيز ضيف الله
23-08-2008, 01:27 AM
أخي فيصل هذا ما رأيته في نصوصك
أرجو لك مزيد التألق والإبداع

ابراهيم خليل ابراهيم
04-09-2008, 07:20 PM
دراسة جميلة من مبدع جميل
خالص التحية

عبد العزيز ضيف الله
15-09-2008, 11:42 PM
دراسة جميلة من مبدع جميل خالص التحية


أخي ابراهيم أسعدتني اطلالتك و وجدت شذاها