المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملف عن رحيل الشاعر الكبير محمود درويش


ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:35 PM
ملف عن رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش (1)
عباس ينعي درويش "نجم فلسطين" ويعلن الحداد ثلاثة أيام

نعى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، الشاعر الراحل محمود درويش الذي وصفه بأنه "عاشق فلسطين" و"رائد المشروع الثقافي الحديث، والقائد الوطني اللامع والمعطاء" وأعلن الحداد العام لمدة ثلاثة أيام، خاتماً بياناً في هذه المناسبة بعبارة "أعاننا الله على فراقك يا محمود."

وجاء في كلمة عباس، التي نعى درويش خلالها إلى "الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية وكل محبي السلام والحرية في العالم" قوله: "كم هو مؤلم على قلبي وروحي أن أنعي رحيل نجم فلسطين، وزينة شبابها، وفارس فرسانها، الشاعر الكبير، محمود درويش.. إن غياب شاعرنا الكبير سيترك فراغا في حياتنا الثقافية والسياسية والوطنية، لن يملأه سوى أولئك المبدعين، الذين تتلمذوا في مدرسته."
وأضاف: "لقد كان صوت محمود درويش وسيظل عنوانا لإرادة شعبه في الحرية والاستقلال، وسيبقى إعلان الاستقلال الفلسطيني، الذي صاغه شاعرنا العظيم عام 1988 مرشدا لنا ونبراسا لكفاحنا، حتى يتحقق حلمه في أن يرى وطنه مستقلا ومزدهرًا بعد أن يرحل الاحتلال عن أرضه."

المصدر: وكالات

الأسرى في السجون ينعون بكل الحزن الشاعر الكبير محمود درويش
نعى الأسرى بكل إنتماءاتهم وأطيافهم السياسية والحزبية في كل السجون والمعتقلات الاسرائيلية إلى الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية وكل الأحرار والشرفاء والأدباء والمثقفين فى العالم الشاعر الكبير محمود درويش الذي وافته المنية أمس.

وتقدم مركز الأسرى للدراسات باسمى مشاعر العزاء لعائلة الفقيد ومحبيه وعشاقه راجياً من الله العلي القدير بان يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته. وللشعب وللقضية التي ناضل الفقيد من اجلها طوال حياته.. النصر وطول البقاء".

الشاعر الكبير محمود درويش لو غمضت جفونك لبصرَت فيه الأفذاذِ ممَن امتشقَ قلماً ليس كقلمِ مَنْ هم يَحْيَونَ الحياةَ طلقاءَ أحرارا، وتصيَّدَ بصيصاً من ضياءٍ نهارٍ أو مصباحٍ يمتدُّ شعاعُهُ المُقّيَّدُ خَجِلاً لِيلتمسَ منهُ نوراً يحتاجُهُ ليصلَ بِهِِ إليه؛ لِيَنقُشَ بهِ إبداعاً يهزمُ الاحتلال وأهلَه!.

هذا الإبداعِ للشاعر الكبير محمود درويش خرج من بين خَلجاتِ صدرٍ أَنَّ منْ تكيُّفهِ وحالاتِ جلوسِ صاحبِه، واحتضانهِ لأوراقٍ عبرت عن وطنه : وكتب وهو متربِّعٌ، أو َمُقَرْفِصٌ، أو جالسٌ عليهما بل على ركبتيهِ- كما نقول-، أو مادٌّ رجليهِ، أو هو يضعُ الورقةَ على أرضٍ غيرِ مستويةٍ لينحنيَ عليها حانياً حُنُوَّ الأمِّ على ولدها، ونافخاً فيها من ذاتِهِ قصةَ صناعةِ الحياةِ بإرادةِ المنتصِرِ على أعداءِ الحياةِ!.

وكم تأثر أدب السجون من بهذا الشاعر الكبير وخرجُ من مَحْبسين: محبس السجن، ومحبس معاناة الأديب وهو يَنْسِجُ التَّجْربةَ الأدبيةَ كلماتٍ وجُمَلاً وصوراً بديعةً،: إنه أدبُ" فكِّ القيود"، و" أدبُ العشقِ" بكلِّ معانيهِ السّامِيَة، و" أدبُ المقاومة"، و" أدب الوطن"، وما إلى ذلكَ منْ تسمياتٍ نريدُ لها أنْ تُعبِّرَ عن انتصارِ" الضَّحِيَّةِ" على" الجَلاد"، بل انتصارِ" عاشقِ الحريةِ" و" قاهرِ الظَّلامِ" على" خفافيشِ الظلامِ" و" أعداءِ إرادةِ اللهِ" سبحانهُ وتعالى في تعميرِ الكونِ، وَعَيْشِ أهلِهِ أخوةً متحابينَ بسلامٍ وأمان أدب السجون المتأثر بكبير الشعراء الراحل محمود درويش.

الشاعر الكبير محمود درويش المُفْعَمً بالحيويةِ والانفعالِ، وصِدْقِ التجاربِ؛ وذلك لأنه ينْهَلُ من مصدرِ المعاناةِ النّابعِ منْ ثُوّارٍ هانت عليهم أنفسُهُمْ فَهَبّوا يحملونها على أَكُفِّهِم ليقدِّموها أضاحيَ في سبيلِ تحذير كرامةِ الوطنِ وأهله.

الشاعر الكبير محمود درويش الكاتبُ الذى نقل تجربة أبناء شعبه الذى لم يُتوفِّرُ لساكِنِهِ إلا أبسطَ المتطلَّباتِ التي تحفظُ له حياته، فكيف إذا ما كانَ هذا الساكنُ الذى عايش التجربة المرة لهذا الشعب أديباً موهوباً لا يجدُ الوسيلةَ الماديةَ المناسبةَ التي تُعينُهُ على إخراجِ ما يَجيشُ في صدره.

الشاعر الكبير محمود درويش الذى نقل تجارب المتقيدين أسرى وشعب فى وطنه وكتب عن حياتهم من انغلاقِ الأبوابِ، وعُلُوِّ ارتفاعِ الأسوارِ التي يعلوها سياجٌ يعلوهُ سياجٌ متلُوٌّ بِأَسْيِجَةٍ متنوعةٍ غيرهِ. وتَسَلُّطِ جَلادٍ يَأْسِرُ امتدادَ الخيال؟!

وإذا كان للخيالِ أنْ يدفعَ بصاحبهِ المبدِعِ إلى تقييدِهِ سطوراً بليغةً فإنَّ للجلادِ الرَّقيبِ إِنْ َتَمَكَّنَ في غَفلةٍ من اللحاقِ بهِ انقضَّ عليهِ ممزِّقاً ومُعَذِّباً لِمصدرهِ!.

وإذا كانَ الحالُ على هذا النحوِ من المخالَفاتِ التي تعاندُ من يبغونَ حياةَ الحياةِ، بل حريةَ الحياةِ كما أرادها خالقها الواحدُ الأحدُ فإنَّ هناكَ رجالاً أَشِدّاءَ استطاعوا بصدقِ عقيدتهم وقوةِ ارادتهم قهرَ العذابِ، وجَعْلِ ظلمةِ الاحتلال وليلِ السجنِ البهيمِ نوراً انطلقوا به لينيروا طريق الفجرِ إلى حياةِ الحياة.

وكالة معا الإخبارية


لعلّ واحدٌ غيرك
- إلى محمود درويش
هيَ خسارةٌ أخرى، وفجيعةٌ أخرى، وموتٌ آخرُ يعتدي علينا دون سابق إنذارٍ، ولا يمهلنا ولا يمهلكَ الوقتَ الكافي، كي نعود إلى الوراء ونرتّبَ العلاقة مع الأحداث ومع أنفسنا، دون أن نظنُّ أنّ من نحبّه باقٍ كحبّنا لهُ أو أكثر.
خضراءُ أرض قصيدتكَ كما قلتَ، خضراء، ولكنَّ الموتَ مصابٌ بعمى الألوانِ، هو ممحاةٌ لا تعرفُ القراءةَ، وإنّما تعرفُ أنّ حبرَ العظماء لا يُمحى. فهو المجرّبُ العارفُ، الخائف من الخلود والخالدين. فتذكّر أيهّا الموت ما قالهُ لك أحد هؤلاء مرّةً : "هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعها". فتذكّر وتذكّر ولا تظنّ أنكّ منتصرٌ، فلهُ بيننا مشاوير جديدة تخرجُ من بين القصائد التي لا تستنفدُ، فدائمًا نجدُ في الأفق العميق مكاناً جديدًا وفي النبع ماءً آخر وفي السماء نجمةً أخرى، فقصيدةُ محمود درويش لا نهائيةُ المعنى، لأنّ المعنى في الأرض البركانيةِ عدوٌ أبديٌ لهدوء السطح. ولا نهائية الصورة فصورها تتغيّر كلّما تمعّنا في التجدّد الذي ينبع منّا بعد كلّ دورةٍ جديدةٍ لفصول الجمالِ في أعماقنا. ولا نهائية الإيقاع، فالنبض يختلفُ حين تبتسمُ الحبيبةُ القديمةُ ابتسامةً جديدة.
قلتَ قبل وقتٍ قصير إنّك ستكتب أكثر للحبّ وللإنسانية والربيع والجمال، ومرةً أخرى نرى أنّ الأقدارَ تستكثر على الفلسطينيِّ أن يتفرّغَ للحياة، فإمّا أن يتفرّغ للمأساة أو أن يتفرّغَ للموت.
محمود درويش الشاعر الرمز الذي رفض الاتكاء على مساند اسمهِ وقضيته، وظلّ يبحثُ عن القصيدة الأجمل بقلق البراكين وحماسةِ العواصف وهدوء النخيل.
حمل على كتفٍ وطنًا ضائعًا ينتظرهُ، وعلى كتفٍ قصيدةً مفقودةً يبحثُ عنها.
علمتنا يا معلمّنا أن الإنسان تطوّرٌ لا يُحد، وأن الوطنَ بناءٌ لا ينتهي، وأنّ القصيدةَ حلمٌ لا يكتمل، وأنّ الحياةَ نبضٌ لا يصمت.
قلتَ يومَ حاصركَ الموتَ ولم يستطع أن يُدخلَ من بوابة ضعفك الجسديِّ حصان طروادة: "ساعتي لم تأتِ بعدُ. ولم يحن وقتُ الحصاد... لعلّي واحدٌ غيري"...
فلعلَّ واحدٌ غيرك مات.
لم يمت محمود درويش.

سامي مهنا- المصدر: عرب 48

ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:38 PM
السماء تحتفي بوصول قلب فلسطين النابض شعرا اليها
تحتفي السماء بوصول قلب فلسطين النابض شعرا إليها ،و مع توقف قلب محمود درويش فتحت السماء أبوابها لاستقبال روح شعر الكنعانيين منذ فجر التاريخ و حتى تحرير فلسطين ولو كره العابرون في كلام عابر.

محمود درويش توفي عن عمر يناهز سبعة و ستين عاما و حمل فلسطين معه إلى السماء كتابا و سراجا يخلط الوطن بالمجاز و يمزج القصيدة بالحرية.

درويش برهاننا للكون على أننا سنبقى خير امة أخرجت للناس.

مبروك للسماء بضيفها و أعاننا الله على هذا الخواء.

المصدر: تلفزيون الدينا

محمود درويش.. الحصان وحيداً

مات محمود درويش. مباغتاً كان الخبر. لم ينتظره أحد. جاء فجأة. خطف أحمد العربي. أحمد الزعتر. لم ينتظره أحد لذا أتت الأنباء بالتقسيط. ثمة مشيئة كانت وراء تقسيط النبأ. ربما، حتى لا نهلك أسىً وتجلداً. خبر يقول: مات. رويترز والجزيرة القطرية. آخر يقول: لا. تتحدث إدارة المستشفى من أميركا عبر البي بي سي. تقول: لا. السلطة الفلسطينية تمهر: لا، أخرى. نتنفس الصعداء قليلاً.
أكثر المعلومات شؤماً تقول: في حالة حرجة. الجزيرة لا تستبدل الخبر من واجهتها. مصرّة، مصرّة. لكننا على رغم من ذلك، نواصل تنفس الصعداء. نكتم الشهقة ساعة إلا ربعا بالتمام والكمال. ثم لا تلبث الصاعقة وتكر مرة أخرى: مات. هذه المرة المعلومة جدية. أخيراً تنازلت البي بي سي واستسلمت. تستبدل الأنباء المتضاربة، وتقول: تأكد الخبر. السلطة الفلسطينية تعود مرة أخرى وتؤكد. لم يتبق ثمة ذرة شك. مات درويش. لم يصرخ محمد في ''عرائس'': طائرات.. طائرات. لكن الأكيد أن العاشق سقط في حضن الفراشة!.
العاشق الفلسطيني هزمه قلبه. شريان ينفتح فينفتح معه جرح العالم. لن يكتب أحد ''جدارية'' الوجود السريري هذه المرة. أو عن قطن المستشفيات الأبيض الأبيض. أو الموت الذي تهزمه مسلة المصري، والفنون جميعها. من يكتب عن من أصلاً!. العاشق الغجري صار بعيداً الآن. بعيداً جداً.. ''كزهر اللوز أو أبعد''!.

المصدر: جريدة الوقت




.. وتوقف قلب شاعر الثورة.. وكاتب ميثاق الدولة الفلسطينية

محمود درويش أوصى بعدم تركه يعيش صناعيا.. وترتيبات لدفنه برام الله أو قرب قرية أهله

كانت وصية محمود درويش، الذي وافته المنية أمس، ألا يترك حياً بفعل الأجهزة الصناعية أبداً في حال ما إذا وقع له اي مكروه.
وبين قرية البروة بالقرب من عكا في فلسطين ما قبل النكبة بستة أعوام، حيث بدأ قلبه ينبض بالحياة، وبين يوم أمس، حين توقف هذا القلب المحمل بالأنغام والقوافي والآلام، عن الخفقان داخل غرفة بمستشفى بولاية تكساس، عاش الشاعر الفلسطيني محمود درويش شاعر الثورة الفلسطينية وكاتب ميثاق دولتها، الذي اعلن في الجزائر عام 1988، حياة تُعدُّ بعدد قصائده التي تُرجم عدد كبير منها إلى لغات مختلفة. ونعى الفلسطينيون والوسط الثقافي العربي، الشاعر محمود درويش، الذي اعلنت متحدثة باسم المستشفى التي كان يعالج فيه بتكساس، أنه توفي ولكنها لم توضح سبب الوفاة. ولكن مصادر أخرى أفادت بأن تعقيدات حدثت بعد العملية التي اجريت يوم الاربعاء الماضي، حيث كان الشاعر يعاني من ارتخاء عضلة القلب.

بيروت: سوسن الأبطح دمشق: سعاد جروس القاهرة: عبد الستار إبراهيم

المصدر: الشرق الأوسط

محمود درويش يغيب بعدما اتسعت قصيدته لتصير وطناً
بخوضه تجربة الموت أخيرا، سيعرف محمود درويش الحقيقة التي ظل طوال عمره يبحث عنها في ثنايا قصيدته المفعمة بالأسئلة الوجودية، قبل أن تكون الهوية الأجمل لشعب احترف الحياة بقدر استهانته بالموت احتفاء بوطن اسمه فلسطين.
الخبر يقول إن الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أسلم الروح في احد مستشفيات هيوستن، في ولاية تكساس الاميركية يوم أمس، اثر عملية جراحية لم يتحمل تبعاتها قلبه، الذي مل من العمليات الجراحية، ولكنه لم يمل من الشعر والنثر والحب والحياة و...أولاً وأخيرا فلسطين. لكن فلسطين التي كانت هويته الشعرية والانسانية منذ أن ولد في قرية البروة في قضاء عكا عام 1941 أزهرت شيئا فشيئا، وقصيدة بعد قصيدة لتصير وطنا أكبر وهوية أوسع من مجرد جغرافيا محتلة يحاول شاعرها أو يكون شاعرها، فلم يعد يستهوي درويش، بعد أن تنامت دهشته الشعرية على حواف العالم كله، أن يظل شاعر القضية وحدها، ربما لأن قصيدته اتسعت لتصير وطنا، وربما لأن وطنه ــ وطننا اتسع ليصير قصيدة، وربما لأن الشعر القادر على هزيمة الموت كما اكتشف درويش، في جداريته الشعرية التي كتبها قبل تسعة أعوام كشاهدة أبدية على الحياة، احتله ككيان وكإنسان قبل أن يحتله كقضية وطنية وسياسية.
بدأ درويش، اذن، شاعرا للقضية الفلسطينية، حاملا هوية شعب بأكمله في وجه المحتل منذ مجموعته الأولى «عصافير بلا أجنحة»، لكن الاجنحة نمت فيما بعد ليطير الشاعر من خلالها محلقا في سماوات الابداع الأكثر اتساعا من عبارة تقول «سجل أنا عربي» وحسب. ولأن درويش بموهبته الشعرية المتفردة، أدرك متى يخرج من قفص العبارات الجاهزة بجمالياتها الشعبية الصاخبة، فقد صار أهم شاعر عربي في الأعوام الخمسين الماضية، ليس على صعيد حجم الموهبة وحسب بل أيضا على صعيد ما حقق من انجازات شعرية وابداعية من خلال هذه الموهبة التي لم تلهه عن قضيته الكبرى، حيث السؤال الوجودي الكامن بين الموت والحياة.. والذي حاول استقصاءه في جداريته الفاتنة تلك والتي قلنا عنها عبر مراجعة منشورة بعيد صدورها ما نصه أن «أسئلة كثيرة واجابات أكثر توحي بها تلك الجدارية الشعرية التي صاغها الشاعر، بعد تجربة قاسية له مع الموت حين يلوح للمرء تلويحته الأولــى قبل أن يغادر واعدا بالعودة الأكيدة حتما، في بناء سيمفوني متصاعد يهبط بعد أن يصل لضربة القدر المركزية بشكل تدريجي يناسب مراحل الحياة في تصاعدها وتنازلها التدريجيين، حيث الشعر هو الحلم المتحقق حتما، وهو الخلاص المتحقق حلما:
سأصير يوما شاعرا
والماء رهن بصيرتي.
يحتفــي محمود درويش في جداريته الطويلة بالموت اذن، كمن يريد أن يحتفي بالحياة، ربما لأنه يلج بوابة الموت عبر المزيد من ممارسة الحياة في حدها الأقصى، في شرطها الأكثر قسوة، في حيلها الكثيرة، في ذهولها المستمر منذ صرخة الميلاد، في قدرتها الأكمل والأتم على أن تكون هي الهدف، وهي الطريق الى الهدف في الوقت نفسه..
يقول في هذه القصيدة التي كتبها بعد أن خرج من غرفة العمليات، في تجربة شفيفة مع المرض الذي كاد يودي به قبل عدة سنوات، الى طرف الذهاب الأخير (أم تراه الأول ؟!)، مخاطبا موته السادر في غي الانتظار احتيالا، بكبر الكائن البشري تجاه كل ما ومن هو غير بشري، وبكبرياء الشاعر تجاه كل من سواه:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري، مقبرة الفراعنة،
النقوش على حجارة معبد هزمتك انتصرت
وأفلت من كمائنك الخلود ..
فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريد .
ينظر درويش،اذن، تلك النظرة الاستعلائية للموت كمن يرثي محاولاته المستمرة منذ أزل الحياة لانهاء الحياة عنصرا عنصرا وفردا فردا، دون نجاح حقيقي، سوى تلك النجاحات الصغيرة المتراكمة عبر اللحظات الآنية دون غيرها، ومع قلة يمتهنون الهزيمة ويرفعون للموت رايات الاستسلام، فينجح ذلك الموت في ممارسة ذاته عبر الحالة الفردية الخاصة، فيضم الى قافلته أسراه من الكائنات البشرية كائنا تلو الآخر، ولكنه يفشل في تحقيق أي نصر أكيد، أي نصر حقيقي، أي نصر جمعي أخير ونهائي.. وتظل تلك النظرة المتباهية تجاه الموت هي موت الموت الحقيقي، وهي النقطة الأخيرة، ولعلها الأولى، في المعنى المتاح للبشرية وفي الاجابة عن السؤال الكبير:
وماذا بعد؟
ماذا يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟
هل يعيدون الحكاية؟
ما البداية؟ ما النهاية ؟
لم يعد أحد ليخبرنا الحقيقة!!»، وقد انتهت يومها المراجعة من دون أن ينتهي شغف درويش بإغواء ذلك السؤال المزدوج الذي لم يعد أحد من الموت ليخبرنا حقيقته.. وها هو درويش يقرر أخيرا أن يذهب بنفسه ليعرف الحقيقة.

سعدية مفرح
المصدر: القبس

ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:43 PM
محمود درويش .. الغائب الحاضر ابدا
مات محمود درويش وتوقف نبض قلبه، وحل النبأ صاعقا على الشعب الفلسطيني خاصة والامة العربية عامة.

لم يكن درويش صوتا وطنيا فقط، ولم يكن صورة وتجسيدا للقضية فقط، بل كان العقل والقلب والامل والشوق وحب الحياة وحب الناس والحاضر والغد.

ملأ الدنيا شعرا ومواقف، وسحر الجماهير بعفويته وصدقه ولغته السهلة الممتنعة وصوره الشعرية البليغة الجذابة والمثيرة للتفكير. كانت القاعات تمتلىء بالحضور كلما اقام امسية كما كانت تمتلىء الردهات والممرات لانه احب الناس فأحبه الناس في زمن كاد يموت الشعر فيه.

وقد ارتبط اسم محمود درويش منذ البدايات الاولى بالشعر الوطني المقاوم وحتى رحيله، وصار وسيظل علما بارزا، ان لم يكن العلم الابرز، في ميدان الشعر والانتماء الوطني والقومي والانساني، في عالمنا العربي كله واجزاء واسعة من العالم.

ولقد قاوم محمود درويش المرض واعلن انتصاره على الموت في قصيدته المطولة «الجدارية» بعد عملية جراحية سابقة. وهو وان رحل عنا جسدا، فانه سيظل الطائر المغرد في دنيانا وعالمنا، وفي قلوبنا ومشاعرنا، وفي وطننا وقضيتنا، وسيظل اسمه عاليا في قائمة الخالدين.

لقد اصدرت السلطة الوطنية مؤخرا، طابعا بريديا يحمل صورة شاعرنا الكبير، في لفتة تكريم كانت في محلها، ونحن على ثقة ان سبل تخليد اسمه وتقدير دوره، كثيرة، ولا بد من تخصيص جائرة فلسطينية باسمه بالاضافة الى اجراءات اخرى كثيرة.

رحم الله شاعرنا الكبير محمود درويش رحمة واسعة.

المصدر: القدس


محمود درويش... لم يكن وفيا سوى لفلسطين
كان آخر الكبار، ذلك الذي لم يكن وفيا سوى لفلسطين. كان محمود درويش مسكونا بفلسطين. كان أنسانا شفافا ألى أبعد حدود، لكن شفافيته كانت تتوقف عند فلسطين التي عاد أليها من دون أن يعود. ذهب ألى فلسطين مودعا. ذهب العام الماضي ألى حيفا، وعاد مؤمنا
أكثر من أي وقت بأن المجتمع الأسرائيلي مريض وأن الأسرائيلي في حاجة دائمة ألى أن يظهر في مظهر الضحية. في احدى المرات قال لي محمود درويش أن الأسرائيلي يخاف من الفلسطيني لأنه يسلبه دور الضحية. بالنسبة أليه، ثمة حاجة مستمرة لدى الأسرائيلي لأن يكون في وضع الضحيةفي حين أن الضحية الحقيقية هي الفلسطيني. كان الأسرائيلي، ولا يزال، يرفض ذلك ويصر على أنه هو الضحية. يغار من الفلسطيني بصفة كون الأخير ضحية. هذه الصورة لم تفارق محمود درويش يوما. لم يغفر للأسرائيلي أنه يريد أن يسرق حتى من الفلسطيني حقيقة أنه الضحية. كان يرى في تلك الصورة ذروة المأساة الفلسطينية والمثل الأوضح على البؤس الأسرائيلي وعمق الأزمة الوجودية التي يعاني منها أولئك الذين جاؤوا من أصقاع الأرض ألى فلسطين وشردوا شعبها.
أمتلك محمود درويش ما يكفي من التواضع ليرفض كل من لا علاقة له بالذكاء أو خفة الدم. لم يكن متساهلا أو متسامحا في أي شكل مع ثقلاء الدم والأغبياء. لم يكن يتحمل سوى أولئك الذين كان لديهم حد أدنى من البريق. لذلك كان اصدقاؤه نادرين على الرغم من أن كثيرين كانوا يعتبرون نفسهم قريبين منه. لم يكن محمود درويش سهلا ولم يكن متساهلا ولا حتى متسامحا. كان يرفض الأبتذال بشكل صارم وقاطع وكان يرفض المبتذلين، كان أكثر ما يكرهه أن يقول أحدهم أن قصائده "حماسية" او أنه جاء ألى ندوة ما ليلقي قصيدة "حماسية". لم تكن لديه اية أوهام في شأن الآخرين. لذلك لم يكن يتعاطى بعمق سوى مع الأنقياء. من بين هؤلاء الشهيد سمير قصير وزوجته جيزيل خوري. أما الصحافيون الآخرون، بمن في ذلك أدعياء الوطنية والتقدمية من الذين عملوا لدى صحف تابعة لأجهزة وأنظمة معروفة... فكان يعرف تماما ثمن كل منهم من الأحياء والأموات للأسف الشديد! لم تكن لدى محمود درويش أوهام. لم يكن مجرد شاعر لا مثيل له في العالم العربي. كان سياسيا في الدرجة الأولى. لكنه على خلاف السياسيين، كان يرفض الدخول في مساومات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفلسطين. كان يحتمي بمحمود درويش الشاعر عندما كان عليه الدخول في دهاليز السياسة ومتاهاتها. عندئذ كان يعود ألى الشاعر يستنجد به كي يبقى محمود درويش وفيا لمحمود درويش ولفلسطين أولا.
ما لا يعرفه كثيرون أن محمود درويش كان عاشقا لبيروت. رفض مغادرة العاصمة اللبنانية حتى بعد الأحتلال الأسرائيلي لها في العام 1982. بقي صامدا ينتقل من مقهى ألى آخر في مرحلة ما بعد أنحسار الأحتلال عن شوارع المدينة. لم يرحل عن بيروت وعن شقته في رأس بيروت، الواقعة في شارع محاذ لشارع بلس حيث الجامعة الأميركية، الا بعدما تلقى تهديدات مباشرة من الأسرائيليين ومن كان يمثلهم في تلك المرحلة المشؤومة. غادر على أمل العودة قريبا، لكن غيابه طال ألى أن عادت بيروت وعاد لبنان بفضل رفيق الحريري أبتداء من السنة 1990.
ما لايعرفه كثيرون أيضا أن محمود درويش لم يكن يوما بعيدا عن القرار السياسي الفلسطيني وعن كل الخطابات المهمة التي ألقاها ياسرعرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، بدءا بخطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1974. كان محمود درويش، عبر بصماته وعبر صياغات معينة، حاضرا في كل خطاب من تلك الخطابات، بأستثناء تلك التي كان فيها ضعف ما. أبتعد محمود درويش عن القرار الفلسطيني بعد التوصل ألى أتفاق أوسلو في العام 1993، لكنه لم يبتعد عن ياسر عرفات. كانت لديه تحفظاته من منطلق أنه لم يكن شريكا في القرار. كان محقا في كل كلمة قالها وقتذاك. كان يعرف الفلسطينيين أكثر من غيره وكان يعرف خصوصا الأسرائيليين من داخل وكان يدرك تمام الأدراك هواجسهم وأمراضهم... حتى أنه كان بين القلائل الذين توقعوا أغتيال أسحق رابين على يد متطرف أسرائيلي بعد توقيع أتفاق أوسلو.
بعد محمود درويش، يصعب الحديث عن شاعر كبير في العالم العربي. يصعب الحديث عن شاعر وسياسي وأنسان أحب المدن العربية وغير العربية. احب القاهرة وبيروت وعمان وأحب باريس خصوصا وقد أقام فيها سنوات عدة. كان محمود درويش أستثنائيا. رفض دائما الدخول في أي نوع من المساومات حتى مع نسائه. طبّق ذلك على السياسة. لم يكن لديه وفاء سوى لفلسطين. كانت حبيبته الأولى والأخيرة. مات عاشقا لفلسطين ومن أجل فلسطين.

خيرالله خيرالله
المصدر: إيلاف

رحل مجنون التراب وبقي التراب
-1- لو تخطينا - ولو بصعوبة - أحزاننا العميقة لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش، الذي رحل بالأمس، وكان لا يزال لديه الشيء الكثير

ليقوله عن فلسطين، لأدركنا أن فلسطين كلها، كانت تعيش في قلب هذا الشاعر، أكثر من أن يعيش هذا الشاعر في قلبها الممزق، الذي مزقته إسرائيل من جانب، ومزقته القيادات الفلسطينية نفسها بخلافاتها، وأطماعها، وتنازعها على الزعامة الفلسطينية، بدءاً بالحاج أمين الحسيني، وانتهاء بمحمود عباس وخالد مشعل.

-2-

قلب محمود درويش؛ أو "مجنون التراب" كما أطلقتُ عليه في كتابي (مجنون التراب: دراسة في شعر وفكر محمود درويش، 1987) لم يعد يحتمل كل هذا التمزق، وكل هذه الأشلاء الفلسطينية المتناثرة، على كل الكرة الأرضية، من الفلسطينيين المنتشرين، في شتات بقاع الأرض.

لم يعد يحتملُ قلب الشاعر كل هذه المآسي والكوارث والويلات، التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج، فانتفض، وتوقّف. فليس هناك قلب شاعر، اتسع لمآسي أهله، وكوارث وطنه، كما أتسع قلب درويش.

فدرويش احتوى كل فلسطين في قلبه، بينما لم تحتو فلسطين الشاعر، التي كان يتنازعها الصهيوني من جانب، والسياسي الفلسطيني من جانب، والسياسي العربي من جانب ثالث، والسياسي الغربي من جانب رابع.

كانت فلسطين بمأساتها أكبر وأقوى، من احتمال قلب الشاعر، الذي انفجر فيها. فقد كان رحيل درويش منتظراً منذ زمن بعيد، وقبل أن يبلغ سنه السابعة والستين بكثير.

-3-

معظم السياسيين الفلسطينيين، ومعظم المثقفين الفلسطينيين، انصرفوا عن احتواء القضية الفلسطينية في عقولهم وقلوبهم وضمائرهم، وسلكوا طرقاً كثيرة للمتاجرة بالقضية من قريب أو من بعيد، فكانت فلسطين بالنسبة لهم الدجاجة التي تبيض ذهباً، في حين بقيت فلسطين حجراً صلداً، في قلب الشاعر درويش، منذ أن بدأ يكتب الشعر، قبل نصف قرن من الزمان، ولم يتوقف.

-4-

كان درويش واحداً من الشعراء العالميين القلائل، الذي تخطى فضاءه الفلسطيني، وفضاءه العربي، وأصبح شاعراً عالمياً، وحوّل القضية الفلسطينية من قضية إقليمية، إلى قضية إنسانية عالمية حزينة. فمن خلال علاقة الفن بالحرية والالتزام، ونظرة درويش لهذه العلاقة، وتطبيقاته الشعرية عليها، ندرك إلى أي حد ساهم هذا الشاعر في تعميق هذه العلاقة، من خلال دور فني وفكري مُميز. كما ندرك الدور الذي قام به درويش كشاعر ثوري، رفيع المستوى، استطاع من خلال فنه الراقي، أن يوازن بين الفن والثورة موازنة دقيقة، من خلال وعي راشد لكل منهما.

-5-

لقد كان أدب النضال العربي من خلال شعر درويش أدباً فاعلاً، وليس أدباً متفرجاً، أو مُزيّناً، أو مؤرخاً، أو مُسجّلاً.

كان فعله هو الثورة ذاتها، من خلال جماليات راقية.

فالثورة لا تُثرى إلا بالجمال الفني الراقي الرفيع.

ولا يضرُّ الثورة، قدر ما يضرها الفن الرخيص والسطحي.

والشعر الثوري كان في مفهوم درويش، سابقاً للفعل الثوري، وليس نتيجة له، لأنه كان هو البشير بالثورة.

فالشعر الثوري مستمر في حركة التاريخ، لا يتوقف، ولا ينتهي عند حد، لأن البشرى مستمرة.

والشعر بشارة الغد، وليس تأريخاً للأصل.

وبذا، أصبح الشعر سيفاً، وليس وردة تُعلّق في عروة حامل السيف.

-6-

كان تراب فلسطين هو الشعر، بالنسبة لمحمود درويش.

كانت كلمات درويش تولد من محارات فلسطين.

كانت كل كلمة من كلماته، لها رائحة البرتقال حيناً، ورائحة الياسمين حيناً آخر، والدم حيناً ثالثاً.

كانت كل كلمة شعرية قالها درويش، تأخذ شكل الحجر الفلسطيني، وشكل الصفصافة، وشكل البحر.

كان درويش في قبضة القضية الفلسطينية، يشعر بأنه موجود، وأنه كائن حي.

فقد كانت فلسطين بالنسبة لدرويش تجسيد لكل الأزمنة والأمكنة. ومن دونها، كان الشاعر خارج المكان، وخارج الزمان. وكان يفقد توازنه الروحي والعاطفي. وبدونها يظل الشاعر في قاعة الانتظار.

ويبدو أن تفتيت فلسطين على هذا النحو الذي نراه الآن، هو الذي فتت قلب درويش، وأوقفه عن الخفقان مبكراً.

فرحل مجنون التراب، ولكن بقيت حفنات من تراب فلسطين، متناثرة في الفضاء الإنساني كله.

شاكر النابلسي

المصدر: إيلاف

ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:44 PM
في رحيل محمود درويش

بموت محمود درويش تنطوي صفحة كبيرة من الشعر الذي كان يستمد وجوده من خلال الصراع العربي الإسرائيلي. لقد استطاع محمود درويش بقدرته
الفائقة على امتصاص ما يتجدد في التجريب الشعري الحديث، وصبه في مسار سياسي نضالي غالبا ما يصطدم وطموحات التجريب الشعري نفسه. ومع هذا نجح درويش في ان يتفرد بتجربته تفردا يميزه، من ناحية، عن جل الشعراء الذين يصنفون في خانته النضالية، ومن ناحية أخرى، عن كل دعاة الحداثة: صورته هكذا أصبحت غامضة لا هو فعلا شاعر مقاومة، وفي الوقت ذاته هو خلاصة هذا الشعر، ولا هو شاعر حديث لكن تجربته تشكل جزءا من هذه الحداثة الشعرية المحضة.

لقد تعرفت عليه، في ظروف اختلط فيها السياسي بالتجريبي: إبان غزو الكويت وتحريرها. في كل لقاء كان يحافظ على صورته، على عكس ما كان يكتبه، كمتفتح سياسيا خصوصا في قضية الحوار مع إسرائيليين، ومتبن لتجربة قصيدة النثر التي كان، في العمق، لا يرى فيها أي شعرية، خصوصا عام 1990. أتذكر ذات يوم دعوته إلى أن يأتي للعشاء في بيت الروائي الإسرائيلي (من أصل عراقي) شمعون بلاص، ولبى الدعوة بكل طيبة، وأهدى الي نسخة من كتابه الجديد آنذاك "أحدَ عشرَ كوكبا" (تحمل رقم 51 ، من طبعة مرقمة من 1 الى 125). وكتب على صفحتها الأولى هذا الاهداء: "إلى عبد القادر الجنابي الشاعر، والمغامر والصديق مع خالص المودة / باريس 12/12/1994". لم أشعر بإهدائه تملقا.. وإنما على العكس كنت أشعر بصدقه، وبالتالي برغبته الصادقة في صداقته مع كائن كان يدعو علنا الى التطبيع والحوار مع الشعراء الإسرائيليين (وهذا امر النظام الصهيوني نفسه يقف ضده)، ويكره كل ما يسمى بـ"شعر المقاومة". بل شارك جديا بقصيدة في "فراديس" بالاشتراك في استفتاء حول حرب الكويت (العدد الثالث)... لم اكن متفقا معه في كثير من النقاط. وقد نشرت قصيدة وقتها في "القدس العربي" مهداة اليه تحت عنوان: "ليت الحصان كان وحيدا"! جاء فيها:

"القضية، ها هي

كيلو مترات

نجمٌ بليل

في موادجهة البرد

في لجّ سلام

تلحسُ الحربُ ضفافّه."

مرت الأعوام وما إن حلت حرب تحرير العراق، حتى بدأت المعالم تتوضح: فدرويش رغم كل تفهمه لما تقول، يبقى ملتزما بما كان مرسوما سلفا في ذهنه. مكانه المقاومة سواء كانت محقة أم لا، فتجربته الشعرية قائمة في هذه الزاوية من صراع الكلمة شعريا مع العالم. أي خروج على هذا الخط ينهيه شعريا وسياسيا معا... وأعتقد انه كان واعيا لهذا الكابوس الملازم لكل موقف شعريا كان ام نظريا. لذلك كان كل ديوان جديد يصدر له يحمل هذا الهم: الرغبة في ان يكون مساهمة جديدة في الشعر الصافي التجريبي المحض، وفي الوقت ذاته في إرضاء الذوق الشعبي المحدد بالقضية الفلسطينية: بين التصفيق له على طريقة جمهور العوام التونسي، وبين همسات الشعراء الشباب بالاقتراب منه كشاعر مجدد.

لقد مات درويش... وفي نفسه شيء من هذه الطفرة التي كان يحلم بها: من الطقسية النضالية للكلمات إلى الكلمات نفسها كطقسية مستقلة بذاتها. لكن موته هذا، الذي قد يبدو مبكرا لأصدقائه، أضفى لمعانا للمأزق الذي كان يتغذى عليه شعر محمود درويش، بينما هناك شعراء عُجُز موتهم سيأتي جد متأخر، إذ كان يجب عليهم ان يموتوا قبل سنوات عديدة، حتى يبقى لهم أثر سام في المعضلة الشعرية؛ تاريخ القصيدة الحق، لا مجلدات من الأوراق الصفراء في متاحفهم التي بنوها قبل ان يموتوا.

تحية إلى ذكرى محمود درويش الذي فضّل أن يسير على خيط رفيع بين هاوية السياسة وفضاء الشعر. والتاريخ هو الحكم.

عبد القادر الجنابي


المصدر: إيلاف

محمود درويش فراقك فراق وطن..
سجل... أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟!

أه يا دموع تتحشرج بالقلب، فكلما اسدلت ستارة سوداء، وكلما تجاوزنا صفعة قاسية من الزمان، دثرتنا أهازيج الفرح بدموع أصبحت تسري في وادي قاحل هجرته طيور النورس، وألحان الصباح وتغريبة المساء، تسمعنا نحيب ونحيب، نحيب من الفجر للفجر، ومن المساء للمساء، نحيب لا زال يحمل خيمة ثائرة باسم " أنا عربي " خيمة أوتادها من حبر بلون الدم، وبداخلها طفلٌ يغني لفلسطين، صرخ وصدح بالآه مع كل تغريبة شوق وشجون تبحث عن لحن يعزف موسيقاه الحزينة في بهاء الدار الواسع...

سجل... أنا عربي
... واعمل مع رفاق الكدح في محجر
وأطفالي ثمانية
اسلّ لهم رغيف الخبز والأثواب والدفتر
من الصخر
ولا أتوسل الصدقات من بابك
ولا اصغر أمام بلاط أعتابك
فهل تغضب ؟!

أراك وأنت تسجل هويتنا تهاجر مع طيور العنقاء، تلوح لنا بالبقاء بصوت حاني تحلم فلسطين في سماء توشحت بالسواد وبالآه، وبالفراق، ونحن نـأمل بعيون شاحبة، صامتة لا ضوضاء حولها سوي نبضات قلب تعزف سمفونية ألم، وتشدو لحن قاسي على أوتار قيثارة الفاجعة..... الآن الآن بدأنا نرتل سجل أنا عربي، ونرتل معها قداس في كنائس تقرع أجراسها حزنا، ومساجد تكبر مآذنها بكاءاً، ونحن نبحث عن لوحة مزتانة بألوان زيت الزيتون، وقصيدة كتبت بحبر الأرض.
فماذا سنسجل اليوم يا فارسنا المرتحل ونحن نعيش في ضوضاء الغربان ؟

سرقوا منا كل شيء، حتى أنت سرقك الفراق منا، كما سرق سيمفونية الحب لشهرزاد التي احتضنتها في قصائدك وعشقتها في ثورتك، وصاحبتها في سفرك وترحالك، وغربتك وفراقك.

سجل
برأس الصفحة الأولى
أنا لا اكره الناس، ولا أسطو على احد
ولكني... إذا ما جعت، آكل لحم مغتصبي
حذار... حذار... من جوعي ومن غضبي

آه أيها الوجع الذي اغتصبتنا مئات المرات، فاليوم اغتصبتنا بأشد قسوة، فكيف سنأكل اللحم ونشبع الجوع ونخفف الغضب، ونحن أُغتصبنا من فراقك ؟ لم تترك لنا في الدار سوي وجعاً يجثم على وجعنا، وغضباً يتمرد على غضبنا، وصخور تتآوه ألماً عليك.

أفتقدناك أيها المحمود درويش... افتقدناك ونحن ننبش في قصائدك عن وطن كبير يتسع للوجودية التي بحثت عنها دوماً ولا زلت تبحث حتى توقف قلبك دون عناء في هيوستن، وأنت تسجل لنا ثورة ووطن وقضية....

افتقدناك..........
محمود درويش شاعر الوطن والقضية والمقاومة، ريشة لم تسقط أبداً بل صنعت ثورة تحديثية في الشعر العربي الحديث مزج به الحب بالوطن، والثورة بالإنسان، والقضية بالأدب، ثورة أنبتت لنا الآه مع الفرح كما كان غسان في أم سعد وعائد غلي حيفا......

إنه اليوم والميعاد الذي أعدتنا به لسنوات نستذكر غسان ونفتقد محمود درويش الإنسان ابن الجليل الأعلى ذو السبعة والستون عام الذي هاجر مع أسرته إلى لبنان بعد تدمير قريته سنة 1948م ولكنه عاد ليعيش هموم الأرض ويتذوق القهر ويحتضن زنزانة العدو ويشارك القيد قصة بقاء ووجود، ويغادر مرة أخري ليبدأ رحلة العودة لأم حنون....

فقيدنا..... وشاعر ثورتنا محمود درويش :
استطاع أن يسجل لنا حقبة تاريخية من الصراع الأدبي و بمعركة الوجود واللاوجود التي خاضها شعراً وأدباً مع الاحتلال، ليمتص كل ما هو جديد في التجريب الشعري الحديث ويسخره في المسار السياسي النضالي ليبلور لنا تجربة فريدة متميزة عن جل الشعراء الذين عاصروه من شعراء النضال والكفاح والمقاومة، ويبقي محمود درويش خلاصة فريدة لحدثاً ثقافياً فريداً مع كل ديوان أو قصيدة يطلقها.

هضم التاريخ والفلسفة والأديان والأساطير، وحرر الشعر الفلسطيني من وطأ الأيديولوجيا وبراثن التقزيم، ليجعل منه ثورة ووطن تتسع للجميع، نعيش بها وتعيش فينا، ونسافر معها مع أبجديات ثائرة بريشة شاعر ثائر.

فارسنا... وفقيدنا محمود درويش :
الفارس الذي ترجل اليوم التاسع من آب وهو على فراش المرض ليغادرنا ويترك الحزن لنا، والذكري فينا، وقلوب مفجوعة مكلومه لم يعد لها زاد يشبع جوعها، أو ماء يطفئ عطشها.

إنه فارسنا الذي استجمعت كل قواي لكي أرثيه فلم أستطع أن أقف لحظة أمام جسده المسجي.. فذرفت الدموع وتاهت الكلمات، وتلعثم اللسان، وتمرد القلم.... ونزف القلب... وارتحلت مع أحزاني لأستقر في قاموس الذكري ونبدأ من جديد بالبحث عن محمود درويش.

الرحمة للشاعر الأديب المناضل محمود درويش، والعزاء للأم المكلومه فلسطين.

سامي الأخرس - وكالة

ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:46 PM
في الجديدة عائلته ستبقى تنتظر عودته إلى الجليل
الخبر تسلّل مساء السبت. كان المدخل الشرقي لقرية “الجديدة” (بالقرب من عكا) صامتاً ومظلماً تكسره أضواء وشموع برتقالية، انبثقت من إحدى الزوايا المؤدية إلى بيت عائلة الشاعر محمود درويش: بضعة شبان يافعين، أحدهم يحمل العلم الفلسطيني، يحيطون بصورة الشاعر الراحل التي تلفّها كوفية فلسطينية. كانوا يستعدّون للذهاب إلى قرية البروة، مسقط رأس درويش. في تلك الأثناء، كانت الشموع تتناثر على جانبي الطريق المؤدية إلى بيته، كلما تأكّد خبر الرحيل أكثر. ثم جاء الخبر اليقين من مستشفى Memorial Hermann في هيوستن الأميركية: أعلن الطبيب عبد العزيز الشيباني أنّ “قراراً اتُخذ بالتشاور بين الأطباء وأسرة الشاعر بنزع أجهزة الإنعاش عنه، بعدما تبيّن استحالة عودة أعضائه الحيوية إلى طبيعتها”. هكذا، رحل درويش جرّاء مضاعفات نتجت من عملية جراحية في القلب. وسيصل جثمانه اليوم إلى عمان حيث ستجري مراسم رسمية لاستقباله، يشارك فيها مسؤولون أردنيون وفلسطينيون، ثم سيُنقل إلى رام الله حيث يوارى في الثرى ــــ موقتاً ــــ غداً الثلاثاء في المركز الثقافي الجديد. وكان وفد عن منظمة التحرير الفلسطينية قد زار منزل عائلة الشاعر في قرية الجديدة، برئاسة الناطق الرسمي باسم حركة “فتح” أحمد عبد الرحمن. وقدّم الوفد العزاء برحيل الشاعر، واستأذن العائلة رسمياً بأن يدفن الشاعر في قاعة قصر الثقافة الجديد في مدينة رام الله ليكون قريباً من ضريح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. ووافقت العائلة على طلب الوفد، لكنّ العائلة ستبقى تنتظر أن يعود جثمان محمود إلى الجليل، كما انتظرت عودة الشاعر في حياته.
ولد محمود درويش في قرية البروة، وهجّر منها إلى لبنان ثم عاد إلى فلسطين بعد فترة قصيرة وكان في السابعة. انتقل إلى قرية “الجديدة”، ودرس الثانوية في كفر ياسيف. مطلع الستينيات، اختار أن يكون في حيفا، تلك المدينة التي اعتبرها «أمه بالتبني». ويقول صديقه منذ أيام الدراسة، الكاتب محمد علي طه، إنّ حياة درويش “انقسمت في حيفا إلى ثلاثة أقسام: السجن والإقامة الجبرية والكتابة، وغادرها إلى الاتحاد السوفياتي، وبعدها إلى القاهرة”.
عمل محرراً في صحيفة “الاتحاد” الحيفاوية، لسان حال الحزب الشيوعي، ثم مجلة “الجديد”. سكن في حي عباس العربي. ومن أصدقائه: توفيق فياض وسمي القاسم وسالم جبران وغيرهم. ويقول محمد علي طه: “كان يحبّ هذه المدينة. وأذكر أنّه بعد أمسيته الأخيرة في حيفا، جلسنا في بيت أحد الأصدقاء. كان لا يزال يتحدث عنها كأنَّها عشيقة له”.

فراس خطيب

رام الله العاصمة الموقتة... لتابوته
رام الله كانت مدينة شاحبة أمس، لا حديث لأهلها سوى غياب محمود درويش. الأصدقاء والمقرّبون منه رفضوا الحديث، الشاعر سميح القاسم أجاب بصوت متهدّج على الهاتف: «أنا مخنوق مش قادر أحكي». أما الشاعر غسان زقطان والكاتب زكريا محمد، فلم تفلح كل المحاولات في إخراجهما عن صمتهما. بعد الإعلان عن خبر وفاته رسمياً، تجمّع العشرات من محبي درويش، على دوار المنارة وسط البلد، يحملون الشموع وينتحبون. «لم يعد لدينا أحد»، كانت هذه العبارة الأكثر شيوعاً. كان درويش صوت فلسطين، واليوم غاب، والأسوأ أنّه سيوارى في قبر موقّت قرب قصر رام الله الثقافي، بعيداً عن قريته البروة.
محمود درويش سيُدفن في رام الله التي أقام فيها منذ عودته بعد اتفاق أوسلو ومنها كان يتنقل إلى عمان وباريس. مذ عاد إلى الأراضي الفلسطينية، قطع أي علاقة له بالعمل السياسي، مفضلاً التفرغ لمشروعه الشعري، بدأ الأمر عندما استقال من عضوية اللجنة التنفيذية عام 1993، كانت الاستقالة احتجاجاً على اتفاقية أوسلو، ثم تبع ذلك رفضه منصب أول وزير فلسطيني للثقافة في السلطة الفلسطينية حديثة العهد، ما سبّب غضباً للرئيس الراحل ياسر عرفات.
يعلق الدكتور والناقد عادل الأسطة على عودة درويش إلى رام الله بأنّها «لم تكن عودة حقيقية إلى الوطن. بعد أوسلو، لجأ إلى الصمت بما يخص الشأن السياسي، لأنه لم يكن راضياً عن الاتفاق». ويضيف الأسطة الذي يتابع مسيرة درويش منذ الثمانينيات ويدرّس تجربته الشعرية في جامعة النجاح الوطنية «إذا عدنا إلى النصوص التي كتبها بعد أوسلو، وتحديداً في «لماذا تركت الحصان وحيداً»، نلاحظ بوضوح أنّ هذا السلام لم يكن سلام الند للند، بل كان في الديوان هجاءٌ مبطنٌ للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات».
يقول الأسطة إنّ درويش هجا أبو عمار في شعره، لكنه عاد واسترضاه، ويوضح: في ديوان «أحد عشر كوكباً»، هجا درويش ياسر عرفات مباشرة حيث قال «لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار» كما وردت عبارة أخرى هي «إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار». أحد أفراد حاشية أبو عمار قرأ القصيدة له حين كان في تونس، ودرويش في باريس، وقام أبو عمار بمكالمته هاتفياً وطلب منه الحضور فوراً، وعاتبه على ما كتبه. ويبدو أنّ درويش انصاع لهذا العتاب، لذا صدرت القصيدة في طبعات لاحقة معدلة على النحو الآتي: «إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار».
يرى الشاعر زياد خداش الذي كان صديقاً للشاعر، أنّ «رام الله لمحمود درويش كانت مثل باريس أو عمان محطة للإقامة الموقتة». قبل سفره إلى الولايات المتحدة لإجراء العملية الجراحية، كان درويش وزياد خداش وغسان زقطان يجلسون في مطعم «فاتشيه» المفضّل لدى درويش. يقول خداش: «كان سعيداً وقال لنا: أنا مش خايف من الموت، الموت هو اللي خايف مني، أنا شبه دخلته وشبه جرّبته، واكتشفت أنه مش بالهيبة والجبروت التي يظهر بهما».

نائلة خليل

ريم بدر الدين
11-08-2008, 06:48 PM
محمـود درويـش: آن لـي أن أعـود!
هاتف الوداع:
سأهزم الموت بالموت!
قال محمود درويش: لم اشأ ان اغادر من دون ان أودعك... لقد حسمت أمري وقررت ان أواجه الموت، مرة اخرى...
نضح القلق في صوتي وأنا احاول فتح باب النقاش مجدداً: ولكن الأطباء في بيروت قد نصحوك
ـ أعرف، وكذلك الأطباء في فرنسا... لكنها معركتي!
قلت: هذه معركة غير متكافئة.
ـ أعرف، وأعرف أيضا أنه لا بد منها. لم أعد أطيق مواصلة هذا التحدي. لقد سئمت ان أعيش في قلب موتي. أتعرف، من الممتع أن تنازل الموت، ولكنك في لحظة ما ستكتشف ان لعبتك مفضوحة. ان تعرف انه يعرف انك تعرف النتيجة، وأنك تعابثه.
ـ ولكنك يا محمود لست فرداً لتقرر وحيداً ما يشترك معك الناس فيه...
قاطعني: اعرف ما سوف تقوله، لست ملك نفسك، وليس لك ان تقرر. تصور: أنا ملكية عامة! في كل تصرفاتي عليّ الا اكون أنا.
انتبه! يجب الا تقبل وردة من تلك الحسناء. انتبه! أنت تمثل القضية فلا يجوز ان تضحك بصوت عال! ويجب ان يكون كلامك مدروساً. لقد بلغ الامر ببعض الناس ان استنكروا ذهابي الى مدينتي، بحجة انها صارت تحت الحكم الاسرائيلي! ونسوا انني حتى حينما اكون في رام الله فأنا تحت الحكم الاسرائيلي! لن اتحدث عن الدول الاخرى... ثم انني عشت نصف عمري تحت هذا الاحتلال، وأنا اكثر من يعرفه بينكم جميعا، حتى لا اقول انني احد القلائل الذين يعرفونه حقا.
ـ بل أردت أن أحدثك عنك بوصفك ملكية خاصة لمحمود درويش... لقد حذرك الأطباء من ان اي جراحة قد تحرك الوحش الكامن في شرايينك!
قاطعني ضاحكا: حتى الكولسترول عند محمود درويش مختلف
ـ انه مثلك، جبار! ألست جباراً علينا جميعا
ـ ولكنه جبار عليّ فقط! انه يفرض عليّ التحدي بين ان اعيش أسيره ما تبقى من عمري وبين ان أهزمه ولو بالموت.
ـ كأنك تتحدث عن الانتصارات العربية التي يقدم فيها هدايا مجانية الى اسرائيل.
وختم محمود درويش مكالمته الوداعية بأن قال انه لن يبتعد عن مكانه لانه منذ زمن طويل بات يعيش خارج المكان والزمان لان شعره صاره...

طلال سلمان


ودّع أصدقاءه ولم يعتذر
شاعر الأوذيسّة الفلسطينية
هذه المرة لن يكتب محمود درويش جدارية أخرى. لن يخدع الموت الذي طالما خرج منه ناجياً من عاشق مثله في الوقت الضائع وما بعد الحياة، يدرك ان الموت خصه كما خصته الحياة. لم يخطفه. ضرب له موعداً عرفه وسار إليه بقدميه. لم تكن تجربة درويش مع الموت سوى صورة موازية للصراع. إذا كان شعر درويش هو شعر الخيار الوحيد فإن الموت على سن هذا الخيار. لطـالما غنى درويش شهداء القضايا الخاسرة، والأرجح انه كــان يعــرف ان في سيره إلى موته ذروة في هذا الغناء، انها القصــيدة غير المكتوبة التي أتمها بجسده. ســيكون جســده عندها موازياً للمكان، سيــكون موته لحظة في هــذا الوعــي الشقي.. حيــن حانت الساعة، ســار درويش إلى موعـده أنيـقاً ومستـويا. ودع أصــدقاءه ولم يعـتذر.
لم يكن غناء درويش في ما بعد بطولياً انتصارياً جريئاً. لقد تحرر من القصيدة الوطنية داخـل القصــيدة الوطنية، وصارع الجمهور داخل الجمــهور. انــها سلطــة على الجمهور طمح معها درويش إلى إعــادة تربيــته وتأهــيله: لكنها موهبة كبيرة جعـلت درويش في آن واحـد شاعراً شعبياً وطليعياً، نجماً ونخبوياً. درويش كـان يتــحرر ويحرر في آن معـاً. لقـد تخلص في العـلن من رواسب، وكان يمكن لتجربة علنية كـهذه ان تمتد وأن تغدو مثلاً. ليســت المسألة في الشـكل فـقط، انها مسألة رؤيا. فالــشاعر الفلسطيني وجـد نفـسه مغنـي الأوذيســة الفلســطينية وشــهداء القضية الخاسرة. لقــد تحــول إلى شــاعر مرات، وغــدا شــعره مع الوقـت مرثية كبرى.
امتلك محمود درويش غير الشعر ذكاء نادراً وعقلاً تحليلياً وفكاهة. لم يهتم لكتابة الشعر فحسب، بل بصورة الشاعر أيضاً. لم يطور شعره فحسب، لكنه بنى استقلاله ووعيه النقدي. ومع الوقت كان يزداد نضجاً وإصغاء. لقد انقصف في ربيعه. دعك من العمر. انقصف في ربيعه وهو الآن أفتى منه في بعض شبابه.

عباس بيضون

إلى أين تأخذني يا أبي
كتب محمود درويش:
... آية الكرسي، والمفتاح لي. والباب والحراس والأجراس لي.
... لي ما كان لي. وقصاصة الورق التي انتزعت من الإنجيل لي، والملح من أثر الدموع على جدار البيت لي..
واسمي، إن أخطأت لفظ اسمي، بخمسة أحرف أفقية التكوين لي:
ميم / المتيم والميتم والمُتَمم ما مضى
حاء / الحديقة والحبيبة، حيرتان وحسرتان
ميم / المغامر والمعد المستعد لموته
الموعود منفيا، مريض المشتهى
واو / الوداع، الوردة الوسطى
ولاء الولادة أينما وجدت، ووعد الوالدين
دال / الدليل، الدرب، دمعة، دارة درست، ودوري يدللني ويدميني
وهذا الإسم لي... ولأصدقائي، أينما كانوا،
ولي جسدي المؤقت حاضراً أم غائباً...
متران من هذا التراب سيكفيان الآن... لي متر و٧٥ سنتيمتراً... والباقي لزهر فوضوي اللون، يشربني على مهل.
ولي ما كان لي: أمسي، وما سيكون لي، غدي البعيد، وعودة الروح الشريد كأن شيئا لم يكن...
... أما أنا وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل ـ فلست لي. أنا لست لي أنا لست لي... (جدارية ١٩٩٩)
[[[
سطراً سطراً أنثرك أمامي بكفاءة لم أُوتها إلا في المطالع
وكما أوصيتني، أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك إلى هذا السفر الأخير، وأدعوهم إلى اختصار الوداع...
ولنذهبن معاً أنا وأنت في مسارين: أنت إلى حياة ثانية وعدتك بها اللغة، في قارئ، قد ينجو من سقوط نيزك على الأرض.
وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرة، مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في إحدى القصائد...
فلأذهب إلى موعدي، فور عثوري على قبر لا ينازعني عليه أحد من غير أسلافي، بشاهدة من رخام لا يعنيني إن سقط عنها حرف من حروف أسمي، كما سقط حرف الياء من اسم جدي سهواً. (جدارية)
... يقول على حافة الموت: لم يبق بي موطئ للخسارة، حر أنا قرب حريتي وغدي في يدي... سوف أدخل، عما قليل، حياتي، وأولد حراً بلا أبوين، وأختار لإسمي حروفاً من اللازورد. (حالة حصار)

مازن دويكات
12-08-2008, 11:18 AM
جهودك رائعة يا ريم

دمت بكل هذا البهاء المطرز بالعطاء.

ريم بدر الدين
13-08-2008, 12:22 AM
جهودك رائعة يا ريم

دمت بكل هذا البهاء المطرز بالعطاء.

مساء الورد
شكرا لك يا مازن هذا الحضور
و الجهد هذا مشكورا قامت به ادارة موقع الجمل بما حمل
أنا نقلته فقط
تحياتي لك

بوعياد
25-10-2008, 04:32 PM
على هذه الارض'ما يستحق الحياة.......محمود درويش ....كما كان متفقا من قبل بيت الشعر بالمغرب سلمت لاخ شاعرنا المرحوم احمد درؤيش جائزة الاركانة العلمية للشعر 2008 بمسرح محمد الخامس الذي احتفى وحضر ه مع ثلة من المثقفين الفنان الكبير مارسيل خليفة