المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يُغتال القلب ( 1 )


عصام مشعل
20-10-2007, 10:39 AM
كيف يُغتال القلب ؟

النفس تغتال القلب عندما ينتصر الظلم على العدل فيسْوَدُ القلب

وعندما يُغتال الجمال في وضح النهار وينتشر القُبح يزداد سواد القلب

وعندما تتربع الخطيئة على عرش الحياة يُصبِح القلب حالك الظُلمة

فيفقد شفافيته ورقِته ووداعته

وعندما يفقد القلب رِقته وشفافيته يموت فيكون في حاجة إلى طوق نجاه

فيستغيث بأنه لا غالب إلا الإيمان .. لا غالب إلا الله

والنفس البشرية أغلى من كنوز الدنيا وأغلى من عروشها وغرورها

لأن النفس من الشيء النفيس ولكننا لا نعلم ذلك إلا بعد فوات الأوان

ومن توافق ( الروح ) و ( الجسد ) يولد الإنسان

والروح مصدرها نور السماء فهي إذن من السمو والسمو هو ( العلو )

أما الجسد فتشُدُه قوانين الأرض بجاذبيتها فالجسد إذن من تراب الأرض

وكل ما يلزم الجسد من غذاء يخرج من الأرض ؛ الجسد يعيش ويستمد حاجته مما تُخرجه

الأرض وفي نهاية رحلته يعود إلى الأرض

إذاً الجسد من الأرض ويستمد حاجته منها ثم يعود إليها

أما الروح فهي تعود إلى الملأ الأعلى مشتاقة إليه

فأنت عندما يموت إنسان تقول عنه ( طلعت روحه ) أي صعدت ولا تقول ( نزلت روحه )

فالنزول إذن يكون للجسد .. والصعود يكون للروح

ولأن الجسد مادي محسوس فغذاءه أيضاً مادي ومحسوس

ولأن الروح غير محسوسة فغذاؤها أيضاً غير محسوس

فكما أن غذاء الجسد في مصدره فإن غذاء الروح أيضاً في مصدرها الذي هو الملأ الأعلى

وهذا ما نشعر به عندما نرى طفل يبتسم فنقول أن الملائكة هي التي تُداعبه فيضحك

وهذا صحيح لأنه لا يزال طفلاً بريئاُ طاهراً لم تُدنسه الذنوب والخطايا

لا يزال على فطرته التي فطره الله عليها ويظل على هذه الحالة حتى يبلُغ

فإذا مات قبل أن يبلُغ فهو في الجنة ولو كان من أبوين غير مسلمين

كل الأطفال دون البلوغ يدخلون الجنة فحساب الذنوب يبدأ بعد البلوغ أي بعد التكليف

والفِطرة هي ( النفس الكاملة ) التي يخلقنا الله تعالى عليها

وهى جزء من نوره صلى الله عليه وسلم ؛ نوره الذي نولد به

يقول الله تعالى

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ

وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ

وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ

ولكن ؟؟

تعالوا بنا نكتُب وننبُش فيما بعد لكن ؟

علمنا أن التكليف يبدأ بعد البلوغ فما هو التكليف ؟

التكليف ببساطة شديدة هو أداء ما فُرِض علينا من المولى عز وجل

فبعد التكليف يبدأ الثواب والعقاب فإذا أذنَبَ الإنسان ذنبا تُحفَر في قلبه نقطة سوداء

لتكون أول نقطة سوداء على النفس الكاملة التي فَطَرَنا الله عليها

فتُفَض بكارة شفافية النفس وتُجرَح عذريتها وهي ما وصفها عز وجل بـ ( الزجاجة )

كما في قوله تعالى

مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ

الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

فالمصباح يتِسِخ من الخارج بعد أن تتكون على سطحه الزجاجي طبقة مُعتِمَة تمنع ضوءه

وهكذا القلب تتجمع النقاط السوداء عليه ومع تراكُم الذنوب ذنباً وراء ذنب

تبدأ النقاط السوداء تتجمع في القلب فيختفي نوره شيئاً فشيئاً حتى تتكون طبقة سميكة

من الذنوب فيختفي نور القلب تماماً

فما هي هذه الطبقة السميكة والكثيفة التي تحيط بالقلب ؟

إنها ( الران )

يقول تعالى

كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ

إنها ( الأقفال )

يقول تعالى

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

إنها ( الأكِنَة )

يقول تعالى

وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ

إنها ( الحُجُب)

يقول تعالى

وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ

إنها ( الأغلفة )

يقول تعالى

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ

وصف القرآن لطبقات سواد القلب

وصف القرآن الكريم الطبقة الأولى من سواد القلب من الخارج

بالنفس ( الأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )

كما في قول تعالى

وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ

ووصف الطبقة الثانية ( بالنفس اللَّوَّامَةِ )

كما في قوله تعالى

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ

ويصف الطبقة الثالثة ( بالنفس المُلهمَة)

كما في قوله تعالى

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

أما الطبقة الرابعة فقد وصفها القرآن الكريم بـ ( النفس الْمُطْمَئِنَّةُ )

كما في قوله تعالى

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ

أي ارجعي إلى الصواب

لتأتي بعد ذلك ( النفس الرَاضِيَةً ) ثم ( النفس المَّرْضِيَّةً )

وكليهما تابع للنفس (الْمُطْمَئِنَّةُ) كما في قوله تعالى

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً

وتبقى ( النفس الكاملة ) النفس الشفافة التي هي النفس الأولى النقية نفس الفطرة

التي فطرنا الله عليها كما في قوله تعالى

فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ

ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

والسؤال الآن

هل بقيت هذه النفس الأولى نقية طاهرة ؟ أو على الفطرة التي فطرنا الله عليها ؟

لقد تغيرت هذه النفس بأفعال صاحبها بل اغُتِيِلَت بما ثقُلت من ذنوب

فحوُصِرَ القلب بالذنوب ؛ حُوصِرَ مركز الرئاسة للأعضاء والحواس

وهذه الأعضاء والحواس بمثابة الرعية التي يرعاها القلب

فالقلب إذن هو الملك والأعضاء والحواس هم الرعية

فكيف يعمل الملك أو القلب ؟

القلب يُصدر أوامره إلى العقل ليقوم بإدارة رَعِيَته التي هي ( الحواس )

ويرى ابن القيم

أن صورة الإنسان المكونة من لحم ودم ليست هي الإنسان على الحقيقة

وأن الإنسان على الحقيقة بـ ( قلبه )وحتى نفهم ذلك أو نفهم القلب

فقد صَوَرَه بن القيم

في شكل ملك عظيم جالساً على عرشه يأمر وينهي ويُوَلي ويعزل

والأمراء والوزراء من حوله والجنود كلهم في خدمته وعليه المعول

وهو محل نظر الله سبحانه وتعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته

والعبودية عليه أولاً وعلى رعيته وجُنده تبعاً له

ولما كان الإنسان على الحقيقة ( القلب ) يسعى إلى تحصيل الآخرة في هذه الدنيا

التي ماهي إلا مَعْبَراً للآخرة فإنه في هذه الرحلة القصيرة التي يقطعها من مولده

حتى وفاته في حاجة إلى جنود خافية .. وأخرى ظاهرة

فأما الجنود الخافية فهي ( الإرادة والشهوة )

وأما الجنود الظاهرة فهي ( الأعضاء)

وهذا القلب حماه الله تعالى بملائكة يحفظونه حتى لا تنحرف إرادته أو تغلبه شهوته

أو تهلكه قوته ؛ بل أن كل صفة اتصف بها هذا القلب هيأ الله له ملكاً يعينها على

صرفها بما يرضي الله فإذا وُجِدَت على القلب هذه الطبقات السوداء العازلة من

(الران ) و ( الحُجُب ) و ( الأكِنَة ) و ( الأقفال ) و ( والأغلفة )

انقطع الاتصال بين القلب والعقل فيتجرد الإنسان من روحانيته فيتحول إلى إنسان مادي

تمنعه ماديته من الإيمان بالغيب أو بما وراء الطبيعة فلا يؤمن إلا بما ما يراه أو يلمسه

أو يحيط به عقله تماماً كبني إسرائيل الذين قالوا

يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً

أو كالذين ربطوا إيمانهم بالله تعالى ( بالعين ) فعندما رأوا قوما يعبدون عِجلاً

قَالُواْ اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ

ولتقريب ذلك إلى الأذهان نأخذ رحلة الإسراء والمعراج مثلاً لذلك

حيث كان هناك رجلين .. أحدهما عقله متصل بقلبه والآخر عقله منفصل عن قلبه

فسمِع كلاهما بقصة الإسراء والمعراج

فإن الرجل المنفصِل عقله عن قلبه وهو يُمَثل ( المشركين من أهل مكة )

قاس الأمر بعقله فَحَسَبَ الوقت الذي تقطعه الإبل من مكة إلى القدس

والعكس فوجدها بالشهور ولم يُصَدِق القصة وقال أنها لم تحدث

أما الرجل الثاني المتصل عقله بقبله وهو ( سيدنا أبو بكر الصديق )

فقال إني لأصدقه عندما يأتيني بخبر السماء

أفلا أصَدِقَه عندما يأتيني بخبر الأرض إن كان قد قال فقد صدق

إن قبوله رضي الله عنه يتصل بالقلب لأنه أوسع إدراكا من العقل لأنه موطن الإيمان

****

وعندما هُزِم المسلمون يوم عزوة أُحُد

تسائل البعض .. !!!

كيف نُهزَم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا وهو صاحب دعوة مستجابة ؟

فيا تُرى هل احتكم أصحاب هذا السؤال إلى قلوبهم .. أم إلى عقولهم ؟

وللحديث بقية إن كان لِنبض القلب بقية

يُمنى سالم
21-10-2007, 02:54 AM
حجز مقعد أول هنا أستاذي الفاضل

ولن أقطع حديثك حتى ينجلي..

تحيتي

عصام مشعل
21-10-2007, 10:37 AM
بارك الله فيكِ أختي الفاضلة أستاذة يُمنى

وإن شاء الله تتبوئي مقعدك من الجنة

شكري وتقديري واحترامي لكِ ولتواصُلِك معنا

دُمتِ بخير أختي الفاضلة

مروة عبدالله
21-10-2007, 11:29 AM
سيدي الفاضل عصام مشعل

ما هذه الدرر التي تلقيها علينا

رائع أنت هنا

كتبت وشرحت بتسلسل وترتيب للوصول إلي إغتيال القلب

كلي شوق لقراءة الباقي

أنتظرك هنا

مودتي

عصام مشعل
21-10-2007, 11:48 AM
الجزء الثاني

وعندما هُزِم المسلمون يوم عزوة أُحُد كان هناك صِنفان من الناس

صِنف يحتكم إلى عقله وهذا الصنف .. تسائل

كيف نُهزَم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيينا .. وهو صاحب دعوة مستجابة ؟

وصِنف آخر يستنير بقلبه ..

وهذا الصِنف أيقن أن هزيمة المسلمون ما هي إلا درس لهم

لأنهم لم يسمعوا كلام قائدهم الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُنَفِذوا تعاليمه

عندما أمر الرُماة بأن يبقوا في أماكنهم ولا يتركوها

ولما لم يلتزموا بأوامره صلى الله عليه وسلم كانت الهزيمة فكان الدرس الذي تعلموه

هو عدم الاستهانة بأوامر قائدهم الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد

ولما استوعبوا هذا الدرس انتصروا في كل الغزوات لأن عقولهم كانت على اتصال بقلوبهم

ونجد هذا جلياً في قول الله تعالى

وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

ولكل نفس من الأنفُس التي وصفها القرآن الكريم خصائص وعلاقات

فتعالوا نتحدث عنها وعن عمل كل نفس من هذه الأنفُس

( 1 )

( النفس الأمارة بالسوء )

كما في قول تعالى

إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِم َ

واضح من إسمها أنها نفس مُطاعة على ارتكاب المُنكر والمعاصي دوماً وصاحبها

يجد في نفسه راحة في ارتكاب المُنكر أو المعاصي ويرى أن ما يفعله نوع من أنواع

( الفهلوه والروشنة ) حسب التعبيرات السائدة في المجتمع الآن بين شباب اليوم ومن

يطلقون على أنفسهم هذه المسميات هم الذين يجدون في أنفسهم راحة في ارتكاب المُنكَر .

ولو أزيلت طبقة النفس الأمارة بالسوء تظهر تحتها طبقة

( النفس اللوامة )

كما في قوله تعالى

وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ

وهذه النفس فيها عجب العُجاب فهي تُشبه ( المحكَمَة) فأنت إذا ذهبت إلى ساحة القضاء

فإنك ترى ادعاء يحاول إثبات التُهمة ودفاع يحاول نفيها وقانون يُحكَم به وقاضي يحكُم

بمقتضى هذا القانون وكلها مُتناقضات اجتمعت في مكان واحد وهو ( المحكمة )

فتعالوا نتخيل كيف تكون المحاكمة في النفس اللوامة

فصاحب النفس اللوامة يكون منه الآتـي

يرتكب الذنب أو الجريمة ثم يلوم نفسه ثم يُوجِه الإدعاء إليها ثم يُهَوِِن على نفسه مما

ارتكب من ذنب أو جريمة متقمصاً بذلك دور الدفاع فيُحَدِث نفسه قائلاً إن الله غفور رحيم

فيمنح نفسه البراءة أو يشعر بذلك ثم يعود مرة أخرى لارتكاب الذنوب من جديد

وهكذا لوم ثم براءة من الذنب ثم لوم ثم براءة من الذنب

فلوم بعد لوم ثم براءة بعد براءة ثم ذنب بعد ذنب ؛ مع ملاحظة أن فترات ارتكاب الذنوب

قد تتباعد يوماً ـ أسبوعاً ـ شهراً ـ عاماً ويظل الأمر هكذاحتى تُزال طبقة النفس اللوامة

لتظهر طبقة أخرى وهي ( النفس المُلهَمَة ) كما في قوله تعالى

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

وطبيعة هذه النفس أنها تتردد بين نقيضين هما ( الفجور ) و( التقوى )

قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا

وتظل هذه النفس تتردد بين ( الفجور ) و ( التقوى ) حتى تُزال لتظهر طبقة أخرى

وهي النفس المطمئنة

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ

وهنا مغزى الكلام لأن النفس المطمئنة ماهي إلا فتنة تمشى على استحياء

فلماذا هي مطمئنة ؟ وفتنة تمشي على استحياء ؟

ولنضرب مثلاً بـامرأة مُحتَشِمة تتباهى بتقواها الظاهرة وامرأة أخرى ليست بنفس درجة

احتشام المرأة الأولى والمرأة الأولى ترتكب ما ترتكب سراً أي أنها حسنة المظهر خبيثة

الجوهر وهذه ينطبق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

إياكم وخضراء الدِمَن قالوا وما خضراء الدِمَن يا رسول الله

قال المرأة الحسناء في المنبت السوء

وسُمِيَت بالمطمئنة لإظهار عيبها و صاحب هذه النفس يشعر دائماً بأنه أدى ما عليه

لا يرتكب الذنوب ولكنه يشعر بأنه أحسن أو أفضل من غيره أو أنه فوق الأخريين

فلا يؤاخِذ نفسه لأنه ( مطمئن ) فإذا كانت هذه النفس ( المُطمئنة ) حَسَنَة

ما قال خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله لما بُشِر بالجنة

لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة

فصاحب هذه النفس يميل إلى أمن مكر الله وعن صاحب هذه النفس يقول تعالى

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً

وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا

فإذا أزيلت هذه النفس المطمئنة تظهر توابعها ( النفس الراضية ) ثم ( النفس المرضية )

فأما النفس الراضية فيعيبها أنها في جميع الأحوال راضية بمعنى أن هذه النفس إذا وِفِقَت

للعبادة رَضيَت وإذا قَصَرَت في طاعته سبحانه وتعالى رضيت وصاحب هذه النفس لا يجتهد

في أي شيء ويقول أنها إرادة الله . فإذا أزيلت النفس الراضية ظهرت النفس التابعة الأخرى

( النفس المرضية ) وهذه النفس ترضى وتقبل بكل ماهي فيه وقد يكون نجاحها مقبولاً

إلا أنها لا تسعى للأعلى ؛ إن هذه النفوس تكونت بذنوبنا وأفعالنا ؛ وهذه الذنوب هي

التي تُظلِم القلب وتجعله مُعتِم فتُفقِدَه شفافيته ونقاءه .

وعليه فإن هذه النفوس تكون في حاجة للإصلاح

وسؤالي الآن الذي أبحث له عن إجابة على من يقَع إصلاح هذه النفوس ؟

هل الذي أفسد شيئاً عليه إصلاحه وَحده ؟

هل الذي اسوَدَ عليه الاستعانه بمن يُعيد إليه نقاءه ؟

هل مسؤولية الإصلاح تقع على الوعاظ فقط ؟

ومن لدية القدرة على التعامُل مع أمراض هذه النفوس فيقتحم هذه القلوب المُحاصَرَة بالذنوب ؟

يقول الله تعالى

مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا

فمن هو الولي المُرشِد الذي يستطيع إزالة طبقة السواد التي أعتَمَت القلوب ؟

من هو الولي المُرشِد الذي يستطيع إجراء جراحة غير مؤلِمة لهذه النفوس المريضة ؟

من هو الولي المُرشِد القادر على إزالة ما أحاط بالقلب من ذنوب ؟

حتى يعود الإنسان إلى فطرته الأولى التي فطره الله عليها

إنها أسئلة وأسئلة تمنيت لو أجبنا عليها في ظل هذا السواد الذي غَلَف قلوبنا

فهل من مُجيب لهذه الأسئلة ؟ وما السبيل لو أدركنا الموت في أي لحظة ؟

إن مهمة الولي المُرشِد هي إعادة القلب للاتصال بالسماء مرة أخرى متجاوزاً ( الران )

و ( والحُجُب ) و ( الأقفال ) حتى تصل النفس إلى قول تعالى

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي

أي ادخلي في عباد الله المخصوصين الذين قال تعالى عنهم لإبليس

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ

أو من قال الله تعالى عنهم

( يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ )

إنهم عباد الله المخلصين الذين لا يستطيع إبليس إغوائهم كما في قوله تعالى

( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )

نخلص من هذا بأن عِباد الله هم ( عِباده المخلصون) فهل نحن من عِباد الله المخلصون ؟

الذين قال الله تعالى عنهم ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ )

فهل نحن من عِباد الله المخلصون ليستجيب لدعُائِنا ؟ وهذا يُفَسِر قول من يقولون

أننا ندعو الله تعالى كثيراً ولم يستجِب لدُعائنا ..

فيا تُرى لماذا لا يستجيب الله تعالى لدُعائِنا ونحن ندعوه ليلاً ونهاراً ؟