المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين كاف الخطاب وهاء الغائب! قراءة تحليلية لغوية!


أحمد حسن محمد
28-07-2008, 12:26 AM
البيت موقع الدراسة للشاعر مشعل الفوازي:


وين انت يا وجهٍ وقفت آتحرّاك=بين الوجيه الراحله والمقيمه

إن الكتابة انعكاس للحالة التي تعيشها حواس الكاتب، وليست شرطا من شروط انطباق الواقع القائم صحيحا أو خطأ؛ من حيث إن معيارية الخطأ والصواب ليست قائمة في الحكم على العمل الأدبي أو الفنيّ، فإن المعيار الذي يمكننا الدخول من خلاله هو ما يسمى بالنقد المتعاطف الذي يتيح لنا أكبر قدر ممكن في تعرف حالة الكاتب وأسباب كلماته واختياراته الفكرية واللفظية والروحية.

* * * * *
وإن المسافة بين كاف الخطاب وبين هاء الغائب رحلة نفسية يقوم بها الكاتب شاعرا أو ناثراً راضيا أو إباءً: "وقفت أتحراك"، "وقفت أتحراه".
ولعلني أحاول التفتيش في أدارج الفصيح في كينونة النداء بالـ"يا"؛ إنها تكون للنائي أو كالنائي في حكم الغافل أو النائم! ولا نبعد كثيرا حين نقول إن اللغة العامية لا تختلف في ماهيات كلمات وألفاظ كثيرة بها عن الفصيح الذي يتشرب ظروف البيئات المختلفة.

إذن فلنرسم لأنفسنا بعض المقدمات التي نحاول الدخول من خلالها إلى أعماق النص:
أداة النداء الراسخة في سقف البيت لها بعدان:
النائي: ولعله يشبه ما نراه ضميرا للغائب!
كالنائي: ولعله يشبه ما يمكن أن نقول إنه مخاطب! ولكنه يحمل في طياته حكم الغائب "الغافل" أو النائم" فالمحتمل هنا أنه "المخاطب" قد يكون موجوداً أمامنا، ولكن فكره ووعيه وروحه المتآلفة ونظرته المعروفة، كل ذلك غائب عن الحضور! فيكون من الممكن أن نبذل له "ضمير الغائب كذلك.

إن الرحلة النفسية التي تعاني من شراسة الواقع المرسوم في وجوه الكلمات ما زالت غير واضحة في أذهاننا، ولا تكتمل في أعيننا عند حدود "يا وجه" تلك الحدود التي ترسم البعيد والقريب والغائب والمخاطب في آن واحد. لكنه يكون مخاطبًا ناقصاً! مخاطبًا غير كامل! مخاطبًا غائبا أو غائبا مخاطبًا!
إن مقاييس الفن لا تتوقف عند حد معين، ولذا فقد أحلوا للمبدع الأول ما نسميه بالضرورات الشعرية، لأنه قبل أن ينقل معنى فكريّا فإنه يصور مشهدا نفسيا ورحلة يمتزج فيها الوعي باللاوعي! وهذا المشهد يكون متعدد الأبعاد ليس له ثوب محدد في الخارج اللغويّ ذي التشكيلات المحدودة، وإنما أبعاد لها كيانها الجديد جدّة الإحساس الإنساني مهما تشابه بين الأشخاص في جانب من الجوانب.

السؤال عن الوجه!
والسؤال موجه للوجه!
فالوجه هنا حاضر إما في نفس الشاعر، فيكون الخطاب للبعيد مكاناً القريب روحًا وفكرةً! وإما حاضر في عينيْ الشاعر؛ فيكون الخطاب للقريب مكانًا، البعيد روحًا (أي: ذلك الأخذ الشديد في وجه المحبوب لم تعد كذلك، والروعة والدهشة والجمال لم تعد شيئا ذا بال حين ننظر إليه، لعل المحبوب تغير إلى شخص آخر لدرجة أن محبَّه حين ينظر إليه يحس بغربة وجهه وكأنه وجه آخر! فيكون السؤال هنا للوجه عن روحه، وليس عن الوجه نفسه بملامحه وذاته الشكلية).

إن حالة ما يحاولها البيت! ونحن معه نحاول الثبوت على فكرة واضحة ولو قليلاً!
حالة يزيد فيها وقت التفكر والتأمل والتدبر والحزن والآهة في حروف اللين والهاء التي نجدها في "وين – يا و- ـــه - ــراك ).. التفكر والتأمل والتدبر والحزن والآهة.. معان أكدتها حروف لينة وزافرة، ولوّنَها بإحكامه لفظ "وقفت"، وهي كلمة صريحة في التعبير عن موقف الشاعر الباحث في صمت وسكون! بحثًا عينيًا وعقلياً، وهنا ما زلنا نتأرجح على حبلي الخطاب والغيبة والموقف يؤكدهما في شدة وصمت وموعظة وامتزاج بحال رائعة مثيرة من حالات الشاعر!
ذلك الشاعر الذي لم يحاول الظهور وإبداء موقفه ووجوده إلا في حرفين اثنين: (ـــ(ت) "وقفت" – (أ) "أتحرى) فكان تاء الفاعل! وماذا فعل!؟ إنه وقف! هل هذا موقفُ فعلٍ حقًا؟ نعم هو موقفُ فعلِ مَنْ هَدَّهُ العشق والشوق! موقف فعل باحث عن شيء في الخارج وليس في الداخل! فالوقوف لا يكون عما في القلب وعمق الإنسان! لا أجد أنه يحتاج إلى وقوف إطلاقًا؛ وإنما الوقوف يكون في حال وجود طرف آخر نبحث عنه! إذن فقد حللنا شفرة المسألة بعض الشيء: إن المقصود أو صاحب الوجه أو الوجه له آثار في الخارج خارج الشاعر! وفي الوقت نفسه لا ينفي ذلك كونَ صورةٍ له في العمق بدأ منها الخطاب!
يسألها (تلك الصورة القلبية للوجه) عن كينونتها في الخارج! الجزء الآخر من ماهية الوجه (جزء الجسد/ التشكيل اللفظيّ).
غير أن "تاء الفاعل" في "وقفت" يحمل لنا صورة أخرى في تلك الفاعلية! صورة لا تختلف مع ما قلنا من موقف العاشق المشتاق المرتبك! صورة نسنتنتجها من شخصية حرف التاء بين الحروف العربية أصلا: لقد قيل: إنه حرف ضعيف الشخصية، وإحساس الأذن به إلى جانب الأصوات الأخرى لا يكون كبيراً بالنسبة إلى الحروف الأخرى". وهنا الشاعر لا يملك غير التحري والبحث الصامت في جو من "الزحمة" التي تصوّرها لنا "بين الوجوه الراحلة والمقيمة"! لا أحد يحس به! أو يحسون به بشكل ضئيل وخفيف جداَ!
وظهر لنا فاعلية الشاعر مرة أخرى في حرف الهمزة الواضحة، ولكنه لا يلبث أن يستتر في الضمير المستتر وجوباً في تلك الزحمة الباحثة التي قد لا يكون الشاعر نفسه يحس بنفسه فيها!
(أتحراك أنا) و (أنا) ضمير مستتر وجوباً لا يصح التصريح به، كما لا يصح النطق بمهمة البحث في الوجوه الراحلة والمقيمة! إنها رحلة صامتة كما قلنا! وظروف الحياة والمجتمع تمنعنا من التصريح بها أمام الناس!

***
بقي عندنا إشكالية كاف الخطاب في "أتحراك" أو هاء الغيبة في "أتحراه"، والشاعر اختار كاف الخطاب!!
هل أضافت؟
ما احتمالاتها؟
هل هناك حدود لغوية أو لفظية للتعبير أو لتحجيم المعاني النفسية والمواقف المرادة؟
سأطلق لنفسي العنان هنا! وأقول ما يستدعيهما كلاهما من احتمالات جوانية فيّ أنا ناسيا كل ما قدمت من قبل، وإن كان للمعاني التي قدمنا ثقلا في التحليل:
- كاف الخطاب:
في الوقت الذي يتلاشى فيه وجود فاعلية للشاعر تبدأ من ضعف التاء، ثم محاولة الانفجار في الهمزة، ثم التلاشي في الاستتار الواجب لضمير المتكلم في الفعل "أتحرى"! في ذلك الوقت الطرف الآخر -حين ينادى بما ينادي به النائي أو شبه النائي- اسمًا ظاهرًا واضحا جلياً يؤكد الحضور الطاغي لفظاً في نفس الشاعر، ولعلنا نعرف أن اللفظ هو المقابل الكتابي للرسم (ومن ثم لنقل إن الوجه كان مرسوما في عينيه رسماً له أصل من عمقه) الاسم الظاهر يمر بكلمتين دالتان عن افتقاده (وقفت اتحرى)، فتأتي كاف الخطاب مؤكدة لحضوره رغم كل شيء! هل كان الأمر محاولة لفظية لاواعية لطمأنة الذات الكاتبة! لم يحب الكاتب أن يقول "وقفت أتحراه" بضمير الغائب! تعبيراً عن أنه ما زالت هناك رغبة واضحة تحتاج إلى التحقق في الكاف!
أم تنقلنا الكاف إلى خطاب حقيقي خطاب يؤكد أن النداء كان "لشبه النائي" وشبه النائي يكون للغافل أو النائم! بمعنى: أن روح الحب والألفة التي كانت في ذلك الوجه لم تعد في ذلك الوجه! فهو الآن مخاطب حاضر أمام عيني الشاعر بلحمه وشحمه ولكن فقدَ توهّجه الحبيب إلى نفس العاشق! فصار موجودًا وغير موجودٍ! حاضرًا وما كان فيه لم يعد فيه!
أو قد يدل على أن صاحب الوجه قد رحل إلى العالم الآخر! وهو الآن حاضر في مثواه الذي يخاطبه فيه الشاعر! ليس بعيداً ذلك الأمر. ليس بعيدا حقاً
ولعل الشاعر حاول أن يأتي بهاء الغيبة، ولكن محاولة رجل لئلا يبكي أو يزفر أمام الجمع! فالهاء تناسب مقام التأوه والوجع والزفرة! ورغم أنه كانت هاء ساكنة "أتحراهْ" إلا أن الكثيرين يعتبرونها ضعفا، وبداية الانهيار تأتي من السماح بالخطوة الأولى.

- هاء الغيبة:
كانت تأكيدا لكل معاني الفقد والبعد والنأي واللاوجود، وتشديدا في لفظ الآه، وإمكان الوجع! وزيادة البحث والتفتيش


8 يناير 2008

ريمه الخاني
18-08-2008, 03:30 PM
حقيقة اغبطك لغوصك القوي والعميق في اركان النص وقاعدتك اللغويه الفارهه
امر من هنا واترك تقديري

أحمد حسن محمد
02-09-2008, 03:50 PM
وأنا أشكرك لرعايتك الفكرية التي تولينها دومًا لرواد الشبكة من الأدباء والشعراء...

شكر الله لك
ورمضان كريم

ابراهيم خليل ابراهيم
04-09-2008, 07:16 PM
شكرا لك
ورمضان كريم