المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة تاويلية في " تباريح " مامون المغازي


الشربينى خطاب
19-10-2007, 11:31 AM
.


تباريــــــح


أجلس إلى صورتنا القديمة ، أغوص فيها ... أعيد رسم القَسَمات ، أتصور كل ألوان التغير التي خلفتها السنون ... لا تُقنع عقلي ، لابد أن الرسم يخالف الواقع! .. لقد ترابت الأيام ؛ أين الأيام؟!
هل نفدت حقًا ؟!
أشعر بها تتفلت من بين أصابعي ، أحتلب الذكريات . كنت أقبض على الأيام ، ما هي إلا حفنة أشهر ، بعدها نلتقي ... سأتمم الصورة ... لم تكتمل بعد خطوط الرصاص ؛ كنا نحب الرسم بالرصاص .. الخطوط .. أصلنا الخطوط.. الخط هو الجوانية .. لن ننمو من غير خطوط .. الرصاص هو الأمثل ما دمت لا تعرف حدود الطريق .. نقِّط . خطط . حدِّد ... امح ؛ ليس الكل .؟. ما لا يتفق . يجتمع الرأي ، نستقر .؟. أولاً الخط ... النقطة لا تعني .
ـ الخط نقاط .
ـ أنا وأنت .. ومن يأتي ؟!
ـ يمتد الخط. ما رأيك في العمق ؟!
ـ كنا طفلين.
ـ ما رأيك في اللون ؟
ـ الأفتح أنسب.
ـ الضوء الأصل .
ينعجن الخط ... ينتشر الضوء.
ـ ما لون الشعر ؟!
ـ ولماذا الشعر ؟!
ـ ابدأ بالعين .
ـ العين تراك .
ـ أنت العين ...
ـ فلنبدأ بالعين .
ترتسم الأحلام ، ينتشر الضوء بلون الحلم ، الأمل ، الأيام . كانت في كفي حفنة أيام .
ـ نجعلها البُعد !
ـ أيهما البُعد ؟!
ـ البعد الخط .. يسيل الخط ، ينتشر الظل تحت العين ، ننظر فوق ...
ـ ما أبعدنا من الظل!
ـ الظل الخط ، الخط الظل .. أنا وأنت ، أنت وأنا . فلننظر فوق ، ما أرفع أن ننظر فوق ! لن أصعد وحدي .
ذهب الطفلان ، انتظم الشارب . نُحِتَ النهد . من منا في العُمق ؟!
ـ احذر البُعد .
ـ لن أتركها مسطحة ... نتفق على اللون .
ـ لون واحد ؟
ـ أربعة ألوان .؟. أمس ، اليوم ، غدًا ... حفنة أيام .
ـ أي كل الألوان .
نجلس ، يلتصق الكتفان ، حوار في صمت ، تتواتر خواطرنا فيما في الصورة ..
ـ أين الخط ؟!
ـ صار اللون .
ـ دُفن الخط ؟
ـ يبقى الخط ...
الصورة تتضح ، نمزج الألوان . أربعة ألوان . لون الصبح ، لون الغروب ، لون الليل ، وحفنة أحلام .
ـ أي كل اليوم .
ـ أمامنا الأيام .
ـ أي طول العمر .
ـ لن ننسى ما فات .
ـ ما نحن بلا ما فات ؟!
في الصورة شبح ... طراطيش الألوان ...
ـ لنغسل الفُرش .
نعالج الشبح بكل أسلحتنا . اللون أصلي ، ثابت ، لا يَمَّحي .
ـ ماذا نفعل ؟! نشطب ؟
ـ سيضيع العمق .
نحاذر أن ينكسر الخط . الخط يستقيم . الشبح يستطيل ، يصبح جزءًا من الصورة ؛ تتعايش معه الألوان . تتجانس؟!
لا يمكن أن تتجانس . يأخذنا الحزن إلى ما بعد حفنة الأحلام . يقترب منا أكثر . نتبين ملامحه . الألوان تتجه إليه ؛ يمتص مني أحلامي ، يتلون ، يتغذى من أحلامي ، يتعملق ... نهرب في العمق ... نتدلى بالخط ، الخط رفيع ؛ لكنه متين . لن نتخلى عن إتمام الصورة . الشبح خرج من الصورة .
نهدأ ... نبتسم ، نجلس ... من جديد يلتصق الكتفان ... نتنفس في العمق . تتضح الرؤية ( في السكة ) نراها لم تعد طويلة ... نتلفت ، نشعر بوجود الشبح ... نلتصق أكثر ... ملامحه أكثر وضوحًا . نثبت له أننا نعرفه .. نتعملق ... نلتصق ... نتمرد ... نلتحم . يلوذ بالفرار ، طرطش الألوان ، ازدحمت الصورة .
عاد ، يحاول ردم الصورة .
افعل ما تفعل ... لدينا الخط . بدّل ملامحه ، يلوح من بعيد ... من خارج الصورة
ـ أنت معي ؟
ـ أنت معي ؟
( ... حبك رحلة عمري وقدري ...) الليل يخيم ، ترفرف الملائكة .. تصفر الشياطين . نحاول تنظيف الصورة ، نضحك رغمًا عنا ... الطرطشات صارت أشباحًا ، جيش الأشباح يحتل الصورة .
ـ ألواني ؟!
ـ ألوانك ؟!
لن يفلح جيش الأشباح ... نعرفهم ، بدأ الحفر ، يريدون الخط ... نعرفهم ، نكثف الألوان ، يشتد الحفر ... نعرفهم ، تتضح الصورة ... نعرفهم أكثر . تتضح الصورة ، حدود الصورة أشباح ترفع رايات النار إيذانًا بالدخول ، يعود الشبح . نعرفه ، نفس الشبح .. جِلدٌ آخر ، وجه آخر ، ثوب آخر ، نفس الشبح . ( البلدوزر ) يقتحم ... مكللاً بالورود ، فيه من ملامح الفيل ، وعليه أبرهة ... يصفق له ألف أبرهة .
فتق الصورة ... شطر الألوان ... صلبة جدًا . نلوِّن قدر طاقتنا ، السرعة فائقة ، نلون فوق الطاقة ، ( لو بطلنا نحلم نموت ) .
يحفر في العمق ، معاوله كثيرة ، قوية ، تجتمع الأشباح ... انفجار ...
ـ أنا خارج الصورة . أنت فيها .
وحدي معها ، وحدك فيها . يأتيني آخر صوت يغني ( الوهم فات والذكريات قالتلي حبك بالوجود ، يا ريت تعود ... يا ريت تعود)


مأمون المغازي

الكويت ـ السبت
3/1/2004


.
الصديق العزيز / مأمون المغازي
الحمد للهالذي مد في عمري كي القاك ثانية
" قراءة تأويلية في نص تباريح "
يجذبك العنوان فهو يئن موحياً لقارئ أن يعيد لكلمات النص الحياة ، فكما يقول الناقد العراقي حاتم الصكر " تموت كلمات المؤلف علي الورق بمجرد أن ينتهي من كتابة تجربته القصصية وتئن موحية من خلال عنوانها لمن يعيد إليها الحياة بالقراء فكل قراءة إحياء "
وعندما نتناول نص بمداركنا تنقله العين إلي العقل فيستدعي من حجراته المخزون المعرفي وتحدث عملية المقارنة فعندما يقرأ المتلقي كلمة " تباريح " علي الفور تبز كلمة الغرام التي أوحي بها العنوان المشوق لمتابعة القراءة ، والكاتب الجيد الذي يدخل للمتلقي من زاوية حب الاستطلاع موحياً له بما يتمني معرفته ينقل له بالسرد الغير مباشر الفكرة التي يريد أن يوصلها ، دون إسهاب فلا يطيل الوصف أو ينساق وراء الجرس الموسيقي لكلمات اللغة في الوصف أو الحوار أو سرد الأحداث فمنطق القص وأحداث القصة يجب أن يكون هو السائد لا منطق الحياة ولنعود إلي جملة البداية في القصة { أجلس إلى صورتنا القديمة ، أغوص فيها } فنحن أمام بطل مفرد دائم الجلوس أمام تلك الصورة التي تجمعه مع من ؟ هذا هو عنصر التشويق الذي يسال دائما ماذا بعد ؟ فإذا نما الحدث تكونت الحبكة فيواصل المتلقي القراءة للوصول إلي لحظة الكشف وتحدث المتعة ، فبعد الجلوس إلي الصورة المستمر تخرج ذكريات البطل من قمقم الذاكرة ، يجترها ويستدعي بخياله ما شاء من شخوص الحبيبة ويناجيها و يدخل معها في حالة حوارية تقتضيها اللحظة في القصة بالقدر الذي لا ينسي المتلقي باقي الأحداث فمن خلال الحوار سوف يكوُّن المتلقي انطباعه عن الشخوص المتحاورة تلك وظيفة الحوار في العمل الأدبي فيرسم لهم في ذاكرته صفات وسمات {ماكرة ـ خبيثة ـ طيب ـ لئيم ـ انتهازي ـ غبي ـ ذكي ـ 0000الخ }تساعد في إحكام الحبكة القصصية فالحوار في النص ليس هدف في حد ذاته ولكنه عنصر من عناصر القص يأتي بأثر عكسي لو استخدمه الكاتب لإبراز آراءه الفلسفية بلسانه هو لا لسان بطل القصة اللهم إذا كان ضمير المتكلم الراوي بأسلوب السيرة الذاتية
{ سأتمم الصورة ... لم تكتمل بعد خطوط الرصاص ؛ كنا نحب الرسم بالرصاص .. الخطوط .. أصلنا الخطوط.. الخط هو الجوانية .. لن ننمو من غير خطوط ..}
هذه التراكيب كافيه ، فبينها مساحات خالية للمتلقي يتخيل فيها ما يشاء ولنعد إلي الحوار المكتوب بلغة شاعرة وليست لغة قصصية

{أولاً الخط ...
النقطة لا تعني .
ـ الخط نقاط .
ـ أنا وأنت ..
ومن يأتي ؟!
ـ يمتد الخط.
ما رأيك في العمق ؟!
ـ كنا طفلين.
ـ ما رأيك في اللون ؟
ـ الأفتح أنسب.
ـ الضوء الأصل
ينعجن الخط ...
ينتشر الضوء .0000000
ترتسم الأحلام ، ينتشر الضوء بلون الحلم ، الأمل ، الأيام . كانت في كفي حفنة أيام .
0000000
ـ ما لون الشعر ؟!
ـ ولماذا الشعر ؟!
ـ ابدأ بالعين .
ـ العين تراك .
ـ أنت العين ...
ـ فلنبدأ بالعين . }
الراوي ينقل لنا نظرتة الفلسفية فينقلنا الكاتب من القصة إلي الحالة الوجدانية الشاعرة وموسيقي الألفاظ فننسي الحدوتة اصل الحبكة وتنتهي القصة كما تنتهي القصيدة العامية
{( الوهم فات
والذكريات
قالت لي حبك
بالوجود ،
يا ريت تعود ...
يا ريت تعود) }
كل قراءة احتمال
خالص تحياتي

د. نجلاء طمان
22-10-2007, 09:56 AM
أستاذي العزيز
نعم كما قلت كل قراءة احتمال, أعجبني كونك تطرقت للبعد الفلسفي والجانب العاطفي وانطلقت من خلاله في موسيقى الكلمات وشاعريتها.

دمت أستاذً
وكل عام وأنت بألف خير
وشكرا لمعايدتك الرقيقة في قصتي

وللأديب القاص: المغازي التحية

د. نجلاء طمان

جوتيار تمر
26-10-2007, 11:05 PM
الشربيني الرائع...........

قرأة تنم عن دراية ومعرفة عميقة بمكنونات الكاتب نفسه / وهذا ما يفسر المقولة التي تؤكد على ان اية قرأة يجب ان لاتبتعد عن شحصية الكاتب نفسه / وهذا ما يلزم الناقد على البحث في شخصية الكاتب والتقرب منها من اجل الالمام ببعض خفاياها ...........


دكتورة نجلاء.........
متابعة جيدة / تدل على وعي جميل ..................

جوتيار