المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثالثة الأثافي و رؤيوية الشعر- حسين الهنداوي - حاتم


حسين الهنداوي
29-05-2008, 08:46 PM
هذه المشاركة تحتوي على محتوى مخفي
النص
=====
لَيْسَ إِلاَّ … !

يا صديقي … ،‏

ما الذي نرنو له غير الخواءْ ؟‏

هبط الليلُ ،‏

على أجفاننا ــ صبحاً ــ‏

وأعيانا الوباءْ‏

ليس إِلاَّ الريحُ‏

تلقينا كما تهوى …‏

ويهوى اللّقطاءْ .‏

كُلّهُمْ ، مرّوا على صحرائنا الخُنثى‏

وبالوا في الإِناءْ .‏

يا صديقي ،‏

كُنْ حزيناً ، مثلما أَنتَ ،‏

وقُلْ لي : أينَ نمضي ،‏

كي نُعيدَ البيتَ آلاءً ،‏

وحناَّءً ،‏

ونبني حجرةً أُخرى ،‏

لأحلامٍ ، قطعنا حبلَهَا السّرَّيَّ‏

منذ اللحظة الأولى ،‏

لحْملٍ كاذبٍ ،‏

ولأَشجارٍ ،‏

زرعناها وما فُزْنَا بظلًّ ،‏

حين عَزَّ الظَّلّ ،‏

وامتدَّ العراءْ .‏

يا صديقي … ،‏

رَحَلَ الصَّيفُ ،‏

وما حلَّ على الوادي شتاءْ .‏

ليس إلاَّ الإِبلُ ،‏

والطَّبلُ ،‏

وسيلُ الفقراءْ .‏

يا صديقي … ،‏

كُنْ حزيناً ،‏

مثلما أنتَ ،‏

فإنَّ الحزنَ ميراثُ الّنُبَّواتِ‏

ونحنُ الأَنبياءْ !!‏

* * * * *‏

يا صديقي ... ،‏

لم يَعُدْ ينبضُ إِلاَّ ،‏

سوطُ جلاَّدٍ ... ،‏

وموتٌ غامِضُ .‏

ليس إلاَّ بابنا المفتوحُ للدّنيا‏

وجرحٌ فائضُ .‏

وانكساراتٌ على شباكنا تنمو ،‏

وظلٌّ ... قائضُ .‏

ليس إلاَّ نخلنا العاري ،‏

وريحٌ ... ،‏

تحملُ اَلَموتى إلى أكفانهم‏

وخطىً تقتاتُ ظِلَّ العابرين .‏

يا صديقي‏

كلما امتدَّ إلى أَعناقنا سيفٌ ،‏

أَتينا طائعين .‏

إنَّها الحمىَّ التي تجتاحنا ،‏

حتى اليقين .‏

فاعطني من حزنكَ الورديَّ غُصناً‏

لِِتَرى كم يفرح النَّهرُ ،‏

إذا غنَّى له الوردُ الحزينْ‏

يا صديقي ... ،‏

ليس إلاَّ الحزنُ يُعْفينا ،‏

من الحزنِ‏

ويُبقينا كراماً ...‏

طيَّبينْ !!‏

* * * * *‏

يا صديقي ... ،‏

كُن حزيناً مثلما أنتَ ،‏

فإِناَّ ،‏



تَعِبَتْ أَحمالُنَا مناَّ‏

وَعَنَّا ،‏

رَحَلَ الرَّكْبُ ... ،‏

وموَّالٌ مُعَنًّى‏

يا صديقي .... ،‏

ليس إِلاَّ جوقةُ العشَّاقِ .‏

يأوونَ إِلى مقهىً قديمْ ‏

ليس إِلاَّ عطشُ الصَّحراءِ ،‏

والعشبُ الذي يذوي على أَجفاننا ،‏

والفراشاتُ المسجَّاةُ ،‏

على نافذةِ اللهِ ،‏

وأطفالٌ ،‏

يُسَاقونَ إِلى هذا الجحيمْ .‏

ليس إِلاَّ جرحُنَا المنسيّ في المنفى‏

وما كُناّ ذرفناهُ من الشَّعرِ ،‏

على الشَّعر الَّسقيمْ .‏

ليس إِلاَّ جمرةٌ تنهشُ ،‏

ما ظلَّ من الروحِ ... بوادٍ‏

غير ذي زرعٍ ،‏

وشيطانٌ رجيمْ .‏

ليس إِلاَّ ناقةٌ جرباءُ في الوادي‏

وكأسٌ .. مُتْعَبُ .‏

ليس إلاَّ مُقَلٌ ترنو إلى الأفقِ ،‏

وأفقٌ .... غائبُ .‏

ليس إلاَّ ما يوازي بين موتين ــ بصمتٍ ــ‏

وكلا الموتينِ ... ،‏

نابٌ ... ناشبُ .‏

ليس إلا رحلةٌ تهفوا إلى موجٍ خبرناهُ ،‏

وغيمٌ ... مجدبُ .‏

ليس إِلاَّ نجمةٌ ثكلى ... ،‏

وبرقٌ ... خُلَّبُ .‏

ليس إلا غارةٌ أُخرى ،‏

وأشلاءُ ،‏

وخبزٌ ... شاحبُ‏

آهْ !!‏

كيفَ مَرَّ العمرُ ــ يا صاحِ ــ‏

على عِلاَّتهِ ،‏

وانتبهنا ،‏

حين فَرَّ الوردُ من أكمامنا‏

نضبت خمرتنا ــ الآن ــ‏

وَعَزَّ ... المطلبُ .‏

يا صديقي .‏

كن حزيناً ،‏

فالمدى رحبٌ ،‏

وحزني أرحبُ !‏
الدراسة النقدية
==========
حينما تتوازى في ذات الشاعر انفلاشات الواقع المر و تشظي الموت و حينما تعم الحمى أرجاء الوطن العربي بكامله يتحول الشاعر إلى مزمار حزين يبث من عروقه نغمات الواقع المر وولولات الفقراء الذين يذهبون ضحية ذلك الواقع المر 0
زمن نعيشه يبدو كحصان مشاكس لا تستطيع أن تسرجه و أنت تعيش بين موتين بصمت موت يحمل إليك مرارة الموقف القابيلي الذي يقدح بشرره في ليل مظلم وموت مثيولوجي يتمثل أمام الذات في كل لحظة ليقطف من عناقيد الذات عنباً مراً 0 إنها ومضات السياسة التي حولت العالم بأسره إلى معركة بين خاسر و خاسر لا يستطيع أحد أن يقطف من ثمارها إلا حنظلية الواقع الإنساني 0
( ليس إلا 0000 ! ) نص للشاعر محمد المقدادي يتماهى مع واقع مر يعيشه إنساننا العربي على مساحة واسعة من الحزن تنبئك بما حصده هذا الإنسان منذ نصف قرن من وباء و صحراء خنثى و أحلام قطع حبلها السري و حمل كاذب لا يمكن له أن ينجب إلا وهما و تشرذماً 0 فالقافلة الإنسانية التي تسير في ركبها أمة افتقدت ميراث النبوات و عز الظل فيها و امتد العراء
يا صديقي ،‏

كُنْ حزيناً ، مثلما أَنتَ ،‏

وقُلْ لي : أينَ نمضي ،‏

كي نُعيدَ البيتَ آلاءً ،‏

وحناَّءً ،‏

ونبني حجرةً أُخرى ،‏

لأحلامٍ ، قطعنا حبلَهَا السّرَّيَّ‏

منذ اللحظة الأولى ،‏

لحْملٍ كاذبٍ ،‏

ولأَشجارٍ ،‏

زرعناها وما فُزْنَا بظلًّ ،‏

حين عَزَّ الظَّلّ ،‏

وامتدَّ العراءْ .‏
و ليس في هذه الصحراء القاحلة و المفازة الموجعة إلا الإبل و الطبل و سيل من الفقراء و الأميين يشكلون جوقة ناشزة في ذاكرة أمراء هذا الزمان فالانكسارات كما يراها الشاعر محمد مقدادي تنمو على شبابيك الواقع المر و على ظل قائض لا ترى فيه إلا النخل العاري و الخطى المتعبة التي تتبع ظل العابرين و هذا يعني في لغة الواقع المر أن الحمى التي تجتاح واقعنا ستنجب حزناً وردياً مراً و ذلك تحت وطأة السيوف الصارمة المسلطة على رقاب الفقراء البائسين

يا صديقي‏

كلما امتدَّ إلى أَعناقنا سيفٌ ،‏

أَتينا طائعين .‏

إنَّها الحمىَّ التي تجتاحنا ،‏

حتى اليقين .‏

فاعطني من حزنكَ الورديَّ غُصناً‏

لِِتَرى كم يفرح النَّهرُ ،‏

إذا غنَّى له الوردُ الحزينْ‏

يا صديقي ... ،‏

ليس إلاَّ الحزنُ يُعْفينا ،‏

من الحزنِ‏

ويُبقينا كراماً ...‏

طيَّبينْ !!‏
إذاُ نحن أمام نص يتقاطع بقوسه القزحي مع قوسين قزحيين من أقواس الشعر العربي الحديث و المعاصر و الذي يحمل في بذرته مفهوم الحداثة الشعرية بمفهومها الحقيقي القائم على اقتفاء الأصالة و تمثلها و الإنطلاق من خلالها إلى نص شعري يحمل في ذاته جدة بين قزحية الشاعر محمد مقدادي و قزحيتي أمل دنقل و بدر شاكر السياب تكمن خميرة الشعر الباحث عن رغيف ناضج دون أن يكون للترجمات الأجنبية أو للقصائد الأوربية أي تأثير مباشر عليه فأنت كقارئ و متلقي حين تقرأ نص ( ليس إلا 000 !! ) تكتشف ببصيرتك الشعرية أن هناك ( تجربة شعرية حديثة تستخدم القوانين الشعرية الحديثة دون أن تتخلى عن أصالتها و أن هناك - رؤيا – شاعرية لشاعر يفهم الواقع و يؤطر للمستقبل ) و كلا الشاعرين بدر شاكر السياب و أمل دنقل كانا من ذوي الرؤيا الواعدة التي تطمح بالشعر إلى أن يقدم الواقع على حقيقته و لكن بلغة الشاعر و نفسه و معاناته و تجربته و الرؤيا عند الشاعر محمد مقدادي تبدو ناضجة إلى حد كبير بحيث ترسم الواقع المر أشجاراً يابسة و حملاً كاذبا و سيل من الفقراء بعد أن فقد عامة الناس ميراث النبوات و الأنبياء ونحن مع الشاعر كنا ننتظر أن يكون هناك صحراء تثمر ثمراً ناضجاً كما هو الحال في الدفقة الأولى لمسيرة أصحاب الرسول و لكنها في واقعنا الحالي لا تثمر ألا جمرة تنهش ما ظل من الروح بواد غير ذي زرع و شيطان رجيم 000 إنها حمى قاتلة و أفق غائب و موتين كلاهما ناب ناشب ينتظر تمزيق خارطة الوطن العربي بمساحته الواسعة
يا صديقي .... ،‏

ليس إِلاَّ جوقةُ العشَّاقِ .‏

يأوونَ إِلى مقهىً قديمْ ‏

ليس إِلاَّ عطشُ الصَّحراءِ ،‏

والعشبُ الذي يذوي على أَجفاننا ،‏

وأطفالٌ ،‏

يُسَاقونَ إِلى هذا الجحيمْ .‏

ليس إِلاَّ جرحُنَا المنسيّ في المنفى‏

وما كُناّ ذرفناهُ من الشَّعرِ ،‏

على الشَّعر الَّسقيمْ .‏

ليس إِلاَّ جمرةٌ تنهشُ ،‏

ما ظلَّ من الروحِ ... بوادٍ‏

غير ذي زرعٍ ،‏

وشيطانٌ رجيمْ .‏
وما تماهي الشاعر محمد مقدادي مع الشاعرين أمل دنقل و بدر شاكر السياب إلا لأن كلا الشعراء الثلاثة قد رسموا رؤيا جديدة لواقع مر فالسياب في قصيدته أنشودة المطر توقع برؤياه أن يتحول العراق إلى جوع و غربان وموت و هاهو الواقع العراقي ينبئ أكثر مما سنتحدث

أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
و يخزنُ البروقَ في السهولِ و الجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود

في الوادِ من أثر
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
و أسمعُ القرى تئنّ ، و المهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ و بالقلوع
عواصفَ الخليجِ و الرعود ، منشدين
مطر .. مطر .. مطر
وفي العراقِ جوعٌ
وينثرُ الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبعَ الغربانُ و الجراد
و تطحن الشوان و الحجر
رحىً تدورُ في الحقولِ … حولها بشر
مطر
مطر
مطر
وهذا ما قاله السياب قبل خمسين عاماً تقريباً وهو يناظر ما قاله أمل دنقل في نصه لا تصالح الذي أطر فيه لواقع مر سيمر بأجنحته المسمومة على الواقع العربي إنها رؤيا الشاعر الذي أصبح عرافاً لقومه يحمل لهم ما تراه زرقاء اليمامة في واقع مظلم يحتاج فيه المرء إلى الآف المصابيح ليضيء غرفة مظلمة
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
و يبقى أن نقول أن نص ( ليس إلا 00 !! ) لا يعد أن يكون مرثية لسيف ذي حدين حد يمثل ذات الشاعر و حد يتعدى إلى ذات الأمة لأن الشاعر بقي حتى النفس الأخير يتعربش شجرة الحزن العربي المستمرة البكاء و النحيب
كيفَ مَرَّ العمرُ ــ ياصاحِ ــ‏

على عِلاَّتهِ ،‏

وانتبهنا ،‏

حين فَرَّ الوردُ من أكمامنا‏

نضبت خمرتنا ــ الآن ــ‏

وَعَزَّ ... المطلبُ .‏

يا صديقي .‏

كن حزيناً ،‏

فالمدى رحبٌ ،‏

وحزني أرحبُ !‏

أحمد حسن محمد
27-06-2008, 11:57 AM
وعي جاد بالكلمة والجمال والأناقة والرقي الشعري لناقدينا الكبيرين، وحسن اختيار مفيد للقراء..
أسعدتني فرصة قراءة القصيدة وقراءة التعليق النقدي المبسوط بحرفة وصدق..

ولكن لماذا شعرت أن هناك في القصيدة مواقع كسر عروضي أو على الأقل اختلاف موسيقي مثلما في كلمة (ولأشجار)


لحْملٍ كاذبٍ ،‏

ولأَشجارٍ ،‏

زرعناها وما فُزْنَا بظلًّ


فهل كان ذلك معادلا موضوعيًا لعملية نفسية ما عند الشاعر؟

احترامي وتحيتي

عبدالرحمن حسن
28-01-2010, 11:28 PM
لكم كل الشكر على هذه الدراسة
مع خالص الود والتقدير

:icon (11):