المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دندنات امرأة على قلادة الوطن: حسين الهنداوي- حاتم


حاتم قاسم
28-05-2008, 05:00 PM
دندنات امرأة على قلادة الوطن
قراءة في نص (هو الشِّعر كفّي ) للشاعرة قمر صبري الجاسم
الدارسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم
النص :
=====
يضيءُ الكلامُ على شفتيكَ
بقنْديلِ شوقٍ
تزوَّدَ مِنْ زيتِ حبٍّ عفيفْ
و صمتُكَ مثلُ دموعِ الثّكالى
بأولادهِنَّ و أزواجهِنَّ و أحلامهِنَّ
و ما مِنْ مُجيبٍ لصمْتِ النزيفْ
و يسكنُ في راحتيكَ الأمانُ
إذا جدَّ في الخَوفِ شيءٌ مُخيفْ
جبينُكَ مزرعةُ الكبرياءْ
و" غمَّازتاكَ " هلالانِ أحلى
مِنَ الصمْتِ في حَضْرةِ الأتقياءْ
ذراعاكَ عذْرُ انتظاري
لأنَّ ذراعيكَ
حلْمُ طفولةِ عمْري اليتيمْ
و حضنُكَ أمٌّ تضمُّ
صغارَ العصافيرِ مذْ غادَروها و طاروا
كأنَّ التي أنجَبَتْهمْ عقيمْ
بعينَيكَ برْقُ القصيدةِ يأتي
يحطُّ على وَحْيِ بَوْحي
فينظمُ ما لا يُجاري حنيني
و أقطفُ مِنْ خدِّكَ الوردَ حتى
أزيِّنَ شِعري
و أرفعَ فيما كتبتُ جبينَ أنيني
بصدرِكَ تطفو سفينةُ نوحٍ
و أيّوبُ أوْدَعَ صبراً مُعتّقْ
و قد قايضوكَ و قدّوا
قميصَ الأمانِ و ما أحرَقوكَ
و لكنْ تمنّوا
و ما مِنْ ضميرٍ تعلّقَ باللهِ يُحرقْ
و من أجلِ ذلكَ أقسمتُ أنّي
سأغْرِفُ كلَّ النساءِ اللواتي
عشقْتَ بقلبي
و مَنْ سوف تعشقْ
بضحكتِكَ النهرُ يروي الحروفَ
على مدِّ تاريخِها بالأملْ
و وجهُكَ تسبيحةٌ للغزلْ
مكانُ سجودِ شفاهِ المُصلّي
صلاةَ حنانٍ بمليونِ قُبلهْ
فكيف يجيءُ إلى قُبلتي العيدُ
أين أولّي لهُ وجهَ شوقي
إلى أيِّ شَطْرٍ و وجهُكَ
من كلِّ حدْبٍ و صوبْ
و بعدكَ ما سوف يخفقُ شِعري
و قبلكَ ما كان شِعري يُحبّْ
سأصنعُ مما كتبتُ مظلّهْ
تخفّفُ وَطْأَ الأسى عَنْ حياتِكْ
و أنسجُ مِنْ خيطِ شِعري رداءً
أفكُّ بهِ السِّحْرَ عَنْ أمنياتِكْ
أبيعُ لعُشّاقِ هذا الزمانِ
ورودي القصائدْ
لأبتاعَ حلْماً يمشِّطُ شِعرَكْ
فباللهِ .. لا لا تقصَّ
جدائلَ شِعركَ كي تشتري لي قَلَمْ
و لستُ أفكِّرُ مِنْ بعدِ حرِّيتي في يديكَ
سوى أنْ يصيرَ
بأرضِ المحبةِ قلبي عَلَمْ
أميري ..أنا عروةٌ في قميصِ الحياةِ
تقيكَ الرياحَ
حنانُكَ زرّي ..
أصومُ أُصلّي و أدعو ,
و سجّادةُ البوحِ شِعري ..
و أرفعُ كفَّ القصائدِ نحو السماءِ
لأنَّ القصائدَ ما دنَّسَتْها الذنوبُ
بل الشِّعرُ طُهري
و ليلةَ سوف يضمُّ حنيني فضاؤكَ
ليلةُ قدْري
أنا لستُ إلا وداعاً مؤجّلْ
أنا لستُ إلا وميضَ الأملْ
شِفاهي عذارى
شفاهُكَ مسكونةٌ بالقُبَلْ
أنا قبلةٌ في شفاهِ الوسادهْ
سريري الوداعْ
و حلْمي الفَرَحْ
أنا دمعةٌ فجّرتْ شِعرَها كي
تنالَ الشهادهْ
هو الشِّعرُ عَرْشي
و شَعبي الحروفْ
أسنُّ بهِ ما يطيبُ لصمْتي
أغيِّرُ بالشِّعرِ أقسى الحروفْ
أدندنُ مِنْ حزنِ شِعري انتصاراً
أعمِّرُ مِنْ شوقِ شِعري وطنْ
تبسَّمْ ليصمدَ حزني
لعلّي أكسِّرُ بالشِّعرِ قيدَ الزمنْ
أبي الشِّعرُ أمّي , و " ستّي " وجَدّي
وخالي و عمّي و أختي , أخي
صديقي الوفيْ
و شاربُ خمرَ القصائدِ يسكرُ
كيف أنا مَنْ تعتَّقَ فيّْ
هو الشِّعرُ عيني أراكَ بِهِ
و يحمي القصائدَ رمْشُ الغرامْ
سلاحي و ما مِنْ سلاحٍ
يناهضُ كالشِّعرِ حربَ السلامْ
و أُضحيتي بعد حجِّ القصائدْ
أوفّي بِهِ نذرَ حُلْمِ المنامْ
حِواري و صمتي و صوتي غنائي
و أحلى بحورِ القصائدِ بحرُ الهُيامْ
هو الشِّعرُ حُلْمي البسيطُ المعقّدْ
صلاةُ المسافرِ في أرضِ شِعرٍ مُخلَّدْ
صلاةُ "التّسابيحِ" في وَهْجِ عمري
صلاةُ " التهجّدْ "
و في الليلِ عوَّدتُ شِعري القيامْ
أعلِّمُ بالشِّعرِ كلَّ النساءِ المودّهْ
أُذكِّرُ كلَّ الرجالِ
بأنَّ النساءَ وراءَ الرجالِ العِظامْ
هو الشِّعرُ طفلي
لأجلكَ علَّمتُهُ كيفَ يمشي
لأجلكَ علَّمتُ طفلي الكلامْ
هو الشِّعرُ شَعري
فمشِّط بعينيكَ
شَعرَ حروفي
هو الشِّعرُ كفّي
إذا ما قَرَأْتَ القصائدَ
ردَّ السلامْ
خدودي
شفاهي ..
فهلاّ حكيتَ لهُ قُبلةً
كي ينامْ .


القراءة النقدية

[size=5]حينما تتفتح على قارعة الصمت أغنيات الوعد الإنساني تمطر غيوم الشعر أحلاماً وردية ترسم ذاكرة الوطن أفقاً نيراً يطاول كواكب الصمت في هذا الكون المتسع و الذي تحول فيه الشعر إلى نشيد حزين على قارعة الحزن الإنساني 0
( هو الشعر كفي ) مرثية تبحث عن الأمل في عالم شعري يضج بالأصوات الناجزة حينما تحول الشعراء إلى باعة جوالين على أرصفة الصمت العربي 0 و أنت حينما تريد أن تتحدث عن ذاكرة المرأة و الوطن من المفترض أن تستحضر عالم الحزن الذي ما زال يغلف الأصوات النسائية و يظلل آفاق الشعر العربي في زمن يخسر فيه الإنسان العربي الكثير من مقومات الشخصية العصرية 0
( هو الشعر كفي ) نص أبدي النشيج يتلون بألوان قوس قزح الحزين ولكنه يفتح أمام الوطن أفقاً واسع المدى ليرتسم علمه في أعلى الكواكب منزلة و أعظمها إكباراً و أكثرها مودة 0
فالوطن في نص الشاعرة جبينه مزرعة للكبرياء و غمازتاه هلالان أحلى من الصمت في حضرة الأتقياء وهذا يعني أن صورة الوطن المقدسة في ذاكرة الشاعرة ركن من أركان الحياة لا يمكن أن تقوم حياتها إلا به وهو يلتقي مع اثفيتين أخريين هما الذات و الشعر ليشكل أثافي ثلاث تقوم عليها ذاكرة الحزن عند الشاعرة وما لا يمكن أن يتخيله قارئ النص هو أولئك الذين يعكرون صفو لوحة الحب الوطنية التي خربش على أطرافها الكثير من الذين لم يصلوا إلى عمق الحب الصافي لهذا المعشوق الوطني و الذي توحد مع ذات الشاعر ليعكس لنا صورة حب من طرف واحد فشلت ذاكرة الشاعرة في أن تختزنه في لاوعيها 0
( هو الشعر كفي ) قراءة للكف التي هي تهويمة للوصول إلى محطة ترسو عليها سفينة الشاعرة و لكن قارئة الكف تؤوب بخفي حنين

جبينُكَ مزرعةُ الكبرياءْ
و" غمَّازتاكَ " هلالانِ أحلى
مِنَ الصمْتِ في حَضْرةِ الأتقياءْ
ذراعاكَ عذْرُ انتظاري
لأنَّ ذراعيكَ
حلْمُ طفولةِ عمْري اليتيمْ
و حضنُكَ أمٌّ تضمُّ
صغارَ العصافيرِ مذْ غادَروها و طاروا
كأنَّ التي أنجَبَتْهمْ عقيمْ
أليس من العبث أن يتحول هذا الحب إلى فقاعات هواء تسري في ذاكرة الكون و كأن الصراع الدرامي للنفس الإنسانية يعيد لذاكرة الشاعرة فجائع الإنسانية السابقة المتمثلة بسفينة نوح و بصبر أيوب على الرغم من أنها تحاول أن تقطف من بستان هذا الوطن وروداً تضفر بها شعرها لتبقى شامخة في دروب الحياة الموجعة 0 فأيوب و نوح يمثلان الصبر العريض الذي يتلقاه الإنسان أمام صدمات الحياة المتكررة التي تحول فيها الإنسان إلى جريدة تقرأ ثم تلقى على أرصفة الطرقات
و أقطفُ مِنْ خدِّكَ الوردَ حتى
أزيِّنَ شِعري
و أرفعَ فيما كتبتُ جبينَ أنيني
بصدرِكَ تطفو سفينةُ نوحٍ
و أيّوبُ أوْدَعَ صبراً مُعتّقْ
و قد قايضوكَ و قدّوا
قميصَ الأمانِ و ما أحرَقوكَ
و لكنْ تمنّوا
و ما مِنْ ضميرٍ تعلّقَ باللهِ يُحرقْ
و في زحمة الوجع الإنساني تعود الشاعرة إلى قراءة كفها المتمثل ( بالشعر ) الملاذ الوحيد الذي يحقق لها أمنياتها على هذه الأرض 000 نحن لا ننكر على الشاعرة هذا التعلق الوله بقميص الحياة المتمثل بالوطن على الرغم من شدة الرياح العاتية التي تحاول اقتلاع ذاتها من هذا الأفق الفسيح ونحن نعرف أن الشعراء يتعلقون بأوسمة الوطن لأن التراب يمثل لديهم المعاد الإنساني الحقيقي وهذا جزء من الذات الإنسانية التي لا تبرح أن ترتبط بذرات التراب

أميري ..أنا عروةٌ في قميصِ الحياةِ
تقيكَ الرياحَ
حنانُكَ زرّي ..
أصومُ أُصلّي و أدعو ,
و سجّادةُ البوحِ شِعري ..
و أرفعُ كفَّ القصائدِ نحو السماءِ
لأنَّ القصائدَ ما دنَّسَتْها الذنوبُ
بل الشِّعرُ طُهري
و في ذروة هذا الحزن تنبثق زنابق الأمل باحثة عن وعد إنساني يتمثل في عذرية الشفاه المسكونة بالقبل 000 فوميض هذه القبل يطبع على الوسادة أحلامها المؤجلة التي تنتظر عودتها مع طائر الفرح كي تزف للطامحين بعيون هذا الوطن بشرى الشهادة التي تجذر فينا معاني الطموح و الكبرياء :

أنا لستُ إلا وداعاً مؤجّلْ
أنا لستُ إلا وميضَ الأملْ
شِفاهي عذارى
شفاهُكَ مسكونةٌ بالقُبَلْ
أنا قبلةٌ في شفاهِ الوسادهْ
سريري الوداعْ
و حلْمي الفَرَحْ
أنا دمعةٌ فجّرتْ شِعرَها كي
تنالَ الشهادهْ
و الشاعرة في نصها مصرة على أن تتسلح بالأمل الواعد الذي يعيد لوطنها الحلم أفقه الانتصاري الذي يعلق على صدرها أوسمة من الفرح و العطاء فهي ما تزال مدندنة و مصرة في إيقاع نبضها الدافئ أن يتحول الحزن إلى فرح أبدي و إن كان بالشعر لا يستطيع الإنسان أن يكسر قيود الزمن :

أدندنُ مِنْ حزنِ شِعري انتصاراً
أعمِّرُ مِنْ شوقِ شِعري وطنْ
تبسَّمْ ليصمدَ حزني
لعلّي أكسِّرُ بالشِّعرِ قيدَ الزمنْ

حاتم قاسم
28-05-2008, 05:01 PM
البناء الفني في نص (هو الشعر كفي )
------------------------------------
تكاد و أنت تقرأ في نص ( هو الشعر كفي ) الذي كتب على طريقة شعر التفعيلة أن تتلمس خطا الأصالة العربية في موسيقا الشعر الخليلي الذي ما تزال إيقاعاته تدندن في ذاكرة الشعراء جوقة موسيقية لا يبرح أعضائها أن يؤدوا ما عليها من أدوار فالبحر المتقارب يحمل على جناحيه خيال الشاعرة الواعد و المتمثل بخطوات واثقة من الوصول و إن كانت حزينة الوقع إذ أن تفعيلة
( فعول) التي تشكل الوحدة الموسيقية في النص تحمل في عمقها بحة حزينة صبغت كل كلمة من كلمات الشاعرة بحزنها الأبدي و التي إذا وصلت إلى اللام منها انطلق الوثوق بأفقه الواعد و لا أدل على ذلك إلا كلمات الشاعرة التي كللتها بقوافي مقيدة في كل مقطع شعري و أبرز ما يؤطر قيمة هذا النص الخيال الشعري الواعد الي يفتح لنا أفقاً من الفرح و لكنه مثقل بحزن عميق يأسر الشاعرة أحياناً و يتركها طليقة في أحيان أخرى غير متناسين أن الأدب النسائي ما زال في معظمه يدور في فلك الذات و إن كانت الشاعرة تحمل في نصها هم ذاتها و هم تراب وطنها حملاً ثقيلاً تدور فيه في مرابد الشاعر العربي

جبينُكَ مزرعةُ الكبرياءْ
و" غمَّازتاكَ " هلالانِ أحلى
مِنَ الصمْتِ في حَضْرةِ الأتقياءْ

و يمكن للمتلقي أن يسبح مع خيال الشاعرة حينما يتحول جبين الوطن إلى مزرعة من الكبرياء بينما غمازتاه تشفان عن ابتسامة هلالية تبعث الوقار في هذا الصمت المطبق ( صورة مركبة تحتاج إلى بحث أعمق ) كما و أن صوت المفردة التي يحملها هذا النص بقي مثقلا بالأمل و الحزن معا فكلمات مثل (وَطْأَ الأسى - صلاةَ حنانٍ - سجّادةُ البوحِ شِعري ..- أكسِّرُ بالشِّعرِ قيدَ الزمنْ )
تحمل في ذاكرتها الحالة الإحباطية التي يعيشها الإنسان في هذا الزمن المفؤود بقيمه و أخلاقه و إنسانيته و الشاعرة في كل ما سبق تحاول أن تنهض بذاتها الغائبة عن أنظار العابرين بسفنهم بحار الحياة فهي مثقلة بصور محبطة تذكر ما للأنوثة من قوة كامنة تدفع الرجال إلى قمة المجد و تذكر بأن وطنها المتخيل يحمل للعالم قوة كامنة تدفع الإنسانية إلى آفاق مشرقة كما كان في الماضي و إن كانت هناك بعض الزحافات الشعرية التي أثقلت متن بعض الأسطر الشعرية بحمل زائد كان بإمكان الشاعرة أن تتخلص منه لتجري سفينتها في بحر الشعر الواعد ( بضحكتِكَ النهرُ يروي الحروفَ ) كما و أن بعض الحروف التي تعلقت بالأسطر الشعرية أثقلت متن النص فالباء في قولها ( بقنديل ) جاءت سفاحاً شعرياً كان من الأولى للشاعرة أن لا تورده في هذا السطر الشعري وكم هو جميل لو أنها جعلت كلمة قنديل منصوبة لا مجرورة
(يضيءُ الكلامُ على شفتيكَ
بقنْديلِ شوقٍ )
و تبقى نوافذ الأمل مفتوحة في ذاكرة الشاعرة تجمح بها نحو أفق واسع لتؤكد على أن القصيدة الحقة تتحول إلى كائن إنساني يقرأ ذاته و يفتق كينونته على شفاه الزمن

هو الشِّعرُ شَعري
فمشِّط بعينيكَ
شَعرَ حروفي
هو الشِّعرُ كفّي
إذا ما قَرَأْتَ القصائدَ
ردَّ السلامْ
خدودي
شفاهي ..
فهلاّ حكيتَ لهُ قُبلةً
كي ينامْ .[/size]

ضحى بوترعة
29-05-2008, 07:01 PM
شكرا لكما على هذا التوغل بين السطور
قراءة عميقة وممتعة

هنيئا للمبدعة الرائعة قمر صبري الجاسم بهذه القراءة

تقديري واحترامي لكما