المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوميات ليلى العثمان (بين الصبر والمر)


محمد سامي البوهي
08-05-2008, 06:43 PM
يوميات ليلى العثمان
بين الصبر والمر


برقية عاجلة :
إلى أصدقائي في أنحاء العالم:
أعلمكم أنه اليوم في الثاني من شهر أغسطس عام 1990 قام (النظام العراقي)"العربي" باحتلال بلدي (الكويت) "العربي" وأنه بقسوة أباح القتل والدمار فإذا مت بأيديهم "العربية " فأرجوكم: لا تلعنوا العروبة ولا العرب، العنوا فقط الأنظمة الظالمة لشعوبها وللشعوب الأخرى.
(ليلى العثمان )
http://www.up.5alid.com/up/uploads/e98d88e2b2.jpg (http://www.up.5alid.com/up)


ما أقساها تلك الغربة التي يفرضها علينا غاصب ليمتلك أنفاسنا بوطننا، يفرض علينا سلطانه رغماً عنا،ويأمرنا أن ندمر حياتنا الماضية بحلوها ومرها،كي نبدأ معه حياة جديدة من صنعه هو،يمسخ فيها هويتنا،ويغير ملامحنا،ويبدل وجه تاريخنا الذي بناه أجدادنا بالعرق والدماء،بين ليلة وضحاها يغير ألوان الشوارع،والضواحي،والطرقات،فتهدأ حركات الجيران،وتصمت حناجر الباعة،وتغلق المحال،أو تفتح على مصراعيها خاوية على عروشها،شعور فظيع يسكن قلب كل إنسان ينتمي لهذا الوطن،الذي ورث أحلامه عن آبائه،ليضخها بدوره للأجيال القادمة، لتستمر في حمل اللواء،و شعور أفظع أن تجد تلك الأحلام وقد باتت في طي مجهول لا يرحم .. بعين الكاتبة (ليلى العثمان) عشنا تلك اليوميات التي دارت أحداثها بين رحى الصبر والمر،تحت وطأة غزو نظام أرعن لوطنها (الكويت)،فالوطن بالنسبة للكاتب ليس مجرد وعاء يحويه هو وأهله وبيته وذويه،بل الوطن بالنسبة للكاتب حياة ماضية تركت خلفها أرصدة من الذكريات،يروي بها حياة قادمة تنكشف خلالها سماء الحاضر،فيغرف من صندوق أشيائه الصغيرة بخزانته،ومن أركان منزله،من مدرسته،من الشارع،من الأهل،و الأصدقاء،والطبيعة من حوله؛البحر،الشمس،القمر،السماء،فيكتب سطراً هنا،وسطراً هناك،حتى تنطق أحرفه بروح الوطن،فيستمد من ميلاد كلماته الحياة ..
هنا في تلك اليوميات وجدت أن القهر قد غرس خلاياه السوداء بين ذكريات الكاتبة،التي خرجت بها علينا من بين الصبر والمر،فكانت البداية..
-طبول الحرب:
في قبرص ( ليماسول) بين أجواء القلق المخيم على تفكير الكاتبة بسبب إصرار ابنتها عبير على الزواج من زميلها الطبيب اللبناني ،وبعد مقابلة الكاتبة لأهله بدمشق أصبح الزواج بين قاب قوسين أو أدنى،فقد أجبرتها الديمقراطية التي عطرت بها جدران منزلها على الانصياع لإصرار ابنتها،وهي على يقين بأنها ستضعها بين أنياب وحش الغربة،فجأة تصرخ (عبير) مقترحة الذهاب إلى البصارة (أمل )التي تصدرت صورتها مجلة (الموعد)،لتسألها إن كان الزواج سيتم أم لا،البصارة أمل هي لبنانية هاجرت إلى (ليماسول) هربا من الحرب الدائرة بلبنان،وبعد استهزاء،تبعه فضول الكاتبة،وتوسل من الابنة،انتقت بنا الكاتبة إلى بيت البصارة أمل،وبعد أن وجهت الابنة سؤالها للبصارة،أكدت بعد أن تغير لون وجهها بأن هناك كارثة ستحدث بالعام القادم ستعطل الزواج، ولكنه سيتم في ظروف سيئة،يا ترى ماذا تكون هذه الكارثة التي ستهز العالم وتعطل الزواج؟! أسئلة كثيرة دارت بعقل الكاتبة والابنة كإجابات لهذا السؤال،الذي دفع الكاتبة بعد العودة للكويت،بأن تأتي ببصارة أخرى لطمئن ابنتها التي تعيش حالة ذبول،وقلق دائم،فتبشرها بأن الزواج سيتم،، فتأتي البصارة فاطمة تلقي بودعها، فييتغيروجهها هي الأخرى،ولكنها تبشر (عبير) بأن الزواج سيتم،ولكنها من ناحية أخرى تعرب عن قلقها للكاتبة،بأن شيء كبير سيحدث،ربما هو زلزال،أو حرب،وأن الزواج سيتعطل،يزداد قلق الكاتبة، وتنتشر الأسئلة برأسها عن هذا المجهول القادم،ولكن في النهاية، كذب المنجمون ولو صدفوا ...
بعد إلحاح من الابنة تمت الخطبة،وحدد موعد الزفاف 2/8/1990،كانت تصريحات(النظام الصدامي) للجامعة العربية،تملأ الأفق،واتهاماته لدولة الكويت بسرقة النفط العراقي لا تهدأ ، أتكون الكارثة المنتظرة هي الحرب؟سؤال يتأرجح بين الشك واليقين،ولكنه كان للشك أقرب،فإذا نشبت حرب بين البلدين فلن تتجاوز مجرد المناوشات الحدودية،طمأنت الكاتبة ابنتها،التي أكدت لها بأنها لا تخاف من نشوب الحرب لمجرد أنها ستحول بينها وبين زواجها،ولكن الذي يسيطر عليها هو خوفها على وطنها،أعربت الكاتبة عن سعادتها بوفاء ابنتها،وحسها الوطني، وسط الأنباء التي تؤكد حشد النظام الصدامي لقواته العسكرية على الحدود الشمالية ، في الوقت ذاته الذي جاءتها الدعوة لزيارة(تونس)،لم يكن الوضع بتونس أقل من الوضع بالكويت،فالكل يتحدث عن الحرب،والتصريحات،والحشود العسكرية،ولكن ما زاد قلقها الأخبار التي أتى بها صديقها التونسي العائد من بغداد،والذي أكد لها أنه وصلته معلومات من أصدقاء له مقربين من السلطة الصدامية ، تؤكد بأن صدام سيحتل الكويت ويضمها إليه،توسلها أن تعود للكويت وتأخذ أموالها،وأولادها وتغادر الكويت،ولكن هل هناك كاتب فطن يتخلى عن وطنه في مثل هذه الظروف؟،هل هناك كاتب وفي يفكر ألا يشاطر تراب الوطن آلامه؟،هي فرصة يتمناها كل كاتب صدق نفسه، وقلمه، لينهل منها،ويلون بمآسيها أوراقه، فما أصدقها كلمة خرجت من رحم المعاناة...

زادت وقع الطبول على آذان الكاتبة، بين أحلام مخيفة وكوابيس تحمل نبوءات الكارثة،ورد فعل منها يكبله العجز، الضياع، ويأتي الوفد العراقي لتوزيع دعوات (المربد)،الذي حرص النظام الصدامي أن تصل للأدباء كل عام باليد،لا بالرسائل والفاكسات،مهرجان المربد هو مهرجان ثقافي كبير،يلتقي فيه كبار الأدباء من جميع أنحاء الوطن العربي،ورغم أهمية هذا المهرجان إلا أن الكاتبة صرحت بأنها لم تشارك فيه بصورة فاعلة ،وذلك كنوع من التعبير عن موقفها من النظام الصدامي المنظم للمهرجان ، فقد عددت لنا الكاتبة عدة مواقف تبين فيها موقفها من هذا النظام،وحروبه التي أقحم بها الشعب العراقي،تعددت مواقف الكاتبة الرافضة،وكأنها تريد أن تثبت لنا بالأمثلة موقفها المسبق من نظام متكبر،يصنع من الوهم قصوراً،ويزج بشعبه للعيش بها،حتى وصل رفضها لصورته التي كانت تعلقها أختها على جدار منزلها جوار صورة الرئيس (جمال عبد الناصر)،وكيف دارت بينها وبين أختها مشادة كلامية انتهت بمقاطعة الكاتبة لها ، لم تتصور الكاتبة أبداً أن حجر الدبة الذي واجهته،وتصدت له بكل قوتها،سيصيب عقر دارها يوما ما... بداية من حلم سارة ابنتها،التي رأت فيها الغزو الصدامي حاملا سلاحه،ويقتحم منزلهم ،كان قرع الطبول يقترب كلما اقترب موعد زفاف ابنتها (عبير)، فالأزمة تشتد،والوضع يتأزم،وتملك الخوف من الأطفال،حلم (سارة) لا يغادر تفكير الكاتبة،وقول (سرار) يدوي بأذنها: "سارة إذا حلمت يصير"،الأسئلة تجوب بكل ركن من أركانها،ماالذي سيصير ؟ حرب ؟ وهل سيصمت العرب إذا فعلها صدام ؟ مشاهد حرب لبنان تدور أمامها،أطفال جياع،بيوت مهدمة،الموت، مشاهد الحرب الإيرانية،الجثث السابحة في الأنهار والمواقع،هل تحتمل الكويت الصغيرة حرباً ؟؟القلق يتضاعف والفرح المنتظر ما عاد يبشر بالفرح ، والتفكير في تأجيل الموعد بات صعباً،فأهل العريس قد جهزوا كل شيء،ورغم اقتراح الزوج بالسفر قبل الموعد،إلا أن الكاتبة أصرت أن السفر سيكون يوم العرس 2/8/1990،وكأن قلب الكاتب دليله،فهذا الرفض به إصرار غريب للبقاء بجوار الوطن،المهدد في أي لحظة بنيران الحرب ..

-تحت سقف النار:
1/8/1990
أصبح كل شيء جاهزاً،الحقائب،ثوب الزفاف،الطرحة،والبيت انتهى ترتيبه،وأخليت الثلاجة من الأطعمة القابلة للتلف،ليس غير الماء والقليل من الحليب والجبن لإفطار اليوم التالي،السفر الساعة السابعة صباحاً،ووسط تخوفات من الابنة،وإحساس بأنها لن ترتدي فستان الفرح،تنام الأم على فراش القلق،متلفعة بنفس الإحساس،بعد أن أمرت الخادمة أن تدق لها الجرس لتصحو...

2/8/1990 (الخامسة صباحاً)

دي.. بُمْ .. طا طا طا ... بُمْ .. دي ......

لم يكن هذا صوت جرس الخادمة كما نظن،بل كان صوت صرخة ميلاد الكارثة،صدفت النبوءات،ودخلت المنطقة كلها دائرة النار،أيقنت الكاتبة أنها الحرب،تجلت أمامها مشاهد حرب لبنان منذ أن كانت هناك عام 75حتى اللحظة،أخذت تهرول بكل مكان، تفتح النافذة تلتقط من أصوات المدافع،وصراخ الجيران،ووسط الأدخنة ورائحة البارود الذي يخترق أنفاسها تصرخ: (صارت .. صارت)،ركضت بأرجاء المنزل،أيقظت زوجها،أولادها ، بأن الحرب قد بدأت ..
أصبح الأمر واقعاً،وأصبحت الحرب رابضة في عين اليقين،لابد من مواجهة الواقع،وملاقاة القدر المحتوم،فقد أغلق المطار،وانقطعت الاتصالات،وأصبحوا محاصرين بين النار والمجهول،قد تناولت الكاتبة الأزمة من عدة محاور :
- أفراد الأسرة - المنزل
- الشارع المحتل - العالم الخارجي

محمد سامي البوهي
08-05-2008, 06:55 PM
قامت الكاتبة (بتذويت) الأزمة من خلال أفراد أسرتها،كأسرة من مئات الأسر الكويتية،أسرة الكاتبة كانت مكونة من (عبير- عماد - عمار- علا – سرار- سارة)،الزوج السيد(وليد أبوبكر)، والكاتبة ، كان لكل فرد من أفراد الأسرة موقعه ،ودوره لمواجهة تحديات الأزمة،وقد اعتمدت الكاتبة على هذه الأدوار لصياغة أحداثاً رئيسية بالرواية ،كان أبرزها الدور الذي قامت به (عبير) منذ اندلاع الحرب عندما قامت إلى غرفتها لترتدي "اللاب كوت"الأبيض بتشجيع من الكاتبة،التي حثت أبنائها بحماسها، وحبها لوطنها ، الذي طغى في لحظة ما على خوفها على فلذات كبدها،أولادها قرة عينها،توجهت(عبير)عروس اليوم لعملها كطبيبة صيدلانية بمستشفى مبارك الكبير،فربما هناك من يحتاجها،ثم عشنا بعد ذلك أحداثاً كثيرة مع عبير التي قامت بدورها بتهريب الدواء خصوصاً الأدوية الأساسية،وتوزيعها على مرضى السكر والقلب،وسهل ذلك الرجوع إلى سجلات المستشفى التي كانت تحوي أسمائهم وعناوينهم،معرضة نفسها لخطر جنود الاحتلال،حتى أنها في النهاية أصبحت من المطلوبين من قبل النظام الصدامي للمحاكمة العسكرية،ويأتي دور عمار الذي تطوع بأن يؤمن احتياجات المنزل من الأغذية،والمواد الأساسية،والذي اتسع دوره بعد ذلك ليشمل توزيع تلك المواد من الجمعيات على منازل المنطقة،بمساعدة رفقائه من الشباب،حتى أن زيه سخر لخدمة أهل وطنه بعد أن كان يزهو به أثناء ممارسته ألعابه الرياضة،عادت (علا) من الخارج وهي تحمل أخبار الدمار،وحوادث السيارات،وقد أحضرت معها الكثير من الخبز،كانت (سارة وسرار) رمزاً للبراءة وسط حرب لا تعرف إلا العنف والقسوة،ولا تفرق بين كبير وصغير،فقد تحولت ألعابهم إلى ألعاب حربية،يهزم فيها جنود الاحتلال،كان ما يهم الكاتبة منذ انطلاق الشرارة الأولى هو تأمين المنزل،وتوفير الغذاء بعد أن أفرغت الثلاجة منه بسبب السفر،كانت أزمة الغذاء الكبرى توفير الحليب لطفلتيها خصوصاً الحليب المحلي لأنهما لا يشربان غيره،أصرت الكاتبة على الخروج رغم تأمين احتياجات المنزل من الغذاء،لكنها كانت تعيش لحظات من الحنين،الحنين لرؤية شوارع مدينتها،ربما لتعازيها،وتواسيها،توجهت لمنزل عائلتها بشارع العثمان،الشارع الذي يحمل اسم أبيها، والتساؤلات تشق جدار الذهول،أهو حنين اليتيم لمن مات ؟ أم هي محاولة البحث عن أمان قديم في بيت جدرانه راسخة ؟
تساؤلات كثيرة طرحتها الكاتبة،لتثير بها ذاكرة الماضي الجميل،ثم توجهت بعد ذلك للجمعية،اشترت الكثير من السكاكين،والأقفال، والسلاسل،والمصابيح، والفحم الذي تعجب من شرائها له رجل مسن،ما حاجتها للفحم بالصيف؟،كان زوج الكاتبة (وليد أبو بكر)هو صمام الأمان بالمنزل،كان يهدئ من حماس الكاتبة الزائد ،الذي عرضها للخطر مع جنود الاحتلال أكثر من مرة،و هو المطمئن للأسرة في أحلك لحظاتها،عندما يحاول أحدهم اقتحام منزلهم،كان لابد من تأمين المنزل،وإعداده لمواجهة أي محاولة اقتحام،فتم توزيع المصابيح بالغرف والطرقات،وتم إغلاق الباب الخارجي بالسلاسل والأقفال،وجعل الدخول والخروج من باب السرداب،من الغريب أن الاحتفاظ بصور رموز الوطن وحكامه،من أخطر ما يحويه أي بيت كويتي،ومن الممكن أن يعرض أهل البيت للاغتيال،فقامت بإخفاء الصور بعد أن أخرجتها من الإطارات بمكان آمن،ورفضت فكرة التخلص منها،كما أنها قامت بدس أعلام الكويت داخل نوع من الأقمشة وخاطت عليه،وقد أخفت ذلك عن زوجها لأنه حذرها من ذلك،وأكد عليها تمزيقها،لأنها بذلك تعرض حياة البيت كله للخطر، سألت نفسي كثيراً كيف يمكن لنظام أن يتخيل بأنه من الممكن أن يمحي ملامح وطن بهذه الصورة ؟،وهل من الممكن أن يمحي رموز وطن من ذاكرة أهله؟،بقيت النوافذ الزجاجية،لابد من تأمينها بقضبان حديدية،وبعد عثور الكاتبة على حداد هندي ، لصنع القضبان ، وقعت في مأزق آخر،تدبير مبلغ التكلفة،ستة ألاف دينار عراقي،فباتت العملة الكويتية من المحرمات ،لم تجد مفراً إلا بيع مصاغها الذهبي،وهنا تعود الذاكرة مع كل قطعة فيه،لأبيها الذي اشتراه لها،فهذه خلاخيلها التي نقش عليها اسمها ، وكانت تتحلى بها وسط زميلاتها بالمدرسة،وهذا عقد اللؤلؤ الثمين هدية زواجها،كل قطعة تحمل عطر ذكرى،بعد حيرة قررت بيع الخلاخيل،لكنها رأت أبيها بالمنام،جاء يطلب منها عدم بيعها ، ماذا تفعل وهي لا تملك مالاً ؟ وقد أغلقت كل البنوك ونهبت ، وظروفها الاقتصادية لا تقل عن ظروف أي أسرة كويتية آنذاك ، لكن (عمار) يأتي لها بالحل مقترحاً عليها اقتراض المبلغ من صديقها الأديب (إسماعيل فهد إسماعيل) الذي عاشت معه إحداثيات زمن العزلة،روايته السباعية،التي رسم بها نفس المأساة التي عاشها وطنهم،وعدها الأديب بتدبير المبلغ خلال يومين.الشارع هو مكان الاحتكاك المباشر بجنود الاحتلال،حيث المرور بحواجز التفتيش ،رفضت الكاتبة تبديل لوحات سيارتها من اللوحات الكويتية إلى لوحات أخرى فرضها عليهم الاحتلال كنوع من الإعلان عن السيطرة التامة،ومحو ملامح وطن بأكمله،رغم أن ذلك كان يصعب عليها إمداد سياراتها بالوقود،إلا أنه كان هناك من يساعدها من جنود الاحتلال الكارهين للنظام مثل الجنود (الأكراد) ،دارت أحداث كثيرة حول تلك الحواجز المنتشرة بالشوارع،فكانت بالنسبة للكاتبة معقل القيد ، فتدخل مع الجنود في مجادلات تعرب فيها عن تمردها،واستيائها كنوع من إخراج الكبت،وقد نجت من بطشهم مرات ومرات،عن طريق التمثيليات التي اتخذتها كدرع يحميها هي وأسرتها ، فأحياناً تتظاهر بأنها عراقية و زوجة رتبة عسكرية كبيرة بالنظام الصدامي،وأحياناً تهددهم بجلادهم نفسه،وأنها ستنقل إليه شكواها بسوء معاملتهم لها كامرأة،بعد أن تعرب لهم عن ثقتها بأن هذا لن يرضي (السيد الرئيس)،وأحياناً أخرى تتظاهر بأنها من (الأسياد) وأن دعوتها لا ترد،وكانت في كل مرة يكتب لها النجاة بعد أن تكون على شفا حفرة الموت.كان أكثر ما يؤرق الكاتبة أن تجبر على استخدام قلمها لخدمة نظام الاحتلال الذي لم تمدحه أو تمجده يوماً ما كما فعل الكثيرون أثناء انتصاراته المزعومة بحرب إيران،فذهبت لمستشفى مبارك الكبير وصنعت جبيرة من الجبس بحيث تكون متحركة يمكن خلعها وارتدائها وقت اللزوم،خصوصاً بعد اتصال المستشار الثقافي بالسفارة العراقية طالباً منها بأن تكتب في جريدة (النداء) التي طوعت لتأييد النظام الصدامي بالكويت،فنال حظه من الشتائم،هو ونظامه الغاشم ..
كان كل ما يربطهم بالعالم الخارجي هو الراديو "الترانزستور" الذي انطلق بصوت المذيع لحظة منذ لحظة الاقتحام الأولى :
(يا عرب.الكويت الآمنة تغتصب،يا عرب،الكويت تناديكم،تستغيث بكم ، الجار ينتهك حرمة الدار،هيا يا عرب ... هـ .. )
، ولكن لا مجيب،ووقعت الكارثة،وأحكم الاحتلال غلق باب الكويت على أهلها ،ليعزلهم عن كل شيء إلا عن أفكاره وقراراته المتغطرسة،أراد أن ينفرد بالبلد ومن فيها،ينهب،ويسرق ويسفك الدماء ،بعيداً عن أعين الشرائع العربية،والدولية،ولكن أين يذهب من عين الله التي لا تنام،نقلت الإذاعة خبر استشهاد الشيخ (فهد الأحمد الصباح) بقصر دسمان،وهو يواجه جحافل العدوان،وقع الخبر كالصاعقة على (عمار)فالشهيد كان شخصية رياضية مشهورة،جمعت حولها طاقات الشباب وقت السلم. وها هو يستشهد في سبيل الوطن،كواحد من رموز المقاومة الكويتية الباسلة ، كان (عماد) بقبرص أثناء وقوع الكارثة،ولكن بآخر إمكانية اتصال به أشارت عليه الكاتبة بأن يسافر إلى مصر لينزل عند صديقتها (أم علاء)،ويسجل بالجامعة هناك ويكمل دراسته في كلية الطب – عَمَار يا مصر- قالتها الكاتبة عندما لجأت إلى السفارة المصرية ببغداد لمنح ابنتها (عبير) بطاقة "عائد من الكويت" كواحدة من الجالية المصرية العائدة للحبيبة مصر،باسم مستعار، وذلك لتتمكن من الخروج من الكويت إلى (عمّان) لتتمم زواجها و تنجو بروحها من الحكم العسكري الذي ينتظرها،وبذلك أصبح فردين من أفراد الأسرة بالخارج،وكان لابد من إيجاد طريقة للاتصال بهما والاطمئنان عليهما،بعدما انقطعت كل سبل الاتصال الدولي،لا توجد حيلة أخرى إلا اللجوء إلى بغداد لإجراء الاتصال،وهنا تحولت بنا الكاتبة بعينها الشاهدة إلى بغداد،ببيت(س) صديقة أختها ،بغداد التي تعشقها الكاتبة والتي اعتادت على زيارتها،والتنزه بشوارعها،والجلوس على مقاهيها،اليوم تدخلها وكأنها جهنم التي تنتظرها،كانت تقطع مسافة 600كيلومتروسط الحافلات المحملة بالخيرات المنهوبة من بلدها ،لتسمع صوت ابنها،أو ابنتها،كان الرعب ببغداد ينشر نفسه كما بالكويت،فلا يجرؤ
مواطن عراقي التحدث عن نظام صدام أمام صغاره خوفاً أن يخطئ أحدهم وينقل الكلام فتحدث الفاجعة ،كما أنها فوجئت بـ (س) تفتح الشبابيك وتمسك بالدفوف هي وبناتها ويغنون أغاني تمجد في (صدام)،كنوع من إثبات الولاء الزائف...
ما أشد الحنين للأمان المنبعث من أحضان الأهل خصوصاً عندما تلتصق بنا الأزمات ، كانت زيارة المقابر هاجس من نداءات الأمان التي اهتدت إليها الكاتبة ، فعندما ذهبت للمقابر ، وجدتها خاوية،ورأت قبور رموز الوطن محطمة،حتى الأموات لم يبرؤوا من أذاهم،كان البحث عن قبر الأم هو بمثابة البحث عن الوطن الضائع،وقد لعب ضياع قبر الأم دور المعادل الموضوعي بشكل قوي في الرواية،فالكاتبة عجزت عن الكتابة تحت مظلة الاحتلال، إلا من بعض الأشعار الشعبية التي كانت تلقيها على نفسها،وإذا كتبت فإنها تكتب بعض القصاصات الورقية،بطريقة من اليسار إلى اليمين حتى إذا وقعت في أيدي الطغاة،لا يستطيعون فهمها،ولكن كان البحث عن الذكريات،ولملمة الماضي هو شاغلها الشاغل،لتعيش مع عصور التذكارات لحظات تعثر فيها على كيانها الممزق ...
-هم الراحلون ونحن الباقون :

بعد انتهاء المهلة الأخيرة لصدام للانسحاب،أصبحت الحرب قريبة جداً، لكنها ستكون على أي حال أرحم بكثير من نار الاحتلال،ومع سقوط الرمز العربي من أعين العرب أنفسهم ، باتت أمريكا هي الأمل الوحيد للخلاص، كان هذا الشعور يطيح بمشاعر القومية العربية،ولكن الكاتبة تطرح المبرر الذي شاع بينهم في هذا الوقت أن من يعيش داخل النار غير الذي يجلس بعيداً عنها ليستدفئ بلهيبها،وسادت المقولة :"الشيطان ولا صدام حسين " ،رغم أنهم على يقين بان أمريكا لن تحررهم من أجل سواد أعينهم ...
17/1/1991
الساعة الثانية والنصف صباحاً دوى بأذن الكاتبة خبر الضربة،شعرت بارتجاف ، وتوتر،أتفرح أم تحزن ؟ أتستبشر خيراً بزوال صدام وعودة حضن أمها الكويت ؟ أم هذه الحرب ستكون وبالاً ؟أسئلة دارت بعقل الكاتبة وبقي الزمن هو وحده المكلف بالإجابة .. استجمعت قواها وقامت تهرول إلى أهل البيت وهي تصرخ:قصفت بغداد!
قصفت بغداد .. أطفال بغداد،نساء بغداد،شيوخ بغداد،شوارع بغداد،وبقي السؤال : من المسئول عن هذا الخراب ؟

محمد سامي البوهي
08-05-2008, 06:57 PM
من خلف الآلام يأتي الفرح،ومن قلب الشدة ينفلق الفرج،تجمعت الأسرة والأقارب جميعهم بسرداب المنزل،يقلبون إذاعات الراديو،والأخبار تتواتر،انتشر صوت قصف معاقل جنود الغزاة وقيادتهم بالكويت،وتحول الليل نهاراً،وبدأت رحلة صبر ومر أخرى،تسيطر عليهم التوقعات،و تهزهم الأخبار،ولكن يا ترى هل سيقدر (صدام) على نطاح أمريكا في هذه الحرب؟؟ الحرب التي خرقت قاعدة (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب)،لم يتوقع واضع المثل في حساباته أن يكون الأخ هو العدو يوماً ما ..
أسابيع تتلاحق.. انتهى شهر يناير.. دخل فبراير .. واليأس يدخل قلب الكاتبة، يعابثها التفاؤل والأمل الأكيد بالحرية،زاد قلقها عندما فقدت السلاحف،التي أحضرتها معها من تونس لتتفاءل بها كما التوانسة،هل هناك دلالة لفقدها؟؟ الأفكار السوداء تزاحم الكاتبة،والخوف من اقتحام الجنود لمنازلهم ويحرقونها انتقاماً عملاً بمبدأ (علىّ وعلى أعدائي)،كان هذا الشعور المعجون بالذل والخوف يدفعها للترحيب بالحرب التي ربما هي الخلاص الوحيد،ويعود الوطن ...
القصف يزداد،الحرب تشتد أوزارها،التلفزيون ينقل الأخبار،الأمور تسير لصالح الكويت،الناس في تفاؤل كبير،المساجد غصت بالمصلين يوجهون الدعاء لله، الأيام تتسارع وأمل الاحتلال بدأ يتقلص،الجنود (الأكراد) يحذرون الأهالي بألا يتركوا أولادهم يخرجون،لأن (البعث) سيأخذ الكثير منهم أسرى،لكن ثورة الشباب لم تستمع للتحذيرات،فكانوا يخرجون،ويعبرون عن فرحهم،فقامت السيارات العسكرية بجمع العديد من الشباب،ثم حملتهم الباصات أسرى إلى بغداد،حرقوا قلوب الأمهات والآباء على أولادهم، وحرقوا قلوب الشباب على آبائهم، وسيق مصيرهم إلى المجهول ..
25فبراير 1991

http://www.kuna.net.kw/pictures/2007/02/21/52011.jpg
كانوا قد فرضوا منع التجوال من السادسة مساء،وكانت الشوارع خالية، لكنهم يفيقون على جلبة وأصوات رهيبة،فتحوا النوافذ ،لرؤية الشارع العام،الأصوات تزداد،فعلموا أنها جحافل دبابات وناقلات الاحتلال تشق الأرض شقاً،تطايرت الأخبار عبر الهواتف بأنهم ينسحبون،وبالساعة الثامنة صباحاً كان المطر يواصل انهماره،وكأن الله أرد بقدرته أن يطهر أرض الوطن من ذنوب الظالمين، لعلع الرصاص،كان هذه المرة رصاص الفرح،علت الزغاريد ، كانت البشرى : تحررت الكويت،خرج الجميع للشارع إلا الكاتبة التي مازال يقين الحرية لم يكتمل عندها، هذه الزغاريد لم تكن كافية لتمحي بطش طغيانهم من الذاكرة،لكن أولادها يعودن من الخارج مبللين بالمطر، ويؤكدون الخبر ، وأن الناس بالخارج ترقص، وأعلام الكويت ترفرف ، أمسك عمار بيدها وجذبها للخارج،لم تكمل الطريق إلى الشارع العام ، فالزغاريد وأصوات الفرح تؤكد شروق شمس التحرير رغم المطر ، ركضت الكاتبة إلى البيت ، نزلت للسرداب ، مزقت فرش (السدو) واستخرجت الأعلام الكثيرة ، كانت دافئة حنونة ، ألصقتها بصدرها،استنشقت منها رائحة أمها ، أبيها ، ووطنها،وتاريخ الكويت كله،وزعتها على الجميع،ووقف زوجها مشدوهاً أدرك أنها خدعته ولم تمزقها ، صدحوا بالسلام الوطني "وطني الكويت سلمت للمجد " لم يهمهم هطول المطر ولا لسعات البرد،فقد كفاهم دفء الحرية،كان يوم التحرير كيوم الحشر،الناس في الفرحة سابحون،راكضون،الشوارع غاصة بالسيارات والغناء ، ورصاص الفرح ، وطبول الشباب،الدموع تملا العيون،أول ما فكر فيه الكاتبة،هو البحر،الآن يمكنها أن ترتمي في أحضانه،بعد أن حرموها منه ، وأقاموا حوله المتاريس،والأسلاك الشائكة ، ها هو اليوم أصبح حراً مثلها ، اتجهوا إلى البحر ، نزلوا حفاة إلى الرمال،ثمة من يحذرهم من الألغام،ولكن أي ألغام يفكرون فيها الآن،غطست الكاتبة بقدمها في مائه البارد،انحنيت،وصلت، بكيت ، وحفرت بالرمل كلمة "وعاد البحر " ... وها أنا اليوم أحفر جوار كلمتها وعلى نفس الرمال كلمة"عمار يا كويت " .. دامت الكويت،ودام أميرها ، وشعبها،ودام العرب وبقيت راية العروبة خفاقة، وها نحن اليوم نقف أمام نافذة الزمن لنسمع إجابات الأسئلة التي أرقتنا جميعاً وقت الظلمة ... ولكن سيبقى سيل الأسئلة ينهمر طالما استقرت على خريطة وطننا العربي بقعاً سوداء تشوه وجهه الجميل ... في النهاية أؤكد لكم بأنهم راحلون ونحن الباقون ... لكن متى ؟ لكم أن تسألوا التاريخ حتما سيجيب يوما ما..
عن رواية (الصبر والمر)الصادرة عام 2003
محمد سامي البوهي

سحر الليالي
08-05-2008, 08:01 PM
الفاضل [ محمد سامي ]
:
على الرغم إني لم أكن سوى طفلة ذات الأربع أعوام ،إلا إني أذكر ذاك الصباح جيدا ..!
هنا أقرأ وروحي تشاركني التعلق بـ أطراف الأسطر ..!
ما أروع ما أتيت به ..ليلى العثمان تلك الكبيرة الكبيرة ..
فــ شكرا بـ حجم الحرف هنا ...!

سلمت ودمت بخير
تقبل خالص تقديري وتراتيل ورد

محمد سامي البوهي
08-05-2008, 08:13 PM
أختي العزيزة
سحر
عندما فكرت أن أعمل على هذه الدراسة ، كان الإعتراف بالجميل هو دافعي الأول ، لبلد عشت فيها ، و تنفست هواءها ، ونعمت بخيراتها ، شعرت أن جميع أوطان العرب هي أوطاننا ، نصهر عروبتنا ونمزجها برمال وطننا الكبير ..
دار حوار بيني وبين الكاتبة الكبيرة ليلى العثمان بمعرض الكتاب عام 2006، وكان الحوار متمركزاً على فكرة الحرية ، حيث كان حوارنا هذا في أعقاب الإفراج عن روايتها (صمت الفراشات)، ورغم تحفظي على بعض أفكار الرواية ، إلا أن موقف الكاتبة للدفاع عن حرفها ن وفكرها ، وحريتها ، كان محل تقديري ..
فشكرا لك يا سحر ،

أحمد الرشيدي
09-05-2008, 06:15 PM
الأستاذ القدير الأديب محمد البوهي حفظه الله

سعدت جدا بقراءة بعض كتابات الأستاذة الأديبة ليلى العثمان ، وهي أديبة محنكة تعشق الأدب منذ نعومة أظفارها ... ، ووجدتُ فيما أتحفتنا به كما أعتدنا منك ناقدا يبز كثيرا من الأكاديميين المتخصصين في القصة بحسن التأتي ، وتسليط الأضواء على العناصر اللافتة ، وإحكام قبضتك النقدية الحديدية عليها ، وإشباع القول فيها دونما إفراط أو تفريط .

أخي الكريم لي مع الأستاذة ليلى العثمان موقف طريف جدا ليس صالحا للنشر متى ما حظيت بلقائك ( لن أخبرك به ) إلا إن كان أخي الأستاذ الشاعر حمدي ليله شاهدا .

تحيتي وتقديري ودعائي

محمد سامي البوهي
12-05-2008, 08:14 PM
الأستاذ القدير الأديب محمد البوهي حفظه الله

سعدت جدا بقراءة بعض كتابات الأستاذة الأديبة ليلى العثمان ، وهي أديبة محنكة تعشق الأدب منذ نعومة أظفارها ... ، ووجدتُ فيما أتحفتنا به كما أعتدنا منك ناقدا يبز كثيرا من الأكاديميين المتخصصين في القصة بحسن التأتي ، وتسليط الأضواء على العناصر اللافتة ، وإحكام قبضتك النقدية الحديدية عليها ، وإشباع القول فيها دونما إفراط أو تفريط .

أخي الكريم لي مع الأستاذة ليلى العثمان موقف طريف جدا ليس صالحا للنشر متى ما حظيت بلقائك ( لن أخبرك به ) إلا إن كان أخي الأستاذ الشاعر حمدي ليله شاهدا .

تحيتي وتقديري ودعائي
الدكتور الحبيب أحمد الرشيدي

وقد تم اللقاء ، وكم كان لقاء زاخراً بعطر رؤياكم الغالية ، فتقبل مني كل الود

حمدي ليلة
13-05-2008, 11:12 PM
جهد وافر يستحق الشكر .....
وأحداث مهمة في تاريخ الأمة تستحق التدوين
وكاتبة كبيرة تستحق كتاباتها القراءة ....
.وناقد بارع ...أراه ينمو داخل البوهي يوم بعد يوم...

تحياتي أخي البوهي
ولي عودة لقراءة متأنية لتلك القراءة ....

محمد سامي البوهي
14-05-2008, 01:22 PM
من هنا أقدم عزائي لشعب الكويت المناضل لرحيل
الشيخ والأمير الوالد :

سعد العبد الله السالم الصباح

فأدخله الله دار السعد والهناء ..

محمد سامي البوهي
21-05-2008, 12:04 PM
أخي وصديقي

الأستاذ حمدي ليلة

شهادة منك وثقها الصدق ، فشكرا لك من عميق الفؤاد