محمد سامي البوهي
08-05-2008, 06:43 PM
يوميات ليلى العثمان
بين الصبر والمر
برقية عاجلة :
إلى أصدقائي في أنحاء العالم:
أعلمكم أنه اليوم في الثاني من شهر أغسطس عام 1990 قام (النظام العراقي)"العربي" باحتلال بلدي (الكويت) "العربي" وأنه بقسوة أباح القتل والدمار فإذا مت بأيديهم "العربية " فأرجوكم: لا تلعنوا العروبة ولا العرب، العنوا فقط الأنظمة الظالمة لشعوبها وللشعوب الأخرى.
(ليلى العثمان )
http://www.up.5alid.com/up/uploads/e98d88e2b2.jpg (http://www.up.5alid.com/up)
ما أقساها تلك الغربة التي يفرضها علينا غاصب ليمتلك أنفاسنا بوطننا، يفرض علينا سلطانه رغماً عنا،ويأمرنا أن ندمر حياتنا الماضية بحلوها ومرها،كي نبدأ معه حياة جديدة من صنعه هو،يمسخ فيها هويتنا،ويغير ملامحنا،ويبدل وجه تاريخنا الذي بناه أجدادنا بالعرق والدماء،بين ليلة وضحاها يغير ألوان الشوارع،والضواحي،والطرقات،فتهدأ حركات الجيران،وتصمت حناجر الباعة،وتغلق المحال،أو تفتح على مصراعيها خاوية على عروشها،شعور فظيع يسكن قلب كل إنسان ينتمي لهذا الوطن،الذي ورث أحلامه عن آبائه،ليضخها بدوره للأجيال القادمة، لتستمر في حمل اللواء،و شعور أفظع أن تجد تلك الأحلام وقد باتت في طي مجهول لا يرحم .. بعين الكاتبة (ليلى العثمان) عشنا تلك اليوميات التي دارت أحداثها بين رحى الصبر والمر،تحت وطأة غزو نظام أرعن لوطنها (الكويت)،فالوطن بالنسبة للكاتب ليس مجرد وعاء يحويه هو وأهله وبيته وذويه،بل الوطن بالنسبة للكاتب حياة ماضية تركت خلفها أرصدة من الذكريات،يروي بها حياة قادمة تنكشف خلالها سماء الحاضر،فيغرف من صندوق أشيائه الصغيرة بخزانته،ومن أركان منزله،من مدرسته،من الشارع،من الأهل،و الأصدقاء،والطبيعة من حوله؛البحر،الشمس،القمر،السماء،فيكتب سطراً هنا،وسطراً هناك،حتى تنطق أحرفه بروح الوطن،فيستمد من ميلاد كلماته الحياة ..
هنا في تلك اليوميات وجدت أن القهر قد غرس خلاياه السوداء بين ذكريات الكاتبة،التي خرجت بها علينا من بين الصبر والمر،فكانت البداية..
-طبول الحرب:
في قبرص ( ليماسول) بين أجواء القلق المخيم على تفكير الكاتبة بسبب إصرار ابنتها عبير على الزواج من زميلها الطبيب اللبناني ،وبعد مقابلة الكاتبة لأهله بدمشق أصبح الزواج بين قاب قوسين أو أدنى،فقد أجبرتها الديمقراطية التي عطرت بها جدران منزلها على الانصياع لإصرار ابنتها،وهي على يقين بأنها ستضعها بين أنياب وحش الغربة،فجأة تصرخ (عبير) مقترحة الذهاب إلى البصارة (أمل )التي تصدرت صورتها مجلة (الموعد)،لتسألها إن كان الزواج سيتم أم لا،البصارة أمل هي لبنانية هاجرت إلى (ليماسول) هربا من الحرب الدائرة بلبنان،وبعد استهزاء،تبعه فضول الكاتبة،وتوسل من الابنة،انتقت بنا الكاتبة إلى بيت البصارة أمل،وبعد أن وجهت الابنة سؤالها للبصارة،أكدت بعد أن تغير لون وجهها بأن هناك كارثة ستحدث بالعام القادم ستعطل الزواج، ولكنه سيتم في ظروف سيئة،يا ترى ماذا تكون هذه الكارثة التي ستهز العالم وتعطل الزواج؟! أسئلة كثيرة دارت بعقل الكاتبة والابنة كإجابات لهذا السؤال،الذي دفع الكاتبة بعد العودة للكويت،بأن تأتي ببصارة أخرى لطمئن ابنتها التي تعيش حالة ذبول،وقلق دائم،فتبشرها بأن الزواج سيتم،، فتأتي البصارة فاطمة تلقي بودعها، فييتغيروجهها هي الأخرى،ولكنها تبشر (عبير) بأن الزواج سيتم،ولكنها من ناحية أخرى تعرب عن قلقها للكاتبة،بأن شيء كبير سيحدث،ربما هو زلزال،أو حرب،وأن الزواج سيتعطل،يزداد قلق الكاتبة، وتنتشر الأسئلة برأسها عن هذا المجهول القادم،ولكن في النهاية، كذب المنجمون ولو صدفوا ...
بعد إلحاح من الابنة تمت الخطبة،وحدد موعد الزفاف 2/8/1990،كانت تصريحات(النظام الصدامي) للجامعة العربية،تملأ الأفق،واتهاماته لدولة الكويت بسرقة النفط العراقي لا تهدأ ، أتكون الكارثة المنتظرة هي الحرب؟سؤال يتأرجح بين الشك واليقين،ولكنه كان للشك أقرب،فإذا نشبت حرب بين البلدين فلن تتجاوز مجرد المناوشات الحدودية،طمأنت الكاتبة ابنتها،التي أكدت لها بأنها لا تخاف من نشوب الحرب لمجرد أنها ستحول بينها وبين زواجها،ولكن الذي يسيطر عليها هو خوفها على وطنها،أعربت الكاتبة عن سعادتها بوفاء ابنتها،وحسها الوطني، وسط الأنباء التي تؤكد حشد النظام الصدامي لقواته العسكرية على الحدود الشمالية ، في الوقت ذاته الذي جاءتها الدعوة لزيارة(تونس)،لم يكن الوضع بتونس أقل من الوضع بالكويت،فالكل يتحدث عن الحرب،والتصريحات،والحشود العسكرية،ولكن ما زاد قلقها الأخبار التي أتى بها صديقها التونسي العائد من بغداد،والذي أكد لها أنه وصلته معلومات من أصدقاء له مقربين من السلطة الصدامية ، تؤكد بأن صدام سيحتل الكويت ويضمها إليه،توسلها أن تعود للكويت وتأخذ أموالها،وأولادها وتغادر الكويت،ولكن هل هناك كاتب فطن يتخلى عن وطنه في مثل هذه الظروف؟،هل هناك كاتب وفي يفكر ألا يشاطر تراب الوطن آلامه؟،هي فرصة يتمناها كل كاتب صدق نفسه، وقلمه، لينهل منها،ويلون بمآسيها أوراقه، فما أصدقها كلمة خرجت من رحم المعاناة...
زادت وقع الطبول على آذان الكاتبة، بين أحلام مخيفة وكوابيس تحمل نبوءات الكارثة،ورد فعل منها يكبله العجز، الضياع، ويأتي الوفد العراقي لتوزيع دعوات (المربد)،الذي حرص النظام الصدامي أن تصل للأدباء كل عام باليد،لا بالرسائل والفاكسات،مهرجان المربد هو مهرجان ثقافي كبير،يلتقي فيه كبار الأدباء من جميع أنحاء الوطن العربي،ورغم أهمية هذا المهرجان إلا أن الكاتبة صرحت بأنها لم تشارك فيه بصورة فاعلة ،وذلك كنوع من التعبير عن موقفها من النظام الصدامي المنظم للمهرجان ، فقد عددت لنا الكاتبة عدة مواقف تبين فيها موقفها من هذا النظام،وحروبه التي أقحم بها الشعب العراقي،تعددت مواقف الكاتبة الرافضة،وكأنها تريد أن تثبت لنا بالأمثلة موقفها المسبق من نظام متكبر،يصنع من الوهم قصوراً،ويزج بشعبه للعيش بها،حتى وصل رفضها لصورته التي كانت تعلقها أختها على جدار منزلها جوار صورة الرئيس (جمال عبد الناصر)،وكيف دارت بينها وبين أختها مشادة كلامية انتهت بمقاطعة الكاتبة لها ، لم تتصور الكاتبة أبداً أن حجر الدبة الذي واجهته،وتصدت له بكل قوتها،سيصيب عقر دارها يوما ما... بداية من حلم سارة ابنتها،التي رأت فيها الغزو الصدامي حاملا سلاحه،ويقتحم منزلهم ،كان قرع الطبول يقترب كلما اقترب موعد زفاف ابنتها (عبير)، فالأزمة تشتد،والوضع يتأزم،وتملك الخوف من الأطفال،حلم (سارة) لا يغادر تفكير الكاتبة،وقول (سرار) يدوي بأذنها: "سارة إذا حلمت يصير"،الأسئلة تجوب بكل ركن من أركانها،ماالذي سيصير ؟ حرب ؟ وهل سيصمت العرب إذا فعلها صدام ؟ مشاهد حرب لبنان تدور أمامها،أطفال جياع،بيوت مهدمة،الموت، مشاهد الحرب الإيرانية،الجثث السابحة في الأنهار والمواقع،هل تحتمل الكويت الصغيرة حرباً ؟؟القلق يتضاعف والفرح المنتظر ما عاد يبشر بالفرح ، والتفكير في تأجيل الموعد بات صعباً،فأهل العريس قد جهزوا كل شيء،ورغم اقتراح الزوج بالسفر قبل الموعد،إلا أن الكاتبة أصرت أن السفر سيكون يوم العرس 2/8/1990،وكأن قلب الكاتب دليله،فهذا الرفض به إصرار غريب للبقاء بجوار الوطن،المهدد في أي لحظة بنيران الحرب ..
-تحت سقف النار:
1/8/1990
أصبح كل شيء جاهزاً،الحقائب،ثوب الزفاف،الطرحة،والبيت انتهى ترتيبه،وأخليت الثلاجة من الأطعمة القابلة للتلف،ليس غير الماء والقليل من الحليب والجبن لإفطار اليوم التالي،السفر الساعة السابعة صباحاً،ووسط تخوفات من الابنة،وإحساس بأنها لن ترتدي فستان الفرح،تنام الأم على فراش القلق،متلفعة بنفس الإحساس،بعد أن أمرت الخادمة أن تدق لها الجرس لتصحو...
2/8/1990 (الخامسة صباحاً)
دي.. بُمْ .. طا طا طا ... بُمْ .. دي ......
لم يكن هذا صوت جرس الخادمة كما نظن،بل كان صوت صرخة ميلاد الكارثة،صدفت النبوءات،ودخلت المنطقة كلها دائرة النار،أيقنت الكاتبة أنها الحرب،تجلت أمامها مشاهد حرب لبنان منذ أن كانت هناك عام 75حتى اللحظة،أخذت تهرول بكل مكان، تفتح النافذة تلتقط من أصوات المدافع،وصراخ الجيران،ووسط الأدخنة ورائحة البارود الذي يخترق أنفاسها تصرخ: (صارت .. صارت)،ركضت بأرجاء المنزل،أيقظت زوجها،أولادها ، بأن الحرب قد بدأت ..
أصبح الأمر واقعاً،وأصبحت الحرب رابضة في عين اليقين،لابد من مواجهة الواقع،وملاقاة القدر المحتوم،فقد أغلق المطار،وانقطعت الاتصالات،وأصبحوا محاصرين بين النار والمجهول،قد تناولت الكاتبة الأزمة من عدة محاور :
- أفراد الأسرة - المنزل
- الشارع المحتل - العالم الخارجي
بين الصبر والمر
برقية عاجلة :
إلى أصدقائي في أنحاء العالم:
أعلمكم أنه اليوم في الثاني من شهر أغسطس عام 1990 قام (النظام العراقي)"العربي" باحتلال بلدي (الكويت) "العربي" وأنه بقسوة أباح القتل والدمار فإذا مت بأيديهم "العربية " فأرجوكم: لا تلعنوا العروبة ولا العرب، العنوا فقط الأنظمة الظالمة لشعوبها وللشعوب الأخرى.
(ليلى العثمان )
http://www.up.5alid.com/up/uploads/e98d88e2b2.jpg (http://www.up.5alid.com/up)
ما أقساها تلك الغربة التي يفرضها علينا غاصب ليمتلك أنفاسنا بوطننا، يفرض علينا سلطانه رغماً عنا،ويأمرنا أن ندمر حياتنا الماضية بحلوها ومرها،كي نبدأ معه حياة جديدة من صنعه هو،يمسخ فيها هويتنا،ويغير ملامحنا،ويبدل وجه تاريخنا الذي بناه أجدادنا بالعرق والدماء،بين ليلة وضحاها يغير ألوان الشوارع،والضواحي،والطرقات،فتهدأ حركات الجيران،وتصمت حناجر الباعة،وتغلق المحال،أو تفتح على مصراعيها خاوية على عروشها،شعور فظيع يسكن قلب كل إنسان ينتمي لهذا الوطن،الذي ورث أحلامه عن آبائه،ليضخها بدوره للأجيال القادمة، لتستمر في حمل اللواء،و شعور أفظع أن تجد تلك الأحلام وقد باتت في طي مجهول لا يرحم .. بعين الكاتبة (ليلى العثمان) عشنا تلك اليوميات التي دارت أحداثها بين رحى الصبر والمر،تحت وطأة غزو نظام أرعن لوطنها (الكويت)،فالوطن بالنسبة للكاتب ليس مجرد وعاء يحويه هو وأهله وبيته وذويه،بل الوطن بالنسبة للكاتب حياة ماضية تركت خلفها أرصدة من الذكريات،يروي بها حياة قادمة تنكشف خلالها سماء الحاضر،فيغرف من صندوق أشيائه الصغيرة بخزانته،ومن أركان منزله،من مدرسته،من الشارع،من الأهل،و الأصدقاء،والطبيعة من حوله؛البحر،الشمس،القمر،السماء،فيكتب سطراً هنا،وسطراً هناك،حتى تنطق أحرفه بروح الوطن،فيستمد من ميلاد كلماته الحياة ..
هنا في تلك اليوميات وجدت أن القهر قد غرس خلاياه السوداء بين ذكريات الكاتبة،التي خرجت بها علينا من بين الصبر والمر،فكانت البداية..
-طبول الحرب:
في قبرص ( ليماسول) بين أجواء القلق المخيم على تفكير الكاتبة بسبب إصرار ابنتها عبير على الزواج من زميلها الطبيب اللبناني ،وبعد مقابلة الكاتبة لأهله بدمشق أصبح الزواج بين قاب قوسين أو أدنى،فقد أجبرتها الديمقراطية التي عطرت بها جدران منزلها على الانصياع لإصرار ابنتها،وهي على يقين بأنها ستضعها بين أنياب وحش الغربة،فجأة تصرخ (عبير) مقترحة الذهاب إلى البصارة (أمل )التي تصدرت صورتها مجلة (الموعد)،لتسألها إن كان الزواج سيتم أم لا،البصارة أمل هي لبنانية هاجرت إلى (ليماسول) هربا من الحرب الدائرة بلبنان،وبعد استهزاء،تبعه فضول الكاتبة،وتوسل من الابنة،انتقت بنا الكاتبة إلى بيت البصارة أمل،وبعد أن وجهت الابنة سؤالها للبصارة،أكدت بعد أن تغير لون وجهها بأن هناك كارثة ستحدث بالعام القادم ستعطل الزواج، ولكنه سيتم في ظروف سيئة،يا ترى ماذا تكون هذه الكارثة التي ستهز العالم وتعطل الزواج؟! أسئلة كثيرة دارت بعقل الكاتبة والابنة كإجابات لهذا السؤال،الذي دفع الكاتبة بعد العودة للكويت،بأن تأتي ببصارة أخرى لطمئن ابنتها التي تعيش حالة ذبول،وقلق دائم،فتبشرها بأن الزواج سيتم،، فتأتي البصارة فاطمة تلقي بودعها، فييتغيروجهها هي الأخرى،ولكنها تبشر (عبير) بأن الزواج سيتم،ولكنها من ناحية أخرى تعرب عن قلقها للكاتبة،بأن شيء كبير سيحدث،ربما هو زلزال،أو حرب،وأن الزواج سيتعطل،يزداد قلق الكاتبة، وتنتشر الأسئلة برأسها عن هذا المجهول القادم،ولكن في النهاية، كذب المنجمون ولو صدفوا ...
بعد إلحاح من الابنة تمت الخطبة،وحدد موعد الزفاف 2/8/1990،كانت تصريحات(النظام الصدامي) للجامعة العربية،تملأ الأفق،واتهاماته لدولة الكويت بسرقة النفط العراقي لا تهدأ ، أتكون الكارثة المنتظرة هي الحرب؟سؤال يتأرجح بين الشك واليقين،ولكنه كان للشك أقرب،فإذا نشبت حرب بين البلدين فلن تتجاوز مجرد المناوشات الحدودية،طمأنت الكاتبة ابنتها،التي أكدت لها بأنها لا تخاف من نشوب الحرب لمجرد أنها ستحول بينها وبين زواجها،ولكن الذي يسيطر عليها هو خوفها على وطنها،أعربت الكاتبة عن سعادتها بوفاء ابنتها،وحسها الوطني، وسط الأنباء التي تؤكد حشد النظام الصدامي لقواته العسكرية على الحدود الشمالية ، في الوقت ذاته الذي جاءتها الدعوة لزيارة(تونس)،لم يكن الوضع بتونس أقل من الوضع بالكويت،فالكل يتحدث عن الحرب،والتصريحات،والحشود العسكرية،ولكن ما زاد قلقها الأخبار التي أتى بها صديقها التونسي العائد من بغداد،والذي أكد لها أنه وصلته معلومات من أصدقاء له مقربين من السلطة الصدامية ، تؤكد بأن صدام سيحتل الكويت ويضمها إليه،توسلها أن تعود للكويت وتأخذ أموالها،وأولادها وتغادر الكويت،ولكن هل هناك كاتب فطن يتخلى عن وطنه في مثل هذه الظروف؟،هل هناك كاتب وفي يفكر ألا يشاطر تراب الوطن آلامه؟،هي فرصة يتمناها كل كاتب صدق نفسه، وقلمه، لينهل منها،ويلون بمآسيها أوراقه، فما أصدقها كلمة خرجت من رحم المعاناة...
زادت وقع الطبول على آذان الكاتبة، بين أحلام مخيفة وكوابيس تحمل نبوءات الكارثة،ورد فعل منها يكبله العجز، الضياع، ويأتي الوفد العراقي لتوزيع دعوات (المربد)،الذي حرص النظام الصدامي أن تصل للأدباء كل عام باليد،لا بالرسائل والفاكسات،مهرجان المربد هو مهرجان ثقافي كبير،يلتقي فيه كبار الأدباء من جميع أنحاء الوطن العربي،ورغم أهمية هذا المهرجان إلا أن الكاتبة صرحت بأنها لم تشارك فيه بصورة فاعلة ،وذلك كنوع من التعبير عن موقفها من النظام الصدامي المنظم للمهرجان ، فقد عددت لنا الكاتبة عدة مواقف تبين فيها موقفها من هذا النظام،وحروبه التي أقحم بها الشعب العراقي،تعددت مواقف الكاتبة الرافضة،وكأنها تريد أن تثبت لنا بالأمثلة موقفها المسبق من نظام متكبر،يصنع من الوهم قصوراً،ويزج بشعبه للعيش بها،حتى وصل رفضها لصورته التي كانت تعلقها أختها على جدار منزلها جوار صورة الرئيس (جمال عبد الناصر)،وكيف دارت بينها وبين أختها مشادة كلامية انتهت بمقاطعة الكاتبة لها ، لم تتصور الكاتبة أبداً أن حجر الدبة الذي واجهته،وتصدت له بكل قوتها،سيصيب عقر دارها يوما ما... بداية من حلم سارة ابنتها،التي رأت فيها الغزو الصدامي حاملا سلاحه،ويقتحم منزلهم ،كان قرع الطبول يقترب كلما اقترب موعد زفاف ابنتها (عبير)، فالأزمة تشتد،والوضع يتأزم،وتملك الخوف من الأطفال،حلم (سارة) لا يغادر تفكير الكاتبة،وقول (سرار) يدوي بأذنها: "سارة إذا حلمت يصير"،الأسئلة تجوب بكل ركن من أركانها،ماالذي سيصير ؟ حرب ؟ وهل سيصمت العرب إذا فعلها صدام ؟ مشاهد حرب لبنان تدور أمامها،أطفال جياع،بيوت مهدمة،الموت، مشاهد الحرب الإيرانية،الجثث السابحة في الأنهار والمواقع،هل تحتمل الكويت الصغيرة حرباً ؟؟القلق يتضاعف والفرح المنتظر ما عاد يبشر بالفرح ، والتفكير في تأجيل الموعد بات صعباً،فأهل العريس قد جهزوا كل شيء،ورغم اقتراح الزوج بالسفر قبل الموعد،إلا أن الكاتبة أصرت أن السفر سيكون يوم العرس 2/8/1990،وكأن قلب الكاتب دليله،فهذا الرفض به إصرار غريب للبقاء بجوار الوطن،المهدد في أي لحظة بنيران الحرب ..
-تحت سقف النار:
1/8/1990
أصبح كل شيء جاهزاً،الحقائب،ثوب الزفاف،الطرحة،والبيت انتهى ترتيبه،وأخليت الثلاجة من الأطعمة القابلة للتلف،ليس غير الماء والقليل من الحليب والجبن لإفطار اليوم التالي،السفر الساعة السابعة صباحاً،ووسط تخوفات من الابنة،وإحساس بأنها لن ترتدي فستان الفرح،تنام الأم على فراش القلق،متلفعة بنفس الإحساس،بعد أن أمرت الخادمة أن تدق لها الجرس لتصحو...
2/8/1990 (الخامسة صباحاً)
دي.. بُمْ .. طا طا طا ... بُمْ .. دي ......
لم يكن هذا صوت جرس الخادمة كما نظن،بل كان صوت صرخة ميلاد الكارثة،صدفت النبوءات،ودخلت المنطقة كلها دائرة النار،أيقنت الكاتبة أنها الحرب،تجلت أمامها مشاهد حرب لبنان منذ أن كانت هناك عام 75حتى اللحظة،أخذت تهرول بكل مكان، تفتح النافذة تلتقط من أصوات المدافع،وصراخ الجيران،ووسط الأدخنة ورائحة البارود الذي يخترق أنفاسها تصرخ: (صارت .. صارت)،ركضت بأرجاء المنزل،أيقظت زوجها،أولادها ، بأن الحرب قد بدأت ..
أصبح الأمر واقعاً،وأصبحت الحرب رابضة في عين اليقين،لابد من مواجهة الواقع،وملاقاة القدر المحتوم،فقد أغلق المطار،وانقطعت الاتصالات،وأصبحوا محاصرين بين النار والمجهول،قد تناولت الكاتبة الأزمة من عدة محاور :
- أفراد الأسرة - المنزل
- الشارع المحتل - العالم الخارجي