المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا أضاف الأديب طارق الأحمدي لذكريات الضيعة


محمد إبراهيم الحريري
06-05-2008, 12:51 PM
حتى لا نبخسه حقه في رؤيته النقدية والخيالية
فتحت هذا المتصفح لمرور الأقلام على بساط أدبي نضجت به أعناب الرؤى وحانت مواسم الورود في مرابع ذاكرة الأديبة ريم بدر الدين .
مع الأديب طارق الأحمدي أترككم

قد أكون مقصرا, وقد أكون متجاهلا, لكني أبدا لست بالجحود الذي ينسى...

ربما الأحداث المتتاليات تحجبنا لكنها ليست بالقادرة على أخذنا من فسيح كرمكم وجمال

متصفحكم..

وسيبقى هذا الحرف الشقي يؤرق الخطى ويسلب الكلمة منا حتى يفعل الله أمرا كان مفعولا.

ولأني هنا ...

فسأتبع هذه السلسلة بحرفي المتواضع وعساه يترك خدشا يعبر عن جمال نصوصك.

وسأبدأ الآن:

قال جبران:

" اسكت يا قلبي , اسكت حتى الصباح, فمن يترقب الصباح صابرا يلاقي الصباح

قويا. ومن يهوى النور فالنور يهواه.

اسكت يا قلبي واسمعني متكلما"

ونحن لن نسكت عند بوغ الشمس لأننا سنذهب في رحلة جديدة مع الكاتبة ريم لتحدثنا

عن صباحات ضيعتهم.

وقد بدأت بوضع القارىء في الإطار العام للقرية, وفعلا ستكون الرؤية أجمل وأوضح

مع انتشار ضوء الصباح وحين " يبدأ النور بالتسلل رويدا رويدا"

إلى أين؟

" إلى بساتين القرية و حواكيرها" ولما تصل أشعة الشمس إلى البركة التي أنهت

صلاتها تكون بيوت القرية قد نفضت عنها نعاس الليل وسار أهلها إلى حيث ينبشون

عيش العائلة وقد ارتدوا صباح القرية الندي المشبع بالطهر.

وكلما زادت الشمس في الارتفاع وكلما زاد ضياؤها " تظهر ذوائب الأشجار في

البساتين" وتتنفس البيوت الطينية وكأن الطبيعة قد نفخت فيها الروح فاستشعر ساكنها "

تنفسها،حركاتها و سكناتها"

وكما استفاقت الطبيعة وتنفست البيوت تتحرك النسوة ليعلمننا أنهن جند الضيعة اللاتي

لولاهن لما كان للعيش فيها طيب ولينبهننا لدورهن الهام والمهم في استمرار الحياة .

كيف لا ؟ وهن من " يحملن قففا من العجين المتخمر طوال الليل" وهن من يعددن "

صحون الزيت و الزعتر و الجبن القريش و الشاي".

كيف لا وهن من يبعثن الحياة من جديد كل صباح للضيعة فينفخنا في التنور لتستمر

الحياة ويأكل كل " كل الفلاحين و النساء و الأطفال".

وليكون صباح الضيعة مغايرا لليوم الذي انقضى, ولتتجدد الحياة من جديد فلابد من "

حكايات الجدات و العمات و الخالات" ولابد أن " ترتحل في عالم الأساطير المنسوجة

بخيالهن ".

وحين تستوي الشمس على كتف السماء وترفل الضيعة في الضياء ووسط رائحة الخبز

الطازج تكون الحياة قد دبت حثيثة بين مفاصل القرية فينتشي الطريق بغناء النسوة .

ولأن الكاتبة ضليعة بمجاهل الضيعة فهي تعود بنا إلى زمن صباها وتقلنا قطار الذكريات

لنستمتع أكثر وأكثر ولتغرقنا في جمال الطبيعة وفي دروب البساتين لنكتشف معها "

العالم في لحظة ولادة" ولنتورط معها فيما بعد ونجني من وراء الرحلة اللوم والعتاب

من الأهل , لكنه لوم " لا يمنعنا من تناول فطورنا بنهم و تلذذ".

وبعد اللوم نعود من جديد لننعم صدفة مع أهل الضيعة بعرس أحد شبابها .. ولأن "

القرية كلها من عائلة و احدة" فلم يمانعوا حضورنا لنستنشق بعضا من فرح غير مخلوط

بفخامات المدن...

وقد وصلتنا الفرحة فعلا لما كان هذا" الصباح مترعا حتى الثمالة بزغاريد النساء و هن

في دربهن إلى بيت العرس و تعتلي رؤوسهن صواني من الأرز النيء الأبيض و قد

زينت الصواني بالورود و الفواكه"

ولك أن تتخيل هنا السعادة التي صُبِغت بها القرية .. لن يعم الفرح سكانها فقط بل حملتها

لنا طيورها وحيواناتها وبيوت الطين التي استعدت لهذا الفرح فاغتسلت بماء المطر

وتعطرت لما تنفس طينها .

ولك أن تتخيل كرم أهل الريف في الأفراح لأن " احتفال العرس وليمة" .

فإن شئت فاغنم بعضا من وقتك واحضر صباحا من صباحات الضيعة علك تلاقي ما

اعترضنا من فرحة وكرم قبل أن ينطلق هذا الصباح الجديد في طرقات القرية" تماما

كطفل صغير اشتروا له دراجة جديدة" وتصل متأخرا ...

لا .. لاتحزن

إن وصلت متأخرا وفاتك صباح الضيعة فأكيد أنك ستلاقي مساءها...

وإن أردت أن تعرف أكثر فزر مساءات ضيعتنا لتنعم أكثر بالجديد.

وكما انطلقت صباحات ضيعتنا في الزمن لتكمل دورتها وتعود من جديد أجد نفسي أمام

هذا الجمع الكبير من نساء القرية وهن يطلقن الزغاريد في طريقهن لبيت العروس.

أستأذن لأني سأقف لأملي العين بهذا الجمال الطبيعي واعذروني لأني خبأت قلمي

وأخرجت عدستي لألتقط بعضا من صور الطبيعة هنا أحملها معي كذكرى.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





مساؤك خير
سأحكي معك عن مساءات ضيعتكم.
أولا: العنوان :" مساءات ضيعتنا" ومن خلاله نفهم أننا سنقف أمام أحداث تقع في المساء وفي الضيعة.
وقد وفّقت في اختيار العنوان لأنه فعلا اختزل جميع الأحداث.
ثانيا:
يبدأ النسق البطيء للحكاية - القصة - ليضعنا في الإطار الصحيح الذي من خلاله سنحدد إطار التخيل والسير مع الأحداث.
وأول ما نعلمه أن الحدث سيكون ليلا وذلك لما " يأتي المساء" . ثم تهيؤنا الكاتبة أن المكان قصي بعض الشيء بعيد عن مقومات الحضارة الزائفة. وأهم شيء , وأرى الكاتبة أبدعت في انتقائه لما حدثتنا عن النسوة ينظفن " قناديل الزيت" وهو ما سيمحو من فكر أي متقبل إمكانية انتظار خبر من التلفاز أو الإستماع لأغنية يمكن أن تشوش فكر السامع / القارئ.. فقط ستنحصر الفكرة عما يمكن أن يأتيه من شخوص القصة من أحداث.
وهنا تكمن الخطورة في عالم القصّ.
فإما أن تلتهم السطور لتعرف بقية الحكاية , أو تنفرك الأحداث وتتقهقر إلى الخلف وترمي ببقية الحكاية.
وهذا راجع لقدرة القاص في تحريك أبطال قصته وإضفاء بعض من روحه فيهم حتى يستطيعون إقناعنا أننا أمام أرواح تنقل بعضا من مشاعرنا وما يمكن أن يتركنا نرهف السمع لهم.
وليبرز الفرق بين القاص العادي والقاص الذي يمتلك أدوات القص فقد زادت ريم بدرالدين في الخصوصية إلى درجة أنها حصرت القارئء واستدرجته إلى مكان الأحداث دون تكلف لما تحدثت عن غياب الشمس و " اختفاء البساتين والطريق"..
فماذا ننتظر من الضيعة والشارع؟
لاشيء.
إذن الأحداث ستكون في الداخل.. في أحد البيوت.
وقد استطاعت ريم بدرالدين أن تقسّم الأدوار بين شخصيات قصتها حتى لا يقلق القارئ.
ولنبدأ من القسم الأول.
هنا ومن حيث لا تشعر .وهو حسّ واقعي بعيد عن التكلف قدّمت "العالم الذكوري ", وهذا ليس قدحا في المرأة أو انتقاصا من مرتبتها, ولكنه غوص الكاتب في أعماق ذاكرته لاستخراج مكنوناتها دون تكلف ودون التوقف للتفكير بمن سيبدأ.
وفي مجلس الرجال نقلت لنا سهرة رجالية شرقية بحتة بعيدة عن الضغينة ومشاكل العالم ومناوشات الحقل و.....
ثم سبرت أغوارهم حتى صاروا صفحة مكتوبة يمكن أن تقرأها دون أن تخبرك هي بذلك.
القسم الثاني:
نقلت ريم بدرالدين, وبكل أمانة ودن تحيز منها لعالم الأنثى بساطة المرأة الريفية ,إن لم نقل سذاجتها.
فهي ترضى بالبقاء وحيدة مع إمكانية تعرضها للخطر في حين يبيت زوجها مع امرأته الثانية.
وهي تعتقد بعالم الخرافة, بل وتؤمن به.
وهي تخاف زوجها الساهر في الجزء الآخر من البيت وتطلب الوساطة ليغفر لها سهرتها.
القسم الثالث:
لم تنس ريم بدرالدين أن تحدثنا عن متطلبات السهرة ومقوماتها فذكرت ما يمكن أن تبدع فيه المرأة الشرقية.
الخلاصة:
قصة بسيطة من حيث الفكرة حيث أنها نقلت جزءا من حياة يومية
لكنها عميقة من حيث ترابط الأحداث وقوة السرد وتصوير الشخصيات وإنزالهم بكل التفاصيل حتى إنك تشعر بتواجدك في المكان دون أن تكلف نفسك عناء السفر.
وبعيدا عن التكلف لم أجد ما أعيبه على هذه القصة.
فهي متكاملة من حيث اللغة والبناء.

ريم بدرالدين:
هذه قراءة متواضعة لقصتك دون مجاملة وأرجو أن أكون قد وفّقت في ذلك.
مع العلم أني لست ناقدا ولكن محاولة لا غير.
ودمت رائعة دوما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يتبع

محمد إبراهيم الحريري
06-05-2008, 12:53 PM
نتابع مع الأديب طارق الأحمدي رحلته :
بعد أن جمعت دراسته عن مذكرات ضيعة الأديبة ريم بدر الدين وللعلم فقط لم أضف شيئا لها وإنما وضعتها بعد جمع تحت هذا العنوان .



تبدأ الحكاية هذه المرة من منعرج آخر مخالف للمسلك الأول.
تبدأ بنهاية الصيف.
بشهر آب.
وقد تفننت الكاتبة في وصفه, فهو شهر "اللهاب", وكأن لهب الشمس تقوقع في أيامه ليودع صيف الضيعة. وهو " طباخ العنب والتين", وكأن الكاتبة تنبّهنا إلى أن ضيعتها لا تقتصر على إنتاج المشمش فقط, بل هي جنة للفواكه والغلال, تأخذ إربها من كل فصل وتعطي حارثها إنتاجها مع كل انقلاب صيفي أو شتوي.
ثم تمرّ ريم بدرالدين لتهيأنا لفصل جديد ندخله معها للضيعة, فتأخذ بأيدينا لتبعدنا عن أيام شهر آب لنشمّ معها "روائح الشتاء "المتناثرة في هذا الشهر.
ويبدأ فصل جديد من الحكاية.
إنه شتاء الضيعة.
إنه المارد الذي يهجم بجنده, فيتقوقع الجميع.
حتى الغلال ترهب هذا الزائر فـ" يستحيل العنب خلاّ...أو زبيبا" ويفزع التين ويتخلص من كنهه ليمسي " مربّى".
وأجد هنا أن الكاتبة على قدر كبير من الدراية بجزئيات الضيعة حتى أنها ستضعنا أمام معادلة رائعة نستشفّ من خلالها قدرتها على التلاعب بالكلمة وتطويع الحرف الذي يأخذنا معه كيفما شاء.
هذه المعادلة تبرز في إنشاء صورتين مختلفتين تماما من حيث الكنه,ومتلازمتين من حيث حبّ الوجود والتمسك بتلابيب الحياة.
أتريد أن تعرف معي ماهية هاتين الصورتين؟
تعالى وانظر كيف راوحت ريم بدرالدين بين الموجود الذي ينتظر الوجود, وبين الموجود الذي يسعى لتأثيث وجوده وتجديده في كل لحظة.
فتبدأ الصورة الأولى في نقل احتضار الطبيعة في فصل الشتاء.
فالفاكهة التي كانت نظرة, تتباهى بألوانها على الأغصان وتستعجل قاطفها قد انكمشت وساحت مع آخر أيام شهر آب لترمي بجميع مفاتنها وتتخلى عن كل جميل فيها وترفع الراية البيضاء وتعلن هزيمتها للشتاء القادم, قد انكمشت داخل القوارير واستجارت بـ " أرفف بيت المؤونة" خوفا من هذا القادم, ومستمدة الأمان من الداخل فاصطفت " بزهوّ وخيلاء".
والأشجار قد خلعت " ملابسها" ووقفت عارية تناجي الله أن يقوّي من ضعفها وتسترحمه أن يهبها " الماء الزلال" لتغسل بقاياها وتنام تحت وطأة تهديد الشتاء بعد أن تختزن جذورها ما يكفيها للحياة حتى ربيع آخر.
أما الصورة الثانية, وهي الأهم, فهي النقلة النوعية التي أوجدتها الكاتبة لتحمينا نحن كذلك من مارد الشتاء وتحملنا إلى الداخل, إلى ماوراء الجدران, لنكتشف عالما جديدا لم نره, بل لم نكتشفه في صيف الضيعة.
من هنا, من داخل البيوت تنشر الكاتبة صورا جديدة لحياة جديدة.
وقبل الإستقبال " تبدأ النساء بإعداد البيوت" استعدادا لاستقبال الزائر الثقيل.
نعم. زائر ثقيل.
فالزائر المرحّب به يدقّ الباب, وهذا القادم " يقرع الأبوابّ, وكأنه يقتحم المكان عنوة, شاء من شاء وأبى من أبى.
فكيف يجابهه أهل الضيعة؟
إن حاولوا طرده فهذا هو المستحيل, وإن هربوا فتلك قمة الإستسلام.
ولم يدم التساؤل كثيرا فقد أخذت عنا الكاتبة المبادرة - وهي العليمة بأهل الضيعة - وأراحتنا من السؤال.
لقد جابهوا الشتاء بثروة الغابة بـ "الحطب", وبالمدفأة التي صارت عزيزة في هذا الوقت بعد أن أهملت " لشهور في عتمة السقيفة".
ما أقساك يا إنسان.
ولتزيد الكاتبة من شدنا إلى ضيعتها والسؤال عن أهلها تذكرنا أن " فصل الشتاء قارس جدا", حتى أن الجبل المشرف على القرية لقّبوه " بجبل الشيخ" لأن الثلج يغطي قممه فيجعله كشيخ أسطوري تمتد لحيته البيضاء لتزيده وقارا, وتجعل منه حكيم القرية وحاميها, وباعث الاطمئنان في نفوس السكان.
وأمام هذا الزخم المتراكم من سواد الشتاء وصلصلة سيوفه وشراسة جنوده وحمحمة خيوله تغلق الأبواب وترتفع الأسوار ويهدأ أهل الضيعة من وراء الأبواب.
ولِمَ لا؟ "ومدفأة الحطب يبدأ أوارها مع أول مطرة ويظهر فوقها ابريق شاي واحد لإعداد الشاي والآخر للتزود بالماء الساخن طيلة النهار".
الله..الله..
ما أحلى هذه الحياة وسط الدفء وبين الأهل,وبعيدا عن التعب.
ولكن...
إلى متى؟
يوم..يومان...
إنه الشتاء يا صديقي.
وقد تنبّهت الكاتبة لهذه النقطة فقالت:
" الملل يفرد قلوعه".
لماذا؟
لأن من ولد بين الزرع والحرث والحصاد, وبين البذر والتقليم والتهيئة والقطاف, لايقدر مع هذا الوقت الفارغ المتراكم على الصدور.
إنه إنسان..ليس شجرا.
الشجر قد نام ينتظر الربيع.
وإنسان الضيعة إلى متى ينام؟
غنه عرق نابض بالنشاط, بالحياة. ومتى خبا هذا النبض يمةت إنسان الضيعة.
وحتى لو " ذخر بيت المؤونة بأنواع مختلفة من المربيات...وكل أنواع الزيتون, وألجبان والقمح....".
وحتى لو ادخرت النساء " الحكايا لترويها في الأمسيات لتزيح بعضا من الرتابة".
إنه الإنسان يا صديقي.
وإنسان من؟
إنسان الضيعة الذي إن توقّف مات.
وقد أبدعت ريم بدرالدين في آخر القصة عندما فطنت بفطرة الكاتب المحترف إلى أنها لابد أن تعطي متنفسا لهذا الإنسان كي يجدد حياته من جديد, أن يتحرك مرة اخرى ليسري دم الحياة في عروقه.
فأوجدت له مخرجا من منفاه لما " تتوقف الأمطار أو الثلوج ليوم أو يومين" فـ " يسارع الرجال إلى الحقول...لاخذ طاقة من حرية" و " تأخذ النساء فرصة" لـ " يتزودن بالحكايا والقصص لأيام احتباس مقبلة".
ألم أقل لك أنه الإنسان؟
ألم أخبرك أن الكاتبة أنشأت صورتين مختلفتين تماما؟
ألم تر معي كيف استكانت الأشجار وسلّمت بقدرها ونامت, ورفض الإنسان جبروت الطاغية - الشتاء - ولم يستسلم,وبقي يتحيّن الفرصة ليجدد حياته في كل لحظة.
ألم أخبرك أن ريم بدرالدين تمتلك الأدوات اللازمة لتجعل منا متقبّلين من الدرجة الأولى.
وإلى حين " بزوغ الشمس في الأفق الشرقي من القرية" في " صباحات ضيعتنا" ننسحب بكل هدوء لينعم أهل الضيعة بمدفأة الحطب وينتظرون صباحا يجددون من خلاله حياتهم.






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






سأنهي مع بيت المؤونة في انتظار المزيد من جكايا الضيعة.

السجون أنواع...
سجن الجسد, وسجن الروح, وسجن الذات...
سجن بالإرادة, وسجن مقدّر علينا.
وجميع السجن تختزن أرواحا تهفو للحرية, وأفكارا تتراكم وتتزاحم وتتداعى.. تخبو وترتفع... ولكنها في النهاية تنفلت فكرة صافية ونقية.
ومادمنا في الضيعة نعيش شتاءها حبيسي البيوت " فلابد أن نجد سلوى تلهينا عنه وتبعدنا عن مجهر الأهل المتواجدين معنا بشكل مستمر".
هكذا رنّت مفاتيح الحكاية بين أنامل ريم بدرالدين لتفتح بابا آخر من أبواب ضيعتها, ولأدخل معها ألتمس الراحة والإطمئنان وكثيرا من الشغب الذي يفتت صخور الشتاء الثقيلة, ويقتل دودة القلق التي استفاقت لما بسط الشتاء رداءه الثقيل على كل حياة في الخارج.
وأدخل حثيثا مع الكاتبة وأنا أنفض رِيَشَ الثلج التي عانقت شعري وبعضا من ثنايا معطفي, فأنزع ما يمكن أن ينقل برد الشتاء وأقفز إلى الداخل خفيفا أستنشق رائحة النّدّ والبخور ودفء المدفأة.
تلحظ ريم الدهشة المرسومة على ملامحي فتخبرني - وهي العليمة بشخوص الضيعة وأهلها- أن الحياة لا تتوقف أبدا.
فالصيف " بشرفاته المفتوحة " يغريهم " دوما للإنطلاق إلى البساتين والحقول"
لماذا يا ريم؟
فتجيبني:
لـ " نقضي فيها جل نهارنا وبرهة من ليلنا وبعدها نعود إلى البيت".
اممممــــــــــــ م..:cool:
قد وقعت في الفخ كاتبتنا المحترفة.
فماهي العلامة الفارقة هنا في هذه الحكاية التي أفردتها للحديث عن " بيت المؤونة"؟
كان بإمكانك أن تكتبي عنها في الصيف مادام البيت هو نقطة الإلتقاء صيفا أو شتاء.
ولكن ريم بدرالدين تبتسم من خلف السطور متهكمة, بل وتعلوها نشوة الإنتصار.
فتجيب دون أن تهتم للسؤال /الفخ.
في الصيف " نعود إلى البيت منهكي القوى خائري العزيمة لا تكاد أيدينا تقوى على تناول العشاء وقد يداهمنا النوم قبل اللقمة الأخيرة".
يا الله..
دائما نجدها تختار البداية التي تمهّد للحكاية , وبكل إتقان , حتى أن الفجوج الصغيرة التي يمكن أن يدخل منها الناقد أو " المنتقد" تحكم إغلاقها بحس أدبي مرهف, فلا تجد معها إلا أن تقول :
بداية موقفة.
ولندخل الآن الحكاية.
تزيدنا الكاتبة مقدمة ثانية, وكأنها المفتاح السحري الذي من خلاله تستطيع أن تدخل بكل ثقلك, بجميع ما لديك من وزن.
وكأني بها تقول:
هاهو الباب قد فتحناه لك فتفضل على الرحب والسعة, وتمتع بما ستعلمه عن خصوصيات الضيعة.
وقبل أن تغلق الباب تدعوك لإلقاء نظرة أخيرة على ما ستخلّفه وراءك.
" الثلج سربل الأرض بغطائه الأبيض والحركة متعذرة في باحة الدار فمابالك بالحركة خارج البيت".
فماذا تريد الآن؟
تدخل وتستفيد؟ أم تعود أدراجك لتستقبل واقعا مجهولا؟
لا...
سأدخل, وكلي شوق لهذا العالم الجديد.
ودخلنا.
قابلني " الجميع في المضافة".
ألقيت التحية وعيناي تتجولان, ولساني يلهج بعبارات الإعجاب بهؤلاء النسوة اللاتي يتقنّ هذه الأعمال اليدوية من " حياكة وخياطة وتطريز".
أعجبني المنظر فتخيرت مكانا لي, وهممت بالجلوس لأنعم بما أراه حولي, لكن الكاتبة نبهتني بأنّا " تحت الأنظار دوما لا تصدر عنا نأمة أو حركة إلا والعيون مسلطة باندهاش حينا.. وأحيان كثيرة تلوم وتتوعد".
ياويلي يا ريم...
وأنا الذي كنت أعتقد أني الفاعل, وإذ بي سأكون المفعول به؟
ماهذا الذي رميت نفسي فيه؟ صرت مراقبا من العمة والجدة والخالة والأم, وربما زوجة الأب.
لا تحزن. لم نكمل الرحلة بعد.
طمأنتني ريم, وزادت:
" سأستطلع المكان" وأعود.
ولم تعد.
فقد قادتها" قدما اللاشعور إلى بيت المؤونة", إنها عالم مستقل بذاته, " على جدرانها ثبتت أرفف طويلة, وعليها تتربع آنية الطعام المحفوظ", وفي إحدى الزوايا " يقوم الكانون وهو مستعر طوال النهار", فيولّد اللهب الصادر منه ألوانا هي خليط بين الأحمر والأزرق والأرجواني, تتصاعد لتنعكس على الجدران وتسقط خافتة على الأواني فتزيدها إشراقا تزيدها عملقة, فيخيّل إليك من أول وهلة أنك أمام لوحة لـ " دافنشي".
ولأن بيت المؤونة كان "أبوهول" آخر يحضن قوت العائلة في صمت وعظمة, ولأن الأهل كانوا سياطا لاذعة على حركات الأبناء فإن الكاتبة كانت تهرب إلى هذا السكون مع قريناتها " تذرعا بإعداد طبق من الحلوى" وهو تعلّة " للحصول على فسحة من الوقت (...) بعيدا عن أعين الأهل وأسماعهم".
وكأم حنون, وصديق كتوم, يتحمل بيت المؤونة شيطنتهن في صمت ودون ملل. فيتناقشن يبحن بأسرارهن.
ورغم أن الكاتبة حوّلت المكان قاعة مطالعة لا يقوى بيت المؤونة إلا احتضانها وتوفير متسع من الوقت لها.
وما يشدك أكثر لنصوص الكاتبة أنها من حين لآخر تلجأ إلى التلميح وتبتعد عن التصريح لتترك لك فرصة التخيل وإعمال الفكر, فهي تقول لنا : " هنا تكلمنا, تشاجرنا, غنينا...."
وتخيل أنت فحوى هذه العبارات, ولك أن تكتب سطورا وسطورا.
وبعد هذا كله.
بعد الغياب الطويل.
التفتت إليّ عمتها وسألتني:
- أين ذهبت ريم؟
جمعت الهواء في صدري وهممت بالرد, والحيرة مطبوعة على محيّاي, لكنها قاطعتني في قلق واضح.
- ألم تقل أنها ستستطلع المكان وتعود؟
فأومأت لها بالإيجاب.
فتقفز من مكانها وكأنها أحست بأمر جلل يقع, وتحث الخطى نحو بيت المؤونة, وأسمع بعد برهة صوت العمة يتعالى هي تهدد بالعقاب بعد أن قبضت عليهن وهن يلعقن المربّى بأصابعهن بعد أن وضعن الإناء الكبير في وسط حلقتهن.
فحمدت الله, وشكرته أني لم أتبع ريم بدرالدين إلى بيت المؤونة وبقيت أستمتع بحكايا النسوة التي لا تنتهي.
وقبل أن أرحل مودعا الضيعة وأهلها الكرماء همست للعمة أن تشدد العقاب. ثم همست لها ببعض كلمات جعلتها تبتسم في طيبة وتعفو عنهن
ـــــــــــــــــــــــــ
شكرا لريم الأديبة
شكرا للأديب طارق الأحمدي
شكرا لكم

يُمنى سالم
06-05-2008, 03:42 PM
متصفح يتقد رؤيةً مختلفة لكاتب مختلف، وحرف متألق، وناقدٌ مختلف

أستاذ/ محمد الحريري

متابعة لهذا الجمال حتى نصل لختام الرحلة التي ستكون جميلة طالما أنها جمعت قطبين من أكثر الأدباء روعة في الأروقة، الأستاذ /طارق الأحمدي و الشاعر الأستاذ/ محمد الحريري.

تحيتي

ريم بدر الدين
06-05-2008, 11:28 PM
أخي الكبير محمد ابراهيم الحريري
مساؤك الورد
أشكرك جدا لنسخ هذه القراءة التي قام بها الأديب طارق الأحمدي و التي افتخر بها
تحياتي لك
دمت بخير

طارق الأحمدي
06-09-2008, 05:11 AM
الأستاذ: محمد ابراهيم الحريري

لقد أينعت كلماتي وأزهرت لما زارها ربيع حرفك وكرم مدادك وحضنها دفء قلمك

لم أكن أتخيل أن ما كتبته سيجد هكذا رعاية وهكذا إجلالا

لقلبك الطيب سيدي ألف تحية وألف سلام

ولقلمك الرائع ألف وردة وزهرة

لا حرمني الله منكم ومن الرعاية التي حبوتم بها كلماتي المتواضعة

وكل عام وأنت بخير.