المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجدلية الروح وحنظلية البكاءحسين الهنداوي-حاتم قاسم


حسين الهنداوي
05-05-2008, 08:42 PM
مجدلية الروح و حنظلية البكاء
قراءة نفسية في نص ( صمتٌ متشحٌ بالكبرياءِ )
للكاتبة الدكتورة : نجلاء طمان
الدارسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم
صمتٌ متشحٌ بالكبرياءِ.


وحيدي:

ضائعٌ جسدي في غياهبِ الصمتِ القابضِ على عنقِ روحي, والصمتُ -لو تدري- صحراءٌ موحشٌ عمرِها؛ ما عانقتْ يومًا نفحةً من ربيعٍ, ولا لامسَ خدُها طراوةً من بنفسجٍ, وما عرفتْ يومًا سوى التدثر بجمراتِ شمسٍ تجثمُ على صدرِها, فلا منها أزهقتْ روحَ مطرٍ شاحبٍ يتربص بغيمةٍ يتيمةٍ معلقةٍ على مشاجبِ شبحِ الوحدةِ المخيفِ, ولا منها أطلقتْ سراحَ رمالٍ لاهثةٍ تكبلُ شفاهَها رمضاءُ الظمأِ.
أنا الآثمةُ؛ أنا مَنْ وهبتُ نفسي قربانًا لعشقٍ ملفوظ ٍ من رحمِ المحالِ, وارتضيتُ إلقاءَ جسدي المبتورِ في بحارِ حزنِك؛ أتصَّبحٌ بغيومٍ في عينيكَ تُجرِّعني البكاءَ, وأتمسَّى بريحٍ هائجةٍ, تُلقيني على جدرِ وجهِك المنحوتِ في بؤبؤِ عيني, فأتشبثُ بملامحِك المفجوعةِ والمختلطةِ بملامحِي المعذبةِ بها - كطوقٍ من نجاةٍ- أعرفُ أنه هلاكِي, وأتعلقُ به مصرةً مُستكبرةً. ما جنيتَ عليَّ حبيبي إذْ جنيت, وما جني عليَّ أحدٌ, إنما جنى قلبي عليَّ حينما نبذَ رجالَ العالمين وآثركَ – على قسوتِك- سيدًا لهم, فقذفني متجنيًا لأمواجكَ المتمردةِ, لتفترسني ذنوبُ ماضيك, وتُسحبني أذيالُ الصبرِ على وجهي المقنعِ بالرضا, وحينما ارتأى لي سرابٌ من أمانٍ – كم هفتْ روحي إليه!-... صفعتني صخورُ الخديعةِ, فتدحرجتُ ككرةٍ من شقاءٍ أتلقى بجسدي المنهكِ ألافًا من أشواكٍ نهمةٍ؛ شربتْ من دمِي حتى انتشتْ هي, فتجشَّأتُ أنا حنظلَ العذابِ.
أتذكر؟؟ يوم شققتُ صدري, ونزعتُ قلبي باسمة, ووضعتُه على كفي, وقدمتُه إليك حالمة, لتقتاتَ من لحمه وتحيى. وحيدي كنتَ أنت, وأنا كنتُ حرفًا مكررًا في أبجديتك المعزوفةِ على رقابِ ضحاياك. كان نحرُك لي أكبرَ من احتمالي, وفي سكرةٍِ من روحٍ بلغتْ الحلقوم, وفي غمرة من آثام نزفي, توشحتُ كبريائي المطعون, وأطلقتُ مخادعةً, معزوفةً من أكاذيبٍ غائرةِ في تجاويف البكاء: أنا الفولاذية التي تربعتْ على عرش من ثقة تحمله أيادٍ يُرعشها الوهن, وأنا المخادعةُ التي ارتدتْ قميصَ "يوسف", ومن قبله أنا من وسوستْ لآذان الذنوب, فأطلقتْ قيدَ بوحٍ استباح دمَ صورتي التي تدلتْ مذبوحةً في فراغ العناد؛ فلا ريحٌ منك تُلقَى على وجهي فأرتد بصيرةً في محراب فجر الأمل, ولا لوثةٌ من أضغاث حلم تصالحني على ليل عينيك القابعة في قاع قلبي .
فوق حلبة الأيام, ظلان يتصارعان, يقف الهجر بينهما حكمًا ظالمًا, يحمل في إحدى يديه قلوبا مزقها نابُ ثقتها بك, وفي الأخرى قلبًا موشومًا بالخداع. أنا وأنت نقف متواجهين؛ أقف صامتة, مخرسًا في عيني دمعها, أتلقى صفعاتك, ويستقبل ظهري طعنات تأتيني منك, لا تجرؤ أناملي التي تمرغت يومًا على خدك إلا أن تتحرش بمأوىً أواك في تعبك واحتضن رأسك في ظلمات يأسك- رأسك الذي لم يعرف الراحة كما ادعيت إلا في ذاك المأوى, ترتقُ أناملي المرتعشة حوله ثوبًا من دمائه المتناثرة على خنجرٍ تحمله يدك؛ ذات اليد التي امتدتْ له يومًا في احتياجٍ مغرقٍ في التوسل. تقطعتْ بنا السبلُ, نتوازى, نتماس... لا نتلامس, نتباعد, كل منا يتجاهلُ الآخرَ كذبًا, لا يقدرُ واحدُنا على إسقاطِ الآخر من جحيم عذاباته, مُبسليْن بما كسبنا, مُغرقيْن في الحنين. نتهربُ؛ كلانا يركضُ وسطَ متاهات احتياجه, يبحثُ عن الآخرِ في حروفِه الهاربةِ من قلب الموت.
وحيدي ؛ قد نأيتُ بروحي عن روحك, وصدفتُ بنفسي عن دربك, ورحلتُ للأبد عنك بذنوبي التي بلغتْ زبدَ البحر, وبقلبي المثقل بالخداع والدناءة... فهل ارتحتَ؟؟. ها قد عادت إليك روحُك التي سلبتها منك, عدوًا مني وبغيًا, وها قد رُدَّ إليك جسدُك الذي اغتصبتُه منك بطرًا ورئاءً, ورُُد إليك حبُك الذي نزعتُه منك قسرًا وغصبًا وكَرهًا... فهل عرفتَ السكينة؟؟. حسبِي منك أبجدية تمزقني وترقصُ فوق أشلائي, وحسبك مني حرفًا بارعًا في المرواغة, مستخفًا بالعداء, ساربًا بالكبرياء. حسبِي منك فقاقيعًا من زبد الحلم الهارب منك إليك, وملحًا يتسرب من شقوق البعد إلى روحي المجدولة في ذكرياتنا الحائرة بيننا, وحسبك مني نرجسة قطفتها من ثغرك الذي لم يبتسم –كما زعمتَ صدقًا أو كذبًا- إلا لِي؛ نرجسة مرغتُها على ثغري الذي ما برح يلثمُك نهماً حتى ابتلعَه هذيانَ الجفاف, وامتصه عطشَ الجفاء.
أخيرًا؛ إلي قلبكِ من شرفةِ عذابي, رزازٌ من نور قمري الذي أفلَ في روحي, وبزغَ في روحك النامية من تربة وجعي, وأمنيةٌ ثكلى, تجرجرُ خيوط دعاءٍ باكٍ من لسانٍ ترنمَ باسمك غباءً حتى عيَ: بأنْ ترتاحَ في بعدي, وأنْ تسعدَ بهجري. آخرًا, حسبك مني دعاءً منسلاً في غفلة من تحت وسادةٍ تنام عليها غصةٌ مسترخيةٌ في حلقي المذبوحةِ أوتارِه بنصلِ الصمتِ المتشحِ بالكبرياءِ, وحسبِي ثم حسبِي, ثم حسبي مَنْ لا تُدركََه الأبصارُ وهو يُدركُها.
الدراسة النقدية :
حين تتضاد المعطيات الحياتية و يصبح السكون رمزاً لعالم يعيشه الإنسان تتحول الحياة إلى صحراء قاحلة ينتظر اجتياز مفاوزها روح سامقة تتلقف قطرة ماء ندية أو نغمات أجنحة طير يبحث عن ظل يأوي إليه و ربما تصبح النبتة الصغيرة عالماً كبيراً في هذه المفازة 0
حين تتحول حياتنا إلى صحراء يصبح الانتظار صعب و حينما لا يجد الإنسان بغيه في هذه الصحراء يتحول الصمت لديه إلى صحراء موحشة تلك هي مسيرة الإنسان على هذه الأرض و ذلك ما تأنفه حواء الحياة المتجددة في بحثها عن انعتاق الروح و تحول الأنا خاصة إذا كان المرء لا يستطيع أن يتحول عن نرجسيته و ذاتيته و هنا يتشح الصمت بالكبرياء 0
البحث عن الذات عفواً عن الآخر المتناغم مع الذات قصة مضنية في تاريخ الإنسان فالمرأة باتساع ذاتها أمام آفاق الكون تتحول إلى شجرة من الحب الإنساني الذي بيحث عن متفيء لها لا تقبل بسواه و لا ترضى بغيره فإذا ما رسمت صورته الخيالية على ماء البئر الحياتي انعكست صورتها على الذات و تحولت هذه الذات إلى باحث عن ذات تناظرها و لكنها حينما لا تجد من يشاطرها ذاتها تتحول إلى آثمة وهبت نفسها قرباناً لعاشق ملفوظ من رحم المحال 0
المرأة صفحة بيضاء نقية البياض لا يخدش جمال بياضها إلا ذلك التلاعب الصبياني بعواطفها من الآخر فقد تفسح لك المجال أن تكتب على هذه الصفحة البيضاء بنظراتك و عباراتك و لكنها سرعان ما تسدل رواقها عندما تدرك أن تلك العبارات و تلك النظرات هي سحابة صيف غير ماطرة 0 عبارات مرهفة تستخدمها الكاتبة باسقاطها النفسي على الذات المتألمة و ذلك حينما تهب المرأة الرجل أعظم ما تملكه ( قلبها ) و لكنها لا تجد سوى حنظل العذاب و التدحرج كرة من شقاء على أشواك نهمة :
( أتذكر؟؟ يوم شققتُ صدري, ونزعتُ قلبي باسمة, ووضعتُه على كفي, وقدمتُه إليك حالمة, لتقتاتَ من لحمه وتحيى. وحيدي كنتَ أنت, وأنا كنتُ حرفًا مكررًا في أبجديتك المعزوفةِ على رقابِ ضحاياك. كان نحرُك لي أكبرَ من احتمالي, وفي سكرةٍِ من روحٍ بلغتْ الحلقوم, وفي غمرة من آثام نزفي, توشحتُ كبريائي المطعون, وأطلقتُ مخادعةً, معزوفةً من أكاذيبٍ غائرةِ في تجاويف البكاء )
ولو حاولنا أن نستبر منطقة ( اللاوعي ) عند الأديبة الدكتورة نجلاء طمان بحثاً عن مغاور الحزن التي خبأت بها تجربة جعلتها تفرز نصاً محتقناً بالألم و الارتكاس و الضياع لوجدنا أن المرأة الفلاذية التي أشارت إليها الأديبة في نصها لا تعدو أن تكون ريشة في مهب الريح أو غيمة تقذفها رياح الأمل في مهب الفضاء وهذا ما أشارت إليه في نصها حينما عبرت عن عمى عينيها أمام من وهبته روحها و قلبها بينما هو لا يكترث بهذا الإخلاص ( وأنا المخادعةُ التي ارتدتْ قميصَ "يوسف" ) حقاً لقد أسطقت الكاتبة ما وقع به نبينا يعقوب من العمى حينما فقد حبيبه يوسف و لكنه بقيت تعيش أمل عودة يوسفها الكاتبة تتوشح كبريائها المطعون و تطلق مخادعة معزوفة غائرة في تجاويف البكاء بحثاً عن كبريائها و أبجديتها التي لا تقبل أن تكون حرفاً مكررا في أبجدية رجل آخر 0
و يبدو أن الأدب النسائي يتجه إلى نصوص جديدة من نوع آخر تبتعد عن الشعر أحياناً و تقترب من البوح النفسي الذي يتطامن مع تصادمات الروح البشرية في مسيرة الحياة الإنسانية 0 لا يركب الخيال حصاناً مجنحاً و لكنه يتمحور حول تفصيلات صغيرة في حياة النفس الهاربة من وجع الحياة
و التي يستطيع فن ( الرسالة ) وحده أن يعبر عنه التعبير الموجوع 0

محمد إبراهيم الحريري
06-05-2008, 10:09 PM
ناقدان اتخذ القلم لهما مكانا داني القطف بارع اللون أبيض مشرئب له كف الشكر .
لله أنتما وهنيئا لحرف توشح بالسماء نوره وغدا إليكما سائر التحية .
نوران يخطان بأنامل الفصيح رسالة تشبع الذائقة سطورها ، وبيانها ملء المشاعر صوته العذب المرتل عندلي الشمس فوق غصونه قمر الهناء .
هنا للأديبة السامقة د : نجلاء وافر الشكر على إلهام حرفها لأخيلة الناقدين .
ونعم الأدب ما خطت يمناك أيتها الشاعرية خيالا المحلقة لغة وصورا .
شكرا لكم
أبا مؤيد ـ ابا محمد
، والأخت نجلاء لها باقة ود .

د. نجلاء طمان
11-05-2008, 10:46 PM
بحق الله تفاجأت هنا المفاجأة الأكبر!!

دخلت لأرى الموضوع فوجدتني أمام دراسة لأحد نصوصي, وكم هو صعب لناقد أن يجد عملًا له تحت مبضع ناقد آخر, ما بالي بناقدين لهما وزنكما في ميزان النقد !!.

فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة للمناقشة

يرعاكما الله