حاتم قاسم
04-05-2008, 08:33 PM
نشيج الروح و تشرذم الحزن
قراءة في نص ( حمائم الفجر ) للأديبة حوراء آل بورنو
الدارسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم حمائم الفجر
تسرب من بين رموش عينيّ تسرب رمل ، و هرب هروب مخلوع الفؤاد ، فغدا أثراً بعد عين ألا من هدأة فرّخ فيها شجني .
و بزغ النور ، و سكبت الشمس ضياءها في كل الزوايا حتى ملأت فراغ وحشتي .
حملتني الخطا حيث التقيتك ضاحكاً ، و قادني المسير إلى مغذى الحمائم ، و الخير يملأ الأرض . وقفت أرقب رفيفها يطرز السماء بزخارف لا شكل لها ما خلا رسم لحياة طير يغدو خماصاً . و السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي و هديل آخر لروح تنشد الحياة بي و لي .
سكنت مني النفس و الأعضاء ، فأمنتْ ، و الأرض تغري الحمائم بما يشبع الحواصل ، فبدأ بالهبوط أمامي جوعا و فرحا ، واحدة ، اثنتان ، و أختهما ثم العشيرة . سبحانه المولى الأجلّ ؛ خلق و أبدع فأتمّ ، طير يشرب سواد قوادمها بياض خوافيها فلا أسود كالح و لاأبيض يقق ، تعلو بحثاً و تهبط فوزأً ، حتى إذا لا مس الطرف منها أديم الأرض رأيت أبرع ملاح يستقر على أرض زلقة ، فتشتري الصورة مني الضحك عجباً و لين الجوارح إشفاقاً .
و تتجه العين نحو الحبة و القمحة ، فيتحرك الرأس منها و المنقار و يتبعهما جسدها الصغير ، فتبدأ بالنقر و التقاط الحب مرة بعد مرة و كأنها حائك يغرس أبرته في نسيج الأرض و يسرع في انتزاعها ليرفو رتقاً أو يوشي ثوباً غير أن الوشي يضع أحجاراً و الحمائم تنزع حبوباً .
ويدعوني السرب أن أقبلي ، فأهرول نحوه يدفعني غروري أني الأكبر ، فيطير فزعاً و أضحك فرحاً ، فما أجمل انتشار الأجنحة خافقة ترى رجفها و تشم رائحتها . تأملتها مبتعدة في كل اتجاه ، و ضجيج هديلها يلوث المكان ، و لكنها سرعان ما عادت كرة أخرى ؛ واحدة ، اثنتان ، و أختهما ثم العشيرة . و عدتُ أنظر ، فإذا بها تتجه نحوي محلقة إلى أعلى و أنا أهبط فزعا بجسدي إلى أسفل ، توجعت مني النفس ، و وجف القلب ، فقد علمتُ أي حرية تملكها تلك الطيور و لا تملكها حرة .
الدراسة النقدية :
حينما يتحول الأفق الإنساني إلى دوائر من القيود تلقي بآفاق الذات في بحر متلاطم الأمواج تتحول الحياة إلى جحيم مبتسر يلذع الروح بجمرات القيود الإنسانية 0
الحرية كما يفهمها الأدباء لا تكون إلا طيراً محلقاً في آفاق السماء يتنقل بين البوادي و الوديان و يجوب النجيع و القفار باحثاً عن ألق الروح التي لا يمكن لها إلا أن تتنقل في أفق لا منظور 0
و إذا كان العصر الذي نعيشه قد تحول إلى كومة من الجماجم إمعاناً في حجر العقل و كبح الإرادة و التضييق على النفس فإن الحياة تبدو فتاتاً من الألم يقتات به الإنسان منتظراً ساعة الخلاص و لا تعني له كلمة الموت إلا عالماً جديداً يبحث فيه عن أفق آخر 0
هل يجف القلب و هل تتوجع النفس ؟؟ و هل يمكن للذات البشرية أن تمتلك حريتها فتسبح في عالم ملؤه المحبة و الخير و الإنسانية 0
الأدباء وحدهم أولئك الذين يهيمون في عوالم الخيال و هم من يعقدون صفقات من الصداقة مع حريتهم و لكنهم لا يجدون أنفسهم إلا في عالم الخيال 0
أن تكون حراً فيعني ذلك أن تكون حياً فلا حياة بلا حرية و لكن تلك سمة العاجزين الذين يختلسون من الإنسانية أجنحتها 0
و هذا النص الذي بين أيدينا ( حمائم الفجر ) للأديبة حوراء آل بورنو و الذي يتأرجح بين الخاطرة و المقالة و تتقاذفه موجات أدبية الأسلوب و علميته يبدو حاملاً في طياته رمزية مستغلقة تنبعث منها روائح البحث عن المجهول و لكنه مهم من وجهة نظر الكاتبة و قد مثلته عبارتها الأخيرة التي أفصحت عن مكنونات ذاتها و رسمت هدفها المنظور حين قالت ( حرية تملكها تلك الطيور و لا تملكها حرة ) و هي بذلك تشير إلى البحث المضني في صحراء الذات الإنسانية عن فسحة أمل تكون من خلالها الكاتبة طائراً يحلق مع حمائم الفجر التي بدأت حياتها من خلال القيود و ليس المهم كما تشير الكاتبة هو ما يشبع الحواصل فهناك حاجات أخرى تحتاج إلى أن تؤطر الذات البشرية على رأسها أن يعيش الإنسان حراً كما أراد (السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي و هديل آخر لروح تنشد الحياة بي و لي ) 0
و إذا ما حاولنا تتبع خطا الأديبة في نصها الجاف أحياناً بكلماته و الرمزي أحياناً أخرى بعباراته و الموحي تارة أخرى بفقدان الحمامة البشرية لحرية التنقل الفكري فهي من خلال رمزيتها تبدو أسيرة لواقع مر ناء بكلكله على أدباء العرب بأجمعهم فحول الجناح البشري إلى ملتقط لفتات الحبوب المتناثرة و كأنها تريد أن تقول أن المرء يمكن أن يكون صانعاً لعوالم أخرى لا يتدخل بها وحوش الليل و ذئاب الحياة
(طير يشرب سواد قوادمها بياض خوافيها فلا أسود كالح و لاأبيض يقق ، تعلو بحثاً و تهبط فوزأً ، حتى إذا لا مس الطرف منها أديم الأرض رأيت أبرع ملاح يستقر على أرض زلقة ، فتشتري الصورة مني الضحك عجباً و لين الجوارح إشفاقاً . )
و المتصفح لما قالته الكاتبة يجد سوداوية قاتمة ترتدي ثوب الحزن و تعيش في فراغ البحث عن الذات و الحرية المفقودة و لذلك جاءت كلماتها متشحة بالسواد
( هروب مخلوع الفؤاد - ملأت فراغ وحشتي - السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي - طير يشرب سواد قوادمها - توجعت مني النفس - و وجف القلب )
و بقي أن نقول إن بين ضجيج هديل الحمام الممثل للحزن العربي و همسات الكاتبة الحزينة التي تريد أن تصعد بسريها إلى إعلى وشائج قربى إنسانية فالكترا العرب الخنساء قد أسست للأدب النسوي حزناً لا ينقطع أساه 0
نص يحمل رمزية مستغلقة تحتاج إلى قراءة نفسية متعمقة لسبر أعماق الكاتبة 0
قراءة في نص ( حمائم الفجر ) للأديبة حوراء آل بورنو
الدارسان : حسين علي الهنداوي – حاتم قاسم حمائم الفجر
تسرب من بين رموش عينيّ تسرب رمل ، و هرب هروب مخلوع الفؤاد ، فغدا أثراً بعد عين ألا من هدأة فرّخ فيها شجني .
و بزغ النور ، و سكبت الشمس ضياءها في كل الزوايا حتى ملأت فراغ وحشتي .
حملتني الخطا حيث التقيتك ضاحكاً ، و قادني المسير إلى مغذى الحمائم ، و الخير يملأ الأرض . وقفت أرقب رفيفها يطرز السماء بزخارف لا شكل لها ما خلا رسم لحياة طير يغدو خماصاً . و السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي و هديل آخر لروح تنشد الحياة بي و لي .
سكنت مني النفس و الأعضاء ، فأمنتْ ، و الأرض تغري الحمائم بما يشبع الحواصل ، فبدأ بالهبوط أمامي جوعا و فرحا ، واحدة ، اثنتان ، و أختهما ثم العشيرة . سبحانه المولى الأجلّ ؛ خلق و أبدع فأتمّ ، طير يشرب سواد قوادمها بياض خوافيها فلا أسود كالح و لاأبيض يقق ، تعلو بحثاً و تهبط فوزأً ، حتى إذا لا مس الطرف منها أديم الأرض رأيت أبرع ملاح يستقر على أرض زلقة ، فتشتري الصورة مني الضحك عجباً و لين الجوارح إشفاقاً .
و تتجه العين نحو الحبة و القمحة ، فيتحرك الرأس منها و المنقار و يتبعهما جسدها الصغير ، فتبدأ بالنقر و التقاط الحب مرة بعد مرة و كأنها حائك يغرس أبرته في نسيج الأرض و يسرع في انتزاعها ليرفو رتقاً أو يوشي ثوباً غير أن الوشي يضع أحجاراً و الحمائم تنزع حبوباً .
ويدعوني السرب أن أقبلي ، فأهرول نحوه يدفعني غروري أني الأكبر ، فيطير فزعاً و أضحك فرحاً ، فما أجمل انتشار الأجنحة خافقة ترى رجفها و تشم رائحتها . تأملتها مبتعدة في كل اتجاه ، و ضجيج هديلها يلوث المكان ، و لكنها سرعان ما عادت كرة أخرى ؛ واحدة ، اثنتان ، و أختهما ثم العشيرة . و عدتُ أنظر ، فإذا بها تتجه نحوي محلقة إلى أعلى و أنا أهبط فزعا بجسدي إلى أسفل ، توجعت مني النفس ، و وجف القلب ، فقد علمتُ أي حرية تملكها تلك الطيور و لا تملكها حرة .
الدراسة النقدية :
حينما يتحول الأفق الإنساني إلى دوائر من القيود تلقي بآفاق الذات في بحر متلاطم الأمواج تتحول الحياة إلى جحيم مبتسر يلذع الروح بجمرات القيود الإنسانية 0
الحرية كما يفهمها الأدباء لا تكون إلا طيراً محلقاً في آفاق السماء يتنقل بين البوادي و الوديان و يجوب النجيع و القفار باحثاً عن ألق الروح التي لا يمكن لها إلا أن تتنقل في أفق لا منظور 0
و إذا كان العصر الذي نعيشه قد تحول إلى كومة من الجماجم إمعاناً في حجر العقل و كبح الإرادة و التضييق على النفس فإن الحياة تبدو فتاتاً من الألم يقتات به الإنسان منتظراً ساعة الخلاص و لا تعني له كلمة الموت إلا عالماً جديداً يبحث فيه عن أفق آخر 0
هل يجف القلب و هل تتوجع النفس ؟؟ و هل يمكن للذات البشرية أن تمتلك حريتها فتسبح في عالم ملؤه المحبة و الخير و الإنسانية 0
الأدباء وحدهم أولئك الذين يهيمون في عوالم الخيال و هم من يعقدون صفقات من الصداقة مع حريتهم و لكنهم لا يجدون أنفسهم إلا في عالم الخيال 0
أن تكون حراً فيعني ذلك أن تكون حياً فلا حياة بلا حرية و لكن تلك سمة العاجزين الذين يختلسون من الإنسانية أجنحتها 0
و هذا النص الذي بين أيدينا ( حمائم الفجر ) للأديبة حوراء آل بورنو و الذي يتأرجح بين الخاطرة و المقالة و تتقاذفه موجات أدبية الأسلوب و علميته يبدو حاملاً في طياته رمزية مستغلقة تنبعث منها روائح البحث عن المجهول و لكنه مهم من وجهة نظر الكاتبة و قد مثلته عبارتها الأخيرة التي أفصحت عن مكنونات ذاتها و رسمت هدفها المنظور حين قالت ( حرية تملكها تلك الطيور و لا تملكها حرة ) و هي بذلك تشير إلى البحث المضني في صحراء الذات الإنسانية عن فسحة أمل تكون من خلالها الكاتبة طائراً يحلق مع حمائم الفجر التي بدأت حياتها من خلال القيود و ليس المهم كما تشير الكاتبة هو ما يشبع الحواصل فهناك حاجات أخرى تحتاج إلى أن تؤطر الذات البشرية على رأسها أن يعيش الإنسان حراً كما أراد (السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي و هديل آخر لروح تنشد الحياة بي و لي ) 0
و إذا ما حاولنا تتبع خطا الأديبة في نصها الجاف أحياناً بكلماته و الرمزي أحياناً أخرى بعباراته و الموحي تارة أخرى بفقدان الحمامة البشرية لحرية التنقل الفكري فهي من خلال رمزيتها تبدو أسيرة لواقع مر ناء بكلكله على أدباء العرب بأجمعهم فحول الجناح البشري إلى ملتقط لفتات الحبوب المتناثرة و كأنها تريد أن تقول أن المرء يمكن أن يكون صانعاً لعوالم أخرى لا يتدخل بها وحوش الليل و ذئاب الحياة
(طير يشرب سواد قوادمها بياض خوافيها فلا أسود كالح و لاأبيض يقق ، تعلو بحثاً و تهبط فوزأً ، حتى إذا لا مس الطرف منها أديم الأرض رأيت أبرع ملاح يستقر على أرض زلقة ، فتشتري الصورة مني الضحك عجباً و لين الجوارح إشفاقاً . )
و المتصفح لما قالته الكاتبة يجد سوداوية قاتمة ترتدي ثوب الحزن و تعيش في فراغ البحث عن الذات و الحرية المفقودة و لذلك جاءت كلماتها متشحة بالسواد
( هروب مخلوع الفؤاد - ملأت فراغ وحشتي - السمع مني لا يعي غير هديل أعجمي - طير يشرب سواد قوادمها - توجعت مني النفس - و وجف القلب )
و بقي أن نقول إن بين ضجيج هديل الحمام الممثل للحزن العربي و همسات الكاتبة الحزينة التي تريد أن تصعد بسريها إلى إعلى وشائج قربى إنسانية فالكترا العرب الخنساء قد أسست للأدب النسوي حزناً لا ينقطع أساه 0
نص يحمل رمزية مستغلقة تحتاج إلى قراءة نفسية متعمقة لسبر أعماق الكاتبة 0