ريم بدر الدين
30-04-2008, 03:07 PM
في الذكرى الأولى لرحيله..
الأديب خليل جاسم الحميدي آخر الأشجار التي تموت واقفة
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاربعاء 30 نيسان 2008
محمود البعلاو
لم يكن رحيل الأديب خليل جاسم الحميدي ـ قبل عام ـ مفاجئاً للكثيرين، لأن مرضاً عضالاً أقعده أكثر من عامين، مشلولاً، فاقد الحركة والنطق.
لكن المفاجئ أن يحس الأدباء ضرورة أنصافه بعد الموت، مؤكدين أن هذا الأديب المتميز لم يأخذ حقه ـ وهو حي ـ في النقد والدراسة والإعلام، رغم حضوره الكبير والهام في الساحة الأدبية السورية والعربية. فما هي سيرة هذا الأديب الراحل؟ وماذا ترك لنا من آثار أدبية تشهد على تقصيرنا بحقه؟
ولد خليل جاسم الحميدي في الرقة عام 1945م، ابتدأ الكتابة القصصية في أوائل ستينيات القرن العشرين، ونشر أول قصة له عام 1962، وهو في العقد الثاني من عمره، وكانت الرقة آنذاك لاتعرف إلا رائدها الكبير الدكتور عبد السلام العجيلي، حيث كتب الحميدي القصة مع قلة من مجايليه أمثال عبد الله أبو هيف وإبراهيم الخليل ورشيد رمضان، وكان قد أسس معهم جماعة ثورة الحرف الأدبية بالرقة، فشاركهم فيها إبراهيم الجرادي، ووفيق خنسة، وآخرون، واستطاع أن يخط درباً خاصاً به في الكتابة القصصية في مدينة الرقة، حيث ترك أثراً بيناً، وواضحاً على مسيرة القص السوري في ثمانينيات القرن المنصرم، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب ـ جمعية القصة والرواية، وترأس فرع اتحاد الكتاب العرب في الرقة لأكثر من عشرة أعوام، ومنح في العام 2001م شهادة تقدير ودرع الاتحاد عن مجمل أعماله القصصية والأدبية، وأصدر الاتحاد عنه كتاباً ضمن سلسلة (أدباء مكرمون)، وفاز بجائزة الابداع لمدينة الرقة للعام 2003 والتي سميت فيما بعد «جائزة الوفاء» وانتخب في أيلول للعام 2005م عضواً في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب في سورية، لكن المرض جعله قعيد الفراش، وحرمه النطق إلى يوم رحيله.
لفتت قصص (الحميدي) الاهتمام بنزوعها الحداثي، وجماليتهاالفنية واللغوية، وعنايتها الشديدة بالتعبير الاجتماعي، كما كتب النقد والدراسة الأدبية، لكنه بقي مخلصاً لفن القصة، ولم يجد نفسه إلا فيه.
أما إصداراته فهي:
1 ـ السخط وشتاء الخوف ـ قصص ـ 1975: وتميزت بتصديها لأمراض المجتمع، وحملت بصدق إخلاص عبء التعبير عن الآلام والأوجاع في عالم الإنسان المسحوق.
2 ـ الركض في الأزمنة المنهوبة ـ قصص ـ دار الشبيبة 1977: قال عنها الناقد الدكتور رياض عصمت (إنها تحمل جل سمات القص السبعيني السوري)، وينطلق الكاتب فيها محملاً بهواجسه الوطنية والقومية إلى تصوير القاع الاجتماعي في الريف والمدينة لتأكيد مقولات الصراع الطبقي، وما يرتبط بها من ثنائيات الخير والشر في مراحل تاريخية حافلة بالرهانات السياسية والاجتماعية الجديدة، اعتمد الحميدي فيها على مبادئ جديدة في التكنيك القصصي فالشخصية الرئيسية (براءة) مثلت الحب، والخصب، واللذة، والفقد، والأرض، والملاذ، حاضرة دوماً في كل القصص.
3 ـ موت الرجل الغريب ـ قصص ـ دار ابن هانئ دمشق 1987: تتمحور حول حب الوطن وحب المرأة، يحمل هذان المحوران بطلاً له سمات البطل الإشكالي، هذا البطل هو بلا بطولة، فهو يسلم رقبته إلى جلاديه، ولكنه لايبيع آجلاً بعاجل، ولايتنازل عن قيمه التي هي بالضبط ثوابت شخصية، فإذا ما أضاعها فقد أضاع نفسه، إنه ثابت على مبادئه، وتتمسك هذه الشخصية الإشكالية بقيمها النبيلة والإنسانية وتدافع عنها وتدفع حياتها ثمناً لمبادئها.
4 ـ المغني والنخلة ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب دمشق 1998: فيها يغني مفردات الجمال والأسى والحزن على شاطئ نهر الفرات العذب، فقد شهد هذا النهر قيام واندثار حضارات شتى تعاقبت عليه، ويعتمد في هذه المجموعة على شخصية المغني، وعلى غنائية النص، قال عنها الدكتور ياسين فاعور: (قصص هذه المجموعة تقدم لنا الإنسان العربي في بيئة الفرات ضمن ثنائية الرجل والمرأة، يواجه الطبيعة بغوائها، والحياة بأحداثها، متسلحاً بالصبر أولاً، وبالإرادة ثانياً، والتفاؤل ثالثاً، وأدواته في ذلك حكمته وحبه للحياة، وتمتاز لغة هذه المجموعة بالعبارة الجمالية وجودة الصياغة والإيحاء الملائم.
5 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003م: فيها يتابع أناشيده المانعة عن المرأة والوطن والحب ويضيف إلى مجموعته هذه شعرية أكثر مما في قصصه السالفة كما يتابع تجلياته ويضيف إليها ما يسميه البعد الصوفي في الكتابة.
ہ وعن القصة عند الحميدي يقول عايد سعيد سراج: (أسلوب الحميدي بسيط، وسلس، وعميق، واللغة عنده مدروزة بأيد خبيرة منساحة غير متكلفة، والصورة بين الداخل والخارج أكثر قوة واتحاداً، ونادراً ما ترى خللاً في قصص الحميدي، فالتوافق العميق بين الشكل والمضمون مرده ليس إلى الثقافة وفهم عالم القص وحده، بل أيضاً إلى صدق التعامل مع المفردة والقدرة الحسية على تشكيل الحدث، والأمانة في ذلك، فأنت تتفاعل مع أبطاله تحبهم، تكرههم، أو تتعاطف معهم وكأنهم أناس من لحم ودم، واقعيون طيبون ماكرون وشذاذ آفاق، ولكنهم مصنوعون من الحياة)
ہ ـ ويؤكد الناقد الدكتور نضال الصالح بأن (الحميدي) استطاع أن يؤسس لنفسه أسلوباً خاصاً به ومميزاً له من أصوات جيله الذي ينتمي إليه، ومن الأصوات التي تصوغ راهن المشهد القصصي السوري.
ومن مقولة: اموهان بيجاكلي (ولولا الموت والفراق لكانت الشمس أكثر إشراقاً) نحاول القول: لولا المرض والموت لكان الحميدي نهراً من الإبداع... رحيل الحميدي... صابراً.. صامتاً... واقفاً، كي يؤكد بموته مقولة طالما رددها على مسامعنا: (الأشجار تموت واقفة).
الأديب خليل جاسم الحميدي آخر الأشجار التي تموت واقفة
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاربعاء 30 نيسان 2008
محمود البعلاو
لم يكن رحيل الأديب خليل جاسم الحميدي ـ قبل عام ـ مفاجئاً للكثيرين، لأن مرضاً عضالاً أقعده أكثر من عامين، مشلولاً، فاقد الحركة والنطق.
لكن المفاجئ أن يحس الأدباء ضرورة أنصافه بعد الموت، مؤكدين أن هذا الأديب المتميز لم يأخذ حقه ـ وهو حي ـ في النقد والدراسة والإعلام، رغم حضوره الكبير والهام في الساحة الأدبية السورية والعربية. فما هي سيرة هذا الأديب الراحل؟ وماذا ترك لنا من آثار أدبية تشهد على تقصيرنا بحقه؟
ولد خليل جاسم الحميدي في الرقة عام 1945م، ابتدأ الكتابة القصصية في أوائل ستينيات القرن العشرين، ونشر أول قصة له عام 1962، وهو في العقد الثاني من عمره، وكانت الرقة آنذاك لاتعرف إلا رائدها الكبير الدكتور عبد السلام العجيلي، حيث كتب الحميدي القصة مع قلة من مجايليه أمثال عبد الله أبو هيف وإبراهيم الخليل ورشيد رمضان، وكان قد أسس معهم جماعة ثورة الحرف الأدبية بالرقة، فشاركهم فيها إبراهيم الجرادي، ووفيق خنسة، وآخرون، واستطاع أن يخط درباً خاصاً به في الكتابة القصصية في مدينة الرقة، حيث ترك أثراً بيناً، وواضحاً على مسيرة القص السوري في ثمانينيات القرن المنصرم، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب ـ جمعية القصة والرواية، وترأس فرع اتحاد الكتاب العرب في الرقة لأكثر من عشرة أعوام، ومنح في العام 2001م شهادة تقدير ودرع الاتحاد عن مجمل أعماله القصصية والأدبية، وأصدر الاتحاد عنه كتاباً ضمن سلسلة (أدباء مكرمون)، وفاز بجائزة الابداع لمدينة الرقة للعام 2003 والتي سميت فيما بعد «جائزة الوفاء» وانتخب في أيلول للعام 2005م عضواً في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب في سورية، لكن المرض جعله قعيد الفراش، وحرمه النطق إلى يوم رحيله.
لفتت قصص (الحميدي) الاهتمام بنزوعها الحداثي، وجماليتهاالفنية واللغوية، وعنايتها الشديدة بالتعبير الاجتماعي، كما كتب النقد والدراسة الأدبية، لكنه بقي مخلصاً لفن القصة، ولم يجد نفسه إلا فيه.
أما إصداراته فهي:
1 ـ السخط وشتاء الخوف ـ قصص ـ 1975: وتميزت بتصديها لأمراض المجتمع، وحملت بصدق إخلاص عبء التعبير عن الآلام والأوجاع في عالم الإنسان المسحوق.
2 ـ الركض في الأزمنة المنهوبة ـ قصص ـ دار الشبيبة 1977: قال عنها الناقد الدكتور رياض عصمت (إنها تحمل جل سمات القص السبعيني السوري)، وينطلق الكاتب فيها محملاً بهواجسه الوطنية والقومية إلى تصوير القاع الاجتماعي في الريف والمدينة لتأكيد مقولات الصراع الطبقي، وما يرتبط بها من ثنائيات الخير والشر في مراحل تاريخية حافلة بالرهانات السياسية والاجتماعية الجديدة، اعتمد الحميدي فيها على مبادئ جديدة في التكنيك القصصي فالشخصية الرئيسية (براءة) مثلت الحب، والخصب، واللذة، والفقد، والأرض، والملاذ، حاضرة دوماً في كل القصص.
3 ـ موت الرجل الغريب ـ قصص ـ دار ابن هانئ دمشق 1987: تتمحور حول حب الوطن وحب المرأة، يحمل هذان المحوران بطلاً له سمات البطل الإشكالي، هذا البطل هو بلا بطولة، فهو يسلم رقبته إلى جلاديه، ولكنه لايبيع آجلاً بعاجل، ولايتنازل عن قيمه التي هي بالضبط ثوابت شخصية، فإذا ما أضاعها فقد أضاع نفسه، إنه ثابت على مبادئه، وتتمسك هذه الشخصية الإشكالية بقيمها النبيلة والإنسانية وتدافع عنها وتدفع حياتها ثمناً لمبادئها.
4 ـ المغني والنخلة ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب دمشق 1998: فيها يغني مفردات الجمال والأسى والحزن على شاطئ نهر الفرات العذب، فقد شهد هذا النهر قيام واندثار حضارات شتى تعاقبت عليه، ويعتمد في هذه المجموعة على شخصية المغني، وعلى غنائية النص، قال عنها الدكتور ياسين فاعور: (قصص هذه المجموعة تقدم لنا الإنسان العربي في بيئة الفرات ضمن ثنائية الرجل والمرأة، يواجه الطبيعة بغوائها، والحياة بأحداثها، متسلحاً بالصبر أولاً، وبالإرادة ثانياً، والتفاؤل ثالثاً، وأدواته في ذلك حكمته وحبه للحياة، وتمتاز لغة هذه المجموعة بالعبارة الجمالية وجودة الصياغة والإيحاء الملائم.
5 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003م: فيها يتابع أناشيده المانعة عن المرأة والوطن والحب ويضيف إلى مجموعته هذه شعرية أكثر مما في قصصه السالفة كما يتابع تجلياته ويضيف إليها ما يسميه البعد الصوفي في الكتابة.
ہ وعن القصة عند الحميدي يقول عايد سعيد سراج: (أسلوب الحميدي بسيط، وسلس، وعميق، واللغة عنده مدروزة بأيد خبيرة منساحة غير متكلفة، والصورة بين الداخل والخارج أكثر قوة واتحاداً، ونادراً ما ترى خللاً في قصص الحميدي، فالتوافق العميق بين الشكل والمضمون مرده ليس إلى الثقافة وفهم عالم القص وحده، بل أيضاً إلى صدق التعامل مع المفردة والقدرة الحسية على تشكيل الحدث، والأمانة في ذلك، فأنت تتفاعل مع أبطاله تحبهم، تكرههم، أو تتعاطف معهم وكأنهم أناس من لحم ودم، واقعيون طيبون ماكرون وشذاذ آفاق، ولكنهم مصنوعون من الحياة)
ہ ـ ويؤكد الناقد الدكتور نضال الصالح بأن (الحميدي) استطاع أن يؤسس لنفسه أسلوباً خاصاً به ومميزاً له من أصوات جيله الذي ينتمي إليه، ومن الأصوات التي تصوغ راهن المشهد القصصي السوري.
ومن مقولة: اموهان بيجاكلي (ولولا الموت والفراق لكانت الشمس أكثر إشراقاً) نحاول القول: لولا المرض والموت لكان الحميدي نهراً من الإبداع... رحيل الحميدي... صابراً.. صامتاً... واقفاً، كي يؤكد بموته مقولة طالما رددها على مسامعنا: (الأشجار تموت واقفة).