حنين للحياة
27-04-2008, 06:10 PM
" اختراقات "
ديوان شعر يصالح به الأديب زيد الثقفى جمهوره
أخيرًا وبعد طول انتظار (( اختراقات )) الديوان الأول للشاعر السعودي الكبير
زيد الثقفي، صدر هذه الأيام عن دار النشر الإلكتروني كتب عربية .. كما أصدره على نفقته الخاصة فى طبعة ورقية قشيبة .....
لفتت نظري القصيدة المفتتح للديوان (إلى الله) والتي يقول فيها :
إلى اللهِ أشكُو ضعفَ حالي وحيلتي
وهل من قويٍّ غير ربِّي فأسألُ
وهلْ إنْ سألتُ اللهَ صدقـًا وتوبة ً
تراهُ على عبدٍ ذليلٍ سيبخــلُ
ومن الواضح تلك البداية الصوفية المتضرعة لله تعالى، ولعلها خير مفتتح؛ حيث يذكر فيه اسم الله تعالى مع خضوع الشاعر وسؤاله لله صدق التوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى، فربما يصلح هذان البيتان ليكونا تبريكة ً خالصة ًبذكر الله تعالى وبيان ذل الحال وضعف الحيلة أمام قوته وعفوه الكبيرين.
ومن أجواء الديوان أيضا:
صاحِبِي باعَني واشترى دمية ً
وبباقي النقودِ اشترَى خنجرًا
ومضَى يستفزُ العبادَ بضحكاتهِ
ويدكُّ مساكنَ نمل ِ الأسَى الحافيهْ
بعدما كانَ أهدَى من الماءِ
في البركة الغافيه
إنْ رأتها العيونُ
استراحتْ
وإن سكنتْ
في الفؤاِد رؤًى حالمَهْ
لغة الديوان لغة سهلة وجزلة وعميقة في آن، وهي لغة رقراقة تنساب من بين أصابعة انسياب الماء في الجدول، فلا تجد لفظة متقعرة أو مهجورة أو لفظة مجبرٌ هو على استخدامها لضرورة عروضية مثلا لأنه يكتب الشعر الموزون.. لا .. بل كل مفردة في مكانها ولا يمكن استبدالها بأخرى .. يقول مثلا في قصيدته (في حضرة الأمير) إلى أمير الشعراء أحمد شوقي:
أميرَ الشِّعر ِ والشِّعراءِ عُـــــذرًا .. إذا ما كــــانت الشَّكوى خِطـابـــــــا
فأنـــتَ أميرُنا ولنـا انتســـــــابٌ .. وبـعدَ اللهِ كنتَ لــــنا مَآبــــــــــــــا
ولوْ كان الأميرُ سواكَ عِنـــــدي .. لكنتُ فعـــلتُ بالشِّعر ِ انقـــــــلابـا
وكنتُ دخلتُ قصرَ الشِّعر ِ ظـُهرًا .. وكنتُ غصبتُ إمرتـَهُ اغتصــــابـا
ولكني ارتضيتـُك يا أمـــــــيري .. فخُذ ْعهدي وخــُـــذ مِني كِتــــــابـا
وخـُذها بيعة ً منا جميعـــــــــــا .. وهَبني مُذنبــــــــًــــا واليومَ تابــــا
فما أجملها من تعبيرات ومفردات وصور أهمها في هذه الأبيات من وجهة نظري صورة ذلك الشاعر الذي يريد اختطاف إمارة الشعر من أمير الشعراء لو كان واحدا آخرًا غير شوقي.. ومتى يختطفها أو يغتصبها.؟ (ظهرا) تخيلوا..؟ أي في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فوقتئذٍ لا يخشى أحدًا من أجل الحصول على هذه الإمارة وسيفعل أي شيء في سبيلها ليخطفها من يديه .. لكن طالما هي في يد أحمد شوقي فلتخفت كل الأمنيات، ولتهدأ كل الانفعالات، ولتـُخمد كل نفس هواها في الإمارة، تلك التي لابد إذن أن تكون معه هو، لأنه يستحقها وحده دونما الشعراء أجمعين.. فيبايعه شاعرنا على الملأ ويجدد عهده معه قائلا: فخذها بيعة منا جميعا...وليس هذا فقط بل واعتبرني مذنبا في حقك إذ خطرت على بالي تلك الفكرة المجنونة، واليوم تابا. من أعلى أبيات الديوان على الإطلاق وأهمها.. صورة شعرية غاية في الانطلاق والسلاسة والقوة.. صورة مدهشة ، تخطفك من نفسك حين تتصور هذا المشهد الدرامي كلما دخلت كرمة ابن هانئ وتصورته في حديقته أو في مخدعه وزيد الثقفي يدخل مسرعًا عابرًا الممرات والحراس ليهجم عليه ليخطف الإمارة .. خيال واسع أيما اتساع، ولكنه مقنن؛ إذ يعود بسرعة البرق ليفيق ويعرف قدره أمام الأمير.. وهو في هذه الحالة لا يعبر عن نفسه فقط بل عن كل الشعراء أمام شوقي، فيتسرب نفس الإحساس إلى كل شاعر يقرأ أعماله أو يتذكره في ذكراه.
وقد تخير الشاعر أسلوب الخطاب الشعري المباشر أحيانًا والرمزي أحيانًا أخرى حسبما يقتضي حال النصوص وموضوعاتها التي سارت بشكل متواز ٍ فلا القصائد العاطفية أقوى من الاجتماعيات ، ولا القصائد الوطنية أقوى من الإخوانيات .. لكنها جميعا تسير على مستوى رفيع تغمرها العاطفة الجياشة والهدوء النفسي حيث لا تميل لغته إلى الثورية وإنما يفصل القضية ويبرز معالمها ويوضح وجهة النظر في هدوء الواثق من نفسه .. يقول مثلا في قصيدة عاطفية بعنوان (أخطأت):
أعلمُ أنني أخطأتُ
وأنني بدأتُ جولة ً قوية ً مِن الغرامْ
وأنني مُصارعٌ
بدأ الجولة َ بالضَّرب على الحزامْ
وأنني مُدافعٌ
أعاقَ خصْمَهُ
إذ ْ كانَ مُنطلقـًا إلى الأمامْ
وأنني كباحثٍ عن مَخرج ٍ
مُعاكس ٍ للسير ِ في معمعةِ الزّحامْ
أعرفُ أنني أخطأتُ
لكنني أحبّها
ومَن يُحبُّ هلْ يلامْ؟
وفي (إقالة حرف) حول أطفال العراق يقول :
تدثـَّروا أيُّها العـَـارون في كَفني
فـــــلا زمانكم هذا ولا زمنـــــــي
كأنني أنـــا مســــئولٌ ومتــــهمٌ
عمَّــا أصابَكُمُ مِن شدَّة الوهــــــــن ِ
ومِنْ عُري ٍ ومن جوع ٍ ومهزلــةٍ
وقســـوةِ الظلم ِ والتنكيـــل ِ بالبـــدن ِ
وطفلة ٍ حرَمـوها رمزَ عِفـَّتــِــــها
وأشْعلوا رأسَها شَيْبًا ولمْ يحـــــن ِ
يا طفلَ بغداد عُذرًا ليـسَ يستُرني
إنْ قلتُ فيكُمْ قصيدًا مُترَفَ الشَّجن ِ
ولا أقولُ بأني لستُ مُتصــــــلاً
بما جرَى فسكُـــــوتي قمة ُالعَفـَنِ
ويقول عن الروتين في أمتنا العربية التي :
تحتاجُ تنمية ً ... تحتاجُ توعيــة ً
تحتاجُ أنْ تقسِّمَ الرُّوتينَ أرباعـــا
حتى ينالَ بفضل ِ الجَلدِ إشبــاعــا
كمْ مبدع ٍ ضيَّعَ الرُّوتينُ مبــدَعَهُ
يضيعُ قومِي والرُّوتينُ ما ضـاعا
إضافة إلى القصائد الإنسانية العامة والتي تتناول فيها الإنسان في كل مكان
وهكذا نجده يحافظ على نفس القوة وانضباط النفس والرصانة في كل قصائده، فلا تفاوت ولا ترهل أو صعود أو هبوط بين قيمة القصائد وقوتها مطلقا. ولا يدعو هذا إلى الرتابة مثلا لأن اختلاف الموضوعات واختلاف التناول وطريقة الأداء والقالب كلها عوامل كفيلة بعدم الملل أو الرتابة. فيجد القارئ نفسه منتقلاً رغمًا عنه في كل قصيدة إلى جو مختلف تمامًا عن سابقه. ومن الخاص إلى العام ، ومن العاطفي وآلام الفراق ولوعة الشوق إلى الغربة وتشتت العرب وانعدام الإحساس الجمعي والانشغال بتفاصيل فردية عن الأهداف القومية الكبرى ، ومن الحنين إلى الوطن إلى دفقات شعورية جامحة نحو اعتزال القلم والشعر لأنه لم يف بحاجته كشاعر وفنان.. أو لأنه لم يرض غروره ولم يحقق به أهدافا سامية سعى إليها، . التي يجد القارئ نفسه فيها بالضرورة.
وينفرد الديوان ببعض الصور الشعرية الخاصة والمنتقاه بعناية، والمعبرة في بعض الأحيان عن جو الصحراء مثلاً: في قصيدته (ثقيف) .. إذ يدعوها قائلاً:
فتربَّعــــــــي فوقَ السَّحــــابِ تدلـُّلا ً
كيما تـُرَيـْنَ شبيهــة َ الجَــوْزاءِ
فيما تأتي قصيدته لأني سعودي كمقدمة لقصيدة ثقيف وهي غنائية باللهجة الشعبية لتؤكد شفافية الروح وروعة الإحساس بالانتماء إلى موطنه الأصلي السعودية موطن الكرم والجود الذي لا يرد محتاجًا أبدًا.. والذي يتقدم إلى الأمام دائما بلا رجعة.
ولكن في قصيدة أخرى تطفو على السطح الصور والحالات المصرية فيكرر النداء لمصر صراحة ووضوحًا وكأنه يتغنى باسمها طربًا في بيتين متتاليين.. فيما يأتي اسم مصر أربع مرات على مدى القصيدة وكذلك معالمها الكثيرة .. يقول:
فما شعرتُ ببُعــدي عن أحِبَّتـِنا
وما شعرتُ بأني غِبتُ عن بلـدِي
يا مصرُ رفقـًا فلِي قلبٌ جوانِحـُـهُ
تقتاتُ من ماءِ نهر ِ النِّيلِ فاتـَّئدِي
ثم مؤكدًا حالة النجوى والشجن التي يعيشها كل من يمرّ بشط النيل وقت الغروب ومشيرًا في بعض أبياتها إلى انتصارات مصر ومعاركها ومعبرًا عن عراقة الحضارة المصرية القديمة والحديثة فيقول:
يا مِصرُ كمْ طافَ بي حُلمٌ يراودُنـي
بأنْ أرَى روعة َ التاريخِ بالبلــــدِ
أرَى الذينَ أذاقوا كـــــــُلَّ مُغتصِــبٍ
لسْعَ السِّياطِ وطعْمَ الذلِّ والكَمَـــــدِ
ومَن بَنوا مَجْدَهُمْ بالنـَّفس ِ مُذ ْعَبَروا
وحقـَّقوا النـَّصربعدَ الجُهْدِ والكبَدِ
وأنْ أطـــاولَ أهرامًا لهــــــا حِقـَــبٌ
غدَتْ لأرضكِ مثلَ الطـَّودِ والوَتـَدِ
وأنْ أسيرَ على الأقدام ِ مُتـَّكِـــئـًا
على عَصا بُرجك المُمتدِّ كالأبـــــَدِ
وأنْ أعيشَ غُروب النيلِ ألثمُــهُ
فروعة ُ النيلِ قد تـُغري على الحَـسَدِ
وغير ذلك الكثير؛ مما يؤكد على هذا العنوان الذي يحمل إغواءات وإغراءات معينة ودلالات كثيرة لا يُخطئُها القارئ أبدًا، فالعنوان (في حب مصر) يشير وبقوة إلى تلك التي احتضنته سنوات طويلة؛ فأراد أن يكافئها بهذا النص الشعري المعبِّر، وأن يبلغها فى الختام تحية وقُبلة من أهل ثقيف ونجد، كدليل موثَّق على الروابط القوية الحميمة ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا أيضًا والتي تربط بين مصر والمملكة العربية السعودية منذ قديم الأزل.
وجدير بالذكر أن شاعرنا زيد الثقفى أصدر هذا الديوان بعد إلحاح الأصدقاء والمتلقين الذين استمعوا إليه وإلى قصائده في المحافل الأدبية المختلفة في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال الأعوام السابقة، وفي مكتبة الإسكندرية وضمن الأيام الثقافية السعودية المصرية، كما شارك فى أمسيات شعرية أخرى في بيروت من خلال برنامج جامعة الدول العربية ومؤتمراتها، وكذلك في إندونيسيا وأيضًا داخل المملكة العربية السعودية، ونشرت له الصحف العربية المختلفة وبثت قصائده البرامج الإذاعية والتليفزيونية؛ مما جعل صدور هذا الديوان ضرورة ملحة من ناحية القراء والمتلقين رغم عزوفه عن النشـر وزهده الواضح في الشهرة.
والشاعر زيد الثقفى قام بتأليف العديد من المسرحيات الخاصة بفئة الصم والبكم عرضت فى مدينة جدة، وعمل معلمًا للغة العربية ثم مشرفًا تربويًا للمعوقين، وأعير لرابطة العالم الإسلامي وعمل مديرًا لمكتب الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بالقاهرة لمدة ست سنوات، وكذلك حصل على درجة الماجستير فى التربية عام 2003 تخصص صحة نفسية، ويواصل دراساته للحصول على درجة الدكتوراه فى التربية....
حول غلاف الديوان :
صمم غلاف هذه المجموعة الشعرية الدكتور عبد الله دخيل الله الثقفي،، وربما من المنصف أن نقول أن الغلاف جاء معبرًا جدا عن نصوص الديوان وعنوانه ، فثمة رجل وامرأة يتقدم أحدهما الآخر ويمدان أيديهما إلى الأمام نحو شيء ما يعترض طريق الذراع الممدود .. إلا أن الذراع يخترق هذا الشيء بالفعل، كما جاءت ألوان اللوحة هادئة إلى حدٍّ كبير يمتزج فيها الأخضر والأصفر الفاتح بالبنفسجي الهادئ مع البني الخفيف جدا،، وتماوجت ريشة الفنان صعودا وهبوطا لتخرج لنا لوحة ذات مصداقية خاصة.. وجاء اللون الأزرق الفاتح أيضًا ليشكل شخوص اللوحة وحدود الأشياء، فيما لم أجد اللون الأسود مطلقا إلا في العنوان واسم الشاعر، وكأن العنوان واسم المؤلف بهذا اللون المميز يخترقان كل هذه الألوان فيبرز المعنى المقصود دونما عناء من المتلقي .. فيما جاء ظهر الغلاف مؤكدا هذه الاختراقات بقوة فظهرت بعض الوردات البسيطة مخترقة السيرة الذاتية للشاعر. لقد كان الفنان الدكتور عبد الله دخيل الله الثقفي موفقا في اختيار الألوان ورسم اللوحة.
(اختراقات لحواجز من حروف ) مجموعة شعرية جديرة بالقراءة مرات أخرى، لأنك في كل مرة سوف تكتشف نفسك من جديد. لتصالحها على العالم من حولك.. كما صالح الثقفي جمهوره بها.
وجدير بالذكر أن الشاعر زيد الثقفى يستعد لإصدار ديوان شعرى باللهجة النبطية سيكون مفاجئة للقراء ومنه:
أحلى وداع ابتسامة شوق ولهانة
متعطشة للقا فى الموعد الثاني
وأحلى عيون بدموع العشق غرقانة
لا صابها من غيوم البعد هتاني
والساعة الى برسم الوقت غلطانة
فيها الثوانى تعادل سالف ازماني
بين الشروق وغروب الشمس كسلانة
احثها للمسير ودوم تعصاني
كن العقارب فروع اشجار دبلانة
مات الورق والسبب فى موت الاغصان ِ
بقلم الشاعرة / شريفة السيد
ديوان شعر يصالح به الأديب زيد الثقفى جمهوره
أخيرًا وبعد طول انتظار (( اختراقات )) الديوان الأول للشاعر السعودي الكبير
زيد الثقفي، صدر هذه الأيام عن دار النشر الإلكتروني كتب عربية .. كما أصدره على نفقته الخاصة فى طبعة ورقية قشيبة .....
لفتت نظري القصيدة المفتتح للديوان (إلى الله) والتي يقول فيها :
إلى اللهِ أشكُو ضعفَ حالي وحيلتي
وهل من قويٍّ غير ربِّي فأسألُ
وهلْ إنْ سألتُ اللهَ صدقـًا وتوبة ً
تراهُ على عبدٍ ذليلٍ سيبخــلُ
ومن الواضح تلك البداية الصوفية المتضرعة لله تعالى، ولعلها خير مفتتح؛ حيث يذكر فيه اسم الله تعالى مع خضوع الشاعر وسؤاله لله صدق التوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى، فربما يصلح هذان البيتان ليكونا تبريكة ً خالصة ًبذكر الله تعالى وبيان ذل الحال وضعف الحيلة أمام قوته وعفوه الكبيرين.
ومن أجواء الديوان أيضا:
صاحِبِي باعَني واشترى دمية ً
وبباقي النقودِ اشترَى خنجرًا
ومضَى يستفزُ العبادَ بضحكاتهِ
ويدكُّ مساكنَ نمل ِ الأسَى الحافيهْ
بعدما كانَ أهدَى من الماءِ
في البركة الغافيه
إنْ رأتها العيونُ
استراحتْ
وإن سكنتْ
في الفؤاِد رؤًى حالمَهْ
لغة الديوان لغة سهلة وجزلة وعميقة في آن، وهي لغة رقراقة تنساب من بين أصابعة انسياب الماء في الجدول، فلا تجد لفظة متقعرة أو مهجورة أو لفظة مجبرٌ هو على استخدامها لضرورة عروضية مثلا لأنه يكتب الشعر الموزون.. لا .. بل كل مفردة في مكانها ولا يمكن استبدالها بأخرى .. يقول مثلا في قصيدته (في حضرة الأمير) إلى أمير الشعراء أحمد شوقي:
أميرَ الشِّعر ِ والشِّعراءِ عُـــــذرًا .. إذا ما كــــانت الشَّكوى خِطـابـــــــا
فأنـــتَ أميرُنا ولنـا انتســـــــابٌ .. وبـعدَ اللهِ كنتَ لــــنا مَآبــــــــــــــا
ولوْ كان الأميرُ سواكَ عِنـــــدي .. لكنتُ فعـــلتُ بالشِّعر ِ انقـــــــلابـا
وكنتُ دخلتُ قصرَ الشِّعر ِ ظـُهرًا .. وكنتُ غصبتُ إمرتـَهُ اغتصــــابـا
ولكني ارتضيتـُك يا أمـــــــيري .. فخُذ ْعهدي وخــُـــذ مِني كِتــــــابـا
وخـُذها بيعة ً منا جميعـــــــــــا .. وهَبني مُذنبــــــــًــــا واليومَ تابــــا
فما أجملها من تعبيرات ومفردات وصور أهمها في هذه الأبيات من وجهة نظري صورة ذلك الشاعر الذي يريد اختطاف إمارة الشعر من أمير الشعراء لو كان واحدا آخرًا غير شوقي.. ومتى يختطفها أو يغتصبها.؟ (ظهرا) تخيلوا..؟ أي في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فوقتئذٍ لا يخشى أحدًا من أجل الحصول على هذه الإمارة وسيفعل أي شيء في سبيلها ليخطفها من يديه .. لكن طالما هي في يد أحمد شوقي فلتخفت كل الأمنيات، ولتهدأ كل الانفعالات، ولتـُخمد كل نفس هواها في الإمارة، تلك التي لابد إذن أن تكون معه هو، لأنه يستحقها وحده دونما الشعراء أجمعين.. فيبايعه شاعرنا على الملأ ويجدد عهده معه قائلا: فخذها بيعة منا جميعا...وليس هذا فقط بل واعتبرني مذنبا في حقك إذ خطرت على بالي تلك الفكرة المجنونة، واليوم تابا. من أعلى أبيات الديوان على الإطلاق وأهمها.. صورة شعرية غاية في الانطلاق والسلاسة والقوة.. صورة مدهشة ، تخطفك من نفسك حين تتصور هذا المشهد الدرامي كلما دخلت كرمة ابن هانئ وتصورته في حديقته أو في مخدعه وزيد الثقفي يدخل مسرعًا عابرًا الممرات والحراس ليهجم عليه ليخطف الإمارة .. خيال واسع أيما اتساع، ولكنه مقنن؛ إذ يعود بسرعة البرق ليفيق ويعرف قدره أمام الأمير.. وهو في هذه الحالة لا يعبر عن نفسه فقط بل عن كل الشعراء أمام شوقي، فيتسرب نفس الإحساس إلى كل شاعر يقرأ أعماله أو يتذكره في ذكراه.
وقد تخير الشاعر أسلوب الخطاب الشعري المباشر أحيانًا والرمزي أحيانًا أخرى حسبما يقتضي حال النصوص وموضوعاتها التي سارت بشكل متواز ٍ فلا القصائد العاطفية أقوى من الاجتماعيات ، ولا القصائد الوطنية أقوى من الإخوانيات .. لكنها جميعا تسير على مستوى رفيع تغمرها العاطفة الجياشة والهدوء النفسي حيث لا تميل لغته إلى الثورية وإنما يفصل القضية ويبرز معالمها ويوضح وجهة النظر في هدوء الواثق من نفسه .. يقول مثلا في قصيدة عاطفية بعنوان (أخطأت):
أعلمُ أنني أخطأتُ
وأنني بدأتُ جولة ً قوية ً مِن الغرامْ
وأنني مُصارعٌ
بدأ الجولة َ بالضَّرب على الحزامْ
وأنني مُدافعٌ
أعاقَ خصْمَهُ
إذ ْ كانَ مُنطلقـًا إلى الأمامْ
وأنني كباحثٍ عن مَخرج ٍ
مُعاكس ٍ للسير ِ في معمعةِ الزّحامْ
أعرفُ أنني أخطأتُ
لكنني أحبّها
ومَن يُحبُّ هلْ يلامْ؟
وفي (إقالة حرف) حول أطفال العراق يقول :
تدثـَّروا أيُّها العـَـارون في كَفني
فـــــلا زمانكم هذا ولا زمنـــــــي
كأنني أنـــا مســــئولٌ ومتــــهمٌ
عمَّــا أصابَكُمُ مِن شدَّة الوهــــــــن ِ
ومِنْ عُري ٍ ومن جوع ٍ ومهزلــةٍ
وقســـوةِ الظلم ِ والتنكيـــل ِ بالبـــدن ِ
وطفلة ٍ حرَمـوها رمزَ عِفـَّتــِــــها
وأشْعلوا رأسَها شَيْبًا ولمْ يحـــــن ِ
يا طفلَ بغداد عُذرًا ليـسَ يستُرني
إنْ قلتُ فيكُمْ قصيدًا مُترَفَ الشَّجن ِ
ولا أقولُ بأني لستُ مُتصــــــلاً
بما جرَى فسكُـــــوتي قمة ُالعَفـَنِ
ويقول عن الروتين في أمتنا العربية التي :
تحتاجُ تنمية ً ... تحتاجُ توعيــة ً
تحتاجُ أنْ تقسِّمَ الرُّوتينَ أرباعـــا
حتى ينالَ بفضل ِ الجَلدِ إشبــاعــا
كمْ مبدع ٍ ضيَّعَ الرُّوتينُ مبــدَعَهُ
يضيعُ قومِي والرُّوتينُ ما ضـاعا
إضافة إلى القصائد الإنسانية العامة والتي تتناول فيها الإنسان في كل مكان
وهكذا نجده يحافظ على نفس القوة وانضباط النفس والرصانة في كل قصائده، فلا تفاوت ولا ترهل أو صعود أو هبوط بين قيمة القصائد وقوتها مطلقا. ولا يدعو هذا إلى الرتابة مثلا لأن اختلاف الموضوعات واختلاف التناول وطريقة الأداء والقالب كلها عوامل كفيلة بعدم الملل أو الرتابة. فيجد القارئ نفسه منتقلاً رغمًا عنه في كل قصيدة إلى جو مختلف تمامًا عن سابقه. ومن الخاص إلى العام ، ومن العاطفي وآلام الفراق ولوعة الشوق إلى الغربة وتشتت العرب وانعدام الإحساس الجمعي والانشغال بتفاصيل فردية عن الأهداف القومية الكبرى ، ومن الحنين إلى الوطن إلى دفقات شعورية جامحة نحو اعتزال القلم والشعر لأنه لم يف بحاجته كشاعر وفنان.. أو لأنه لم يرض غروره ولم يحقق به أهدافا سامية سعى إليها، . التي يجد القارئ نفسه فيها بالضرورة.
وينفرد الديوان ببعض الصور الشعرية الخاصة والمنتقاه بعناية، والمعبرة في بعض الأحيان عن جو الصحراء مثلاً: في قصيدته (ثقيف) .. إذ يدعوها قائلاً:
فتربَّعــــــــي فوقَ السَّحــــابِ تدلـُّلا ً
كيما تـُرَيـْنَ شبيهــة َ الجَــوْزاءِ
فيما تأتي قصيدته لأني سعودي كمقدمة لقصيدة ثقيف وهي غنائية باللهجة الشعبية لتؤكد شفافية الروح وروعة الإحساس بالانتماء إلى موطنه الأصلي السعودية موطن الكرم والجود الذي لا يرد محتاجًا أبدًا.. والذي يتقدم إلى الأمام دائما بلا رجعة.
ولكن في قصيدة أخرى تطفو على السطح الصور والحالات المصرية فيكرر النداء لمصر صراحة ووضوحًا وكأنه يتغنى باسمها طربًا في بيتين متتاليين.. فيما يأتي اسم مصر أربع مرات على مدى القصيدة وكذلك معالمها الكثيرة .. يقول:
فما شعرتُ ببُعــدي عن أحِبَّتـِنا
وما شعرتُ بأني غِبتُ عن بلـدِي
يا مصرُ رفقـًا فلِي قلبٌ جوانِحـُـهُ
تقتاتُ من ماءِ نهر ِ النِّيلِ فاتـَّئدِي
ثم مؤكدًا حالة النجوى والشجن التي يعيشها كل من يمرّ بشط النيل وقت الغروب ومشيرًا في بعض أبياتها إلى انتصارات مصر ومعاركها ومعبرًا عن عراقة الحضارة المصرية القديمة والحديثة فيقول:
يا مِصرُ كمْ طافَ بي حُلمٌ يراودُنـي
بأنْ أرَى روعة َ التاريخِ بالبلــــدِ
أرَى الذينَ أذاقوا كـــــــُلَّ مُغتصِــبٍ
لسْعَ السِّياطِ وطعْمَ الذلِّ والكَمَـــــدِ
ومَن بَنوا مَجْدَهُمْ بالنـَّفس ِ مُذ ْعَبَروا
وحقـَّقوا النـَّصربعدَ الجُهْدِ والكبَدِ
وأنْ أطـــاولَ أهرامًا لهــــــا حِقـَــبٌ
غدَتْ لأرضكِ مثلَ الطـَّودِ والوَتـَدِ
وأنْ أسيرَ على الأقدام ِ مُتـَّكِـــئـًا
على عَصا بُرجك المُمتدِّ كالأبـــــَدِ
وأنْ أعيشَ غُروب النيلِ ألثمُــهُ
فروعة ُ النيلِ قد تـُغري على الحَـسَدِ
وغير ذلك الكثير؛ مما يؤكد على هذا العنوان الذي يحمل إغواءات وإغراءات معينة ودلالات كثيرة لا يُخطئُها القارئ أبدًا، فالعنوان (في حب مصر) يشير وبقوة إلى تلك التي احتضنته سنوات طويلة؛ فأراد أن يكافئها بهذا النص الشعري المعبِّر، وأن يبلغها فى الختام تحية وقُبلة من أهل ثقيف ونجد، كدليل موثَّق على الروابط القوية الحميمة ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا أيضًا والتي تربط بين مصر والمملكة العربية السعودية منذ قديم الأزل.
وجدير بالذكر أن شاعرنا زيد الثقفى أصدر هذا الديوان بعد إلحاح الأصدقاء والمتلقين الذين استمعوا إليه وإلى قصائده في المحافل الأدبية المختلفة في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال الأعوام السابقة، وفي مكتبة الإسكندرية وضمن الأيام الثقافية السعودية المصرية، كما شارك فى أمسيات شعرية أخرى في بيروت من خلال برنامج جامعة الدول العربية ومؤتمراتها، وكذلك في إندونيسيا وأيضًا داخل المملكة العربية السعودية، ونشرت له الصحف العربية المختلفة وبثت قصائده البرامج الإذاعية والتليفزيونية؛ مما جعل صدور هذا الديوان ضرورة ملحة من ناحية القراء والمتلقين رغم عزوفه عن النشـر وزهده الواضح في الشهرة.
والشاعر زيد الثقفى قام بتأليف العديد من المسرحيات الخاصة بفئة الصم والبكم عرضت فى مدينة جدة، وعمل معلمًا للغة العربية ثم مشرفًا تربويًا للمعوقين، وأعير لرابطة العالم الإسلامي وعمل مديرًا لمكتب الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بالقاهرة لمدة ست سنوات، وكذلك حصل على درجة الماجستير فى التربية عام 2003 تخصص صحة نفسية، ويواصل دراساته للحصول على درجة الدكتوراه فى التربية....
حول غلاف الديوان :
صمم غلاف هذه المجموعة الشعرية الدكتور عبد الله دخيل الله الثقفي،، وربما من المنصف أن نقول أن الغلاف جاء معبرًا جدا عن نصوص الديوان وعنوانه ، فثمة رجل وامرأة يتقدم أحدهما الآخر ويمدان أيديهما إلى الأمام نحو شيء ما يعترض طريق الذراع الممدود .. إلا أن الذراع يخترق هذا الشيء بالفعل، كما جاءت ألوان اللوحة هادئة إلى حدٍّ كبير يمتزج فيها الأخضر والأصفر الفاتح بالبنفسجي الهادئ مع البني الخفيف جدا،، وتماوجت ريشة الفنان صعودا وهبوطا لتخرج لنا لوحة ذات مصداقية خاصة.. وجاء اللون الأزرق الفاتح أيضًا ليشكل شخوص اللوحة وحدود الأشياء، فيما لم أجد اللون الأسود مطلقا إلا في العنوان واسم الشاعر، وكأن العنوان واسم المؤلف بهذا اللون المميز يخترقان كل هذه الألوان فيبرز المعنى المقصود دونما عناء من المتلقي .. فيما جاء ظهر الغلاف مؤكدا هذه الاختراقات بقوة فظهرت بعض الوردات البسيطة مخترقة السيرة الذاتية للشاعر. لقد كان الفنان الدكتور عبد الله دخيل الله الثقفي موفقا في اختيار الألوان ورسم اللوحة.
(اختراقات لحواجز من حروف ) مجموعة شعرية جديرة بالقراءة مرات أخرى، لأنك في كل مرة سوف تكتشف نفسك من جديد. لتصالحها على العالم من حولك.. كما صالح الثقفي جمهوره بها.
وجدير بالذكر أن الشاعر زيد الثقفى يستعد لإصدار ديوان شعرى باللهجة النبطية سيكون مفاجئة للقراء ومنه:
أحلى وداع ابتسامة شوق ولهانة
متعطشة للقا فى الموعد الثاني
وأحلى عيون بدموع العشق غرقانة
لا صابها من غيوم البعد هتاني
والساعة الى برسم الوقت غلطانة
فيها الثوانى تعادل سالف ازماني
بين الشروق وغروب الشمس كسلانة
احثها للمسير ودوم تعصاني
كن العقارب فروع اشجار دبلانة
مات الورق والسبب فى موت الاغصان ِ
بقلم الشاعرة / شريفة السيد