المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراحل تطور الموضوع القصصي عند الأديب / أحمد فؤاد


محمد سامي البوهي
07-04-2008, 12:43 PM
رؤية خاطفة بمراحل التطور النوعي
بالموضوع القصصي عند الأديب
أحمد فؤاد

من عناصر البناء القصصي الأساسية ، الاختيار الأمثل لزاوية القص ، وحصر الفكرة الرئيسة بين أضلع تلك الزاوية ، وذلك لصناعة الموضوع القصصي ، وبالطبع يختلف كل صانع أو قاص في طريقة صياغة موضوعه القصصي ، الذي يتكون من تركيبة خاصة ، وخلطة سرية لا يفك شفرتها إلا الكاتب نفسه ، هذه التركيبة التي تكاد تكون موادها واحدة ، ولا تختلف مفرداتها من قاص لآخر ، مثل اللغة ، والسبك القصصي ، والخيال ، والتراكيب ، و المنظومة القصصية نفسها ، التي تسير بقالب محدد لا خلاف عليه من حيث المضمون ، ولكن الاختلاف يكمن في أولوية سبك تلك المواد ، فهناك من يضيف اللغة أولاً ثم يأتي بالمادة الحكائية ، ثم يقوم بعمل إبدال في المنظومة القصصية نفسها ، وهناك من يترك المنظومة القصصية بشكلها المتعارف عليه ، ولكن تكمن اللعبة في استخدامه الترميز معتمداً على اللغة ، وهكذا ... ولكل كاتب جين معين تتوارثه أجيال نصوصه ، وتتناقله فيما بينها ، وبه يتميز قلمه ، ويتخذ لنفسه ملمحاً معيناً يختلف عن ملامح أقلام الكتاب الآخرين ...
هنا وفي تلك الرؤية المتواضعة ، أتناول جانب تطور الموضوع في أدب الأستاذ أحمد فؤاد ، هذا التطور الذي ظهر جلياً ، وبصورة تدريجية ، في الآونة الأخيرة ... فقد تابعت جزءاً من نتاج الأستاذ أحمد فؤاد ، وقد شعرت بهذا التطور من خلال عدة قراءات مختلفة ، لبعض من قصصه التي أتحفنا بها بالأروقة ...
- حبيبي لا تتركني وحدي
- لا تنساني
- مظاهرة من أجل غزة
- الصنبور ...

القارئ المتتبع لمسيرة آلية نشر هذه القصص ، يستطيع أن يضع يديه على نقاط هامة وأساسية ، أهمها تطور استراتجية إختيار الموضوع القصصي ، لدى كاتبنا ، وكيف أنه يقوم في كل مرة بإسناد المفارقة إلى النهاية ، على حساب الموضوع القصصي ، وكأنه كان يرسم النهاية أولاً وعليه يقوم بغزل النسيج القصصي ..

فقصة (لا تنساني )مثلاً ، تحكي عن شاب صغير ، قام بأداء صلاة العيد ، وبعد أن قدم التهنئة لأقاربه وأصدقائه ، ذهب إلي الفتاة التي يحبها ، فاستقبلته بالأحضان ، وقضى معها يومه ، وأهدته قطعة من القماش مطرز عليها اسمه ، وهو بادلها الهدية بقلادة منقوش عليها آية الكرسي ، ثم ودعها وهي غارقة في دموعها ، وقبل أن يتخذ طريقه للعودة لمنزله نظر نظرة أخيرة للمبنى الذي يحويها ، والتي تعلوه لافتة كبيرة مكتوب عليها (دار رعاية الأطفال الأيتام)...
بالعودة إلى القصة نجد أن موضوعها بسيط جداً ، يتكرر كل يوم ربما ، قصة حب بين شاب وفتاة مراهقة ، ولقاء بريء ، تبادلا فيه هدايا رمزية ، من زمن المثالية ، ولكن تأتي المفارقة في النهاية ، بأن هذه الفتاة ليست فتاة عادية ، بل هي فتاة تقطن دار أيتام ، وبغض النظر عن خوض أغوار القصة من حيث المعقول واللامعقول ، لكنها من الناحية الفنية ، قصة اعتمدت على النهاية ، بغض النظر عن كون الموضوع نفسه ..
.
.
ثم تأتي قصة (حبيبي لا تتركني وحدي)، لتستمر عن إعلان بصمة كاتبنا ، إختياره جسد بسيط ، وغير متكلف للقصة ، واعتماده الكلي على النهاية التي تأتي بالمفارقة ، فقصة حبيبي لا تتركني وحدي تحكي عن صديق اسمه مدحت ، مدحت لم يكن صديقا عادياً بل هو رفيق له لمدة تجاوزت العشرين عاماً ، إجتمعا فيها على حب الأدب ، وإعداد المسابقات أثناء الدراسة ، ورغم أن العلاقة بينهما قد أصابها فتور نوعي ، بعد المرحلة الجامعية ، إلا أنهما كانا يتواصلان من آن لآخر ، تلفونياً ، فبطل القصة يتذكر دائماً تلك الآيام التي قضاها مع صديقه مدحت الذي احترف الأدب ، فقد كان ينصحه دائماً بأن يسجل روايته حبيبي لا تتركني وحدي ، إلا أن بطلنا لم يعبأ بالأمر فو مجرد هاو ولا يهمه إن تم سرقتها أو اقتباسها ، وهو اليوم جاء ليشارك صديقه مراسم حفل تكريمه ، وإن كان مدحت لم يقم بدعوته فالواجب حتم عليه الذهاب للحفل ، لكنه تفاجأ بأن مقدم الحفل يعلن تكريم مدحت رحيم عن روايته حبيبي لا تتركني وحدي ... ونجد أديبنا أحمد فؤاد قد اتخذ نفس النهج في قصته مظاهرة من أجل غزة ، ولكن بأسلوب ، وبطريقة أكثر تطوراً ، فقد أدخل أديبنا عنصراً هاماً جداً في المنظومة القصصية ، ألا وهو عنصر التشويق ، فالقصة تحكي عن هاني الذي ينتظر مكالمة ما على جهازه النقال أثناء سيره بميدان عام ، لكنه تفاجأ بأن الميدان ممتلئا عن آخره بالكتل البشرية ، التي تهتف ضد العدو الصهويني ، والتي تندد بإعتداءاته المستمرة ضد الشعب الفلسطيني ، فتأتيه المكالمة المنتظرة وسط هذه الجلبة ، والثورة العارمة ، فيرفضها لاستحالة الرد ، ولكن بعد أن تمر جحافل الحشود ، يضغط على زر الاستقبال ، ليجد صوتاً يحدثه بعصبية لتأخره ، عن إحضار تذاكر السينما ...
ولكن اختلف الأمر كلياً مع قصة الصنبور ، فقد رأيت تطوراً جذرياً في الشكل والمضمون بالنسبة لعالم القص عند أديبنا احمد فؤاد , من العنوان المختصر الذي نستوحي منه دلالات كثيرة ، فالصنبور هو مظهر من مظاهر الحياة بأي مكان ، لكن صديقنا اتخذ من هذا الرمز شكلاً آخر ، أشبه بهذه الطريقة الإحترافية التي تمارس كوسيلة تعذيب بالمعتقلات ، هنا تقمص قاصنا الرائع ، شخصيةفتاة مريضة بمرض الهلاوس السمعية ، أو الوسواس القهري ، مستخدماً جميع تقنيات القص ، بصورة نموذجية ، من تدرج زمني ، و عناصر تشويق ، ومقاطع مشهدية ، ومعادلات موضوعية اعتمدت على الأحداث الثانوية ، ثم تاتي النهاية ، بأسلوب اختلف مائة وثمانين درجة عن أسلوبه السابق ، فقد ترك لنا النهاية مفتوحة ، لتظل الفتاة في مكابدة مع هذه الهواجس ، والوساوس القهرية ، التي اقترنت بأحداث مخيفة ، وخلفية سينمائية مرعبة ، وظلال متوهمة ... صاغ أديبنا القصة في قالب زمني ، فتح له باباً واحداً لدخولنا ، ولكنه ترك لنا أبواباً عدة للخروج ، فالقصة بدأت يوم الأحد وانتهت يوم الأربعاء انتهاء مجازياً ، ولكن بقي وقوع الحدث المتغير مستمراً ، وهو الوقت الفعلي لنزول الحدث، وومن هذا الزمن المتغير استمد الكاتب نهايته التي أغلقت باللانهاية ، حيث الإنفتاح على عالم التأويل المتعدد ...
اختلفت القصة كما أسلفت عن سابقيها من حيث الشكل والمضمون ، فهي قصة فتاة ، عاشت في صراع مع صوت تسرب الصنبور بمنتصف الليل ، وهو وقت تجمع الهواجس ، التي يمكن للانسان الطبيعي أن يتخطاها بالنوم ، ولكن يبقى الشخص غير الطبيعي يعاني منها ، حبذا لو أشعلت هذه الهواجس عوامل خارجية كحال تلك الفتاة التي ضخمت هذا الصوت البسيط المتقطع واللامستمر ، حتى أنه أصبح وحشاً يهدد أمنها ، فهذا يرسخ لنا بأن من الممكن لكل انسان أن يخلق قاتله ، حتى لو كان قاتله هذا مجرد قطرات مياة تسقط من صنبور ... القصة تحمل اسقاطات كثيرة ، فبها اسقاطات نفسية انسانية ، وبها اسقاطات اجتماعية ، وواقعية ، ومن الممكن ان نسقطها على واقعنا العربي والسياسي ، فالقصة هي قصة منشورية من العيار الثقيل ، التي يمكن أن تقرأ وتفسر على أكثر من وجه ..
في النهاية ، أستطيع وبكل ثقة أن أقول بظان قصة الصنبور هي مرحلة جديدة ، وقفزة ماهرة لأستاذي أحمد فؤاد ، تكشف عن امكانات قصصية منفتحة على فضائنا الشاسع ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من فاعليات قراءات أعضاء الأروقة بدولة الكويت

د. نجلاء طمان
08-04-2008, 01:23 PM
أشيد بالقراءة الرائعة للأديب القاص: محمد سامي البوهي, والصاعدة مع السلم التطوري في أعمال الأديب القاص : أحمد فؤاد, و نجح الدارس إلى مدى بعيد في تناول الحركات الفنية والمؤثرة في أربع أعمال للأديب خدمت رؤيا الدارس بشكل رائع, وهذه الأعمال على الترتيب :

لا تنساني
http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=139
........
حبيبي لا تتركيني وحدي

http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=1261
...........
مظاهرة من أجل غزة

http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=3288
.........
الصنبور

http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=3438
........


وقد احتجت قراءة القصص المذكورة مجتمعة للوقوف على السلالم التطورية للقص كما تناولها الدارس, وقد أعجبني من الردود:

في القصة الأولى رد الفيلسوف الناقد الفذ جوتيارتمر:

لاتنساني / نص اعجبني فيه الفكرة / التي غطت مساحة وجدانية كبيرة / من حيث عمق مداليلها الانسانية / وكأني ب (لا) هذه تعبر عن مأساة حقيقية داخل النص / فجاءت نبرتها عميقة / خارقة / النفس يملك نفساً سردياً متميزاً / ويرتكز على اختيار البساطة في اللغة والفكرة و البناء/ فيشد القارئ حتى ليكاد يمسك عليه أنفاسه بحثا عن لحظة انفراج من سلطة السارد المتحكم في عناصر اللقطة المراد تصويرها بخلفياتها الاجتماعية والعاطفية/ إنها بساطة الإمتاع التي يتعلق بها القارئ / وهذا ما اراك قد نجحت فيه وباميتاز.
...........
وفي الثانية رد السامق الفذ د. محمد حسن السمان:

" حبـيـبـي لا تتـركـنـي وحــدي "
قرأت هذا النص الجميل بناء , والذي تقدم نحو عقدة الحدث , باسلوب يسر العبارات ,
ضمن تفصيلية , يشعر القارئ معها بجمال العلاقة الأخوية بين صديقي مقاعد الدراسة ,
سواء من خلال وصف حيثيات العلاقة , أو من خلال رسم ملامح شخصية الصديق , بين
الود والإعجاب , لدرجة أن القارئ يذهب في خياله , إلى توقعات إيجابية حلوة , بل يزيد
وقع الجو المفعم بالبهجة , وحميمية العلاقة , عندما نصل إلى بيئة مشهد الدخول إلى
عقدة العمل :
" خانتنى دموعي ، و أنا أتذكّر صَداقة العُمر التي حَفَرَت ملامحها داخل قلبي .

فاليوم ... آتي بِكُل فَخر وحُب لأقف بِجوار صديق عمري ، لأكون أوَل من يُهنّئه كما اعتاد
سابقاً ، وبالرغم من أنه لم يدعوني إلى الحَفل ، إلا أنني كنت أعلم مدى ضيق الوقت
بالنسبة له ، للاستعداد لهذا الحفل الضخم ."
لـتأتي النهاية على شكل غير متوقع , بل جاءت قنبلة تنفجر , لتعكّر الصفاء الروحي والنفسي ,
الذي وضعتنا فيه السردية الجميلة السابقة :
"
ومن بعيد رأيت مُقدّم الَحفل يبتسم قائلاً :


" سيداتى آنساتى سادتى ... يُسعدنى أن أعلن لكم عن تكريم الأديب الكاتب " مدحت رُحَيّم "
عن قِصّته الرائعة (حبيبي لا تتركني وحدي ) !!!!!!!!!! "

قصة " حبـيـبـي لا تتـركـنـي وحــدي " , عمل قصي موفق جدا , رسم باللونين الأبيض والأسود ,
يتصدى لحالة أخلاقية , وقد امتدت رقعة اللون الأبيض فيه على مدى النص ,
وظهر اللون الأسود على شكل لطخة , ذيلت البياض .

......

وفي الثالثة رد الأستاذة المتألقة ريم بدر الدين:

للحظة الاخيرة ظننت أن المتصل من السفارة الاميركية فقد تعودنا على التناقض بين المبدأو التطبيق
تبقى ردود فعلنا تجاه ما يحدث غوغائية غير مرتبة و إنما نتاج لحظتها الآنية
أسلوب ممتع في القص شدني للكلمة الاخيرة من النص
ومازال التفكير مستمرا

......وفي الرابعة وهي أروعهم على الإطلاق اشترك الأساتذة الثلاثة المبدعين:
ريم بدر الدين, ويمنى سالم , وهشام آدم في وضع ثلاثة أبعاد مختلفة للبعد النفسي للقصة كل من وجهة نظر خاصة, أعطت أبعادًا رائعة للقصة, والردود هي على الترتيب:

الأأستاذة المتوهجة يمنى سالم:


سكنت هذا السرد كثيراً، أستدعي الكلمات، ولكنها لا تحضرني، بعيداً عن أي نقد أو جنون لغوي سأرتكبه هنا.
تمر بنا حالات نفقد أعصابنا فيها من خلال سماع قطرات الصُنبور وهذه حقيقة.
لكن لماذا تختلف شدة العصبية من شخص لآخر، بطلة قصتك قلقة، ومتوترة، ولكنك استخدمت هذه الإسقاطات النفسية لتؤسس حقيقة ثابتة أن المرء حين لا يكون مستقر نفسياً ويشعر بالأمان يسعى لتأويل كل ما يحدث حوله بشكل يفزعه، ويبدأ في البحث عن قوة تترصده أو تحاول تعقبه أو حتى قتله، وهنا انتقلنا من جرد قلق وارق، إلى حالة مركبة من الوسواس، مع أنها لو حاولت قليلاً أن تتفحص كل الحنفيات ستجد حتماً واحدة منها تصدر ذلك الصوت.
فلجأت للتأويل السريع والبسيط، وكأنها لا تحاول أن تطمئن نفسها أبداً، ثم جاءت حكاية جثة الجار لتعزز الخوف في داخلها وتوضح لنا أن خوفها لم يكن جُزافاُ؛ بل وفاته في مسبحه مفارقه أخرى لم تلتف هي لها.
وتبلغ تراكمات الخوف حدها حين تعرف أن مصدر الصوت صُنبور المسبح، إسقاط آخر عميق جداً، بدأت سلسلة الخوف مجدداً، ولكن هذه المرة من خيال سيغرقها كما غرق جارها، رغم أن المسبح خالي من الماء.
وتأتي لحظة تنوير قوية حين يزداد الخوف لتجد والدتها تقف بالجوار، كنوع من الأمان الداخلي للبطلة، توارت القصة بشكل مرعب للحقيقة وكأني في حضرة أحد الأفلام.
يبدو أنك أجدت تقمص شخصية مركبة ومعتلة نفسياً، ولستُ بصدد تشخيص الحالة، ولكنك أذهلتني بالفعل، أسلوب جميل وراقي، ودهشة لم تفارقني طيلة قراءتي.
يبدو أننا على موعد مع تقنية كتابية عالية الجودة والجمال.
..........
الأستاذة الألقة ريم بدر الدين

قرأت هذه القصة باستمتاع شديد جدا
أولا لاتخاذها شكلا يسترعي انتباه القارىء حيث كانت على شكل مقتطفات موثقة من دفتر مذكرات و هذه طريقة جميلة لإثارة فضول القارىء
و من ثم لدخولها في تفاصيل الحالة النفسية للشخصية
الصنبور الذي يصدر كل ليلة في ساعات معينة هذا الصوت
ربما سمعته مرة أو مرتين لكنه أصبح فيما بعد هاجسا
ربما اختفى الصوت من الحقيقة مع اكتشاف الجار المغدور في حوض حمامه
و لكن بقي عقلها الباطن يرفض قبول انتهاء الصوت و كأنه بذلك يضع مبررا لاستمرار خوفها من مجهول ما و بأنه ليس من صنع الوهم و هذا مشترك إنساني فكلنا نصنع هاجسا أو وهما و من ثم نصدقه ليصبح من أبجديات حياتنا
أراه سيقودها إلى نوع من اللاسواء النفسي برغم حضور شخصية الام كصمام أمان
و ربما هذا النص يفسر كيف يستخدم صوت تنقيط المياه الرتيب كوسيلة للتعذيب في السجون لانتزاع الاعترافات حيث يصل السجين إلى حافة الجنون
.........
والأستاذ المبدع: هشام آدم

لستُ بصدد إبداء قراءة نقدية، ولكن مما لا شك فيه أننا أمام نص يستخدم تكنيك الإحالات النفسية. سأشرح ذلك بالتأكيد، ولكن دعني في البدء أصفق لك على هذا النص الجميع والممتع بحق. وأتمنى أن تسمح لي أن أصفق أيضاً للأخت يُمنى سالم على قراءتها الجميلة رغم أنني أختلف معاً قليلاً. هذا الاختلاف يأتي في مصلحتك بالضرورة، فالقصة الجميلة هي التي توحي بأكثر من قراءة وأكثر من تفسير.

الإحالة النفسية في هذا النص، تعني إسقاط حالة الخوف على الأشياء وليس العكس كما رأت الأخت الفاضلة يُمنى سالم. بمعنى، أنّ حالة القلق أو الخوف هي الحالة الأصيلة، في حين يأتي الموقف معززاً لهذه الحالة النفسية. وليس العكس، صوت صنبور المياه لم يكن في الحقيقة سبب خوفها أو قلقها في الحقيقة، وإنما كان مجرّد عذر منطقي للتفريغ عن هذه الحالة النفسية المتوترة يدلنا على ذلك تأثرها بأفلام الرعب كما قالت البطلة بنفسها، وكما اتضح من قبل –أيضاً- في خيالاتها التي تنم عن ذلك بالفعل لاسيما في مشهد (خوفها من النظر إلى المرآة).

إذا اكتفيت بإرجاء الحالة النفسية غير السوية إلى حالة خوف ناشئة من أفلام الرعب، فهذا قد يكون نوعاً من السطحية المفرطة، ولكن الأمر –في نظري أعمق من ذلك- الأمر متعلق بحالة أسرية أو بحالة اجتماعية إن صدق حدسي. هذه الحالة الاجتماعية هي التي خلقت شخصية إنسانة قلقة دائماً ومستعدة للخوف، ولكن لكي تقنع نفسها أو لتبرر لنفسها هذا الخوف فإنها تتوهم صوت الماء المتساقط من الصنبور.

الأمر كمن يُحس بأنه بحاجة إلى البكاء، ولكن عدم وجود سبب منطقي للبكاء يجعله يخترع مسببات تجعله يبكي دون أن يُحس بالخجل من بكائه بلا سبب. أو يتخذ من حزن شخصٍ آخر سبباً وجيهاً يجعله يبكي، ونرى ذلك في الأشخاص الذين يغرقون في نوبات بكاء حادة في مأتم ما، لنكتشف أنّ ليست صلة قربى تربط هذا الشخص بالشخص المتوفى، فنعض شفاهنا ونقول "هذا الشخص غاية في الشفافية!"

هي اخترعت صوت الصنبور لأنها كانت بحاجة لأن تخاف، ولأنه ليس من المنطق أن يخاف أحدنا لسبب غير منطقي أو غير موجود؛ فقد كان لا بد لها من إيجاد هذا السبب. لا شك أنّ هذه الفتاة مصابة بالشيزوفرينيا أو الفصام، وهو مرض الهلوسات أو الضلالات كما يُعبر عنها الطب النفسي بالعربية. والمصابون بهذا النوع من المرض أذكياء جداً في خلق روابط بين الواقع أو الوقائع وبين خيلاتهم غير الواقعية بحيث تتكيّف هذه الوقائع مع خيالاتهم لتبدو لهم وساوسهم وهلوساتهم مبررة الأمر الذي يجعلهم مقتنعين تماماً أنهم الوحيدون الذين يعرفون بوجود هذه الأشياء وأنّ البقية مخطئون.

لقد توقفت كثيراً عن نهاية القصة، ورأيت أنّك حاولت جعل النهاية مفتوحة لاحتمالات عديدة وهو بالطبع أمر جيّد وجميل، ولكنني لم أستشعر هذه الجمالية بحيث أنني كدتُ أجزم بأنّ هنالك حلقة مفقودة يجب أن تسبق النهاية المفتوحة. بمعنى أنني لم أقتنع بالنهاية حتى وإن كان بحجة النهاية المفتوحة. الأمر بدا لي مبتوراً بطريقةٍ ما.

هل أردت أن تقول لنا بأنّ ثمة علاقة ما تمت بين الفتاة (البطلة) وبين الصنبور؟ هل أردت أن تقول أنّ هلوساتنا الحيوية غير المنطقية موجودة وستظل موجودة دون أن تنتهي؛ لنعتبر بذلك القصة قصة رمزية من نوعٍ ما؟ هل أردت أن تقول أنّ الحياة هي التي تتحكم في مصائرنا بطرق غير مبررة وغير منطقية، دون أن نملك لها تفسيرات واضحة ومحددة، وأنّ هذا الأمر حتمي ولانهائي؟

هذه هي الاحتمالات التي خرجت بها من القصة ومن نهايتها المبتورة بتلك الطريقة. ولكنني مقتنع تماماً بجودة هذه القصة وبإمكانيتها على شد الانتباه.
..............


كانت هذه لمحة نقدية سريعة في مراجعة التطورالقصصي وردود فعله تبعًا لما جاء في الدراسة

للدارس والقاص كل التحية

د. نجلاء طمان

حمدي ليلة
10-04-2008, 07:22 AM
استمتعت من قبل بالاستماع إلى القاص
الأستاذ محمد سامي البوهي
وكان لي شرف الحضور والتعليق ...
أكرر لك أستاذي محمد إعجابي بهذا العمل الرائع
وأحييك على هذا الموضوع الممتع ..
وفرصة جيدة للإشادة بالأستاذ أ.أحمد فؤاد والذي أمتعنا بأعماله
وكانت ليلة مميزة به وبالشاعر الجميل علي أسعد أسعد...
والشكر موصول للدكتورة /نجلاء طمان على هذا التجميع الرائع للمادة..

كلكم كبار ورفقتكم تنير العقل ..

د. سلطان الحريري
15-04-2008, 02:29 AM
دراسة واعية لتطور القص عند أديبنا الأستاذ أحمد ، وقفت بتمعن عند حدود ذلك التطور، وقد سعدت بالاستماع إليها في جلسة أدباء الأروقة في الكويت .
أديبان كبيران يستحقان التقدير .