محمد إبراهيم الحريري
31-03-2008, 10:26 PM
رؤية في ملحمة الخيانة للشاعر علي أسعد
http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=1053
فوق أعناقَ خيالي
رغم ترصيع شعوري بالقوافي
وانحسار الدوح عن جنح سؤالي
نير ألفاظ تقاسي من حطام
اليأس في تلك النفوس .
أوغلتْ في مشية الأقلام
أطراف تعاني من سقوط النور
والطهر لديها شبق يعصي الدواة
فتخلى الماء عن حقل المعاني واشتكى الناعور من قشر الجواب .
لست أشكو من ربيع أو شتاء أوفصول بل من الإنسان
يجري تحت شرك العقل حينا
وأحايين إلى بئر تغطت بمتاهات الحياة
هنا أجد أن أواني الصمت قد تحطمت وانبلج شعر نتيجة حالة نفسية وشعورية أدت بالقلم إلى ارتكاب جريمة البوح وتنشيط ذاكرة الصبر على ملحمة شعرية رسمت للواقع تاريخا موشى بالقهر والأسى .وجدت ُ
القلمَ في محبرة الرصد اللا هوائي الخطا في عيون من سديم اللامكان ،
بين أزمان ضباب القهر فيها لم يزل يقتات روحا تسلقت سنان البيان على سفح مشاعر لترى الصبر ينكسر تحت ضغط من سمو العنفوان .
قارئ للروح حين الجمر ينداح نيرانا فيغتم الزمن ويبعث بالبصيرة في أرجاء الوجدان .
العابرُ سبيلَ العواطف في شعر علي أسعد يتوقف عند كل فاصلة وبين الحرف وابن عمه تتسابق المعاني إلى شرفة الجهر الصامت ، تشعل بالخيال أجنحة البقاء في علو الرصد ، وتلتحم الأخيلة في شبكية مشيمية الوصل فيما بينها من روابط تأخذ الوجدان حيث تلقي العيون الانبهار وتتعايش مع النص .
وللبرهان على ماهية الدفقات في سيل شعره نأخذ برهانا قصيدة ملكت مني السكوت إلى حين .
قصيدة لم أشعر بمرورها إلا والقلم يضرب في تأوهات ويخفي دفقاته وراء السطور .
وقد قيل : لغة الشعر إن وصلت إلى تمثل القارئ لها فالقصيدة تتدثر في لسانه ليكون الناطق الأدبي لها .
نبدأ رحلة ملحمة الخيانة وهي من الصدق بمكان لا يختلف عليه شاهدا تذوق .
طعم الخيانة في فمي
مُرّ ...
كطعم العلقم ِ
يبدأ الشاعر بجملة اسمية خبرية ضرب بلاغتها ابتدائي لا مؤكدات فيها ، فقد دخل بنا على حين دفقة جو النفور الخلقي المفعم بالأسى ليربط العيون والقلوب في خبر عاجل صادم للمشاعر .
فمن يقبل الخيانة ؟
وقبل التسكع في وديان الماضي حيث التناص مع قصيدة عنترة العبسي ممثل الكرامة والتمرد على العبودية ولكن يغيب الشطر الأول عن التناص لأن الظلم وقع على الشاعر وليس كما يقول عنترة :
فإذا ظُلمت فإنّ ظلمي باسل
مر مذاقته كطعم العلقم
طعم الخيانة في فمي ،،ونحن نعرف أن طعم الخيانة يكون بالمشاعر والقلب والنفس لكن الوضع هنا مختلف فطعم الخيانة في الفم وقد تجسد مرارة . ويباغت المتلقي قبل التقاط التنهيدة بخبر ثان أشد وطأ على العواطف ، والوجدان به غائص في مؤكد وكأن الشاعر يريد قبل المناقشة في أمر الخيانة أن يبلغ المتلقي بضريبة تدفعها النفس لغرض بلاغي وهو ضرب الخبر الطلبي ( إن انتحاري رحمة )ويلحق الخبر بجملة فعلية إنشائية جاءت على صيغة الأمر باستئناف مفاجئ للسرد الوجداني :
فاستمتعي بفراشه ، أهو طلب جاء على حقيقة اللفظ أم ازدراء بفعلتها ؟ ولم اختار الشاعر كلمة فراشه بإضافة الضمير المتصل بها إمعانا بمخاطبة الحاضر ملحقا بضمير الغائب ؟ إنها البلاغة محققة ضربة خاطفة معلنة بقصد وغائية مدى تاثير الكلمة في النفس وقد جعل الجو يحكي بصمت كل تصور ، ويلحق الجملة الفعلية بأخرى مثلها ليضع المتلقي قاب الدخول في الجو النفسي الذي يمر به الشاعر أو أدنى منه معايشة للصدمة .
واستمتعي بالوقت إن العمر أيضاً لحظة
مؤكدا من خلال تجربته وعمق نظرته للحياة إن العمر لحظة ، نعم هي لحظة في مقياس اللذة ، ولحظة في ميزان الطيش ، ثم العودة لساعات العذاب الروحي وتأنيب الضمير .
وقبل لملمة أطراف الحكاية من خلال القص بلغة المخاطب يعود بنا الشاعر لنقلة سريعة مفاجأة
أما أنا فلقد فررت من الدقائق والثواني.
مبتدئا الجملة بحرف التفصيل أما ، ثم العودة لضمير الأنا الناطق باسم الأسى ، فلقد فررت ، موغلا بالفرار من الدقائق والثواني بعد أن أسهمت اللحظة في تقرير خط سير حياته .
وأي مؤكد أقوى من الحرف لقد ، وكأنه يريد أن يقطع على المتلقي أي حبل للخيال في إمكانية العودة لوضع ما قبل طعم الخيانة .
ويستأنف الشاعر بجملة فعلية فعلها مضى ، وهربت حتى من كياني،
أطلقت خيلي في البراري كي تعيش على الهواءْ ، معللا فعلته بالعيش للخيول على الهواء ، وكلمة الهواء تنقلنا إلى متسع من المعاني ، منها صفاء المطعم فلا خيانة بالهواء ، ولا يمكن مضغه أو استكشاف مذاقه ، ومعنى آخر لكلمة هواء هو التخلي عن المحسوسات والبقاء في عالم روحي صوفي المدى .وزيادة في الإطناب التصوري للخيال يمكن القول : إن الهواء قفر فلا ماء ولا زاد فيه .
وغفوت تحت عباءتي
ويستأنف عطفا على مامضى بجملة فعلية خبرية الغاية
غفوتُ تحت عباءتي
وكيف ينام وهو الذي أعلن هروبه وفراره إن النوم ملاذ ٌ عملا بمثل يقول :
إن كثرت همومك فنم لها .ولكن الشاعر يبرر غفوته بخجله من الغيم وكأنه شاهد إثبات لحاله .وأي غيم هذا ؟ إنه الغيم الطفولي فكيف بالشاعر لو كان الغيم في فترة مراهقة أو وصل للرشد المطري ؟
خجلاً من الغيم الذي يحبو على سفح السماء ْ
ويضيف جرعة أكبر من دنان خجله بحال ٍ مقدمة ٌ على الجملة التي عللت سبب خجله من الدنيا التي لم تعترف يوما بدمع الأغبياء ، فقد أطلق كل خيله مؤكدا ذلك بكلمة كل حتى لا يبقى شك بتصور بقية ٍ.
أطلقت خيلي كي أموت بلا خيول ٍ ، وما الدافع الذي جعله يطلق الخيل ؟ يكشف لنا الشاعر لأنه يريد الموت بلاخيول باستعمال لا نافية للجنس ، وهنا أرى استعمال النفي بلا النافية للجنس ليس محض صدفة بل ،ـ وهي وجهة نظر ،ـ عودة لفعل الخيانة وما تبعه من أفعال .
كي أموت على التراب بلا كفن ْ
ويعيد الشاعر تبرير فعلته بإطلاق خيوله ليموت على التراب بلا كفن ، عاريا أمام الحقيقة لا يجمله كفن ولا يغطي من فعله شبر من حياة .وعلى التراب الذي يرمز بعودة الإنسان إليه مهما عاش وتمرد .وهي حقيقة مطلقة .
وليعلمَ التاريخ أن الموت أيضاً قد يكون بلا ثمنْ
هذا بعض مما دار في خلدي لدى المرور الطيع المكوث بين قهر نفس وتمرد قلم على الصمت ، ويبقى للحديث بسطة من حروف يسير عليها القلم ضاربا بالحبر في عرض السطور .
وأتوقع قارئا لما هلوست به سيقول ولكن اين الخيال والصور فيما قرأت ؟
أقول : اللغة الشعرية حين تنبجس تحت ضغط نفسي وتسحب الحواس معها إلى مجرى البوح لم يعد هناك ضرورة للصورة فقد تفسد الأخيلة الإطار العام والدقيق للمشاعر وتأخذ البصائر إلى حظيرة الظن بأن ما قيل هو مجرد قصيدة خالية من الحياة تكلفها ظاهر وتناصها مع غيرها أتى نتيجة تفكير عميق .
وكثيرا ما نجد التراكيب اللغوية تغني عن الصورة فمثلا في قول الشاعر الكبير نزار قباني :
عفوا فيروز ومعذرة ً
أجراس العودة لن تقرع
خازوق دق بأمتنا
من شرم الشيخ إلى سعسع .
أي صورة تستطيع لملمة الواقع بهذا البيان ؟
وهنا أضع عيني على قارعة الصمت فلقد وصلت مناسيب الموت البياني تحت خط الهمس حينا من ألم
وفي أنفسكم بقية من سؤال .
.................... .................... .................... .................... .................... .................... .
لقد تماهي الشاعر في حالة شعورية لم تنتظر سكينة من النفس بل طفقت تجمع له ملمات الآتي ونوائب الماضي القريب ليستمر الألم في حالة جدلية المخاض تنتج سؤالا كلما لاح للعيون خيال تمثل حقيقة وتعطيه ألف جواب كلها تتوالد من رحم العواطف .
لقد شخص الشاعر الحالة بصدقية وأفرغ أمام القارئ ما تشجر في نفسه من منغصات وأتلف الزمن بوقع ضربات المشاعر على رصيف الدموع .
اليوم أرجم إصبعي
وأزور وحدي مضجعي
أدري باني لو بكيتك لن تري دمعي الحزين َ
وإن صرخت منادياً لن تسمعي
وأنا هنا جسد تفتت كالرمادْ
نتفاً .. تطاير في الجهات الأربع ِ
ما عدت أقدر أن أزف إلى الدفاتر لوحة عشقية
فجميع ألواني سوادْ
ماعدت أقدر أن ألمّ مشاعري
فمشاعري تلفت
ونواظري تلفت
ودمي وهبته للتراب ِ
وأعلنت روحي الحدادْ
في هذه الزفرة تختلف الصرخة المحبوسة بين العيون وتنطلق أفعالا منفية وإعلان حالة طوارئ بالقلب وكل الحواس تشترك في دفع الضريبة .
.................... .................... ........
اليوم أختم قصة ً
وضعت بقلبي غصة ً
بهذه العبارة ينهي أمام غصة الروح فصلا من القصة ليبدأ فصلا آخر أشد مرارة في بعث الهواجس ليتشكل المستقبل لديه قاتما لا يستطيع تغيير ما رسمه إلا بنتف من أمل مهيض النفس .
هنا أضع القلم وأترك للقارئ تخيل ما بقي من الملحمة ، فقد أثقلت عليه ليكون الناطق بلسان الواقع حال الشاعر .
قد لا أعيش لأرسم النثرية السرية السوداءْ
قد لا أكون مهندساً
أضفي على شتى رسومي ما أشاء ْ
قد لا أكون معلماً
أعطي دروساً في الحساب وفي البغاءْ
لكنني رجل جريح متعبٌ
إن لم يجد حبراً
سيكتب بالدماءْ
.................... .................... .................... .................... ..............
من بعض أوجاعي تكون روايتي
من بعض آلامي تكون حكايتي
إن اتحادي وانقسامي
صدفةٌ
ولقاءنا في الدرب أيضاً
صدفة ٌ
وغرامنا الفردي أيضاً
صدفة
وفراقنا في الدرب نفسه
صدفة ٌ
ولقاءك العشقي سراً
صدفةٌ
وخيانتي
ومشاعري
ولباسك الليلي أيضاً
صدفةٌ
والثغر فوق الثغر ْ
والصدر فوق الصدرْ
هل كان هذا صدفة ً
؟؟؟؟؟
يا للصدفْ
.................... .................... ......
.................... .................... ........
أخي الشاعر علي أسعد
أرجو الله أن أكون وضعت سنان القلم على الحقيقة .
تقبل تحيات أخيك .
http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=1053
فوق أعناقَ خيالي
رغم ترصيع شعوري بالقوافي
وانحسار الدوح عن جنح سؤالي
نير ألفاظ تقاسي من حطام
اليأس في تلك النفوس .
أوغلتْ في مشية الأقلام
أطراف تعاني من سقوط النور
والطهر لديها شبق يعصي الدواة
فتخلى الماء عن حقل المعاني واشتكى الناعور من قشر الجواب .
لست أشكو من ربيع أو شتاء أوفصول بل من الإنسان
يجري تحت شرك العقل حينا
وأحايين إلى بئر تغطت بمتاهات الحياة
هنا أجد أن أواني الصمت قد تحطمت وانبلج شعر نتيجة حالة نفسية وشعورية أدت بالقلم إلى ارتكاب جريمة البوح وتنشيط ذاكرة الصبر على ملحمة شعرية رسمت للواقع تاريخا موشى بالقهر والأسى .وجدت ُ
القلمَ في محبرة الرصد اللا هوائي الخطا في عيون من سديم اللامكان ،
بين أزمان ضباب القهر فيها لم يزل يقتات روحا تسلقت سنان البيان على سفح مشاعر لترى الصبر ينكسر تحت ضغط من سمو العنفوان .
قارئ للروح حين الجمر ينداح نيرانا فيغتم الزمن ويبعث بالبصيرة في أرجاء الوجدان .
العابرُ سبيلَ العواطف في شعر علي أسعد يتوقف عند كل فاصلة وبين الحرف وابن عمه تتسابق المعاني إلى شرفة الجهر الصامت ، تشعل بالخيال أجنحة البقاء في علو الرصد ، وتلتحم الأخيلة في شبكية مشيمية الوصل فيما بينها من روابط تأخذ الوجدان حيث تلقي العيون الانبهار وتتعايش مع النص .
وللبرهان على ماهية الدفقات في سيل شعره نأخذ برهانا قصيدة ملكت مني السكوت إلى حين .
قصيدة لم أشعر بمرورها إلا والقلم يضرب في تأوهات ويخفي دفقاته وراء السطور .
وقد قيل : لغة الشعر إن وصلت إلى تمثل القارئ لها فالقصيدة تتدثر في لسانه ليكون الناطق الأدبي لها .
نبدأ رحلة ملحمة الخيانة وهي من الصدق بمكان لا يختلف عليه شاهدا تذوق .
طعم الخيانة في فمي
مُرّ ...
كطعم العلقم ِ
يبدأ الشاعر بجملة اسمية خبرية ضرب بلاغتها ابتدائي لا مؤكدات فيها ، فقد دخل بنا على حين دفقة جو النفور الخلقي المفعم بالأسى ليربط العيون والقلوب في خبر عاجل صادم للمشاعر .
فمن يقبل الخيانة ؟
وقبل التسكع في وديان الماضي حيث التناص مع قصيدة عنترة العبسي ممثل الكرامة والتمرد على العبودية ولكن يغيب الشطر الأول عن التناص لأن الظلم وقع على الشاعر وليس كما يقول عنترة :
فإذا ظُلمت فإنّ ظلمي باسل
مر مذاقته كطعم العلقم
طعم الخيانة في فمي ،،ونحن نعرف أن طعم الخيانة يكون بالمشاعر والقلب والنفس لكن الوضع هنا مختلف فطعم الخيانة في الفم وقد تجسد مرارة . ويباغت المتلقي قبل التقاط التنهيدة بخبر ثان أشد وطأ على العواطف ، والوجدان به غائص في مؤكد وكأن الشاعر يريد قبل المناقشة في أمر الخيانة أن يبلغ المتلقي بضريبة تدفعها النفس لغرض بلاغي وهو ضرب الخبر الطلبي ( إن انتحاري رحمة )ويلحق الخبر بجملة فعلية إنشائية جاءت على صيغة الأمر باستئناف مفاجئ للسرد الوجداني :
فاستمتعي بفراشه ، أهو طلب جاء على حقيقة اللفظ أم ازدراء بفعلتها ؟ ولم اختار الشاعر كلمة فراشه بإضافة الضمير المتصل بها إمعانا بمخاطبة الحاضر ملحقا بضمير الغائب ؟ إنها البلاغة محققة ضربة خاطفة معلنة بقصد وغائية مدى تاثير الكلمة في النفس وقد جعل الجو يحكي بصمت كل تصور ، ويلحق الجملة الفعلية بأخرى مثلها ليضع المتلقي قاب الدخول في الجو النفسي الذي يمر به الشاعر أو أدنى منه معايشة للصدمة .
واستمتعي بالوقت إن العمر أيضاً لحظة
مؤكدا من خلال تجربته وعمق نظرته للحياة إن العمر لحظة ، نعم هي لحظة في مقياس اللذة ، ولحظة في ميزان الطيش ، ثم العودة لساعات العذاب الروحي وتأنيب الضمير .
وقبل لملمة أطراف الحكاية من خلال القص بلغة المخاطب يعود بنا الشاعر لنقلة سريعة مفاجأة
أما أنا فلقد فررت من الدقائق والثواني.
مبتدئا الجملة بحرف التفصيل أما ، ثم العودة لضمير الأنا الناطق باسم الأسى ، فلقد فررت ، موغلا بالفرار من الدقائق والثواني بعد أن أسهمت اللحظة في تقرير خط سير حياته .
وأي مؤكد أقوى من الحرف لقد ، وكأنه يريد أن يقطع على المتلقي أي حبل للخيال في إمكانية العودة لوضع ما قبل طعم الخيانة .
ويستأنف الشاعر بجملة فعلية فعلها مضى ، وهربت حتى من كياني،
أطلقت خيلي في البراري كي تعيش على الهواءْ ، معللا فعلته بالعيش للخيول على الهواء ، وكلمة الهواء تنقلنا إلى متسع من المعاني ، منها صفاء المطعم فلا خيانة بالهواء ، ولا يمكن مضغه أو استكشاف مذاقه ، ومعنى آخر لكلمة هواء هو التخلي عن المحسوسات والبقاء في عالم روحي صوفي المدى .وزيادة في الإطناب التصوري للخيال يمكن القول : إن الهواء قفر فلا ماء ولا زاد فيه .
وغفوت تحت عباءتي
ويستأنف عطفا على مامضى بجملة فعلية خبرية الغاية
غفوتُ تحت عباءتي
وكيف ينام وهو الذي أعلن هروبه وفراره إن النوم ملاذ ٌ عملا بمثل يقول :
إن كثرت همومك فنم لها .ولكن الشاعر يبرر غفوته بخجله من الغيم وكأنه شاهد إثبات لحاله .وأي غيم هذا ؟ إنه الغيم الطفولي فكيف بالشاعر لو كان الغيم في فترة مراهقة أو وصل للرشد المطري ؟
خجلاً من الغيم الذي يحبو على سفح السماء ْ
ويضيف جرعة أكبر من دنان خجله بحال ٍ مقدمة ٌ على الجملة التي عللت سبب خجله من الدنيا التي لم تعترف يوما بدمع الأغبياء ، فقد أطلق كل خيله مؤكدا ذلك بكلمة كل حتى لا يبقى شك بتصور بقية ٍ.
أطلقت خيلي كي أموت بلا خيول ٍ ، وما الدافع الذي جعله يطلق الخيل ؟ يكشف لنا الشاعر لأنه يريد الموت بلاخيول باستعمال لا نافية للجنس ، وهنا أرى استعمال النفي بلا النافية للجنس ليس محض صدفة بل ،ـ وهي وجهة نظر ،ـ عودة لفعل الخيانة وما تبعه من أفعال .
كي أموت على التراب بلا كفن ْ
ويعيد الشاعر تبرير فعلته بإطلاق خيوله ليموت على التراب بلا كفن ، عاريا أمام الحقيقة لا يجمله كفن ولا يغطي من فعله شبر من حياة .وعلى التراب الذي يرمز بعودة الإنسان إليه مهما عاش وتمرد .وهي حقيقة مطلقة .
وليعلمَ التاريخ أن الموت أيضاً قد يكون بلا ثمنْ
هذا بعض مما دار في خلدي لدى المرور الطيع المكوث بين قهر نفس وتمرد قلم على الصمت ، ويبقى للحديث بسطة من حروف يسير عليها القلم ضاربا بالحبر في عرض السطور .
وأتوقع قارئا لما هلوست به سيقول ولكن اين الخيال والصور فيما قرأت ؟
أقول : اللغة الشعرية حين تنبجس تحت ضغط نفسي وتسحب الحواس معها إلى مجرى البوح لم يعد هناك ضرورة للصورة فقد تفسد الأخيلة الإطار العام والدقيق للمشاعر وتأخذ البصائر إلى حظيرة الظن بأن ما قيل هو مجرد قصيدة خالية من الحياة تكلفها ظاهر وتناصها مع غيرها أتى نتيجة تفكير عميق .
وكثيرا ما نجد التراكيب اللغوية تغني عن الصورة فمثلا في قول الشاعر الكبير نزار قباني :
عفوا فيروز ومعذرة ً
أجراس العودة لن تقرع
خازوق دق بأمتنا
من شرم الشيخ إلى سعسع .
أي صورة تستطيع لملمة الواقع بهذا البيان ؟
وهنا أضع عيني على قارعة الصمت فلقد وصلت مناسيب الموت البياني تحت خط الهمس حينا من ألم
وفي أنفسكم بقية من سؤال .
.................... .................... .................... .................... .................... .................... .
لقد تماهي الشاعر في حالة شعورية لم تنتظر سكينة من النفس بل طفقت تجمع له ملمات الآتي ونوائب الماضي القريب ليستمر الألم في حالة جدلية المخاض تنتج سؤالا كلما لاح للعيون خيال تمثل حقيقة وتعطيه ألف جواب كلها تتوالد من رحم العواطف .
لقد شخص الشاعر الحالة بصدقية وأفرغ أمام القارئ ما تشجر في نفسه من منغصات وأتلف الزمن بوقع ضربات المشاعر على رصيف الدموع .
اليوم أرجم إصبعي
وأزور وحدي مضجعي
أدري باني لو بكيتك لن تري دمعي الحزين َ
وإن صرخت منادياً لن تسمعي
وأنا هنا جسد تفتت كالرمادْ
نتفاً .. تطاير في الجهات الأربع ِ
ما عدت أقدر أن أزف إلى الدفاتر لوحة عشقية
فجميع ألواني سوادْ
ماعدت أقدر أن ألمّ مشاعري
فمشاعري تلفت
ونواظري تلفت
ودمي وهبته للتراب ِ
وأعلنت روحي الحدادْ
في هذه الزفرة تختلف الصرخة المحبوسة بين العيون وتنطلق أفعالا منفية وإعلان حالة طوارئ بالقلب وكل الحواس تشترك في دفع الضريبة .
.................... .................... ........
اليوم أختم قصة ً
وضعت بقلبي غصة ً
بهذه العبارة ينهي أمام غصة الروح فصلا من القصة ليبدأ فصلا آخر أشد مرارة في بعث الهواجس ليتشكل المستقبل لديه قاتما لا يستطيع تغيير ما رسمه إلا بنتف من أمل مهيض النفس .
هنا أضع القلم وأترك للقارئ تخيل ما بقي من الملحمة ، فقد أثقلت عليه ليكون الناطق بلسان الواقع حال الشاعر .
قد لا أعيش لأرسم النثرية السرية السوداءْ
قد لا أكون مهندساً
أضفي على شتى رسومي ما أشاء ْ
قد لا أكون معلماً
أعطي دروساً في الحساب وفي البغاءْ
لكنني رجل جريح متعبٌ
إن لم يجد حبراً
سيكتب بالدماءْ
.................... .................... .................... .................... ..............
من بعض أوجاعي تكون روايتي
من بعض آلامي تكون حكايتي
إن اتحادي وانقسامي
صدفةٌ
ولقاءنا في الدرب أيضاً
صدفة ٌ
وغرامنا الفردي أيضاً
صدفة
وفراقنا في الدرب نفسه
صدفة ٌ
ولقاءك العشقي سراً
صدفةٌ
وخيانتي
ومشاعري
ولباسك الليلي أيضاً
صدفةٌ
والثغر فوق الثغر ْ
والصدر فوق الصدرْ
هل كان هذا صدفة ً
؟؟؟؟؟
يا للصدفْ
.................... .................... ......
.................... .................... ........
أخي الشاعر علي أسعد
أرجو الله أن أكون وضعت سنان القلم على الحقيقة .
تقبل تحيات أخيك .