المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في أبجدية خاطرة - حسين الهنداوي - حاتم قاسم


حسين الهنداوي
30-03-2008, 07:42 PM
ميساء شهاب تشرع حزنها في العواصم الموجوعة
قراءة في أبجدية خاطرة
الدارسان : حسين علي الهنداوي - حاتم قاسم

( كل قلبي ) ( نص) للأديبة ميساء شهاب

بعد طول فجر انهض مذعورة من نومي كل ما يهز الأرض واقع بي أشعره
أحسه ولا أيقنه
كنت أصلي أن يهرول كابوسي عني أو أن يجلدني بكل قسوة ويمضي
هكذا يصبح الأمر هينا علي
ويصبح الكون كحبة كرز حمراء متلألأه ولحظة الدنو منها تمتطي
جناحي طائر وتهرب بعيدا إلى الأفق
حتى يمتلئ الكون حزنا ويجف بعد عهد حبري
كم حبرا كتبت فلا أجدت ولا اجادني هو
لا كتبت ولا برأت نفسي أمام الشك ...أمام الظن
هدرني كل الكون وما أهدرت سوى بوحي أمام لحظة عمر الصمت
كنت لا شيئا خالصا أو حالة تنتمي إلى حالة واحدة كنت كل الحالات
والاحتمالات
لأصبح حجارة منسية شجرة على باب بيت فلسطيني عتيق
لوحة بابلية على جدار متآكل في العراق
ورقة كتاب بين الركام في ضاحية بيروت
و وجع ياسميني على سور بيت دمشقي
يقاوم بصمت رهيب على كل الجبهات
أصبحت وشاحا خفيا لا أكثر
صخرة ...ظل شجرة
في بلادي العربية
بعد طول فجر طويل تعبت وهذا الشرود القابع بداخلي
هذا البرود الساكن أضلعي وهذا الازدحام الخانق الحاصل في كل
خلايا فكري يضيعني ويحيلني إلى فوضى
وكلما نهضت من يقظتي أهرول حتى تيبست قدماي لحظة راحة
فشرعت أمام مدني حزنا ليزرع في القلب مزقا شتاتا يمحو عن الرأس
ثقل الدموع التي أنهكته فيرتمى على الوسادة يصارع أوجاعا لا تعصف
إلا نادرا
وربما كثيرا
ما عدت اذكر حقا ماذا يجري وكيف أصبحت على هذا الحال حتى توحدت
مع الليل البارد فلا ينفصلان جسدي والليل ينزفان دمعا ماءا وجعا
صراخ وإعصارا ويكادان يمزقان جدران جسدي وجدران البيوت ويلملمان
ويكفكفان حزن العيون والقلوب
أما أنا فيمتد حزني ويمتد بي ليفرش على عتبة قلبي سكناه ويخلد
فيه ذكراه
منذ ذاك الفجر الطويل الحالك الظالم وأنا اركض أهرول كمجنونة بين
بوابات الحب والكره بين الحاء والكاف وما علمت أنني متهمة
أنني داخل هذا الصراع البشري
كيف ومتى وأين لا ادري
لا ادري أين قادتني خطواتي أحزاني تمردي وأفكار أخرى بعيدة عني
تنتصب كالرمح في حلقي تلهو فوق موائد الشيطان وموائد العهر
والطهارة التي لا تخلو من البساطة والإيمان والشفافية
أين قادتني هذه الجهنمية لا ادري
لا ادري
أسلمت نفسي لبراءتي لقناعتي التي لا اشك فيها مادام الله موجودا
صمت سكت وابتليت بعدم إعلانها جهرا فقادتني الكوابيس إلى المقصلة
إلى ساحة إعدامي
هناك ....هنا مالفرق ما دام الميت المعدوم هو أنا في حلمي وفي
واقعي لا انشد من كليهما الخلاص
لا اطلب إلا أن تتفقد أوراقي الأيام علها تثبت براءتي وتعلن ربما
بعد طول غياب حضوري في ساحتها
بعد طول فجر
أزيح عني عبء الأنوثة ارميها خارجا عني
واكتب ما يمكن أن يشعل ثورة
في هذا العالم الهادئ حد الرعب
في هذا العالم الساكن حد القتل
في هذا العالم الفقير من كل شيء
من كل وجه يكلل صباحاتنا ومساءتنا بفرح يعتمر نفوسنا ولو لدقائق
وبعد ...بعد طول فجر طويل ارتمي على سريري أتفقد قبل نومي صلاة
عينيك واصلي بهمس برفق من أجلك وأغفو


الدراسة النقدية
حينما تتحول الكتابة على المساحة العربية إلى أنثى واعدة تفي بحقوق خريطتها الإنسانية يتحول الوجع الإنساني و الوطني إلى شجرة باسقة الثمار تنشر ظلها على المساحات الموؤدة
و القلوب المفؤودة و، و حينما يسيل حبر القلم مستمداً مداده من حليب الأنوثة يتحول الوطن إلى أم رؤوم توزع مساحة عواطفها على كل بيت فأده الحزن 0
و في نص أطرته الكاتبة تحت عنوان ( كل قلبي ) يتمثل الوجع العربي على سنان قلم الكاتبة و كأنه ملحمة إنسانية تبحث عن مرفأ ترسو به و كأن الموت العربي الذي ينوء بكلكله على كثير من العواصم العربية بدا وحشاً كاسرا لم تستطع الكاتبة أن تصد أنيابه إلا إذا قدمت قلبها كله ضحية للطفولة العربية و الوعد الإنساني 0
هذا هو حال التشظي العربي الذي يحاول الاستعمار و أعوانه أن يوزعه أشتاتاً متناثرة على مساحة القلوب العربية و الكاتبة ميساء شهاب قلب عربي يستوطن عاصمة هي قلب العروبة
( دمشق ) و بالتالي يتضافر القلبان و تتوحد الأرض مع الأنثى لتشكل لوحة إنسانية تبذل دمها لتدافع عن ( الكل ) وهذا ما أرادت لأن توحي به كاتبة النص في خاطرتها ( كل قلبي ) لأن كلمة كل تعني الشمول و اللا محدودية و هذا ما يقدمه الوطن الأم لأبناء العروبة كل أبناء العروبة
و الكاتبة تبدو في نصها المنحاز إلى درر النثر الواعدة تشكل لنا لوحة الأمة من خلال ذاتها فهي تقول (( كنت لا شيئا خالصا أو حالة تنتمي إلى حالة واحدة 0 كنت كل الحالات و الاحتمالات ))
و حقيقة فالأمة كانت لاشيء و يمكننا أن نقول العرب لم يكونوا شيئا حتى جاء الإسلام و حولهم إلى أمة ناضجة تدفع بفكرها و سنانها لبناء مستقبل واعد للإنسانية جمعاء و هذا ما توقف منذ خمسمئة عام لتتشظى العروبة إلى دول كحب السمسم و هذا ما عبرت عنه الكاتبة حينما ألمحت إلى هذا التمزق الذي التقم هذه الدول لقمة لقمة
((لأصبح حجارة منسية شجرة على باب بيت فلسطيني عتيق
لوحة بابلية على جدار متآكل في العراق
ورقة كتاب بين الركام في ضاحية بيروت
و وجع ياسميني على سور بيت دمشقي
يقاوم بصمت رهيب على كل الجبهات
أصبحت وشاحا خفيا لا أكثر
صخرة ...ظل شجرة
في بلادي العربية ))

إذن الكاتبة تحاول أن تغطي هذا التمزق العربي بتحولها إلى وشاح خفي كما هي مدينتها دمشق تتحول إلى ياسمينة موجوعة تريد أن توزع الطيب على عواصم العروبة و هذا يعني أن عاصمة الكاتبة أو التراب الذي عجنت منه الكاتبة فكرها و روحها ما يزال يعيش أمال العروبة و أمالها
مستشرفاً رؤيا النصر المقبلة 00 صحيح أن الكاتبة قد شرعت حزنها أمام مدنها العربية بحيث بدت فلسطين أمامها حجارة نابضة بالحياة و العراق لوحة بابلية معلقة على جدار بدأ يتأكل بينما أصبحت بيروت ورقة تذوب بين ركام الصمت بحثاّ عن حالة جديدة 000 إنه الازدحام الخانق الذي يضيع الكاتبة في خلايا فكرها المستنفرة لهذا التمزق العربي
((بعد طول فجر طويل تعبت وهذا الشرود القابع بداخلي
هذا البرود الساكن أضلعي وهذا الازدحام الخانق الحاصل في كل
خلايا فكري يضيعني ويحيلني إلى فوضى
وكلما نهضت من يقظتي أهرول حتى تيبست قدماي لحظة راحة
فشرعت أمام مدني حزنا ليزرع في القلب مزقا شتاتا يمحو عن الرأس
ثقل الدموع التي أنهكته فيرتمى على الوسادة يصارع أوجاعا لا تعصف
إلا نادرا
وربما كثيرا ))
إذن نحن أمام نص تتقاطع في خلاياه( الخاطرة و المقالة ) و يبدو التناص الفني بين هذين الجنسين عند الكاتبة يأخذ مساراً جديداً ، فالمقالة و الخاطرة تتسامقان معاً في هذا النص و يبدو أن تأثير الكتابة الصحفية بدأ يفرز مساحة جديدة لنص يحمل خيال الخاطرة و يسير ضمن مسار المقالة ليشكل لنا جنساً جديداً أفرزته العلاقات الكتابية في النص الأدبي و إن كانت المفردة التي تعتمدها الكاتبة في نصها لا تعدو أن تكون كرة من الحب تقذفها في مساحات النصوص الأدبية فالمفردة لديها جسد وروح أحياناً وروح أحياناً أخرى و لكنها في كثير من الأحيان جسد يحتاج إلى أن تنفخ فيه روح الحركة ، فالخاطرة لا تؤتي أكلها إلا حينما تشحن مفرداتها بمعاني عميقة أو لنقل أن تكون هذه المفردة مكتنزة بتعابير ذات طابع جديد و لكنها في الوقت نفسه تحمل روح المقالة المضمون الواعد الذي يجعل من النص لوحة تشكيلية واقعية تحمل معها هموم الإنسان العادي الذي يعيش حالة الضياع و التمزق 0
وبعد فالنص الذي بين أيدينا ( كل قلبي ) يحتاج أن يخرج من قمقمه ليوضح لنا بصورته الواعدة أبعاد الذات التي ناءت بكلكلها على واقع الأمة فالكاتبة مازالت تصلي ليزول هذا التشظي العربي و هي تحتاج مع صلاتها إلى أن تعلن و بشكل أعمق أن العروبة وعد يجب أن يتحقق على مساحة كل العواصم العربية 0

(( وبعد ...بعد طول فجر طويل
ارتمي على سريري
أتفقد قبل نومي صلاة عينيك
واصلي بهمس
برفق
من أجلك وأغفو ))

أي حزن هذا الذي تشرعه الكاتبة في المدن و تهرول به بين العواصم 00 إنها تحاول أن تصنع بمفرداتها من حزنها مداداً لكونها الذي يمتلىء بالحب و إذا كانت المفردات تجف أمام الحزن الذي تفرده الكاتبة و تبقي على البوح المهدور ألقه فإن النص يبقى ينتمي لديها لاحتمالات متعددة حتى أنها ما عادت تذكر كيف تحولت إلى هذه الحال إذ أن صورة الجسد و الليل تؤطرهما لوحة تشكيلية ألوانه الدمع و مزيجها الماء و اطارها الوجع المرسوم بصراخها تماماً هي ملتصقة بجسدها كما تسكن العيون جمر تملء القلوب أيضاً إنها تحاول أن تفترش القلب ليصبح مسكنناًً للذكرى و المحبة
(( أما أنا فيمتد حزني
ويمتد بي
ليفرش على عتبة قلبي سكناه
ويخلد فيه ذكراه ))

د. سلطان الحريري
02-04-2008, 03:47 PM
كعادتكما أيها السامقان تحيطان بالنص من كل جوانبه ، وتبعثان فيه الروح فوق ما به من روح .
لقد وصلتما إلى مساحات شاسعة للحرف بقراءة مميزة أضاءت جوانبه ، ووضعتنا عند حدود الجمال ، وسمت بذائقتنا إلى علياء الحرف حين يحلق في السياق .
دمتما مبدعين
ولكما محبتي وتقديري

ميساء شهاب
07-04-2008, 05:54 PM
تحية طيبة لاسرتكم الجميلة
اولا لا بد ان اشكر كل من الاستاذين حسين الهنداوي وحاتم قاسم لاختيار نص لي من اجل نقده او ربما معالجته ادبيا
يسرني جدا ان اكون بينكم
ومعكم
يسرني جدا ان تكون كلماتي هي الافتتاحية للتعرف عليكم ولتعرفكم علي
اكرر شكري للاستاذين لانهما منحاني الفرصة لاكون هنا
بينكم
ميساء

ميساء شهاب
08-04-2008, 09:47 PM
وبعد فجر انهض مسرعة
لا اجد سوى شتات افكاري واتهام من الجهات
يخبرني
يلصق بي
انني جاسوسة
هذه حقيقة اخرى هم الذين اقنعوني فيها رغما عني
البسوني ثياب على مقياسهم لا مقياسي
جعلوني ندبة على حمراء على وجه التاريخ
وافقدوني بين ليلة وضحاها حريتي
كرامتي
اماني
الذي بحثت عنه طويلا كثيرا وحينما وجدته اصبحت
مجرد جاسوسة
وبعد

لم انتبه إلى أنني اسقط كل ذاتي العروبية على الورق إلا عندما تناولتم نصي للمعالجة الأدبية
صدقوني فرحت وشعرت بان هذا الإسقاط يمثل كل مواطن عربي ويشعر بعروبته دون تعصب
لكن في المقابل وأنا أقرا نص المعالجة شعرت بان العروبة قد بدأت تتلاشى وتهرب منا ونحن نلحقها
شعرت أن العروبة تتبرأ منا ونحن نتلحف بها رغما عنها
شعرت بالخجل في بعض الأماكن
شعرت بأننا لم نعد نعير هذا الرابط العروبي الذي كان يجمع أجدادنا فالعولمة أحدثت شرخ لا يمكن تجاهله
ولا يمكننا بذات الوقت أن نتجاهل أن الحكومات العربية قد أسهمت إلى حد كبير في تعزيز هذا الشرخ
تعليقي جاء متأخرا بعض الشيء أرجو أن تعذروني