محمد سامي البوهي
23-03-2008, 07:51 PM
http://www.moheet.com/image/56/225-300/563369.jpg
لحظات بين يوميات الحكيم
محمد سامي البوهي
تقديم:
(لماذا أدوّن حياتي في يوميات، لأنها حياة هنيئة ؟ كلاّ . إنّ صاحب الحياة الهنيئة لا يدوّنها، إنما يحياها. إنّي أعيش مع الجريمة. في أصفاد واحدة، إنّها رفيقي وزوجي أطالع وجهها في كلّ يوم، ولا أستطيع أن أحادثها على انفراد. هنا في هذه اليوميات أملك الكلام عنها، وعن نفسي وعن الكائنات جميعا. أيّتها الصفحات التي لن تنشر.. ما أنت إلاّ نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق.)توفيق الحكيم
من الغريب أن من يقرأ عنوان الرواية (يوميات نائب في الأرياف)، لا يتطرق لذهنه أن الرواية تناولت يوميات النائب "توفيق الحكيم" في حقبة زمنية قصيرة جداً ، من 11أكتوبر ... حتى 22 أكتوبر لنفس السنة ، والتي لم يحددها الحكيم في يومياته .. لكن رغم قصر المدة التي دارت فيها تلك اليوميات إلا أنها كانت زاخرة بالأحداث والقضايا ..
قد أفردت هذه الدراسة بعمل مسحة تشريحية شاملة للخطوط العريضة التي حوتها تلك اليوميات، فقد دارت أحداث اليوميات بين شقين، شق تمثل في قضية رئيسية، وهي قضية قتل شخص يدعى (قمر الدولة علوان )، وشق آخر استعرض فيه الحكيم ذاتيته بين السلطة والقضاء، والمتهمين بإعتبارهم شريحة من شرائح المجتمع آنذاك، وقد لعب ملف قضية (قمر الدولة) دوراً هاماً في هذا العرض الذي نهجه الحكيم ..
أ- ملف قضية قمر الدولة علوان:
الإشارة:
قضية غريبة وقعت بقرية من قرى مصر، وعاش أحداثها الحكيم، منذ أن تلقى الإشارة من مركز الشرطة، وقد دون الحكيم كل لحظات اشتراكه في تلك القضية، منذ انطلاق موكب النيابة، والشرطة لمعاينة المجني عليه، بمكان الجريمة، والغريب أنه ذكر لنا شخصية المجذوب، الشيخ عصفور، والتي كان لها دور بارز في تلك الأحداث، الشيخ عصفور، هو شخصية متكررة نراها في الأرياف، وفي الحارات العشوائية، وهي شخصية مبروكة، ومكشوف عنها الحجاب كما يظن أهالي تلك المناطق، لكن أن يأخذ برأي الشيخ عصفور في محاضر الشرطة، وتحقيقات النيابة هذه هي الغرابة في حد ذاتها!!
كان الشيخ عصفور ملازماً للموكب، المتجه ناحية الأراضي الزراعية، أو الأدغال الزراعية وذلك بأمر من المأمور نفسه، عندما أمر أحد الخفر بالذهاب للشيخ عصفور وإحضاره، وكأن الشيخ عصفور هو فرد من أفراد الشرطة. وصل الموكب لمنطقة يستحيل فيها سير السيارات، لذلك كانت ركوبة المأمور والحكيم حصانين، وباقي الطاقم تنوعت ركابهم بين الأحصنة، والحمير، وتناول الحكيم تلك الرحلة بطريقته الساخرة الظريفة، وبخفة ظله المعهودة ... أضحكني جداً منظر الحكيم وهو يسقط من على ظهر الحصان في قناة مائية صغيرة ...
الشهود:
بعد أن انتهى النائب توفيق الحكيم من معاينة المصاب، ومكان إطلاق النار آتياً من غيط للذرة، فالجنايات بالريف تختلف أنواعها، حسب فصول السنة، كما ذكر لنا الحكيم، ففي موسم زراعة الذرة، والقصب، يكثر القتل بالأعيرة النارية، وبموسم نضوج القمح تكثر جرائم الحرائق، وبموسم زراعة القطن، تكثر جرائم قلع المحصول، وهكذا .
وصف الحكيم شكل المجني عليه، وملابسه بمنتهى الدقة، حتى أنه لم يترك لنا لون شاربه لنتخيله، وهذا بعين وكيل النيابة الحاذق المخضرم، الذي لا يترك كبيرة، ولا صغيرة إلا وأملاها على كاتب التحقيق، مهما أخذ هذا من وقت، يحسب من عمر المجني عليه، فالقانون هو القانون، ولا دخل له بما يعانيه المصاب وإسعافه، فهذه مهمة الإسعاف، الذي يحمله للمستشفى الأميري بعد معاينة النيابة.
أنهى الحكيم المعاينة بنجاح، وانتقل الموكب إلى (دوار) العمدة، لأخذ أقوال الشهود. وصف لنا الحكيم منزل العمدة، من خلال تواجده في حجرة المنذرة، أو الجلوس، أو الضيوف، كل هذه ألقاب لتلك الحجرة بالريف. وبخبرته المعهودة، كان يعلم من هم الشهود، الخفير العمومي طبعاً، الذي لم ير الجريمة كالعادة، لكنه سمع صوت العيار الناري، بإمكانه أن يسجل أقوال الخفير الساذجة دون استدعائه، ولكن القانون هو القانون. حضر الخفير بالفعل، وسط انشغال المأمور بالإشراف على الوليمة التي أمر العمدة على إعدادها على شرف وكيل النائب العام، لكن الغريب أن الخفير الذي قص تفاصيل تواجده أثناء الحادث، وعينه الساهرة التي لا تنام، قال بأنه سمع إطلاق عيارين، ورغم أن الحكيم قال له بأن المصاب أصيب بعيار واحد فقط بذراعه من مسافة قريبة، إلا أنه أصر أنه سمع عيارين، وعلى الرغم من هذا الإصرار، أمر الحكيم الكاتب بأن يسجل عيارا واحدا، فهو يعلم جيداً تلك المبالغة التي يريد أن يصورها أمثال هؤلاء...
حثه المأمور بأن يغلق المحضر، وكذلك الكاتب، فالقضية صعبة جداً، والمجني عليه بغيبوبة، ويصعب استجوابه، فكان هم المأمور الأوحد، هو النيل من تلك الوليمة المتخمة بأزواج الدجاج ، والبط ، والحمام،التي أعدها العمدة بأمر من المأمور ،دعي الحكيم إليها، لكنه رفض، وانشغل بأوراقه.
عاد المأمور مقترحاً عليه، بأن يأخذ رأي الشيخ عصفور، فله نظرة فاحصة، في مثل هذه الأمور، وكثيراً جداً ما أرشدهم إلى مجرمين، رغم عدم اقتناعه بتلك التخاريف إلا أنه وافق على مضض، وسأل المأمور الشيخ عصفور، عن القاتل، فصاح الشيخ بكلماته غير المفهومة، بأن يفتشوا بين النساء ..
..
سأل الحكيم عن زوجة المجني عليه فأخبروه أنها توفيت منذ زمن، ولكن أختها ريم تقيم معه، لأنها تقوم على تربية ابنته.. صاح في المأمور والعمدة، بإحضارها حالاً، فربما خيط القضية يبدأ من عندها..
لحظات بين يوميات الحكيم
محمد سامي البوهي
تقديم:
(لماذا أدوّن حياتي في يوميات، لأنها حياة هنيئة ؟ كلاّ . إنّ صاحب الحياة الهنيئة لا يدوّنها، إنما يحياها. إنّي أعيش مع الجريمة. في أصفاد واحدة، إنّها رفيقي وزوجي أطالع وجهها في كلّ يوم، ولا أستطيع أن أحادثها على انفراد. هنا في هذه اليوميات أملك الكلام عنها، وعن نفسي وعن الكائنات جميعا. أيّتها الصفحات التي لن تنشر.. ما أنت إلاّ نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق.)توفيق الحكيم
من الغريب أن من يقرأ عنوان الرواية (يوميات نائب في الأرياف)، لا يتطرق لذهنه أن الرواية تناولت يوميات النائب "توفيق الحكيم" في حقبة زمنية قصيرة جداً ، من 11أكتوبر ... حتى 22 أكتوبر لنفس السنة ، والتي لم يحددها الحكيم في يومياته .. لكن رغم قصر المدة التي دارت فيها تلك اليوميات إلا أنها كانت زاخرة بالأحداث والقضايا ..
قد أفردت هذه الدراسة بعمل مسحة تشريحية شاملة للخطوط العريضة التي حوتها تلك اليوميات، فقد دارت أحداث اليوميات بين شقين، شق تمثل في قضية رئيسية، وهي قضية قتل شخص يدعى (قمر الدولة علوان )، وشق آخر استعرض فيه الحكيم ذاتيته بين السلطة والقضاء، والمتهمين بإعتبارهم شريحة من شرائح المجتمع آنذاك، وقد لعب ملف قضية (قمر الدولة) دوراً هاماً في هذا العرض الذي نهجه الحكيم ..
أ- ملف قضية قمر الدولة علوان:
الإشارة:
قضية غريبة وقعت بقرية من قرى مصر، وعاش أحداثها الحكيم، منذ أن تلقى الإشارة من مركز الشرطة، وقد دون الحكيم كل لحظات اشتراكه في تلك القضية، منذ انطلاق موكب النيابة، والشرطة لمعاينة المجني عليه، بمكان الجريمة، والغريب أنه ذكر لنا شخصية المجذوب، الشيخ عصفور، والتي كان لها دور بارز في تلك الأحداث، الشيخ عصفور، هو شخصية متكررة نراها في الأرياف، وفي الحارات العشوائية، وهي شخصية مبروكة، ومكشوف عنها الحجاب كما يظن أهالي تلك المناطق، لكن أن يأخذ برأي الشيخ عصفور في محاضر الشرطة، وتحقيقات النيابة هذه هي الغرابة في حد ذاتها!!
كان الشيخ عصفور ملازماً للموكب، المتجه ناحية الأراضي الزراعية، أو الأدغال الزراعية وذلك بأمر من المأمور نفسه، عندما أمر أحد الخفر بالذهاب للشيخ عصفور وإحضاره، وكأن الشيخ عصفور هو فرد من أفراد الشرطة. وصل الموكب لمنطقة يستحيل فيها سير السيارات، لذلك كانت ركوبة المأمور والحكيم حصانين، وباقي الطاقم تنوعت ركابهم بين الأحصنة، والحمير، وتناول الحكيم تلك الرحلة بطريقته الساخرة الظريفة، وبخفة ظله المعهودة ... أضحكني جداً منظر الحكيم وهو يسقط من على ظهر الحصان في قناة مائية صغيرة ...
الشهود:
بعد أن انتهى النائب توفيق الحكيم من معاينة المصاب، ومكان إطلاق النار آتياً من غيط للذرة، فالجنايات بالريف تختلف أنواعها، حسب فصول السنة، كما ذكر لنا الحكيم، ففي موسم زراعة الذرة، والقصب، يكثر القتل بالأعيرة النارية، وبموسم نضوج القمح تكثر جرائم الحرائق، وبموسم زراعة القطن، تكثر جرائم قلع المحصول، وهكذا .
وصف الحكيم شكل المجني عليه، وملابسه بمنتهى الدقة، حتى أنه لم يترك لنا لون شاربه لنتخيله، وهذا بعين وكيل النيابة الحاذق المخضرم، الذي لا يترك كبيرة، ولا صغيرة إلا وأملاها على كاتب التحقيق، مهما أخذ هذا من وقت، يحسب من عمر المجني عليه، فالقانون هو القانون، ولا دخل له بما يعانيه المصاب وإسعافه، فهذه مهمة الإسعاف، الذي يحمله للمستشفى الأميري بعد معاينة النيابة.
أنهى الحكيم المعاينة بنجاح، وانتقل الموكب إلى (دوار) العمدة، لأخذ أقوال الشهود. وصف لنا الحكيم منزل العمدة، من خلال تواجده في حجرة المنذرة، أو الجلوس، أو الضيوف، كل هذه ألقاب لتلك الحجرة بالريف. وبخبرته المعهودة، كان يعلم من هم الشهود، الخفير العمومي طبعاً، الذي لم ير الجريمة كالعادة، لكنه سمع صوت العيار الناري، بإمكانه أن يسجل أقوال الخفير الساذجة دون استدعائه، ولكن القانون هو القانون. حضر الخفير بالفعل، وسط انشغال المأمور بالإشراف على الوليمة التي أمر العمدة على إعدادها على شرف وكيل النائب العام، لكن الغريب أن الخفير الذي قص تفاصيل تواجده أثناء الحادث، وعينه الساهرة التي لا تنام، قال بأنه سمع إطلاق عيارين، ورغم أن الحكيم قال له بأن المصاب أصيب بعيار واحد فقط بذراعه من مسافة قريبة، إلا أنه أصر أنه سمع عيارين، وعلى الرغم من هذا الإصرار، أمر الحكيم الكاتب بأن يسجل عيارا واحدا، فهو يعلم جيداً تلك المبالغة التي يريد أن يصورها أمثال هؤلاء...
حثه المأمور بأن يغلق المحضر، وكذلك الكاتب، فالقضية صعبة جداً، والمجني عليه بغيبوبة، ويصعب استجوابه، فكان هم المأمور الأوحد، هو النيل من تلك الوليمة المتخمة بأزواج الدجاج ، والبط ، والحمام،التي أعدها العمدة بأمر من المأمور ،دعي الحكيم إليها، لكنه رفض، وانشغل بأوراقه.
عاد المأمور مقترحاً عليه، بأن يأخذ رأي الشيخ عصفور، فله نظرة فاحصة، في مثل هذه الأمور، وكثيراً جداً ما أرشدهم إلى مجرمين، رغم عدم اقتناعه بتلك التخاريف إلا أنه وافق على مضض، وسأل المأمور الشيخ عصفور، عن القاتل، فصاح الشيخ بكلماته غير المفهومة، بأن يفتشوا بين النساء ..
..
سأل الحكيم عن زوجة المجني عليه فأخبروه أنها توفيت منذ زمن، ولكن أختها ريم تقيم معه، لأنها تقوم على تربية ابنته.. صاح في المأمور والعمدة، بإحضارها حالاً، فربما خيط القضية يبدأ من عندها..