المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقامات ليثية -بقلم د.أحمد الليثي


د. أحمد الليثي
14-10-2007, 05:01 PM
مقامة: سفاهة الحمق

أتى رجل إلى قطعة أرض فأحاطها بسور ونادى في الناس:
- أيها الناس! أيها الناس!
فاجتمع إليه عدد منهم غير قليل.
فقال:
- من يساعدني في إصلاح هذه الأرض وشق قنواتها وزرعها وتشجيرها وغرس بذورها، وله أن يستظل بظلها، ويشرب من مائها، ويأوي إليها متى شاء؟
فانصرف عن ندائه بعضهم، واجتمع حوله آخرون. ووقف غيرهم يتفرجون، وعلى شيء لا يلوون.

أما من اجتمعوا حوله فصرف منهم -في غلظة- من صرف، ثم ذهب منهم بعد ذلك من ذهب. وبقي معه عصبة شمروا عن سواعد الجد، وعقدوا العزم ألا يهِنوا أو يتوانوا عن العمل، وتعاهدوا على البقاء معاً في السراء والضراء، ولم يطلب أحد منهم من أجر أو جزاء. وقبلوا بصاحب الأرض أميرا، يذلل الصعب، ويُسَيِّر الأمورَ.

ثم قاموا جميعاً: هذا يسوي الأرض ويحرثها، وهذا يصلح السور ويقويه، وهذا يشق الترع والمصارف، وهذا يبذر الحب ويغرس الشجر، وهذا يروي الزروع وينزع الأعشاب الضارة، وهذا يذهب للسوق يشتري السماد والالآت. وهم جميعاً يحرسون المكان ليل نهار ألا تصل إليه يد عابث أو يلقي فيه أحد بقاذورات. وأعجب العمل بعض المارة فساهم منهم من أراد بغرس بذرة أو ري شجرة أو غير ذلك مما تصلح به الأرض.

ومرت الأيام كجميع أيام الله، بين ارتفاع وانخفاض، وسعة وضيق، وأفراح وأتراح. ولكنهم جميعاً لم يتفرقوا شيعاً وإنما اعتصموا بحبل الله المتين. وكان أميرهم يشتد حيناً وحيناً يلين. مرة يقول قولاً حكيما، وأخرى يجعل الصحيح سقيما. لا يستقر على أمر حتى يقول بغيره، وإن استشاره أحد في أمر، أو استفسر منه عن خبر، شكا من التعب وقلة النوم، والعمل طيلة الليل وطيلة اليوم. وقال "أنتم أدرى بشئونكم، فانصرفوا لأعمالكم، ودعوني أدبر شئوني، وعن شيء لا تسألوني."

واستمر على هذه الوتيرة الحال، بين إدبار وإقبال، ولمسات عقل ولوثات جنون، وعلامات شك وشطحات ظنون. ولم يدر أحد سبباً لتقلب الأمير، وعرقلته للكثير من وسائل الإصلاح ودواعي الحزم والفلاح. ولم يعد يفرق بين اليقظة والأحلام، والحقيقة والأوهام. فيرى نفسه مرة فارساً مغوارا، يحمل صارماً قاطعاً بتّاراً، يحوَّل الليل نهارا، وتهطل السماء بأمره مدرارا. وأخرى زعيماً أوحداً لا يشق غباره، وقائداً أمجداً طيب جواره، ومفوَّهاً بالبلاغة منمق حواره. تارة ينهى ويأمر، وتارة يبني ويكسر. من داهنه ارتفع، ومن صَدَقه وقع، وصراخه لا ينقطع.

ولم تهتم العصبة كثيراً بهذه الشطحات، فالعمل أول الأولويات. وكانوا يدعون الله له بالهداية، ويمتنعون عن الشكاية، لما في ذلك في العدو من نكاية.

ثم أتى يوم قال فيه:
- توشك أن تجف أنهارنا فأعينوني حتى لا تموت زروعنا وأشجارنا، وتذبل ورودنا وأزهارنا. فمصلحة المياه تهددنا بمنع الماء عنا إن لم ندفع لهم عن سابق الأيام، وهو كثير كثير يفوق طاقة الأمير.

فاجتمعت العصبة تفكر في طريقة لحل المشكلة والخروج بسلام من المعضلة. فساهم منهم بماله من استطاع، وجاء من أهل البلدة أمراء وأتباع، دفع هذا فلساً وهذا دينارا. واجتمع من المال ما دفعوه وإلى مصلحة المياه أرسلوه.

وكان قد بدأ الشجر يكبر، والشجرة القائمة تسند المائلة، والعشب الأخضر يغطي الأرض القاحلة، والماء يجري في جنبات الأرض يبشر بنماء عجيب في الأفق القريب، وأوشكت الثمار على النضوج، وازهرت الورود. وظن الجميع أن أعمالهم ستؤتي ثمارها ويعم نفعها على البلدة كلها، بل ومن أسعده حظه بجوارها.

وعلى هذه الحال أتي رجل من بين المتفرجين كان يعمل بمصلحة المياه ويقف صامتاً طيلة الوقت فقال:
- هذه الأرض وما عليها لي فيها ما يقرب من الثلث. فقد عمل فيها ابن عم لي عند بناء السور الأول ومدَّ بعض أنابيب المياه للجانب الأقحل، ثم باع سهمه فيها لي. وهذا صك ملكيتي. أما جاري الذي يدَّعي الملكية للأرض بأسرها ومنحكم ظلها وظلالها، والشرب من مائها فما هو إلا صاحب نصفها. وأخته تملك ما بقي من خمسها. وإني بائع لسهمي فلا أريد عناءها. فمن يريد شراءها؟

فتعجب القوم من دعواه، وبلغ الذهول منهم منتهاه. فلم يبرز الرجل ولا ابن عمه صك ملكيتهم من قبل، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة وهم يرون العصبة يعملون ويكِدّون، وفي الأرض يفلحون، وللفرج من الله ينتظرون. فاتجهت أبصارهم "لصاحب النصف" الأمير وأخته "صاحبة الخمس" في حيرة وتساؤل.

قال صاحب النصف:
- صدق الرجل وابن عمه.
وقالت صاحبة الخمس:
- صدق الرجل وابن عمه.

فطرح القوم على صاحب النصف سؤالاً بعد سؤال، وهو صامت عن المقال. مرة يشيح بوجهه، ومرة ينهرهم بكفه. ومرة يقول كلاماً لا علاقة له بالموضوع، ويأمرهم بالطاعة والخضوع، ثم يعيد ويزيد فيما لا ينفع ولا يفيد.
فقال القوم في نهاية الأمر بعد أن أعياهم فهم تفكيره وسوء تدبيره:
- كيف لم تخبرانا منذ البداية أن الأرض هذا حالها وقد وعدتما البلدة بأسرها بالتفيئ في ظلالها، والأكل من ثمارها؟
قال صاحب النصف وأخته:
- هذه الأرض ليست لكم. ولا يخفى هذا على أحد، ولا بد مما منه بد.
قال القوم:
- ليست الأرض هي المشكلة، وما عملنا لانتزاعها بل لِمَا عاهدت عليه البلدة بأسرها. فكيف حين يينع الثمر ويدنو القطاف يحصده من الشركاء ثلاثة؟ إن للبلدة كلها حق عليك أن تؤديه.
فقال صاحب النصف:
- أنتم غشاشون محتالون، ضعاف العقل لا تعون ما تقولون. لبذور الفتنة تزرعون، وللعهود تخونون. هذا حقي ومالي، تعبت فيه أياماً وسهرت فيه الليالي. أما صاحب الثلث فلي معه وابن عمه حساب فهو خائن كذاب. اذهبوا عني فلا حاجة لي بكم. اذهبوا فافلحوا في أرض غير هذه، فأنتم كحمير الأرض تعملون ولا تفهمون. ولا يخاطبني أحد منكم فيما أملك، فقد مضى وقت الكلام وحان وقت الفعال. اذهبوا، تصحبكم اللعنات من رب السماوات.

فازداد من القوم الذهول. يقول كلاماً ثم ينفيه ولا يأتِ بدليل، يطفئ غلة الظامي ويشفي العليل. يحور في الكلام ويدور، ويرغي مزبداً ويثور. لا يستقر له قرار، ويشعل بكلامه ناراً فوقها نار.
فقال له رجل منهم:
- غفر الله لنا ولكم. ثم انصرف.
وصمت آخر فلم يرد، ثم انصرف.
وقال ثالث:
- كنت أشْتَمُّ منك رائحة الغدر. ثم انصرف.
وقال رابع:
- والله لا أتركك وقد خدعتنا، وبناب الغدر أسلت دماءنا. انظر لأهل هذه البلدة كم منهم كان لك مؤتمنا، وكم منهم كان للأرض محسنا؟ أيكون لنا منك الشتم والسب، والإهانة وسوء الأدب. فاعلم يا خفيف الفكر والدين إن الله لا يضيع أجر المحسنين. وإنما يملي للظالمين ويحاسب المسيئين. ثم انصرفوا جميعا.

قالوا: قطعنا لأهل البلدة على أنفسنا عهودا، ولدينا من بعض ما أسهموا به بذورا. فما الرأي؟ فأجمعوا أن يشتروا أرضاً يكون للبلدة كلها فيها نصيب، من بَعُد منهم والقريب. ينعم بثمرها كل من يأوي إليها، ويستظل بظلها كل من مرَّ بها. لا ترد أحداً، ولا تغلق بابها في وجه من أمَّها، إلا من أظهر فيها العداوة، وأراد غرس بذور الشقاوة. فاشتروا الأرض ودفعوا ثمنها، وأوكلوا أمر تمهيدها وإصلاح تربتها لعامل استأجروه، وبدأ عمله، وخيراً وعدهم ووعدوه. حتى إذا أوشك أن ينتهى من أعمال الحفر والتمهيد وشق الطرق والتعبيد، جاءوا وبذروا الحَب، ورووا الأرض وغرسوا الأشجار ومختلف الورود والأزهار. وفتحوا الأبواب لأهل البلدة وتكون الأرض مضافة في السعة والشدة.

ثم طرق بابهم طارق، ففتحوا له فوجدوا صاحبة الخمس. فقالت:
- نريد الإصلاح. وتعود المياه إلى مجاريها، والأمور إلى ما كانت عليه.
ثم طرق طارق آخر، ففتحوا له، فإذا هو صاحب النصف. فقال:
- أريد الإصلاح بعد أن طالتني منكم الإساءة، وجعلتموني ضحية لأفعالكم، وسوء تخطيطكم. ونعود بالأمور إلى ما كانت عليه، وكان شيئاً لم يقع.

فعجب القوم من إصراره على أنه الضحية، ومن إساءته وعدم إقراره بالخطأ واعتذاره. وقد كانوا من قبل نصحوه فما استمع، وحذروه فما ارتدع. وازداد في قمعه وما امتنع. وكان كل فعاله تجبر وافتراء، وتكبر وتجريح بلا استحياء، فقالوا:
- كيف تعود الأمور إلى ما كانت عليه وأنت صاحب النصف، وأختك صاحبة الخمس، وعامل مصلحة المياه له الباقي؟ وها نحن قد اشترينا أرضاً واستأجرنا عاملا. وقطعنا ببركة الله في عملنا شوطاً، وأعلمنا أهل البلدة بكل ما وقع، وبكل من وضع الله ورفع؟

قال صاحب النصف:
- لا مانع عندي من أرض جديدة أكون فيها معكم، وعلى ما غبر أسامحكم. وقد عفوت عن زلاتكم وأخطائكم. وأمُنُّ عليكم بصحبتي، فأنا بين الناس صاحب مركز مرموق ومهابة، وأمدكم بما لي من عزة ورفعة وصلابة.

فضحك القوم من كلامه، وقال أحدهم:
- كيف آمن لك وهذا أثر فأسك؟
وقال أخر:
- المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
فقال الجميع:
- صدق الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
***
يقول الراوي:
ولا يزال صاحب النصف على حاله في موضعه، إن اختلف معه أحد سبه وشتمه وطرده من موقعه، ولفق عليه من التهم المنكرة والأكاذيب ما لا ينخدع به النحرير الأريب. وإن عظم المصاب شكَّل أتباعه لجنة لتقصي الحقائق، فأمسكوا في القشور وتركوا اللباب، ونبذوا العظائم وتمنطقوا بالرقائق. وأرادوا حفظ ماء وجوههم وقد أراقوه، ولم يبالوا بمن في شباك خداعهم أوقعوه، أو بمن له عرض وشرف وقد استباحوه. فبئس التابع وبئس التبيع، ومقامهم أمام الله الذي يرفع الشريف ويخفض الوضيع. ولو سكتوا عن الحق لكانوا مجرد شياطين، ولكنهم جهروا بالباطل فبئس القرين، فزادوا درجة على إبليس الرجيم، المحروم من رحمة الله والنعيم، وله في الآخرة من ألون العذاب الأليم ما لا يعلم به إلا جبار السموات والأرض، الذي أعزّ المؤمنين وحمى كل عِرْض. وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله عليه الصلوات والسلام من الله.

د. أحمد الليثي
15-10-2007, 05:26 PM
مقامة القزم والعلم


كان ببادية من بوادي العرب أعرابيّ سيء الخلق، ضعيف الأدب. لا يكاد يقول شيئاً من جميل الأقوال إلا وغلبه طبعه البطّال. فيفسد ما تعجز دهور على إفساده، ويفتئت على الله وعلى عباده. وكان لا يعلم من نفسه أنه على هذه الحال، ويظن أن الناس من الحماقة كالدواب حَمَلَة الأحمال. وكان ماكراً متصنعا، يدَّعي عن الدنايا ترفُّعا، فكان يقابل الناس ببشاشة ووجه طلق، فيجمع من حوله جموع الخلق، ويقول من الكلام ما تيسر، دون تفكير أو تبصُّر. فإن عارضه من الناس معارض، أحال لسانه إلى مقارض. واستحال يوم السامع إلى سواد. وأشاع سبه وشتمه في جميع الأمصار والبلاد. فكان من يعرفه يعزف عن المسير في طريقه، وينبذ طعامه والشرب من إبريقه. لا يقبل منه دعوة علنية، ولا خفية ولا سرية. أما رفاق طريقه فمنهم من على نفس الشاكلة، ومنهم من يبحث عن الماء في الأرض القاحلة، فيقول سحابة صيف عن قليل تَقَشَّعُ، أو يلتمس شفاء للمريض فينجع.

وفي يوم مر به رجل على رأسه عمامة، وهي للعلم حينئذٍ إشارة وعلامة، فعَرَفَه الأعرابيّ، وناداه قائلا: يا شيخنا الجليل، أقبل وعلمنا من علمك الجزيل. فنحن مشتاقون للعلم والسماع، لننزع عن جهالتنا القناع. فاذكر لنا من طرائف الحكمة ما ينفعنا، ويذهب غيظ قلوبنا ويقنعنا. فعِلمُنا بك أنك لجميع الأخبار موسوعة، وتعلم كل شاردة، وخافية، ومُوَثَّقَة، وموضوعة. وندر من بين الناس من له عقلك وفهمك، وحكمتك وعلمك. فأنت بين الناس عَلَمًا شهيرا، ومحنكاً خبيرا. لا ينتقص من قدرك إلا جاهل، بينه وبين العقل ألف حائل، أو من اعتراه مسٌّ من الجنون، والهلاوس والظنون، أو من يسعى لحتفه بجهالته، ولا يقتنع إلا بعد سحقه وإهانته.

فاستأنس الشيخ بحسن المخاطبة والمقال. ورغم علمه بشدة المبالغة في الأقوال إلا أنه حطَّ رحاله في الحال. ووضع على الأرض جريدة كانت بحوزته، وجلس عليها بكل قوته. وقبل أن يفتح الشيخ فاه، صرخ الأعرابيّ في الناس: أي اجتمعوا إليّ فالخير كله بين يديّ. هذا أبو التاريخ فينا، سيحدثنا بحاضرنا وماضينا. فهو للصدق والحق لسان، وللأمانة والنزاهة عنوان، ولا يخفى عليه من الأحداث ما كان. فهو حاضر وإن لم تره العيون، ومبدد للأوهام والوساوس والظنون. فاستمعوا لمقالته وصدقوه، ولا تنكرو عليه حرفاً أو تكذبوه .

وما أن انتهى الأعرابي من كلامه حتى أقبل الناس من كل حدب وصوب، وأنشأ الشيخ الجليل يقول: سأحكي لكم حكاية بلغت من العجب الغاية، فاستمع أيها الجمع المحترم لقصة قزمٍ ظن نفسه علم.

يُحكى أن رجلاً كان يعيش في بيت على أطراف غابة، منعزلاً عن الأهل والأحبة والصِّحابا. وكان ينفق وقته في العلم والتحصيل، ويؤمن أن العقل للفِعال دليل. وكان لا يخرج من بيته إلا في اليوم خمس مرات، للتعبد وإقامة الصلوات، ويذهب للسوق في الشهر مرة يشتري الطعام ويملأ الجرّة. وبعدها يعكف على عمله، إذ زادُه كله في عقله.

وخرج للسوق في يوم من أيام الله، وكانت الجريدة من بين ما اشتراه. وجلس يقلب صفحاتها، وينقل عينيه بين أعمدتها، فيقرأ مرة خبراً في السياسة، وأخرى في حسن الخلق والكياسة، ومرة قصة قصيرة أو قصيدة، وأخرى وصفة لعمل العصيدة. وبينما هو على هذه الحال إذ انتبه لمقالة فيها لطافة، تتحدث عن كنوز العلم الثقافة. أخذ صاحبها يتحدث فيها عن خبرة له في سالف الأيام، وكأنها حلم من الأحلام، ويمتدح في جملة منها من كان يظنه عَلَما من الأعلام.

ثم قلب صاحبنا الصفحة فوجد فيها رداً من العَلَم المزعوم على صاحب المقالة، تقطر خداعا ودناءة وسفالة، وتنزف وضاعة وجهالة. فبعد أن شكر الكاتبَ على تقريظه المليح، استل سيفه ونضح بكل مسترذَل وقبيح -والإناء بما فيه ينضح، وما أفلح من تبجح- ونسب إلى نفسه كل شيء نبيل، وحِمْل كل عبءٍ ثقيل. والسهر على راحة الأمة جميعا، وحمايتها ممن كان متعاليا ووضيعا. وأخذ يصول ويجول، ويقفز كالقرود ويقول:

كان همنا في هذه الدنيا أن نحفظ للأمة إرثها، وألَمُنا أن يأتي إليها من يهدد كيانها. وكان علينا أن نحمل الأمانة دون كلل، ونصبر على الإهانة والعِلل. لا نشكو إن أصابنا الملل، أو نستسلم إن طغى على غيرنا الكسل. بل العمل الدؤوب والجد والعزيمة كانوا شعاراً لأفعالنا العظيمة والكريمة. فصاحب الوعي والضمير لا يرضى بما فيه تقصير، ولا يقبل بأفعال كل متكبر وحقير. وقد ارتكب المتطفلون عديمو الأخلاق في حقنا جريمة، همُ البلطجي والانتهازي وشرذمة عقيمة، أرادوا أن يُسكتوا صوتنا، وأن يدوم صمتنا. وتأبى علينا أخلاقنا إلا أن نرد لهم الصاع صاعين، ويسمع بأمرهم الأصمُّ، وينكشف أمرهم لكل ذي عينين. فلتعلم -يا حفظك الله- أن جرمهم قد بلغ منتهاه. فهم مبتزون مفلسون، فاشلون متنطعون. بلغ فسادهم ما تتقزم أمامه الجرائم النازية، وحروب الإبادة اللإنسانية، وتقشعر من هوله البشرية، فما حل بالبوسنة والهرسك وأهل رواندا يهون، إذا قارناه بجريمتهم النكراء وفعلهم المجنون. والعجيب أن يجتمع حولهم من الشياطين سلالة تزيديهم غياً بصمتها وضلالة. ولو كنت منهم -وقد أصابهم السعار- لسلمت نفسي إلى محكمة لاهاى، أو أشعلت في نفسيَ النار. فإعدامهم راحة لكل صاحب ضمير من أمثالي، كي نعود إلى الراحة وأيامنا الخوالي، حين كانت لنا سلطة وصولة، ونُسقِط الخصوم في كل جولة. إن أولئك الأوغاد عصابةٌ من الفاشلين، من الببغاوات والأصنام والمطبلين، بلغ بهم الهبوط والانحدار أن وصل سبهم إلى باب الدار، ونسوا أن لدي مناعة وحصانة، وأني صاحب مركز ومكانة. وقد حججت ثلاث مرات، واعتمرت خمسة عشر مرة، فأنا المختار من بني جنسي، وحسناتي مستمرة. أما الخونة والحاقدون، والسفهاء والانتهازيون فلتلحق بهم كل لعنة وبلية، حتى لا تبقى لهم بقية....

وبينما الشيخ يكمل حديثه قاطعه أحد الحاضرين وقال:
- يا شيخنا ما هي جريمة هؤلاء؟ قل لنا. فقد -والله- سمعنا فيهم من الشتائم ما لا يليق أن يخرج إلا على ألسنة البهائم. وإن كان هؤلاء جماعة ظالمة فواصفهم بهذه الأوصاف قد تعدى حدود المنطق والصواب، وحرمة المسلم وكل الآداب. ولا آراه إلا دنيء النفس والطبيعة، فاجر الخصومة ومحرضا للقطيعة. يزكي نفسه كأنه قديس، ولا يفعل هذا إلا خسيس من أبناء إبليس. فمادح نفسه شيطانٌ جهول إذ يظن نفسه مَلَكاً عقولْ. ويقول إنه الضحية وهو ربٌّ لكل دنيّة. فليس في كلامه حجة أو دليل، أو منطق وتحليل. وما سمعنا في روايتك عن حاله من جَد إلا ما يوجب عليه الحد.

قال الشيخ:
- أي والله يا بني صدقت. ولكنك في تشبيهك إياه للبهائم ما أنصفت. فلم ير إنسانٌ من الدواب ما يفعل فعل هذا الباهت المغتاب. أما جريمة الجماعة المذكورة فهي جريمة كل نبي يصدع بالحق، ويدعو إلى الصلاح والصدق. كان هؤلاء اجتمعوا على نور من الله، وحَرَمَهُ المولى إياه. فكانوا يجدّون ويتوكلون على باريهم، وهو يخدعهم وبالحسنى يمنِّيهم. حتى انكشف أمره بينهم، وأرادوا له الستر إذ كان منهم، ولكنه أبى إلا أن يفضح الله مكنونه، فطاش عقله وجن جنونه. وأصابته الغيرة والحسد وانتكب، فانقلب إلى شر منقلب، ولم يبق له سوى السب والشتيمة، والبغض والتفسخ والجريمة.

وقبل أن ينهي الشيخ قصته، هجم عليه الأعرابي وأمسك لُمَّتَه، وشرع يصرخ فيه صراخ الغراب بما يستحي منه الحَضَر والأعراب. والوقوفُ جميعٌ في ذهول من تصرف الأعرابي الجهول. وقال:
- أنا مَنَ كتب الرد الذي سلف بالصحيفة، فاستمع يا من أنت أحقر من الجيفة، أنت جاهل خَرِف، مدنس لقدسيتي، ورمز للقرف. كم طال صبري عليك، وسترى مني ما يقطع لسانك، ويكبل يديك. إنني أعلم عنك من الأسرار والأدران ما يشيب لهوله الولدان، فكم خدعت من أناس وشعوب، فغيرت لهم المسالك والدروب، وأوهمتهم بالصدق وأنت كذوب.

فانتفض الشيخ انتفاضة منها الحضور ارتعد، الشيخ منهم والولد، وقال للأعرابي:
- إنني منذ البداية ملمٌ بقصتك، عارف لغايتك. وقد اخترت من الأخبار هذه الحكاية لأنك صاحب خيانة ووشاية، فأردت منها أن أعريك بين الناس، حتى يدرك صاحب العقل والقياس أن الكاذب لا يصبر على سماع الحق حتى النهاية، وها أنت قاطعتني ولم أنتهِ من الرواية. وها هم الناس من حولك قد علموا طويتك، وكشفوا سريرتك. فلم يعد بكلامك البطالِ أحدٌ ينخدع، ولا يسير سيرك إلا كل ضال مبتدع. وقد قلتَ عني من قبل إنني صادق القول والفعل، وها أنت الآن ترميني بالكذب والنعل. فإن أعجبُ فمن جهلك وطول غبائك، وظنك الناسَ تتبعك في شقائك.

أنا التاريخ أدوِّن ما أراه، ولا أبالي أأعجبك الكلام أم أوجعتك الآه. وإني متتبع لنقائصك وما أكثرها، مدوِّن لأرجاسك أكبرها وأصغرها. وإني أعلم أنك سليط اللسان، حقود حسود خبيث البيان. وسأُدخلك بيتي من هذا الباب، باب القذر والأوساخ والسباب. وحين ينتهي الأجل، ولا يبقى لك من العمل سوى الدجل، سأصدر فيك حكمي الفصيح، وأسطِّر فيك أسفارا، بأنك كنت رمزا لكل قبيح وكنت للدنايا شعارا.

يُمنى سالم
17-10-2007, 04:27 AM
د.أحمد الليثي

قصة موغلة في الحكمة والتعقل...

رائعة بالفعل سيدي

دم بخير

د. نجلاء طمان
17-10-2007, 08:21 AM
القصة, من النوع الحكائي السردي الهاديء. القصة كانت تحتاج لمزيد من التكثيف, لكن الحكاء المطول أفرز الهدف الفلسفي, والحكمة المرادة من القص. فكرة الوهم, وتبعياته على جميع الأطراف؛ أبرزتها القصة في وضوح, وأجاد القاص تقنية السرد الوصفي لبرانيات الشخوص. إن الوهم قد يكون في حد ذاته مرضا, يستوجب علاجه, لكن قبلا لابد من المريض به أن يقتنع أولا بمرضه حتي يأخذ دواءه... فيكون الشفاء, أما إن أخذته العزة بالوهم, أصبح الوهم حمقا وزاد ليصل إلي سفاهة في الحمق. والنهاية جاءت منطقية فلسفية وواقعية.

دمت رائعا

د. نجلاء طمان

د. أحمد الليثي
18-10-2007, 02:12 PM
د.أحمد الليثي

قصة موغلة في الحكمة والتعقل...

رائعة بالفعل سيدي

دم بخير

الأخت الفاضلة الأستاذة يمنى
شكر الله مرورك، ومجاملتك الطيبة.
وما أكثر الحمقى والمتعالين الخادعين لأنفسهم في زمن كثر فيه الرويبضة.

دمت سالمــة.

عصام مشعل
18-10-2007, 04:44 PM
فما أكثر مقاماتك الهادفة والجميلة

ياصاحب المقام الرفيع خُلقاً وفِكراً وأدباً وشِعراً

أخي الحبيب وأستاذي العزيز الدكتور أحمد الليثي

جعلتني أُسرِِع خلف كُل كتاباتك لإني دائماً أخرج منها بتيجة وعِلم جديد

حفظك الله من كل سوء وجزاك عنا خيراً

أخوكم ومحبكم

عصام مشعل

د. أحمد الليثي
19-10-2007, 10:44 AM
فما أكثر مقاماتك الهادفة والجميلة

ياصاحب المقام الرفيع خُلقاً وفِكراً وأدباً وشِعراً

أخي الحبيب وأستاذي العزيز الدكتور أحمد الليثي

جعلتني أُسرِِع خلف كُل كتاباتك لإني دائماً أخرج منها بتيجة وعِلم جديد

حفظك الله من كل سوء وجزاك عنا خيراً

أخوكم ومحبكم

عصام مشعل

أخي الحبيب الأستاذ عصام مشعل
أسأل الله أن يحفظك، وأن يجزيك خيراً على طيب كلامك؛ فقد أسبغت علي حلة لست أهلاً لها.
وأحبك الله الذي أحببتنا فيه.

دمت سالمــاً.

عصام مشعل
20-10-2007, 09:16 AM
أخي الحبيب الأستاذ عصام مشعل
أسأل الله أن يحفظك، وأن يجزيك خيراً على طيب كلامك؛ فقد أسبغت علي حلة لست أهلاً لها.
وأحبك الله الذي أحببتنا فيه.

دمت سالمــاً.

فإن لم تكُن أهلاً لها يادكتور فمن سيكون إذن ؟

فوالله أنت أهلاً لهذه الحُلَة وجدير بها .

وأدعو الله تعالى أن يديم الحب الوِد بيننا ويديم حب الجميع واحترامهم لكم

وسلمَك الله من كل سوء

دُمت بخير

محبكم

عصام مشعل

د. أحمد الليثي
22-10-2007, 08:26 AM
فإن لم تكُن أهلاً لها يادكتور فمن سيكون إذن ؟

فوالله أنت أهلاً لهذه الحُلَة وجدير بها .

وأدعو الله تعالى أن يديم الحب الوِد بيننا ويديم حب الجميع واحترامهم لكم

وسلمَك الله من كل سوء

دُمت بخير

محبكم

عصام مشعل

اللهم آمين!
شكر الله لك أيها الحبيب، وبارك فيك.

وبالمناسبة أخي الفاضل: فقد رددت على رسالتك، ولكنك لا تقبل مراسلات من المسجلين بالموقع، ولذلك حولتها إلى بريدك الإليكتروني.

د. أحمد الليثي
09-03-2008, 09:28 PM
مقامـات ليثيَّـة
المقامـة الرابعـة
المقامـة السنيَّـة في الأخلاق الحمـاريَّـة


نزلت بالحي نازلة، شتَّت شمله، وأرخت مفاصله، وشارك في لوكها الرجال والنسوان، وأهل العلم والبيان، وأصحاب الطبل ومزمار الشيطان، وبائع الذهب ولائكة اللبان. كل يدلي فيها بدلوه، ويجمع الناس من حوله. هذا يهاجم وهذا يدافع، وهذا يقيم الحجة، وذاك يقارع، وهذا يميل ميلة حق، وذاك ميلة باطل، وهذا يضرب بالرق، وذاك للجميع يقاتل.

أما النازلة فابنة شَخْلَعٍ واسمها سنيّة، قد أتت بفرقتها الموسيقية، وقد سبق قدومها إعلانات ودعاية، ومقالات مؤيدة وأخرى للنكاية. وقالت إنها تبغي من جولتها الفنية، "أن ترفع الذوق العام وقد تحدَّر في دركات دَنيّة. فالموسيقى غذاء الأرواح الجائعة، ونعيم القلوب السامعة، ونور النجوم اللامعة، وضوء الشمس الساطعة. والغناء للنفوس مُطرِب، يعزف على أوتار القلوب ويضرب، فَتَرِقُّ منه الطباع، وتزول الآلام والأوجاع، وتملأ السعادةُ النفوس، وينهزمُ الغضبَ كهزيمة أحمسَ الهكسوس. والرقص يجدد النشاط، ويساعد على الأريحية والانبساط. فهو أشبه بالتمرينات الرياضية، التي تفيد الدورة الدموية، والوظائف العضوية؛ فهزُّ البطنِ والأرداف يساعد المعدةَ في الهضم، ويمنع الرُّعاف، ويقي الجسمَ الموتَ بالسمِّ الزعاف! وله من المزايا ما لا يحصى له عدد، وتستمر فائدتُه إلى الأبد. وقد غلب الأعشابَ الطبيعية، والعقاقير الطبية؛ لانعدام آثارهِ الجانبية. حتى أن فرنسا وأمريكا من فرط إعجابِهم بكاريوكا قد فتحوا فروعاً للرقص والمزيكا، تديرها مدموزيل ماريكا -وهو اسم سنيَّة شخلع عندَهم، ويعرفها في بلادهم كبيرُهم وصغيرُهم- تعلِّمهم فيها أصول هذا الفن ودرجاته، وانحناءاتِه وهزّه وحركاته." وهذا ما يسميه العامة أصول الهشِّك بشّك، وما لا تراه إلا بعد منتصف الليل في دشِّك، وإن رآك ساعتها أحد قال "استح على وشِّك".

وما أن ذاع الخبر، وفي الناس انتشر حتى ظنوا أنه مجرد كلام جرائد، مما اعتادوا عليه في العصر الحاضر والبائد، فقلب الناس عليه ماجورا، إلى أن أتى إليهم عبيطُ الحيِّ مسروراً، يدلدل لسانَه، وتلمع عيناه، ويلعق شفتيه، ويفرك كفَّيْه، ويصيح في سعادة، ما بعدها زيادة بأن سنيّة المهلبية قد حلَّت قريباً منهم، واقتربت رحالُها من رحالهم، وعما قريب ستكون بينهم. فهبَّ الناسُ في هرجٍ ومرج، يتحاورون بلا حرج، من التزم منهم ومن على الرقص دَرَج. وطال الأخذ والرد، والجذب والشد، حتى أن شيخ الحارة -عامل الحكومة- دعا إلى عقد اجتماع عام لجميع الأنام، المعارض والمؤيد، والعبد والسيد، لمناقشة الزيارة الميمونة، والترحيب بالمواهب البادية والمدفونة، وإظهار الحفاوة بالضيوف، وتنظيم الصفوف وترتيب عُدَّةِ حفل الاستقبال، دون ادخار لأي جهد أو مال. وأمر شيخ الحارة بنصب صوان، لم يَرَ له شبيهاً من قبل إنسان. وارتفعت الزينات والأنوار، واستحال الليل إلى نهار، وسُفلتت الشوارع واخضرّت الأشجار، وجرت عيون الماء كالأنهار، وأصلحت الكهرباء في الدور داراً بعد دار، وطليت واجهات المساجد والبيوت، ودُعي لسنيَّة في القنوت. وَوُضع في الحي أساسُ مستشفى ومخبز ومدرسة وجامع، وبُنيَ مُولٌ تملؤه البضائع، وكلها باسم سنيَّة شخلع، التي أصبح اسمها بالنيون يلمع، ونجمها يعلو ويسطع، حتى أن الأطرش أضحى بها يسمع. ووُزعت على الناس كوبونات لصرف الملابس والبطاطين، ونثرت في الحيّ الورود والرياحين، والفل والياسمين. وحصلت كل أسرة على صندوق صابون وليفة، وبعض إرشادات الاستعمال الخفيفة، وبخاخة مملوءة بالتوكسافين، لرش العقارب والثعابين.

وما أن حان يوم الاجتماع حتى كان كثيرون على اقتناع بأن خير ما مرَّ عليهم منذ مولدهم هو قدومُ ابنةِ شخلع إليهم. فمن قبل كانت المجاري في الشوارع طافحة، ورائحة المصرف العمومي فائحة، وأكوام القمامة في ازدياد، تتراكم كذنوب العباد، لا يضاهيها في العدد إلا أسراب البعوض وقبائل البراغيث وعشائر الصراصير، وكلها لا تعرف الرحمة ولا تراعي الضمير، فتقرض وتقرص وتنشر العدوى بالقناطير. بل إن الفئران كانت تملك المساكن بوضع اليد، وإن تعدَّى عليها أحدٌ أقامت عليه الحد. وكانت القطط والكلاب والفئران قد عقدت مع بعضها بعضاً معاهدة، لا شقاء فيها ولا مكابدة، ولا عراك ولا مطاردة فلا يُستباح حمى أحدها في ليل أو نهار، وإن أتي غريب للحي اتحدوا فلاذ الغريب بالفرار. وكانت أكوام القمامة لها جميعاً مقهى للقاء، ومثالاً للمحبة والإخاء، وطهارة القلب ورمزاً للصفاء. فكانت الفئران تجالس القطط، ويمرحون سوياً فلا لغط ولا شطط، وتأتي الكلاب فتلاعب الاثنين، وتهز ذيولها وتغمز بالعينين. حتى أن الغيرة من اتحادها أصابت الجامعة العربية، وجموع الدول الأوربية، وحيوانات شبه القارة الهندية. وكانت بينها لغة حوار، فترى فأراً يموء، وقطاً ينبح وكلباً ينهز كفار، حتى أن الحي منهم غار؛ إذ كان الديدن خناقات الجار مع الجار، وردح نسوة أنكر من صوت الحمار، وكانت الضوضاء لا تسكن في ليل أو نهار.

وعندما وصل الخبر اليقين، واستبان صدق المقولة المبين، بأن "سيدة الأنس" سنيّة ستأتي في زيارة وطنية، قامت في الحيِّ قيامتُه، ونهض شيخ الحارة واعتدلت قامتُه، وحث عمَّاله على الجد في صدق وإيمان، ومطاردة الكلاب والقطط والفئران، وإزالة مكبات القمامة كدليل وبرهان على العمل والاجتهاد، وحسن الضيافة والترحاب. وكانت معركة حربية، وواقعة عسكرية، قضت نحبها فيها الآلاف من القوارض، وجرحت القطط والكلاب من الجروح ما بين مستديم وعارض، ونُقل للمستشفى خمسون من عمال النظافة، ما بين مخموش ومقروض، ومقروص وملدوغ ومعضوض. ومات سبعة بأمراض صدرية، عطَّلت أجهزتهم التنفسية. أما البقية فتعاني من أمراض نفسية، تعالج بالصدمات الكهربية.

وبينما كل هذا يدور، والاضطراب يسود والأعصاب تفور، كان الناس يتكلمون، وللوضع يدرسون. قوم يوافقون، وقوم يعارضون، وقوم يمنة ويسرة يميلون، وقوم يتفرجون، وقوم لا يبالون، وقوم أغلقوا دورهم لا يفتحون. فكان لابد من جمع الناس، ومناقشة الأمر من الأساس، وقطع دابر القيل والقال والوسواس.

وفي اليوم المشهود جلس شيخ الحارة في الصدارة، بعد أن ربط أتانه في سارية الصوان، تحت رعاية الصبيان، بجوار أتان شيخ الخفر، وفرس نجيب باشا المفتخر. ثم جاء مسئولو الداخلية، في معاطف سوداء بهيّة، وفي صحبة ممثلي الخارجية، والإعلام والمالية. وتلاهم رجالات الحربية والشئون الاجتماعية. وتركوا أفراسهم في موقف الدواب الفاخر، وقد تزينت من رأسها إلى الحافر، وفاحت منها العطور الزكية، التي تدير الرؤوس الآدمية، بله الحيوانية. ولما حلَّ "الكبار" بالمنصة وأخذوا جميعاً مجالسهم، صمت الجميع وتجمدوا في أماكنهم. وعلم أهل الحي أن المسألة أكبر مما يظنون، وفوق ما يحلمون، ودارت في رؤوسهم أفكار وظنون، فجلسوا في صمت يترقبون وينصتون.

وقطع الصمتَ شيخُ الحارة، فرحَّب بالضيوف وزارة بعد وزارة. ثم قال: "اجتمعنا اليوم لأمر جلل، سيدفع عن ليالينا الملل، ويبعث في نفوسنا الأمل. وهو أمر كما تعلمون عظيم، حتى أن الحكومة -حفظها الرب الكريم- توليه عناية فوق عناية، وتفيض عليه من الاهتمام الغاية. وهو شرف فوق ما نتوقع في شخص المصون سنيّة بنت شخلع، رفيعة القدر، عالية الذكر، طيبة الريح والرائحة، إذ أتت إلينا سائحة. فنحن في شوق إلى لقائها، ورؤيتها من ساسها إلى رأسها ... (فتنحنح مسئول الداخلية، ووخز شيخ الحارة وخزة قوية)، فقال: ورؤيتها في نضارة بهائها. وقد قمنا باتخاذ الإجراءات والتدابير، حتى لا يعكر صفو الزيارة أمر كبير أو صغير. وبنينا في قلب الحي لها بناية عالية، تكون للفن منارة واعية، وإشعاعاً لا يخبو له نور، ولا ينفد منه السرور. وأترك المجال الآن لأهل الفن والإعلام والإعلان، كي يخبروكم بالخطط المستقبلية، الخمسية والعشرية، حتي يعمَّكم السرور، والبِشر والحبور."

فأخذ اللاقط مسئول الإعلام وأهل القول والإفهام فقال دون مقدمات: "ستتحول لياليكم إلى أنس وفرفشة، وفنٍّ ونعنشة، وألوان مزركشة. وسترون من سُنسُن اللولبية، ذات الطلعة البهيّة، والشفايف الوردية، واللمسات الحريريـ ... (وقبل أن يتم كلمتَه جاءته وخزة قطعت عليه خياله، وأفاقته من أحلامه وبددت آماله، فبلع ما استطاع من ريقه، وعاد عن طريقه) فقال "لدينا في الوزارة خطة لتحويل هذه الحارة إلى مركز إشعاع للحضارة، وسيفد الناس إليها من كل حدب وصوب للزيارة. وستبلغ شهرتها الآفاق، وتكون رمزاً لكل مرتفع وراق." ثم زاغت عيناه، وسال لعابه طويلا، فناوله مسئول المالية منديلاً، وأخذ اللاقط وقال:

"أيها الأحبة: إننا لن ندخر مالاً في سبيل نهضكتم، ورفع مكانتكم. وقد بدأنا بالفعل في هذه الخطوة حتى تكون لكم الحظوة. لقد أنفقنا منذ إعلان الخبر مائتي مليون دولاراً في شهر، وفي نيَّتنا المزيد، بلا سقف ولا تحديد، فسنيَّة أصل كل جميل، ورقصها يشفي العليل، وبيتها مفتوح في مساء أو أصيل، لا ترد زائراً، ولا تصد سائلاً، تسمع منها معسول الكلام، وإذا تركتها أتتك في الأحلام، تهون علينا في سبيلها المليارات بله الملايين، ونرتمي في أحضانها في شغفٍ متشوِّقيـ ... (وهنا جاءته ضربة أعادته إلى وعيه، وإن كادت أن تودي به إلى نعيه)، فاعتدل في جلسته وكَلِمِه، ومسح فمَه بأطراف كمِّه، وقال: "وهناك مشاريع قادمة كثيرة، صغيرة وكبيرة، سترفع من شأنكم جميعاً، وتحيل صيفكم وشتاءكم ربيعاً."

ثم تحدث مسئول الشئون الدينية، فقال: "كلنا نعرف سنيّة، فهي كاملة السجايا، (سفيهة) أقصد سفيرة حُسْنِ النوايا، وملهمة (البغايا) أقصد الصبايا، ستنشر في حيِّنا كل رذيلة (فضيلة)، مستهجنة (مستحسنة) جميلة. فلنَدْعُ لها بالعافية وطيب النفس، وعلو الهمة والرقص (والرأس). وقد علمنا أنها ستبذل وسطها (وسعها) في سبيل الحيِّ وأهله، ..." وهنا جذب مسئول الداخلية اللاقط، وقال:

"لقد اتخذنا التدابير الأمنية، لضمان الحماية الآجلة والآنية، لسيدة الحسن والجمال، وصاحبة الغنج والدلال، التي ستحلّ في حيِّكم قريبا، وستكون لكل عانٍ طبيبا. وقد وضعنا الحرس في كل ركن وزاوية، محتشدة بالناس وخالية، وعلى الأسطح وفي المنازل، حتى لا يقول قائل إننا لا نحمي مقدساتنا الوطنية، أو نفرط في ثرواتنا الفنيّة، وعلى رأسها سنيَّة المكوكية. وسيشهد الحيُّ لياليَ ملاح، من أذان المغرب وحتى تباشير الصباح. وستحفظ قوات الأمن النظام، ويسود في الحي الهدوء والسلام، حتى يصبح الحيّ للتعايش شعارا، وللتسامح فخارا. وسنضرب بالحديد والنار كلَّ مثيرٍ للفتنة جالبٍ للعار. إن شعار حملتنا الأمنية "حبٌّ لا حرب، غَزَلٌ لا ضرب، رقصٌ لا كرب". أما المتشددون الرجعيون، والمتطرفون الإرهابيون، والمتخلفون المتعصبون، فلهم المعتقلات والسجون؛ فهؤلاء دأبهم الانغلاق والتجهم، ولا ينفع معهم حوار ولن نسمح لهم بالتكلَّم. سنتعامل مع الفئة الضالة بكل صرامة، وستكون مواجهتنا عليهم حسرة وندامة. فليدخلوا رؤوسهم في جحورهم، قبل أن نقطعها وأدبارهم." ثم ناول اللاقط لشيخ الحارة فقال للجمهور: نفتح الآن المجال لمن كان عنده سؤال.


يتبع.

د. أحمد الليثي
09-03-2008, 09:29 PM
فقام رجل ليعلِّق، وما أن فتح فمه حتى سمع مِن خلفه مَن وكزه وقال "اغلق". فاستدار فإذا اثنان يحملانه وإلى خارج الصوان يلقيانه. وهناك وجد من الرجال خمسة عشر أشبه ما يكونون بآكلي لحوم البشر، فتلقوه بالمقارع، ومسحوا به شارعاً بعد شارع. وكل من قال اتقوا الله فينا، وصفوه بالتطرف وأخذوه سجينا. ومن قال هذا تفسخ وفجور، ومنبع فسق وشرور، لكموه وكسروا أسنانه، وحملوه فلم يدر أحد مكانه. ومن تجرأ وقال في هذا مفسدة لأخلاق الشباب، نال ما تيسر من صنوف العقاب. وتكررت الواقعة المشئومة مع كل معارض للحكومة، حتى اختفى كل صوت مخالف، ولم يبق إلا كل موافق ومحالف. وعندها ارتفعت الأصوات، وعلت الهتافات، تمجِّد المنجزات، وتفدي بالروح والدم حماة الحريات، وتدعو بالاستقرار والثبات، والعيش في تبات ونبات، وصبيان وبنات، للجالسين على العروش من منفوخي الكروش. وانتهى الحفل والأيدي مرفوعة للسماء، تبتهل في تضرع وبكاء، أن يحمي المولى رأس الدولة ويستر المسئولين والوزراء، ما علموه منهم وما هو في الخفاء.

وما أن هدأت الهتافات والصيحات، وخرجت الجموع من الصوان حتى تبين الناس نهيقَ حمار وأفراس وأتان. فنظروا فإذا عبيط الحيّ قد سرَّب حماره، في جرأة وجسارة، إلى موقف دواب كبار الزوار، فكان أن اجتمعت أفراسٌ مزيَّنة وحمار. فنزا عليهن جميعا، واحدة بعد واحدة، ولم يترك منهن سارحة أو شاردة، ثم خرج فوجد إتانيّ شيخيّ الحارة والخفر، وفرس نجيب المفتخر، فقضى معهن ما بقي من الوطر. فكانت واقعة فريدة، وجلبة عجيبة، وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط، واختلطت النهيق والصهيل بالسباب والغلط. فمال محروس أفندي مُعَلِّم الحيّ على أُذُن جاره موظف الريّ، وقال هامساً: قد فعل حمار العبيط بالأفراس، .... (جملة حذفتها الرقابة الذاتية) فألقِ يا صاحبي على هذا الحمار نظرة، وخذ من أفعاله العبرة

انتهى.

يُمنى سالم
09-03-2008, 11:06 PM
أستاذي د.أحمد الليثي


هذا مقعدي لحين عودة

دم بخير

د. أحمد الليثي
10-03-2008, 04:34 PM
أستاذي د.أحمد الليثي
هذا مقعدي لحين عودة
دم بخير


الأخت الفاضلة الأستاذة يمنى
شكر الله مرورك . ومرحباً بك في كل وقت وحين،وتسعدني زيارتك دائماً.
دمت سالمــة.

عماد تريسي
10-03-2008, 05:13 PM
خيراً فعل عبيط الحيّ , إذ أنزل أولى الكروش / العروش
و " مركباتهم " أنسب المنازل التي يستحقون .

د . أحمد الليثي ,

طاب المقام - و الله - في هذه المقامة .
زادكَ ربي رفعةً و كللكَ برضاه .

مودتي

د. أحمد الليثي
10-03-2008, 10:06 PM
خيراً فعل عبيط الحيّ , إذ أنزل أولى الكروش / العروش
و " مركباتهم " أنسب المنازل التي يستحقون .

د . أحمد الليثي ,

طاب المقام - و الله - في هذه المقامة .
زادكَ ربي رفعةً و كللكَ برضاه .

مودتي



الأخ الفاضل الأستاذ عماد تريسي
شكر الله مرورك وتعليقك. وجعل لنا ولك حظاً في دعائك. ويسعدني حضورك دائماً.
دمت سالمــاً.

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:01 PM
الـمـقـامـة الـثـالـثـة
ذيـب بـن أبـي الـضـبـاع

الجزء الأول:


استيقظ أبو الضباع على صراخ زوجه، إذ كان صياحها هذا اليوم في أوجه، فقام متعكر المزاج مشوش التفكير، وأخذ يسب الجميع من الصغير إلى الكبير؛ إذا لم يستجب لنداءاتها المتكررة من الجيران أحد، فاضطر -غير راغب في النهوض- أن يقوم ليرى بعينيه ما طيَّر النوم من جفنيه. فمنذ ما يزيد عن عشرة أيام وآلام مخاض أم الضباع أقرب إلى الأوهام والأحلام. فهل حان اليوم حقاً حينها؟ أم أنه في هذا اليوم جن جنونها؟

هرول أبو الضباع إلى أم الضباع في حدة وغضب، وأقسم أن يهوي عليها بالهراوة كي يعلمها الأدب. فلتذهب وحملها إلى الجحيم، وإلى أحضان الشيطان الرجيم! فعمله -كما يسميه- بالليل يستلزم أن ينال قسطه من الراحة، ولا يمكنه ذلك في قلب تلك الهيعة والنياحة.

أما عمل أبي الضباع -أيها القارئ الكريم- فهو لعب القمار مع المأفونين والشطار، فيوماً يكسب ويوماً يخسر، ويوماً يتقدم وفي غيره يتأخر. وينفق كسبه جله أو كله على تعاطي المخدرات، وشرب المسكرات، والتسكع مع بنات الليل وفي الحانات والبارات. وقد تعلم من حياة اللؤم دناءة الطباع، ومن هنا أسموه أبا الضباع. أما اسمه الحقيقي فليس أفضل حالا، بل إنه اعتبر أبا الضياع ترقية وأحسن فالاً، فأخفى اسمه القديم عن كل مقسط ولئيم، ونسب نفسه إلى جنس الحيوانات، وأقسم لا يغيره حتى الممات.

قفز أبو الضباع بهراوته على زوجه المتحزبة قَفْزَ اللئيم السقيم على مأدبة، فأخذ يضربها فوق أم رأسها، وعلى الجنبين وظهرها وبطنها. ومن فِيِهِ خرجت كل ألوان السباب، ونالها منه صنوف اللكم والركل والعذاب. ثم أمسك بتلابيبها وألقى بها من جدار إلى جدار، وهو يلعن أبيها وأمها، وينهش عظمها ولحمها. فلقت على يديه ورجليه من القهر ما لا يسر، ورأت منه النجوم في عز الظهر.

وعلى الرغم من حال أم الضباع فلم تستسلم للضرب والأوجاع، بل كانت تعلم نقطة الضعف عند زوجها، وتدرك كيف تثأر لنفسها من بعلها. فما أن رأته مقبلاً بهراوته وصوته الناقم حتى أدركت سوء طويته وشره القادم. فما أن اقترب منها حتى شدت رجله الخشبية، وطوحتها من المشربية. وظل أبو الضباع يعرج، وأم الضباع تزحف للمخرج. وكانت تدفعه عن نفسها بكل ما أوتيت من حول، فيسقط مترنحاً بلا طول، فتلقي في وجهه ما تتحصل عليه باليدين، وتركله بالرجلين وتصفعه بالكفين. وهي على ما فيه من ألم المخاض والعراك تصرخ بأعلى صوتها حتى سقطت بلا حراك.

ثم مرت بعض لحظات من الصمت الرهيب، قطعه صوت صراخ وبكاء ونحيب، ولم يكن لأم الضباع ولا لزوجها، بل كان لذلك المولود العجيب، الذي نجا من كل تلك الملمات، وفر من جميع المناوشات واللكمات، وتمكن من تجنب الركلات واللعنات، وخرج إلى الحياة دون مساعدة من قابلة أو طبيب، فأقسم الوالدان -في نفس واحد- ليسميانه .... "ذيب".


وللمقامة بقية ..... إن كان في العمر "شوية"

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:04 PM
الجزء الثاني


ولما انقضت صدمة الميلاد، استعاد أبو الضباع ما بقي من وعيه، وعاد إلى سابق عهده، فنهض متكئاً على رجل وذراع، وهو يئن من الأوجاع، ويلعن الليلة الذي رأى فيها أم الضباع. وملأ نفسه غيظاً من جديد صراخ الطفل الوليد، فقام يهرول إليه ويلوح بكلتا يديه، ويصرخ فيه ويقول:

- اصمت يا ابن بائعة الهوى، فأمك بنت كذا وكذا -مما يخجل من ذكره اللسان، ويغضب ربنا الديان). إنك لست من صلبي، فخذ بكائك عني، وإني ورب البيت عنكما مستغني.

واجتمع الجيران على الضجيج، كطواف البيت من الحجيج. ودخلت منهم امرأة على أم الضباع تعينها ومن عثرتها تقيلها. وإذا هي تساعدها إذ نظرت إلى وجه "ذيب"، فشهقت وأفلت منها لسانها وقالت: "غريب عجيب! سحنته وسحنة أبي الضباع كالفرق بين السماء والقاع!"

فقالت أم الضباع مسرعة: "اصمتي يا امرأة."

فقالت الجارة: "والله لست من الذنب مبرأة."

فازداد في نفس أبي الضباع السعار، وأخذ يسب الجارة والجار، ثم سحب قضيباً من الحديد كان بجواره وهم بضرب الوليد وتحطيم أسراره، فاندفعت أم الضباع بغير وعي لتقيه عصا المعصية وتحميه، فجذبت مصباحها الكهربيّ وصدت به ضربة زوجها العصبيّ، فسارت الكهرباء في أوصاله، ومزقته أشلاء فنال جزاء أفعاله. ونجا الوليد هكذا مرة بعد مرة من موت محقق كلما أعيدت الكرة.

وانتشر الخبر في "حي النسانيس" انتشار النار في الهشيم أن أبا الضباع لحق بأبيه إبليس، وأن أم الضباع أنجبت من الحرام.

أما أبو ذيب فكان راعياً من رعاة الغنم، عيشه أقرب إلى العدم، وقد باع دينه بدنياه حين راودته أم الضباع عن نفسه، فانكفأ في المعصية على وجهه. (ونسأل الله لنا ولكم السلامة يوم الحسرة والندامة).

وقررت أم ذيب أن تذهب لراعيها لعله يأوي ابنها ويأويها. وما أن وقعت عينه عليها، ورأى الوليد بين يديها، حتى أطلق لساقه الريح وفر منها فرار الكبش النجيح. فقالت والغضب يرجف جسدها، والألم يعصر كبدها: "والله يا ابن الفاعلة، لأتركنه بخيمتك وإني لراحلة." وتركت الطفل في لفائفه غير عابئة بما يحل به. وفرت هي الأخرى من الراعي وابنها فرار الصحيح من المجذوم، والهانئ من المكلوم.

وتروي لنا الأخبار أن الراعي حين عاد إلى خيمته وجد الغلام في لفته يئن من الجوع، ويمص الكوع والكرسوع، فهاج وماجَ، وقال: "ما لي إليك حاجة، يا عار أمك وأبيك، فكن مع الذئاب لعلها تأويك." ثم حمل "ذيباً" إلى جوف الصحراء، وتركه يلتحف السماء.

ويخبرنا الرواة أن الذئاب تبنت "وليدها"، وربته الثعالب كابن لها، وأرضعته الضباع من حليبها فنشأ على هذه الحال، يفوق في دهاءه كل محتال. ينام بعين من عينيه مفتوحة، ويجهر بآثامه ولا مندوحة، ويعتدي على من شاء حسب مزاجه، ويسلب الحقوق من المغرب إلى الشروق. ولا يسلم من لسانه أحد، ولا من بطشه خانع ولا مستبد.

وهكذا عاش ذيب ابن الراعي والثعالب، ابن أبي الضباع والمثالب، ابن الضباع وأمه بنت الهوى وإشباع المآرب.


وللمقامة بقية إن كان في العمر .... شوية

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:07 PM
الجزء الثالث

وعلى كل ما مر به ذيب فقد اشتهر بأنه داهية أريب، لا يشق له في السباب غبار، ولا يأبه إن التصق به عار. وكان يفخر بدناءة عيشه، وحقارة أصله وفصله، ويستغل كل فرصة سانحة ليُذَكِّر من حوله بأعماله الجانحة. فكم من مرة خدع شريفاً أمينا، ونصب لصحبه وعدوه كمينا، وغرر بمن طبعه السذاجة فأرداه في مجاهل اللجاجة. وكم من مرة لم يراع حرمة الدين فهتك العرض وسرق عرق الجبين. من استعصى عليه بالتنمر أنهت هراوتُه منه كل تذمر، ومن لم يستجب للكلام عصف به في يقظة أو منام. وكان دأبه الغدر وديدنه الطعن في الظهر. فاشتهرت عنه كل نقيصة، وكل دنيئة ورخيصة.

ولم يكن ذيب قبيح الشكل والمنظر وإن اشتد فيه سواد القلب والمخبر. بل كان من يراه دون سابق معرفة يظن أنه رجل مألفة. ولكن جفاء طبعه، وردئ أخلاقه، وكل كلمة من فيه تفضح سوء طويته وخراب نيته.

وفي يوم قال له صديق سوء: "ألا تعلم أن الإنسان تصرف وسلوك؟ ففعلٌ واحدُ يجعلك صعلوكاً وآخر يضعك في مصاف الملوك؟ إن جفاء طبعك ينفر الناس منك. فإن أردت خداعهم فلا تعاملهم بطبعك بل بطباعهم."

قال ذيب: "وما أدراك أنت يا ابن الخبيثة؟ يكفيني ذراعي لأجعل ملوك الأرض أتباعي ..."

فقاطعه صديقه الناصح وقال: "ألا ترغب في المزيد دون تعب ولا تعقيد؟ ألا يرضيك أن تشبع من شهوتك وتحصل على بغيتك بأقل القليل من العناء، ودون مخاطر وشقاء؟

قال ذيب وقد أعمل رأسه في حياته لأول مرة: "ولم لا؟"

قال الصديق: "فتعال أُعَرِّفك على من ملأ الأرض ضجيجاً بنزاهته، وعلا صراخه ليخفي من نفاقه وتفاهته ما تستحي منه ديدان الأرض، وما يتضائل بجواره كل هاتك للعرض. وهو من علمني ما قلته لك حديث، فهذا معسول الكلام الذي يخفي بباطنه كل خبيث.

فاشرئب عنق ذيب للقاء المذكور الذي يستبدل الظلام بالنور.


وللمقامة بقية إن كان في العمر ... شوية.

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:09 PM
الجزء الرابع

دخل ذيب بيت "أبي الصنم"، وراحت عيناه تدوران يسرة ويمينا، واشتمَّ في البيت رائحة ألِفَتها أنفه سنينا، ثم تسربت إلى أذنيه كلمات أحس بطعمها في فمه، وشعر بوقعها في نفسه، وخالطت شغاف قلبه، فأسرع على الفورِ ليستمع إلى صاحب الصوت الجهوري، فإذا به يخطب في جماعة -واستمر خطابه ساعة- وهم يهزون رؤوسهم موافقين، وبين الحين والحين، يرفعون أكفهم مؤَمِّنين. فذكَّره هذا بحلقات الدراويش وشرْبهم المنكر والحشيش، إذ يجتمع الناس للتفقير وبينهم الغني والفقير، والكبير والحقير، والغبي والنحرير، ولابسي العمم والطراطير، وما أشبههم بنافخي الكير، فيتظاهرون بذكر رب البرية وهم أبعد عن الفطرة السوية.

وكان مما استجاب له حسه وتمايلت له نفسه قول أبي الصنم:"أنا أبو الصنم، أنا العَلَم، رب السيف والقلم، أحرك النفوس وأشحذ الهمم. أنا لكم -أحبتي- كالشمعة في الظلام، أنفض النوم وأبرئ الأسقام، وأحيي الموات وأزيل الركام. كلامي كالسحر بلسم، وأبعد الشر عنكم فنسلم، فصدقوني ولكم أقسم، فقد حججت بيت الله ثلاثة مرات، وأقمت بمنىً وارتقيت عرفات، واعتمرت بدل المرة خمسة عشر، فسمتي التدين وحسن المظهر، وقلبي نظيف وهمتي أكبر. وتعلمون أني سلس المعشر، خُلُقي التواضع ونصاعة المخبر. أعمل لأجلكم ليل نهار وقلما يقرب النوم أجفاني، ولا أفضح عنكم الأسرار وإنِ الحِمْل أعياني. فأنا أمين ابن أمين، ومن خيرة المرسلين. رسالتي رسالتكم، ومنبري ملك لكم. فلنكن جميعاً يداً واحدة على كل معتدي، نحمى الحمى من آخرٍ ومبتدي. واتخذوني قدوة فأنا الدليل وأنتمُ نعم المقتدي."

فاشتعلت القاعة تصفيقاً، وارتفعت الأكف للسماء تحليقاً. هذا يسبح بحمده، وهذا يتمسح به، وهذا يقبِّل يديه، وهذا يعفر وجهه عند قدميه.


وللمقامة بقية إن كان في العمر ... شوية.

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:13 PM
الجزء الخـامس

واستأنف أبو الصنم كلامه فقال:

"تعلمون إخواني إني منكم ولكم، ويسمع صوتي الأصم والأبكم، فرسائلي يتلقفها الآلاف، لأني في الحق لا أخاف. كم زلزلت كلماتي من عروش، فاهتزت الدنمارك وبلاد بوش. وأثناء انشغالي بمقارعة أعداء الدين وأمة العرب بادرني الخونة بطعنات سال منها الدم للركب، فكنت أقاتل في جميع الجبهات وألعن الآباء منهم والأمهات، وأضربهم بحسامي بين أنين وآهات، حتى خارت قواي فسقطت سقوط الصريع، وبكيت بكاء الرضيع. ولم أجد لجروحي يداً حانية أو لآلامي نفوساً فادية؛ فانهرت وانهار معي صرحي ... وصرحكم.

ولكنني كما ترون اليوم بينكم. ونسي الخونة أن عندي مناعة تحميني من كل ما يجرحني ويؤذيني. أنا أبو الصنم لو تعلمون، أنا الهرم لو تفقهون، أنا زعيم أكبر قوة عربية، أنا صرح النفوس الأبية. أنا الأمس، أنا اليوم، أنا الغد وكل حين، آهٍ آهِ يا أمتي لو تذعنين! كنت يومها حققت لكم كل آمالي ... وآمالكم، وأحلامي ... وأحلامكم، وطموحاتي ... وطموحاتكم. فبيننا قاسم مشترك، وواقعي وواقعكم مشتبك، فأنا أشعر بنبضكم، وبغيتي بغيتكم، وأعلم منكم أنك تريدون ما أريد، وشعاري يا قومِ هل من مزيد؟"

وثانية هاجت القاعة وماجت، وعلت التصفيقات وازدادت، وارتفع الشعار تلو الشعار: "الحياة للزعيم، وللخونة العار، تفديك نفوسنا من الأشرار، قدنا يا دليل لجنة أو نار." "الحق ما نطقت به شفتاك، نحميك في المكره هنا وهناك، الكل شيطان وأنت الملاك." "هوِّن عليك وخض يا زعيم، سنسحق لأجلك كل لئيم، فأنت الجنة، أنت النعيم." "أشِر علينا وقل سنطيع، فأنت الراعي ونحن القطيع، فسقنا ومُرْنا وبعنا بريع.

انتشى أبو الصنم وأخذ يكمل خطبته العصماء في حشده المغَيَّب المعطاء فقال:

"أريد منكم -وأنتم أهل الكرم والجود- أن تعطوني بلا حدود، وأن تطلقوا يدي فلا قيود، وأن تخرجوا من جيوبكم وخزائنكم ما تجود به أنفسكم ... وإن أبت ذلك عقولكم وضمائركم؛ فأنا أعلم منكم بالصواب، وأمور التخطيط والحساب. ولتنشروا بين أهل الأرضين السبع، وأصحاب الأموال وكل مصدر ونبع: أنني هنا مدافع عن كل حق لهم، أتحدث بلسانهم وإن لم يختاروني، فأنا الزعيم الملهم وإن سبني الخونة أو شتموني. أنا الحاضر أنا المستقبل، أنا غطاءٌ عليكم مُسبَل، أنا أبو النور وإن كبلوني، أنا الطريق وإن خذلوني. أين أيام الرشيد هارون؟ أين أيام ابنه المأمون؟

ها أنا ذا أنادي منذ سنوات -وسأظل هكذا حتى الوفاة- وكأن حديثي موجه لأموات! حلمي من البنايات عمارة، طوابقها تعلو تارة وتارة، ومكتب لي في الصدارة. وأموال تنسكب من فوقي وتحتي، ومن كل جانب، من متبرع ومعطٍ وواهب، ولا يسائلني أحد ماذا أنفقت، ولا فيما أخذت، ولا من أعطيت، ولا ماذا وضعت بجيبك وأخفيت. كلكم تعلمون أني أهل للثقة ورمز للعفاف، ورغبتي في نفعكم خالطت مني الشغاف، لا أعرف الهضم ولا الضيم ولا الإسفاف.

وككل صاحب دعوة ومدافع عن قضية تتناوبني السهام من كل عربي وعربية لا أصل لهم سوى الدناءة والوضاعة ، ولا يعرفون سوى الفاقة والمجاعة، ويلفقون حولي كل نقيصة وإشاعة، وأنا السيد بينكم، ولي تجب الطاعة. يقول الوشاة عني أني "كذاب أشر"، كذبوا وحقت عليهم اللعنات في حياتهم وبعد الممات. قالوا "أقول كلاما ثم أغيره، وأقسم اليوم على شيء ثم أحوله" خسئوا، أولئك أبناء الأفاعي، وخابت منهم المساعي. ويقولون "سارق ومحتال، أغرر بالسذج طمعاً في الجاه والمال" خسروا وانقطعت منهم الأنفس والأقوال. إنهم –أحبتي- يحسدونني على كل نجاح، ويملئون الدنيا بصخبهم والصياح، وليس لهم سوى الدعاء عليهم من المغرب للصباح، فليموتوا بغيظهم، وليلقوا حتفهم في كل ساح. إنهم شرذمة من الخونة الحاقدين، الموتورين الحاسدين، لنعمتي من المنكرين، ولتضحياتي من القالين، فليذهبوا إلى الجحيم، إلى الشيطان الرجيم، إلى مقام إبليس اللعين ...

فهتف الجمع من الحاضرين:
"آمين آمين، يا منقذ الضآلين، ومرشد الحائرين، ويا زعيم المغبونين، وقاهر الظالمين.
أنت صوت الحق والإباء، ورمز المحبة والإخاء.

بالروح والدم نفديك، وبالعطر والورد نرميك، وعلى كل ما فعلت نحييك.

فنحن -إن لم تكن- بلا معنى، نتيه حيارى وليس سواك يرشدنا."

وللمقامة بقية إن كان في العمر ... شوية.

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:18 PM
الجـزء السـادس

أردف أبو الصنم قائلاً:

تعلمون أني في التواضع آية، وليس لي فيما عند الناس غاية، لا أحب اللف والدوران، ولا الخوض فيما يكون وكان. ولذا أحب أن أشكركم على التحامكم خلف زعيمكم وإمامكم. ومن الناس من يسعى لشرف المراتب فيدق الأبواب، ومنهم -مثلي- من تشرُف به المسميات والألقاب. فاجتماعكم على منحي درجة الدكفوخية إنما هو تعبير صريح عما في نفوسكم الأبية، من محبة وكرامة وطنية. وأعدكم من الآن وقد أضفتم لاسمي لقب دكفوخ، أن أستمر في سياسة مسح الجوخ، وملاحقتكم بالرسائل ووجع النافوخ، على البريد الإليكتروني والناسوخ، والهاتف الجوال والفاسوخ، ولو كنتم في جبال الألب أو تعيشون بكوخ، أو بالشانزليزيه أو مجاهل طوخ، فأنتم مني وأنا منك، ومن يدوخ يدوخ.

ولكنني إخواني وربعي وعشيرتي، ومصدر إلهامي ومنبع قوتي لا يمكن أن أقبل أن أكون دكفوخاً إلا ... إذا أقسم برب السماء والملة أن هذه رغبتم الصادقة لقلوب الحاسدين حارقة، وتوقعون جميعاً بأسمائكم وألقابكم على شهادة الدكفوخية، التي هي أعلى شهادة على الكرة الأرضية، لأنها صدرت منكم وأنتم تبلغون السماء طولا، وأنتم النخبة والطليعة الأولى لأهل الفكر والعقول، والنُهى والعلم الأصيل والمنقول.

فسرت في القوم مشاعر الحماسة، وعادوا يهتفون لصاحب المقام والرياسة، واختلطت الألسن الفصيحة والعامية، وامتلأت القاعة بشعارات مدوية:

يا رئيسنا يا كبير حرك صابعك بالتأشير واحنا بنجري عليك ونطير

يا زعيمنا يا فانوس، يا مقارع الهكسوس، انت السيف والدبوس

سير سير واحنا معاك، نحمي ضهرك وقفاك

صول صول ع الأعادي برجليك والأيادي والغربان والحدادي

يا قائدنا يا دكفوخ ع البذورة والشيوخ انت تلف واحنا ندوخ.


وللمقامة بقية إن كان في العمر .... شوية

د. أحمد الليثي
12-03-2008, 04:21 PM
الجـزء السابـع والأخيـر

قال أبو الصنم، شاحذ الهمم:

"إخواني الأعزاء، وأتباعي الأوفياء: تغيبون عني ولا أغيب، وأقبل منكم ربعي والغريب، وتعلمون أنكم قبلي كنتم بلا وطن، مشتتون في الأرض جاثمون في العطن. كنتم –وكلنا نعلم- بلا هوية، تعيشون عيشة رزية، مهانون من كل شقي وشقية. فمددت إليكم يدي وانتشلتكم انتشالا من الحضيض وأزلت عنكم الأوحال. ولم أبال أكنتم من أهل العقول أم الجنون، أو إلى أي مذهب أو دين تنتمون، فيد النبي تمتد إلى كل شارع وحارة، فأنا أعشق اليهود وأوالي النصارى، وأصانع العلمانيين تارة وأهل الدين تارة. وأنافق أصحاب الأموال والعقول، وتجار الماشية والعجول، وعلماء اللغة والفحول، ومن كان نجمهم في صعود وبلا أفول. على يديَّ تُصنع المعجزات، وينبت كلامي في صحراء عقولكم النبات. أنا الغيث والمطر، أنا المبتدى والخبر، أنا البَرَد في قلب السحاب، أنا النبع إذا ما القطر غاب."

ثم أخذته الحماسة الفائرة، فشمر بنطاله وأرخى أساوره، وأخذ يدور بنفسه في دائرة، ويقفز قفز القرود الحائرة، وبأعلى صوته راح ينعق كالغراب، كمن مسته الشياطين أو عضته الكلاب، فكان مما قال:

"إننا هنا مجتمعون كما تعلمون؛ لتحقيق ثورة نهضوية، ثقافية وتاريخية، وأنا من الخندق الأول أصيح كالأرنب المسلوخ أو الطير الذبيح: يا أمة الضاد هل تسمعين صياحي؟ هل تسمعين شكوتي ونباحي؟ أولول عليك ليل نهار، أموء كقط وأنهز كفار ...

وهنا نهض ذيب وانتصب قائما، وهرول إلى الطريق هائما، وهو يقول "تالله مالي بهذا الخبيث من طاقة، وما بي ما به وأصحابه من حماقة. ولكنني اليوم أدركت أني ذا شرف؛ فهذا اللئيم منحرف، وأصحابه بلهى يستحقون ما يحيق بهم من هذا المجنون. لو أن له قلبي وجناني، ولي لسانه دون لساني، لكنا في الأرض جباريْن، ولقي على أيدينا كل مخالف الحَيْن. ولكني أحمد الله في سمائه أنني لست كهذا الرجل في غبائه. فيالله كم في الناس من عجب، وكم فيهم من لقيط القول مضطرب."


يقول الراوي: عاد ذيب إلى أرضه وماله، ولم يلبث أن أشتد في جبروته، وأكثر من ترحاله. ثم استقر في المدينة، وعاش بين أهلها، فزادها وحلاً على وحلها. وأصبح بعد سماعه أبا الصنم الظلوم صاحب فلسفة وهو الغشوم: إن كان الناس بأبي الصنم معجبين، فهم على نعمة الله ناقمين، ولرحمته غير مستحقين. فهذه الحماقة التي أعيت من يداويها، وهي أولى بالتراب أن يواريها. فإن خدعتهم عن أنفسهم وأموالهم فيئا، فهذا ورب البيت حالهم لم أزد فيه شيئا.

فسبحان من جعل من ذيب الدنايا حكيما، يفتي في الخبيث، ويبررالحقير اللئيما. ونسأله أن يجعل سيرنا مستقيما، وأن يكون علينا في الدنيا ستارا، وفي الآخرة حليما.

انتهى.

يُمنى سالم
13-03-2008, 01:05 AM
الفاضل الأستاذ الــ د.أحمد الليثي

أحييت فناً رائعاً وقديماً، ولكن بروح عصرية راقية، وفكر متقد، وكأنك تثري ذائقتنا وثقافتنا التي تتعطش لكل ما هو جميل، وراقي.

ستكون لي عودة لكل حرف كُتب هنا فهو جدير بالتمييز والتقدير.

أجمل تحية لمقامك.

د. أحمد الليثي
16-03-2008, 04:10 PM
الفاضل الأستاذ الــ د.أحمد الليثي

أحييت فناً رائعاً وقديماً، ولكن بروح عصرية راقية، وفكر متقد، وكأنك تثري ذائقتنا وثقافتنا التي تتعطش لكل ما هو جميل، وراقي.

ستكون لي عودة لكل حرف كُتب هنا فهو جدير بالتمييز والتقدير.

أجمل تحية لمقامك.


الأخت الفاضلة الأستاذة يُمنى سالم
شكر الله مرورك وتعليقك وحضورك في كل وقت وحين.
دمتِ سالمــة.

د. أحمد الليثي
16-03-2008, 04:12 PM
من مقامات مفجوع الزمان الجوعاني :

حمـــــــــار إرهابــــــــي !!!

حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني ، وهو من ضحايا القمع المجاني ، فقال : في زمن تعددت فيه أنواع الإرهابْ ، وتحققت فيه بالمقلوب أحلام الشيب والشبابْ ، واستأسدت فيه القرود والخنازير والكلابْ ، في هذا الزمن الموبوء بصراعات المصالح الشخصيهْ ، المعروف بما انتهك فيه من حقوق للبشريهْ ، الواقف على عدة عناوين للمجازر الدمويهْ ، ... في هذا الزمن الذي أعيش فيه بالقضاء والقدرْ ، كنت كلما طرق باب الفؤاد اليأس والضجرْ ، وملت أذني من سماع ما يأتيني به الخبرْ ، أهرع إلى خلي ابن أبي الرعايهْ ، صاحب الألف حكاية وحكايهْ ، لأشفي بما لديه من أدب فريد للغايهْ ، عذاب نفس مأسورة بين الحاضر والماضِي ، ومحبوسة بين جور الظالم وحكم القاضِي ، ومتشوقة لغد يكون فيه العدل على العدل راضِي ، وهكذا وفي إحدى الليالي التي أصيبت فيها النجوم بالأفولْ ، خرجت من منزلي الشاهد على واقع اللامعقولْ ، واتجهت نحو مجمع خلي بحي " الخمرة والكحولْ" ، فألفيته كالعادة حجا لكل اليائسين والمعطلينْ ، وملاذا لثلة من المفكرين وثلة من المتسولينْ ، ومرتعا خصبا للجواسيس والعملاء والمخبرينْ ، ... وجلست بالقرب من ابن أبي الرعايهْ ، وقبل أن يطرب الحاضرين بما لديه من حكاية وروايهْ ، قرأ ما تيسر من تعويذات بت أحفظها من البداية إلى النهايهْ ، ثم قال : {{ اللسان الفصيحْ ، رسول القلب الجريحْ ، والقيل والقالْ ، عود كل قتالْ ، وقلة الزاد والمالْ ، تدفع بالحر إلى نار السؤالْ ، والصبر بلسم لأيامْ ، علقم معالدوامْ ، وإن أجل العلم وأكملهْ ، أن يعرف المرء ما أجهلهْ ، ... ثم أما بعد فيا أيها الجالس ويا أيها الحاضرْ ، إنه يحكى والعهدة على الراوي المرمي في غياهب المخافرْ ، أنه كان شاب في زمن التقارير والمحاضرْ ، يقطن في قرية أسموها ـ عن طريق الخطإ ـ بـ " السيد الطيّبْ " وأبعدوها عن كل ما هو جميل وطيبْ ، وكانت هذه القرية المنتمية لقرى المغربْ ، تستفز بحالتها كل من لها يزورْ ، فهي بكل أنواع التخلف تمورْ ، ورحاها باتت على الجهل والفقر والبؤس تدورْ ، فالبناء العشوائي فيها سيد المواقفْ ، وانعدام المدارس فيها لا يحتاج لشهادة جالس أو واقفْ ، وقنوات تصريف المياه الحارة لايسأل عن وجودها هناك عارفْ ، فهي ومن غير مجاز يذكر أو يحصـَى ، حفرة من حفر المغرب الأقـصَى ، فيها كل آدمي حي يقــصَى ، وكان لهذه القرية المنسية عبر ما للعصور من أطراف وثنايَا ، شأن كبير عند الدوائر المهتمة بالإرهاب وبمثل هكذا قضايَا ، فقد اتهموها غير ما مرة باحتواء منظمات إجرامية وحماية عدة " خلايَا " ، واعتقلوا من داخل مخيماتها و " براريكها " عدة أشخاص وأشخاصْ ، اتهموا بعد تجريدهم من اللحي والجلابيب والسكاكين والرصاصْ ، بمحاولة زعزعة استقرار الأمن العام والخاصْ ، وهكذا وفي ظل حملات السلطات على الإرهاب والإرهابيينْ ، وفي ظل التعاون المشكورللمواطنات والمواطنينْ ، كان ذلك الشاب المذكور في بداية هذا الحكي الحزينْ ، عائدا من جمع لثلة من الصعاليك الدراويشْ ، إجتمعوا في ظلمة الليل على العنب المعصور والسجائر الملفوفة بالحشيشْ ، وتنافسوا حول من سيسلب المارة ما بحوزتهم من ريال وبقشيشْ ، وبينما هو يمر بمحاذاة كوخ مهجورْ ، سمع عدة أصوات غريبة تمشي بداخله وتدورْ ، وتبعث الشك والريبة في نفس المتعقل والمخمورْ ، فظن أن بالكوخ خلية إرهابيهْ ، تخطط ربما لعمليات إجراميهْ ، أو تختبئ من تربصات " الفاركو " والدوريهْ ، ولأنه يعلم ما للمواطنة من مقوماتْ ، ولأنه يدرك ما يطال المتستر على الإرهابيين من عقوباتْ ، فقد تسلح بما يملكه من سرعة الخطواتْ ، واتجه صوب دار " مقدم " القرية المنسيهْ ، وأعلمه بما سمع مع بعض الزيادة الذاتيهْ ، ليريح ضميره في تلك الليلة الصيفيهْ ، ... وأخبر " المقدم " بدوره شيخ القبيلهْ ، وأعلم هذا الأخير عناصر الدرك والشرطة الجليلهْ ، وحضر الجميع لعين المكان بسرعة ـ أقل بقليل من ـ ثقيلهْ ، وتجمهر الناس من شتى الجهات حول الكوخْ ، وحضرت سيارات الإسعاف الممسوخْ ، وتنافس الدركي والشرطي حول من سيكون له هناك العلو والشموخْ ، واستل كل منهما مكبرا للصوتْ ، وأنذرا من بالكوخ قبل فوات الفوتْ ، واقترحا على الإرهابيين الإستسلام أو الموتْ ، ومرت الدقائق والساعاتْ ، وتحركت الداخلية في كل الإتجاهاتْ ، وعززت الفرق الموجودة بالفرق الذكية المصحوبة بالمروحياتْ ، وقرر الجميع بعد التشاور وإبداء الآراءْ ، نسف الكوخ للإرتياح من العناء والشقاءْ ، ولتخليص القرية من هذا الخطر الذي ترفضه الأرض والسماءْ ، وأذن مؤذن " الصلاة خير من النومْ " ، وأنذاك تسمرت عيون الدرك والشرطة وباقي القومْ ، فقد خرج من الكوخ المحاصر بعد الهم والغمّْ ، حمار بلغ من الكبر عتيـَّا ، إستدرجته رائحة أزبال كانت بالكوخ مخفيَـهْ ، فهام نحوها من غير قصد للإرهاب أو إثبات لسوء النيــهْ }} .

بقيـة المقامـة
للدكتور أحمد الليثي

فَتَلَقَّوْهُ بالمدافعِ والرشاشاتِ، وأحالتْ جسدَه إلى مَنْخُلٍ الرصاصاتُ، وَخَفَتَ نهيقُه بعدَ أن علا، وقد ظنَّه القومُ كُودا مُرْتَجَلا، ينبِّهُ بِهِ الإرهابيُّ المتخفِّي في جِلْدِ حِمارٍ كلَّ أصْحَابِه، حتَّى يَفِرُّوا من الكُوخِ في نَفَقِهِ وسِرْدَابِه. وسقطَ الإرهابيُّ على جنبِهِ، مُضَرَّجاً في دمائِه. وما أَنْ توقفَ ضربُ النارِ حتى اقتربَ "المقدِّمُ" من الحمارِ، فركلَهُ في بطنِه رَكْلَتَيْن، ليتأكَّد من أنَّ الإرهابيَّ قد لَقَيَ الحيْن. ولما تفحصَّه عَلِمَ أنه ليس من جِنْسِ البَشَر، وأدركَ مدى الفضيحةِ إذا ما الخبرُ انتشر. فنادى على من أَتَاهُ ببنزينٍ وكبريت، فأشعلَ فيه النَّارَ وفَجَّرَهُ بالديناميت. فطارتِ الأشلاءُ مُشْتَعِلَةً في كلِّ زاويَةٍ، وتَقَطَّعَتِ الأجزاءُ في ثانيَةٍ. وضاعَتْ معالمُ القتيلِ، ولم يبق منه كثيرٌ أو قليل. وقُيَّدَ المقتولُ في سجلاتِ الداخليةِ من الإرهابيين، على أنه من الخطرين، من قبيلةِ بني جَحْش، وشهرتُه بين الناسِ شيحا الوحش. وأتي مقدِّمُ الشرطة بعشرةِ جنودٍ وضعوا ما تبقى بعدَ شَيِّ القتيلِ في لحودٍ، وأخذوها إلى أهلِ قريةِ السيِّدِ الطيِّب في الليل، وقالوا هذا قتيلُكم وقد أصابَهُ الوَيْل، فادفِنُوهُ وإياكم لكفنِه أن تفتحُوهُ. فاجتمعَ الناسُ لا يجرؤون على فتحِ الكفنِ، وهم في حَيْرَةٍ من أفاعيلِ الزَّمَنِ. فقال قائلٌ "سمعتُ إنَّهُ وليٌّ ذو كرامات"، فقال آخرُ "بل هو شهيدُ قتلُوه غدراً ومات". فأجمَعوا أمرَهم، وصلُّوا على قتيلِهم صلاةَ الجنازةِ، ودَعَوْا له بالمغفرةِ والحيازةِ في الآخرةِ لجِنَانٍ عامرةٍ بالخُضرةِ زاخرةٍ.
ثم أصبحوا فَبَنَوْا في موضعِ دفنِه ضَريحا، يكون للناسِ مَزَاراً مُريحا. ولم تمضِ من السَّنَةِ أيام، حتى استحالَ الضَّريحُ إلى مَقام. فأتي الناسُ إليه حاجِّين، وللبركةِ مُلتمسين، وَبِهِ مُتقربين. وألِّفَت في الفقيدِ الحكاياتِ، والقصصَ والمعجزاتِ، لما له من كراماتٍ، ومريدينَ بركاتٍ. وامتلأتْ صناديقُ النذورِ بالأموالِ، وعجزَ عن حملِها الرِّجال. وعَبَقَ المكانُ بالبَخُورِ، والبِشْرِ والسرورِ، وعيَّنَ أهلُ القريةِ "لوليِّهِمْ" مَنْ يُنَظِّفُ مَقَامَه، وينظِّمُ زُوَّارَه، ويُرتِّبُ في ضريحِه أزهارَه. فسبحانَ من يَرْفَعُ ويَخْفِضُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ومَنْ خَضَعَ له الكلُّ.

د. أحمد الليثي
21-03-2008, 07:47 PM
الـمـقـامـة الـخـامـسـة
المقامة الصهبـاء في أحاديث الخلاء في الرد على مقامة ابنة الحمري وفاء

قال عبد الله السالك : أعزَّكم الله ونجَّاكم من المهالك، أردت في عُجالة سريعة أن ألبي نداء الطبيعة، فلما كنتُ في الخلاء، سمعت من يحادث غيره دون استحياء، فقال لقد انتشرت أخبار ذاك البهيم انتشاراً النار في الهشيم، ولكنها باتت على عكس ما يريد، فما رأيك يا أبا الحديد؟

فقال من ظننته أبا الحديد في دقة وتحديد "الحق يا أبا رشيد إن ذاك البهيم دأبه التهديد، وهو في فضاء الكون شريد، لو عقل ما يقول، لصنَّفناه بين العجول، وآكلي البرسيم والفول. ولكنه غائب الفهم والعقل، ضارب في جذور الجهل. لا يعرف من الحديث إلا عنترياته، وهو أحقر شأناً من سخافاته، فإنك إذ سميتَه بهيما ظلمتَ الدواب ظلماً عظيما."

قال أبو رشيد "إنك بالحق نطقت، وبالصدق صدحت، فالحمير إنما تنهق لحاجة، لا لبس فيها ولا لجاجة، والكلاب إنما تنبح لسبب، أو لخطر قد اقترب. أما ذاك البائس فحاد عن سيرة الحيوان، وشطَّ عن سلوك بني الإنسان. فلا تعرف له ملة، وقد أصابته ألف علة. فمرة يهذي ويمرح، ومرة ينهز وينبح، ومرة يثغو وينطح. فلا استقرار لحاله، ولا يعرف يمينه من شماله."

فرد أبو الحديد بعد أن شدَّ من سرواله: "لقد سمعت يا أبا رشيد أنهم عرضوه على الدكتور شاهين، طبيب المجانين، فقال في تشخيصه إن الوضع والحال أن ذاك البائس ينتشي بضرب النعال. فما رأيك أن نرسل له اليوم نعلين يضرب بهما أم رأسه مرتين قبل النوم؟ فيكون في هذا إرضاء لنفسه ونفوسنا، وما أكثر النعال في أوطاننا."

قال أبو رشيد بعد أن تنحنح مرة، وسحب بيمناه الجرة "إنني أضن بنعلي أن أرسله إليه، أو أن يمسَّه بيديه. فهذا النعل من حر مالي، فقعره أشرف من رأس ذاك البالي. وقد خبرناه لصاً كذوبا، وسارقاً لعوباً. فواعجبي على امرئ تسمو فوقه النعال، ويفوق حمقه كلَّ خيال."

قال الراوي عبد الله السالك: وبينما هما يتجاذبان أطراف الحديث في ظلام حالك، إذ دخل عليهما كلب ضال، فجال في المكان وبال، وأخذ يشم الأرض طولاً وعرض، ثم رقد في مكانه وهو يلهث، وقد قرر أن يمكث. فتناول أبو رشيد حجرا وألقاه على الكلب ففر مدبرا. فضحك أبو الحديد وقال "هذا حال رهط البائس وأشياعه، ممن خدعتهم أنفسهم واستأنسوا باتباعه. حضروا أول الأمر فقضوا عنده حاجتهم إلى أن ساءتهم أفعاله، ولقوا منه شر أعماله. وقد كانوا يظنون فيه الخير، كما ظن زائرنا أنه سيلقى في هذا الخلاء منَّا البر. وكان جزاؤه أن ألقيناه بحجر فخرج يفر".

قال أبو رشيد: "وهل سمعت بالمكائد والدسائس التي يتسنَّمُها ذاك البائس، ومَن يرسلهم بين حين وحين من أشياعه والمتطفلين، الذين يبحثون عن مكان لهم تحت الشمس، فيبيعون الشرف والكرامة والنفس، في سبيل كلمة مديح، هي أشبه بالفحيح. ولو عقلوا لأدركوا أن دورهم قادم، لأنهم عنده مسيَّرون كالبهائم. وهم على جهالتهم يدَّعون العلم والثقافة، وإن كانوا أقرب إلى الحمق والهيافة، فيأتون بخَبَثهم ليناطحوا فحول الأدباء، وهم يجهلون أصول الكتابة والهِجاء، ويتحدثون في الشعر والنثر وكلام العرب، ومحلهم قعر الخلاء في بيت الأدب. فياله من دور قبيح، أشد قبحاً من هذا ..أأأأ.. الرِّيـ.... "

فقاطعه أبو الحديد بقهقهة عالية، وقال "إنك رجل داهية، تعلم أكثر مما تقول، والكلام معك يا أبا رشيد يطول. فناولني الجرة التي ملأتَها بالماء كي نتوضأ، أصب لك وتصب لي فنتجهز ونتهيأ، فقد أزف الرحيل، وأمامنا سفر طويل. وما أتينا إلى هذا الخلاء إلا لقضاء حاجتنا في الحصول على الماء. ونحتاج الآن إلى غسل أفواهنا، وتطهير ألسنتنا، بعد أن ذكرنا ذاك الفاجر الموتور، والجرو المسعور. "

قال عبد الله السالك: فتوضئا وانصرفا، وحملا الماء لدوابهم والعلفا، بعد أن أَمْعَنَا في الغرغرة وغسل أفواههم، حتى ظننت أن أرواحهم ستخرج من حلوقهم. فلحقت بهم، وقد أثار اهتمامي ما جاء في كلامهم. فقلت: "سلام الله عليكما، لقد سمعت ما قلتما. فهلاّ أخبرتماني بأخبار ذلك الفسل، الذي يجب بعد ذكره الطهارة والغسل، ويستحق ما هو أخسُّ من ضرب النعل؟"

فقالا: "إن أردت معرفة أخباره، والمزيد من أسراره، فاتبعنا وهذه القافلة، فأخبار ذاك البائس بالمخازي حافلة. فإذا وصلنا محطتنا التالية، أنَخْنا إبِلَنا وأخبرناك بكل مصيبة طاغية، حاضرة وماضية. فمخازيه لا تنتهي، وفضائحه لا تنقضي، وقد أصبح حمقه مضرب الأمثال، وانفض من حوله الرجال، ولم يبق معه سوى الإمَّعات والأدعياء، من أهل الجهالة والغباء. وقليل لا يعلم نيتهم إلا رب السماوات، العالم بالخفايا والنِّيَّات، وما كان وما هو آت."

قال أبو عبد الله السالك: "فاستجبت لهما على الفور، وتبعتهما فلم يخرجا عن الطور. وعلمت منهما أموراً تستحي منها النساء في الخدور، ويحتاج سامعها إلى تطييب نفسه وأذنيه بالبخور. وهكذا الحال في أخبار أهل اللغو والفجور. ومن لا تمسُّه النار بالحرق، يلحقه منها دخانها ولا فرق. فأبْعَدَ الله أرض المتنطِّعين الكذابين، والحمقى والمغفلين، والفُجَّار والمنافقين، من أصحاب العقل والمجانين، من يومنا هذا إلى يوم الدين."

آمين آمين، يارب العالميـن.

انتهى.

د. أحمد الليثي
21-03-2008, 07:53 PM
المقامة الموسيقية

حطت بالبلد قافلة من القوافل.. هرع إليها الكبير والصغير.. واختلط الحابل بالنابل
ما بين مستغرب ومتعجب ومتسائل.
أنيخت الجمال وترجلت الفرسان وبرزت من كل هودج إحدى الحسان
كواعب في عمر الزهور متشحات بأردية من نور كأنهن الحور
فرشت الجواري الزرابي
وبسطت الموائد والأواني
وأوقدت النار في واضحة النهار بل قبل الغروب بدقائق والجو رائق
واعدت للشواء خرفان وحملان وأهل القرية اغلبهم شارد سرحان
كأن على رؤوسهم الطير فلم يسبق أن رأوا مثل هذا السحر
إلا في أحلام مقتبل العمر
وحين صدحت شقراء بالربابة
فقد عبد الرحيم محمود صوابه
ولما لعبت أنامل السمراء بالكمان
صار عقل طه عاصم في خبر كان
أما تقاسيم العود فيومها مشهود
أغمي على الموجي والكل قعود
ولا من يسعفه كأن لا احد موجود
الليثي منعه وقاره من أن يلكز جاره
ويطلب منه سيجارة نارها تخفف ناره
والمرسي الشاعر
نسي القريض وادعى انه مريض
أليس المخلوب لبه اشد بؤسا من محموم أو مسموم
أو ذي جناح مهيض
أما أمينةووفاء وراضية ورشيدة وعبلة فقد تسللن من القوم في غفلة
وجلسن أعلى التلة شامتات بمن يقول الموسيقى ضوضاء وهي الآن لعقله وقلبه رواء
ومن يهاجم النساء في كل المواضيع ها هو الآن بين يدي موسيقاهن يضيع ومن يدعي الحصانة ركب للجنون حصانه
وهكذا اسدلت الستارة وكل يسائل نفسه أكان في حلم أم الشيطان مسه


المقامة الليثية في التفاصيل الموجية للرد على المقامة الموسيقية

اجتمعت نسوة في المدينة، في ليلة كئيبة حزينة، لأوقاتهم يضيعون، ولسير العظماء يلوكون، وعليهم يتجسسون، وبليل يدبرون، من المصائب أشدَّ مكيدة، وقد بعدت بهم الشُّقَّة عن الآراء السديدة. بزعامة بنت فقري واسمها رشيدة ، وهي التي لم يكن لها من اسمها نصيب، وبمكيدتها أوشكت شمسها على المغيب. وسنضع في ذراعيها أغلالاً وحديدا، وستلقى ثبوراً أكيدا، وسينالها من الليل أَسْوَدُهُ، ومن اللكم أزرقه، كما هو حال كل خارج عن قانون الطبيعة، والتجسس على الخلق وافتراء الأمور الفظيعة.

فقد قالت إن الليثي منعه وقاره أن يلكز جاره، فيطلب منه سيجارة، ويعلم الله ما دخنتُها في شارع أو حارة، ولا شددت منها نفساً طويلاً أو قصيرا، ولا اتخذت لي في تدخينها يوماً سميرا. فهذا افتئات وافتراء، وكذب وادعاء، تتبرأ منه الأرض والسماء. فقد كنت يومها أمسك في يديَّ شيشة، في تعميرتها حشيشة أعطانيها الموجي قبل أن يفقد وعيه، ويبطل سعيه. وكنت جالساً في حالي، سارحاً في خيالي، وقد أحضرت كيساً من المانجو، لم أُرِد من طعمها أن أنجو. ولما غارت الشرطة على الموجي في كبسة، دفع الحشيشة في جيبي دون أن يهمس همسة. فلما حضروا وفتشوه، لم يجدوا معه ما ادَّعوه، فتركونا وتركوه. وعندها أخبرني بالحقيقة، وقال عنِّي صديقه. فقلت: يا موجي أردت تدبيسي، والآن تطلب العفو من كيسي، فقد خسرت الحشيشة والبنجو، وأحرمك فوقها من أكل المانجو. فأصيب بصدمة، وسقط مغشياً عليه وفي رأسه كدمة. ولم يكن هذا بفعل صاحبة العود المذكورة، ولا من أكله التاتورة. ثم جاء طه وعبد الرحيم، وأقعداه بعد أن استعاذا من الشيطان الرجيم، وسمَّيا العزيز الكريم، ورشوا على وجهه الماء، وقرأوا الفاتحة وأعطوه الدواء، ولم يفلح في النهاية إلا فحل بصل، شمَّـه فقام مفزوعاً ولم يدر ما حصل. فلما انتبه وأفاق، وقد ظننا به الفراق، صدمت رأسه رأس عبد الرحيم، فركبه شيطان رجيم، وفقد صوابه من ضيق وضجر ودفع الموجي فوقع برأسه على حجر. فعاد مغشياً عليه كما كان، ولم يكن بفعل العود والألحان. فاتصلنا بالدكتور جمال، فقال إنه في شر حال، بعد أن أكل حلة محشي، وثنَّاها بطبقيّ طرشي. وكان يصرخ في الهاتف "آه يا كرشي، آه يا كرشي. هذا من أفعال أمينة وعبلة زقزوق ، لا نجَّاهما المنتقم الجبار من الحروق، اتفقا مع راضية على أن يضربوني ضربة قاضية. فلا قامت لهم قائمة، وموعدهم معي قريب بقصيدة للظهر قاصمة." فقلنا "دعك من هذا، وقل لنا للموجي نفعل ماذا؟". فقال "إنني بيطري يا شباب، ولا أفهم في هذا الهباب. ولكنني رغم هذا أعرف ما يفيقه، ويعيده إلى صوابه وطريقه. غنوا في أذنيه بصوت رخيم، ناعم حميم، يفوح رقة وولعا، وينضح خفَّةً ودلعاً، فقولوا "يا موكي يا موكي"، فسيدور محرك عقله كسيارة شيروكي، ويعود كما كان، أمام الشهود والعيان، في ثانية من زمان. وكان هذا حين خرجت الشقراء بالربابة، وجاء صوتها يطرق بابه، وكنا قد أعطيناها من أموالنا، بعد أن شكونا لها من حال الموجي وحالنا. وقلنا لها "افعلي هذا وحياة أبوكي" فقالت الشقراء "يا موكي يا موكي" فهبَّ الموجي واقفاً على قدميه واعتدلت رأسه بعد شقَّيْه. فأخذناه وانصرفنا، ولم يعرف من الأمر ما عرفنا. فقد كان يظن أنه في حلم، ولم يدرِ أنه علم. وقبل الانصراف حرقت الحشيشة الملعونة، في فحم شيشة كانت على الجدار مركونة. وحمدنا الله أن الموجي فتح عيونه، وعاد إلى وعيه وترك جنونه. ولم نحضر لتلك الربوة لنقع في تلك الكبوة، كبوة الخنا والغناء، والموسيقى والعناء. وذهبنا جميعاً إلى أخينا السليمان، وحكينا له ما كان. فقرأ على الموجي ما تيسَّر من سورة النور، وأعطاه سكنجبين السرور، فعاد إليه البِشر والحبور.

فليعلم الجميع أن ما قالته رشيدة تلفيق فظيع، وكذب شنيع. وينبغي أن تعقد لها محاكمة، بلا دفاع ولا مسالمة. ويحكم عليها وعلى أطراف المكيدة بأحكام مغلَّظة شديدة، لا رحمة فيها ولا تيسير، ولا تسهيل ولا تعزير. بل تقام الحدود القاصمة، حتى لا تقوم لهن قائمة. وأضيفوا إليهن طالبة لشهادتها فينا وقد كانت عن الحقيقة غائبة. فشهادتها باطلة، وعقوبتها حاصلة. وبهذا ينبغي الإعلام، حتى يتحدد موعد الإعدام.

انتهت المقامة السادسة.