المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهروب الاحتجاجي إلى أرتكاتا


هشام آدم
04-03-2008, 04:21 PM
قراءة نقدية لرواية "أرتكاتا"

بقلم: شوقي عبد الحميد يحيى*

من أهم ما يميز الرواية بصفة عامة ، والرواية العربية بصفة خاصة ، استجابتها للتغيرات والفورات المجتمعية الحادثة بها ، نتيجة الانفتاح علي العالم، وما أدي إليه من زيادة الوعي بما تعانيه هذه المجتمعات.

ولما كانت هذه المجتمعات لا زالت تعيش الأمية الديمقراطية، وتفرض سطوتها وقمعها علي كل صاحب رأي أو رؤية، وفي مقدمتهم الكتاب عامة، فطاردتهم وألحقت الكثيرين منهم السجون والمعتقلات، أو أرغمتهم علي الهجرة خارج البلاد.

والأمثلة علي ذلك كثيرة، خاصة كتاب الستينيات الذين استيقظ وعيهم علي ما يدور تحت السطح، من كبت وتكميم، فلجأوا إلي الأساليب الرمزية التي تحايلوا بها علي جهل الرقيب، أو الهروب من المباشرة في المواجهة، فاستعاض بهاء طاهر بـ(صفية) عن مصر رمزاً في "خالتي صفية والدير"، وصنع الله إبراهيم بـ(أشرف عبد العزيز) في "شرف"، واستحضر جمال الغيطاني عصر المماليك، ليلبسه ثوب الحاضر في "الزيني بركات ". ومن قبل كان فتحي غانم قد صورها في شخصية صفية في (زينب والعرش)، و كان نجيب محفوظ قد صورها في (العوامة) في رائعته المبكرة في هذا المضمار في (ثرثرة فوق النيل).

وإذا كانت الرواية قد لعبت دوراً تنويرياً، بفتح باب الحوار بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، فأشعلت قنديلاً لا شك كان له دور كبير في محاولة إيقاظ تلك الشعوب النائمة. فقدم توفيق الحكيم "عصفور من الشرق" وقدم يحيي حقي "قنديل أم هاشم" وقدم اللبناني سهيل إدريس "الحي اللاتيني" وقدم السوداني الطيب صالح "موسم الهجرة إلي الشمال" اعتمدت إما علي عودة العربي من الغرب محملاً بالجديد من الأفكار علي مجتمعه، وإما بتجربة العربي في الغرب، فكان الاحتكاك وكانت المقابلة، خالقة نوعاً من الصراع بين الحالتين.

ثم يأتي الكاتب السوداني "هشام آدم" في أولى رواياته "أرتكاتا " مستفيداً من تلك الحالات (الرمزية والاحتكاكية)، ليخرج بشكل جديد، حيث يزرع العربي في الخارج متخفياً بزي أفرنجي (إسباني علي وجه التحديد)، ليصب جام غضبه ورفضه للممارسات العربية عامة، والأصولية خاصة، وكأنه وهروباً من المواجهة المباشرة غير محسوبة العواقب، يهرب إلي الخارج ليعلن معارضته لما يدور في بلده التي سيطر عليها حكم الأصوليين والإسلاميين، في عهد كل من النميري والترابي، ولما جري من وراء حكمهم من اعتقالات وكبت حريات، وتطبيق للحدود تطبيقاً حرفياً مجحفاً.

لمن لا يعرف إسبانيا مثلي، يبدو العنوان محيراً "أرتكاتا"، فما في لغتنا العربية ما يؤدي بنا إلي معنى أو إيحاء، فنضطر إلى تجاوز العنوان لنفاجأ أننا أمام نصٍ مغاير، يبدو كما لو أنه نص مترجم، فالأجواء غير عربية، ثم نجد شخصاً يدعي "كاسبر سارجينيو" يروي ذكرياته، يقوم برحلة خارجية –عبر إسبانيا– وداخلية عبر الأديان، تفرغ أبوه بعد التقاعد للعبادة. إلا أنه لم يغادر قساوته، بل وغلظته. وفي رغبة منه لاستثمار ما خرج منه عند التقاعد يقرر تربية الخيول، يتأمل الفتي كاسبر وتخرج منه أمنية تعبر عن عمق العلاقة بينه وبين الأب، ومدي التباعد والفجوة {ربما يفلح في تربية الخيول، طالما لم يفلح في تربية أبنائه}.

ولم تكن العلاقة مع الأب بأفضل منها مع الأم ، التي تنظر للأبناء –كإحدي الأرستقراطيات– إلا على أنهم للوجاهة الاجتماعية فقط. ثم تبتر جميع العلاقات النسائية للفتي كاسبر، حتي تلك التي هجرها منذ تسع سنوات (كارسيس) التي لم تصارحه بالحب إلا بعد هذه الفترة، وبعد أن تكون قد تزوجت، إلا أن علاقة جسدية تقوم بينهما، ليتأمل الفتي (بإحساس شرقي / رغم أنه لم يكن شرقياً) : {وفكرت ذات يوم فيمن أكون، وذهلت للنتيجة التي توصلت إليها ، فلم أجد نفسي سوي خاسر متبجح ، فقد خسرت ساريسيا وكارسيس ووالدي ونفسي قبل كل ذلك ، ولم أزل أبحث بين الكتب المقدسة عن إجابات لأسئلتي المهرطقة ، عرفت عندها أنه يجب علي أن أبحث عنها في مكان آخر} . وليكشف عن الرحلة الأخرى (الداخلية) حيث يجد (كاسبر) في إحدي الرحلات الجامعية يواجه المرشد السياحي المسلم "جهاد" –ولا شك أن الاسم هنا ذا دلالة– فلا يفتأ أن يتفجر الكره الدفين الذي زرعه فيه جده للمسلمين منذ أن (غزوا) –على حد تعبير الجد –إسبانيا في مطالع عهد الاسم . غير أن الفتي (كاسبر) عندما يطالع بعض الكتب التي تتحدث عن ذلك الرجل الذي جاء (قبل ألف عام) فكنت {عكس ما توقعت ، فمضيت أقرأ في سيرته حتي وصلت إلي اللحظة الأخيرة التي سبقت موته ، فوجدتني أبكي كأنني فقدت صديقا مقربا لم أقرأ عن شخصية مثيرة بقدر ما قرأت عن محمد نبي العرب ، فأحسست تجاهه باحترام كبير ، وتمنيت أن يكون ما قرأته عنه صحيحا وغير محرف } .

ولنكتشف نحن أن هشام آدم ما أراد نقد الأساليب الاسلامية في حد ذاتها، وإنما أراد إدانة أساليب أتباع الاسلام ، في الحين الذي يتبرأ منه نبي الاسلام ذاته . وليصل في النهاية إلي {قناعة لا أعرف منبعها أن التدين لا يشترط وجود دين ، يجب أن يحاسب الناس علي أعمالهم ، لا علي اتباعهم لدين ما بعينه}.

الرواية والتلقي:
تثير رواية ( أرتكاتا ) العديد من التساؤلات التي تدور حول عملية التلقي التي تستتبع عملية التلقي ، تلك التي تقوم علي اعتبار القارئ طرفاً فعالاً للعمل ، وعنصراً فاعلاً في وجود النص . فهل يتفاعل قارئ "أرتكاتا" معها رغم ما قد يخالف أفق توقعه حول كتابة لكاتب عربي؟

إن الفضاء والشخوص يعيشون بيئة ليست مألوفة لهم . على الرغم أن الكاتب لم يستطع التخلص نهائياً من بيئته ، حيث نستطيع تبين بعض الملامح التي تنتمي إلي البيئة الشرقية والتي قد تبدو غير مألوفة في المجتمع الغربي (حتى لو كان في الأندلس التي تعيش بقية من الأجواء الاسلامية) مثل ذلك الإحساس بالخطأ الذي عاشه السارد بعد العلاقة المحرمة مع محبوته السابقة رغم زواجها . كذلك ، تلك الوصية التي أوصاها الأب لزوجته باصطحاب الأبن {إلي حيث مسقط رأسه لتتعرف علي أقاربنا هناك ، كان تصرفه هذا الذي بدافع صلة الرحم ...} و {لا يخلو من زهو ذكوري طالما رغب أن يشعر به .. } ، وأيضاً { .. المرأة التي ترفض (الزنا) أو تستغيث كانت تعد امرأة غبية لأنها تفضح نفسها بنفسها ..} . وهو الأمر الذي يعتبر إحساساً شرقياً تماماً، يشهد علي ذلك حالات الاغتصاب التي تصيب الكثيرات، ويفضلن الصمت خشية الفضيحة.

ولا شك أن أن هذا الخلط يوقع القارئ في الحيرة . ويؤدي لعدم نقاء الفضاء المكاني ، خاصة وأن هناك من المواقف التي كانت تصلح لللأداء في البيئة السودانية وتمنح العمل مصداقية أكبر ، وللمكان فعلا أقوي مثل مشهد غرق الطفل في نهر " كويريو " ، وما استتبعه من خلع الرجال لملابسهم ، فما كان أحري به أن يتم في أحد فروع النيل الساري في العديد من دول إفريقيا ليبث في ليخصب الأرض ، وليتحول في ذات الحين لمصدر الموت أيضا .


الشخصيات والإسلوب:
على الرغم أن كل الشخصيات الواردة بالرواية جاءت كلها مجرد أدوات مساعد ، إلا أن الكاتب استطاع زرع كل المسببات التي تصنع من " كاسبر " خصية مهيأة لما آلت إليه من ضياع وتفتت وتشتت لم يصل لحد اليقين في لحظة – حتي تلك التي بكي فيها عند القراءة عن نبي العرب { وتمنيت أن يكون ما قرأته عنه صحيحا وغير محرف } ، فجاء كاسبر شخص فقد التعاطف مع الأب المنحدر من " القبائل النوركية " ، والأم المنحدرة من أصل فرنسي والنفس التي تشتت وازداد تشتتها عندما { وقعت في يدي بعض المخطوطات والمنشورات الدينية في مكتبة الجامعة تتحدث عن الخطبة التي ألقاها البابا أربان الثاني في " كليرمونت " والتي يحرض فيها المسيحيون علي عداء المسلمين الذين نعتهم بأنهم " أبناء عاهرات " وأكد في المقابل حصولهم علي مكافأة من الرب لكل من يقتل مسلما ، عندها توقفت عن القراءة وتساءلت ن عن أي رب يتكلمون ؟ هل يكون الرب يدا يبطش بها كل من استساغ القتل ؟ وإلي جانب من يقف هذا الرب ؟ كيف يهب جنته للبرابرة مقابل قتلنا ، ويكافئنا بذات الجنة مقابل ذات الفعل ؟ } ، ذلك التشتت والتشكك إلي جانب الخوف من السباحة ، ووالخوف من الطيران ، جعل من " كاسبر " شخصية مهيأة للضياع وفقدان الثقة والحب في كا ما ومن حوله ، حتي الأديان ذاتها ، الأمر الذي لم يكن ليبوح به ( كعربي ) فاستزرع تلك الشخصية الغربية حتي يعلن من خلالها رفضه للممارسات الآنية .

علي الرغم من استخدام الإسلوب السلس الهادئ النبرة ، وما يؤديه من جذب للقراءة ، إلا أن تأخير البوح بما تريده الرواية إلي الصفحات الأخيرة ، جعل الرواية تسير كما لو كانت مجرد ذكريات لشخص لا يعنيني ( كقارئ ) - حيث يفقدني التعاطف الذي هو أول مراحل التفاعل - ساعد عليها استعمال تواريخ معينة ومحددة ، ليس لها أي دلالة عامة ، مما يزيد من الاحساس بذلك ، الأمر الذي قد يجعل القارئ أقرب إلي الهروب ، خاصة أنه لا يستطيع أن يجد نفسه في العمل ، طالما العمل في المحك الأول رسالة ، فضلا عن كونه موضوعا جماليا ، موجه لقارئ ، هو الآخر نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة .

كما توجد بعض الأخطاء التي كان يمكن التجاوز عنها بحكم العمل الأول ، غير أن حصول الكاتب علي الماجستير في اللغة العربية يجعل من الصعب التجاوز عنها خاصة تلك التي تتعلق باستعمال الهمزة ، والركاكة الإسلوبية في القليل مثل : { حتي وأنا أعلم كيف سوف أوصلها إليك } والتي علي الرغم من قلتها ، إلا أنه في هذه الحالة لا أستطيع تجاوزها .

وعلي الرغم من ذلك يبقي لهشام آدم رؤيته غير المسبوقة – فيما أعلم – والتي تعطي لروايته طزاجتها ، وريادتها في عملية التخييل التي يتحايل بها الكتب علي الواقع .
* ناقد مصري
منقول عن موقع () بتصرّف

أحمد حسن محمد
04-03-2008, 09:22 PM
أخي العزيز الأستاذ هشام آدم، دعني أعبر عن سعادتي أمام قامة روائية لها قدرة قلمك الفريد، شعرت بالسعادة تفوح من جنبات الدنيا حين قرأت لك، وإن لم يقيض الله لي فرصة (أرتكانا) إلا أني فخور بما قرأت لك يا سيدي..

ولكن كان لي أسئلة تطرح نفسها دوماً حين أقرأ رواية مما ذكر الأخ الناقد فوقُ، وعن رمزية البطلة للبلد كصفية وما شابه..

أجد أحيانا أن القصة تقع محض واقعية تماما؛ أي أنه من السهل جدا العثور على قصص مماثلة في الواقع الذي نعيشه، والتشابه بين البطلة وبين البلد ينتج من أنه يحكي أحداثا عن البطلة تتفق مع ظاهرة زمنية معينة، كأن نقول (اعتدى على صفية ضابط إنجليزي) ونأخذ من هذه الجملة أنها رمز لمصر الذي اعتدى عليها الإنجليز.

ما أود قوله: لماذا نصر على القول برمزية مثل هذه من الممكن ألا تكون، أو بمعنى آخر لماذا نصر على كون الرمزية وحدها، وأن القصة قد لا تكون مقصودة بإسقاطات؟

فهل تشجع الكتابة الأسلوبية؟
وتعليل الظاهرة بعد وقوعها؟
في الرواية والشعر؟

حتى حين عودة أجد من واجبي تثبيت هذا المقال الثريّ

للتثبيت

هشام آدم
05-03-2008, 10:36 AM
الأستاذ والصديق : أحمد حسن محمد

أنا سعيد لأنك متواجد في هذا المكان، وسعيد لإتاحتك لي هذه الفرصة للتحدث عن مسألة في غاية الأهمية. ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع؛ اسمح لي أيها العزيز، أن أقدم لك كل التحية والشكر وأن أعرب لك عن مدى سعادتي وفخري بالتعاون معك حول مشروعنا الجديد (السيّدة الأولى) والذي من المتوقع أن يرى النور خلال الأشهر القليلة القادمة بإذن الله. ومصدر فخري واعتزازي بذلك هو ما لمسته من عميق رؤية ونفاذ بصيرة في عملك كمدقق لغوي. فلقد تعلمت منك خلال هذه التجربة أنّ هذه مهمة المدقق اللغوي لا تنحصر في مطاردة الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية بل يتعداه إلى تدخله المباشرة في الصياغة بما يتناسب والرؤية الإبداعية في النص. أنا بالفعل فخور لهذا التعاون وأتمنى أن نتعاون مجدداً في عملٍ آخر.

فيما يخص سؤالك عن الرمزية فإن لي حول هذه النقطة رأي واضح جداً، وهو مرتبط برؤية أكثر شمولية من مسألة الاعتقاد في الرمز وعلاقته بالواقعية إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير: إلى مفهوم الرواية والهدف منها. وفي إحدى الحوارات الصحفية بجريدة الراية القطرية أجبت عن سؤال متعلق بوظيفة الرواية معلّقاً على ذلك بأن الفن عموماً ذو وظيفة واحدة وهي الإدهاش والإمتاع. وجددت -في ذلك الحوار الصحفي- رفضي القاطع لكل أشكال التنميط والقولبة التي تحاصر مُتعاطيّ هذا النوع من الأجناس الأدبية -أعني بذلك الرواية تحديداً- سواء من الكتّاب أو القراء في إطار تعريفات مسبقة الصنع، فالتعريفات –في نظري- هي من يجب أن تجاري الفنون، بشكل عام، وليس العكس. لأن التعريف عندما يجاري الفن إنما يكسبه طابعاً مرناً يمكن من خلاله اكتساب القناعة بأن محور الفن الأول هو الحريّة، بينما عندما نقيّد أيّ فن بتعريفات وقوالب ضيّقة –مهما بدت لنا واسعة وشاملة- فإن ذلك إنما يكون في إطار الحبس والتقييد، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نتخيّل فناناً حراً طالما أنّه محاط بسلسلة من التعريفات التي تقيّد عمله الإبداعي. كلاسيكيات النصوص القصصية المتعارف عليها منذ زمن سرد الجدّات وحكاوي الأطفال، صراع الشخصيات والوصول إلى عقدة ثم الانفراج البدهي أو المعقد لم يعد هو الشكل الملائم والمناسب لملامح الرواية الحديثة. هذه الوصوفات التي تعتبر القصة فناً للحكي أو السرد هي في الواقع واحدة من معوقات الإبداع الخلاّق الذي من واجبه أن يرتقي بهذا الفهم الكلاسيكي البسيط لفن القصة والرواية. التخلّص من الشخوص العيانية ليس هو الهدف في حدّ ذاته، إنما الهدف الرئيس هو التخلّص من أبجديات التناول القصصي للمعطيات المادية المتوفرة في المادة القصصية مقارنة بما هو متوفر في المخزون التخيّلي للقاص، وتوظيف هذه العناصر من أجل خلق متعة متجددة دائماً لا يمكن توقعها بتسلسلية بدهية أو معقدة هو دائماً العنصر الأهم في رأيي لفن القصة والرواية. ولذا فإنني أعتبر أن إتاحة مساحات "لا محدودة" من الحرية للقاص هو المعنى الأسمى والأدق لكون القاص قاصاً مجيداً ومغايراً عن غيره ممن يتناولون الحكي. وعلى هذا فإنني أرى أنّ أهم وظيفة للرواية –إضافة إلى الإمتاع والإدهاش بناءً على ما تقدّم– هي التعبير عن الحالات الإنسانية بحريّة أكبر، ومحاولة عرض الواقع والواقع الموازي المتخيّل كما هو، دون أن يطرح حلولاً تجعل من النص نصاً موعظياً من الدرجة الأولى.

ودعني أنتهز هذه الفرصة لأعلّق على مسألة مفهومة ضمنياً من قراءة الأستاذ: شوقي عبد الحميد حول الهروب من الواقع بإقحام شخصيات وبيئات مغايرة للبيئة العربية، فأقول: إنّ مسألة الهروب من واقعٍ ما مؤلم هذه مستبعدة، لأن الرواية نفسها تتناول واقعاً مؤلماً كذلك، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة ولا هذا التبسيط الذي نراه؛ لا من حيث الاتهام (الاتهام بالهروب من الواقع)، ولا من حيث نفي الاتهام أيضاً. أنا مرتبط بالإنسان ومهتم بقضاياه، ولا يهمني بعد ذلك الإطار الخارجي الذي أعبّر به عنه. الإنسان في إسبانيا وفي السودان متماثلان ومختلفان. ولا أحاول هنا تكرار ما قاله فريدريك أنجلز في بعض كتاباته بأن كل متماثلين مختلفين -رغم صحّة هذه المقولة- ولكن ما أريد قوله هو أنّ سيرة كاسبر سرجينيو "بطل رواية أرتكاتا" هي محاولة لسبر الأغوار الإنسانية بصرف النظر عن أيّ شيء آخر: جنسية، ثقافة، ديانة .. إلخ. فكاسبر يمثل جيلاً معقولاً من الشباب الباحثين عن الحقيقة وعن الحب في زمن استطاع فيه الرأسمال أن يفرض سطوته بلا هوادة وأن يلوي أعناق الحقيقة حتى بدت الأمور تختلط وتنقلب تماماً عن مسارها الصحيح. كاسبر هو نموذج –إذا صحّ التعبير– لهذا الجيل بكل معاناته الداخلية والذاتية والاجتماعية، ولا بد أنّ نجد أوجه تشابه كبيرة أو صغيرة بين سيرته وسيرة شاب آخر في دارفور (السودان) أو جندريس (سوريا) أو في صعيد مصر أو دوّار الفقراء (المغرب) أو أيّ مكان آخر من هذا العالم. إنّ عبارة "الهروب من الواقع" هي -في رأيي- عبارة توهمية، فلا أحد يمكنه الهروب أو الانفصال عن واقعه إلاّ في حالات الجنون الذهاني. الإنسان حتى اللامنتمي مرتبط بواقعه حتى وإن لم يعرف بذلك، وهو غير منفصل عنه حتى وإن حاول جهده من أجل ذلك. نعرف ذلك من تفكيره وسلوكه ولغته أو لهجته أو حتى نزعاته الشاذة منها أو السويّة. أنا إذن لا أهرب من واقعي أبداً بل أتعايش معه بطريقتي الخاصة، وأعبّر عنه أيضاً بطريقتي الخاصة. أضف إلى ذلك عدم إمكانية هروب الشخص من واقعه إلا من خلال ذات الواقع والتعمّق فيه لا العكس.

أنا علاقتي ليست بإسبانيا، أو أيّ قطر آخر بعينه، علاقتي هي مع الإنسان أينما وجد؛ الأماكن غير الموجودة أحاول أن أوجدها وأن أخلق شخوصها كما ينبغي لهم أن يكونوا. وكما يقول الروائي العالمي غبريال غارسيا ماركيز "ليست الحياة ما نحياها، بل ما نتذكرها وكيف نتذكرها لنحياها"، المسألة ببساطة أنني أحاول أن أخلق عوالم وحيوات لها وجودها الواقعي وفي ذات الوقت ليست مرتبطة، في حركتها وفي روابطها التصويرية، بالواقع، هي مسألة أقرب من الفنتازيا المرتبطة بالواقع بطريقةٍ ما. فالمشاعر والرغبات الإنسانية موحّدة ومشتركة: الحزن – الفرح – الحب – الرغبة – التديّن – الغضب، ولكن ثقافة الإنسان (الفرد)، بالإضافة إلى الثقافة الجماعية أو ثقافة المجتمع - هي التي تحدد طريقة التعبير عن هذه الأشياء، وكيفيتها ومستوى نضجها من عدمه. لست مهتماً بتبرير اختيار إسبانيا على وجه التحديد لأنني على يقين كامل بأمرين غاية في الأهمية أولهما: أن أيّ نطاق جغرافي في العمل الروائي، هو نطاق موازي للنطاق الحقيقي أو مشابه له ولا يمثله بصورة متطابقة بالضرورة، ولا يجب أن يكون الأمر كذلك على أيّ حال من الأحوال. ثانيهما: أنّ وقائع أيّ نص روائي يتناول سيرة المشاعر والرغبات الإنسانية لا يمكن حصرها في أيّ ثقافة محددة لأنها – كما قلتُ سابقاً – مشاعر ورغبات مشتركة. مجرّد فكرة حصرها في ثقافة محددة عن طريق القراءة – وليس الكتابة – يقلّل تناولها على المستوى الإنساني. وعندما أفرّق بين التلقي الكتابي والقرائي؛ فإنني أعني بالتحديد أنّ الكاتب والقارئ على حدٍ سواء لا يتوجب عليهما التوقف عند هذه النقطة، لأن الكاتب عندما يكتب عن بيئة ثقافية محددة فهو بالتأكيد يحاول الإشارة إلى شيء محدد في عمق النص أيّ داخله لا خارجه، وبالتالي فإنه يمكن أنّ يسحب واقعاً بأكمله ويسقطه على واقع آخر، بينما لا يجدر بالقارئ أن يهدر وقته في البحث عن تبريرات مناسبة لهذه الاختيارات؛ لتبقى الخيارات أمامه مفتوحة على جميع الاحتمالات، وبالتالي لا نقيّده في إطار الكاتب. فالكتابة عالم والقراءة عالم آخر، رغم أنهما يلتقيان في نقاط أخرى. من هنا أرى أنه ليس من الضروري، بل ليس من المعقول، الإفصاح عن أسباب اختياري لثقافة أو واقع ثقافي بعينه حتى وإن كان ذلك بقصد فإنه يظل رهناً بالكاتب وحده. علينا كذلك أن نعرف وأن نفهم العلاقة الجدلية الحاصلة بين الكاتب (المبدع) والمتلقي لأن في هذه العلاقة يكمن الكثير جداً من الإجابات، كما أنه يتوجب علينا أن نعرف إجابة السؤال الأكثر خصوبة "لماذا نقرأ؟" لتتكشّف لدينا بعض الحقائق الغائبة عنّا. والإجابة على هذا السؤال أمر ليس بالهيّن كما يبدو أبداً.

أحمد حسن محمد
18-03-2008, 08:58 PM
أخي الغالي، أدام الله عزك، وأعلى شأنك..

سعيد أنا بالاستمتاع بهذه الدفقات الفكرية والرأي المتفرد الواضح في قضايا تهم أدباءنا الكبار جدا..

دمت بخير ولك ألف تحية من دمشق الآن..

يُمنى سالم
01-05-2008, 10:50 PM
وكيف يفوتني مثل هذا المقال الذي نتعلم منه الكثير.
أستاذ هشام آدم
أستاذ أحمد حسن محمد

لله در هذا النقاش الرائع.
تحيتي