المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة فكري داود لقصة’’ صورته‘‘ للكاتب الفلسطيني زكي العيلة.


فكري داود
12-10-2007, 05:56 PM
أولا:
صورته
قصة قصيرة بقلم: زكي العيلة *
صور المرشحين وسير حياتهم الملونة البراقة، وضجيج الاختيار الصاخب يتناثر حول المرأة الصغيرة الشاردة التي تطأ صامتة المركز الانتخابي.
نظرات المرأة المرهقة التي تلتف بردائها الأسود تغادر استمارة المرشحين والبرامج اللامعة، والسير المنمقة، وحبر التصويت دون أي التفاتة.
تلافيف القلب صورة متآكلة لطفل حملته رصاصة القنص إلى القبر مبكراً.
تُمدد المرأة صورة طفلها في الصندوق، وفي عينيها المحتدمتين تتشبث رفرفات زاهية لأجنحة عصفور لا تغيب مناغاته.* * *

ثانيا:
مرثية لثنائية الحزن والأمل
قراءة في قصة: ’’صورته‘‘( 1 )
بقلم / فكري داود

دم الشهداء ليس بغال على العقيدة، ليس بغال على الوطن، ليس بغالٍ أبدا، هكذا تبوح ذاكرتنا الإسلامية والعربية، منذ أول شهداء في سبيل نشر كلمة لا إله إلا الله، وحتى آخر شهيد عراقي أو فلسطيني، كبيرا كان أو برعما لا يزال في طور التكوين، اقتنص قلبه قاتل جبان دون جريرة، سوى أنه شريف كريم وطاهر ومقدس، له رائحة المسك التي لا ترضي أنوف الحقراء المحتلين حفدة القردة والخنازير...
هكذا لم يستطع زكي العيلة ـ الأديب ـ أن يمر مرور العابرين، كيف وهو مَن لم يكتف ـ وفقط ـ بإرث الوارثين من تراث أدبائنا الغابرين؟ كيف وهو من رأى غير مرة، و سمع مئات بل آلاف المرات؟ إذن فليضم أطفاله إلى (أطفال غسان كنفاني) (2)، و إلى كل فلسطين الغالية...
بسن قلمه، مع أم طفله الشهيد وصورته، وثنائية الحزن والأمل، أدمى قلوب كل ذي ناظر أومطلع، وكل ذي ضمير حي...
في طابور المنتخبين تنتظر الأم، ثمة دور ما تستوجبه الحياة منها، ما دامت بها حياة، في طابور الناخبين، وسط الصخب، وسط الرؤية الحتمية، لصور المرشحين البراقة وبرامجهم المنمقة، عقلها لا يغيب، عينها لا تفلت أبدا صورته، ذلك الولد الصغير الغرير، رقراق السيرة كنهر شديد العذوبة، أين هو الآن؟ ماذا جنى؟ وبأي ذنب خطفته يد الغائلة الوقحة؟
**لغة الكاتب بسيطة، تلمع دلالاتها داخل الوجدان، فتحيل التعابير والتراكيب، إلى أحاسيس ومشاعر، تجب ترجمتها إلى ومواقف، ثم أفعال، لا تستطيع حيالها الركون إلى الحِيدة، تجاه كلٍّ من أم الطفل الشهيد الفقيد، وصورته الأثيرة من ناحية، وتجاه فاعل الفعل القبيح ـ قنص الزهور اليانعة ـ من ناحية أخرى...
فللنظر إلى كلمات ( الشاردة ـ صامتة ـ المرهقة ـ رداءها الأسود ـ حزن ـ قبر ... إلخ ـ، إنها كلمات تعبر عن الحالة، تضغط على جروح الروح في صراحة، وبعمق لا مثيل له...
** نجحت صور زكي العيلة القليلة والعميقة في آن، أن تصور حينا وتجسد حينا آخر، لتصل إلى الذروة دون تفاصح أو ادعاء، سواء كانت صورا أولية كقوله:
’’تُخرج من تلافيف القلب‘‘
و’’حملته رصاصة القنص‘‘
أو كانت صورا مركبة مع صورة أخرى كما هو الحال في:
’’ كقوله’’تمتلئ عيناها بحزن، يتسرب كغابةٍ موحشة ممتدة الفروع ‘‘.
***
لا تغيب التساؤلات، كما لا تغيب الصورة... رغم ’’صور المرشحين وسير حياتهم البراقة...‘‘
ورغم الضجيج المتناثر صوب المرأة ـ الأم ـ، يلفها الصمت... هكذا تمتلك الكثير لاتزال، تمتلك التعبير والاختيار المتاح لاتزال، صامتة نعم، باعتبار أن الصمت أبلغ تعبير، وماذا يفيد الهوس والبكاء والعويل وقد راح العزيز ، راح ولن يعود ، لن يعود له بدن حقا.. ولكن ماذا بعد ؟ أإلى هنا وانتهت الحياة؟ أبدا أبدا فثمة موروث أكيد مؤداه أن الأرواح الزكية لا تتوقف عن الحوم بين الأحبة، ترطب قلوبهم، وتحوم أشواكا في عيون الغاصبين، تفوح رائحة دمه الذكي، تنتشر، تنبت محل انتشارها آلاف مستنسخة منه، يملؤها العزم والتصميم يكبرون لتكبر معهم مصيبة القاتل الأثيم...
’’ لاتسألي الشعراء أن يرثوا زغاليل الخميلة
شرف الطفولة أنها خطر على أمن القبيلة
إني أباركهم بمجد يرضع الدم والرزيلة
وأهنيء الجلاد منتصرا على عين كحيلة
كي يستعيد كساءه الشتوي من شعر الجديلة
مرحى لفاتح قرية!! مرحى لسفاح الطفولة‘‘ (3)
تغادر المرأة الصغيرة بلباسها الأسود دون التفاته ’’... تغادر استمارة المرشحين والبرامج اللامعة، والسير المنمقة، وحبر التصويت دون أي التفاتة‘‘
لايتخلى زكي العيلة ـ القاص ـ عن إلهاب قلوب متلقيه، فعدم التفات المرأة لا يعني اللامبالاة، في كنف قضيتها يلفها حزن دفين، لاتعنيها صور المرشحين البراقة، فلديها صورتها الأثيرة والمثيرة للحزن والمقلبة لترانيم الفقد وألم البعاد، صورته إنه طفلها الشهيد،’’... تُخرج من تلافيف القلب صورة متآكلة لطفل حملته رصاصة القنص إلى القبر مبكراً‘‘
وهي رغم كل هذا الهم وكل هذا الشجن لاتلين، لايتسرب اليأس إليها، فأم الصغير المقنوص الصغيرة، لم تزل صغيرة، قادرة على فعل الكثير ، مثلما هي قادرة على الحزن وعلى البكاء وعلى النظر إلى صور المرشحين البراقة، وإلى تجاوز ضجيج الطوابير، قادرة على أن تقول كلمتها،
والشهداء كل الشهداء أحياء ، إنه ليس بقول البشر ، إنما هو تقدير الخالق :
‘‘ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ‘‘(4)
حتى ولو لم يشرونا بحياتهم، فهي حياة غير الحياة، حياة لاظلم فيها ولا قتل للأبرياء الأطهار:
’’ ... ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون...‘‘(5)
و...أم الصغير صغيرة، لاتزال عينيها تمتلك القدرة على خلق الأمل الكبير وانتزاعه من بين أنياب المنون..’’... وفي عينيها المحتدمتين تتشبث رفرفات زاهية لأجنحة عصفور لا تغيب مناغاته‘‘.
** ولا يفوتني هنا الإشارة أن زكي العيلة برهن برهانا ناجحا على أن القصة القصيرة، ليست مجرد بواح مفتوح يجنح إلى الثرثرة والاستطراد، برهن بهذا التكثيف الغوي الآسر، الخالي من الاختصار الممل، فكل كلمة في بنائه جاءت لتؤدي دورها، ربما يصعب استبدالها بكلمة أخرى، أو يصعب تفسيرها لكثرة ما تحمل في ذاتها من معان دالة ووشائج قوية، عبرأسلوب ( تلغرافي) نجح الكاتب في جعل أم الطفل الشهيد أمنا جميعا، أو أختنا، وأن الطفل طفلنا، والحزن حزننا، و الأمل المحمل بحتمية الواجب أيضا أملنا...
هذا واللهَ أسأل التوفيق
ـــــــ
هوامش:
(1) قصة للقاص الفلسطيني : زكي العيلة، نشرت بموقع ’’ أسمار‘‘ سمر النصوص في 20/2/2006م
(2) (أطفال غسان كنفاني ) مجموعة قصصية للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، نشرت منها أخيرا طبعة فاخرة، وزعتها جريدة( القاهرة) المصرية مجانا على قرائها.
(3) من قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، يتحد ث فيها عن مجزرة كفر قاسم، وما قتل فيها من أطفال أبرياء.
(4) سورة آل عمران آية 169.
(5) سورة البقرة آية154 .

د. محمد حسن السمان
16-10-2007, 01:07 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخ الفاضل الأديب الناقد فكري داود

راجعت هذه القراءة النقدية القيّمة , أكثر من مرة , ومما لاشك فيه , أنك أعطيتني انطباعا عاليا عن الكاتب " زكي العيلة " , ونفسه القصي , سابرا كل أغواره , ومشيرا إلى النواحي الايجابية لديه , ولكن الشيء الأهم أنني استمتعت بالقراءة , فوجدتها عملا ابداعيا , ربما يوازي العمل القصي , أدبا وفكرا , ووجدتك تعيد التأكيد على الرسالة السامية للكاتب , وقد اعجبت كثيرا بالمصطلحات النقدية المستخدمة , بأناقة وحرفية .
تقبل احترامي وتقديري

أخوك
د. محمد حسن السمان

فكري داود
17-10-2007, 02:29 AM
سلام الـلـه عليكم
الأخ الفاضل الأديب الناقد فكري داود

راجعت هذه القراءة النقدية القيّمة , أكثر من مرة , ومما لاشك فيه , أنك أعطيتني انطباعا عاليا عن الكاتب " زكي العيلة " , ونفسه القصي , سابرا كل أغواره , ومشيرا إلى النواحي الايجابية لديه , ولكن الشيء الأهم أنني استمتعت بالقراءة , فوجدتها عملا ابداعيا , ربما يوازي العمل القصي , أدبا وفكرا , ووجدتك تعيد التأكيد على الرسالة السامية للكاتب , وقد اعجبت كثيرا بالمصطلحات النقدية المستخدمة , بأناقة وحرفية .
تقبل احترامي وتقديري

أخوك
د. محمد حسن السمان

وعليكم السلام
أخي المحترم / د.محمد حسن السمان
كعادتك دوما
تشرفني بلقائك قرب مشاركاتي المتواضعة.
أشكر لك هذه القراءة، وهذا الوعي، وهذا الحس، الذي هو حس مبدع فنان بحق...
ما أردت سوى إلقاء الضوء، على حالة قصصية، توسمت فيها صدقا واقعيا، تلاحم مع الصدق الفني، فأنتج لنا نموذجا أدبيا، قليل العبارات، كبير القيمة...
كل عام وحضرتك بألف خير
وألقاك دوما في أبهى حُلَّة.
مع خالص التقدير

د. نجلاء طمان
27-11-2007, 01:54 AM
كل التحية للقاص الرائع: ذكي العيلة, هذه أول مرة أقرأ له صدقاً, فعرفت أنه فاتني الكثير, وهذا هو دور النقد الإيجابي في التعريف بالمبدعين. من نفس المنطلق هذه أول مرة أقرأ للناقد فكري داوود, وأشيد بخطوه الحثيث على طريق النقد الوعر.

القصة , جاءت كومضة فلاشية قصية مكثفة, سيقت بلغة شعرية رهيفة, وحزن يحلق في سماء اللامبالاة العميقة. القصة تعرض التناقض الرهيب بين صورة وصورة, صورة الزيف والبهرجة التي تحيط بها المسئولون أنفسهم؛ تاركين شعوبهم أهدافاً سهلة لرصاص العدو, وقلوب توشحت بمرارة اللامبالاة المتولدة عن شدة الحزن وتكراره, وصورة الطفل الشهيد, الرمز المعبر عن الوطن المكلوم.

تناول الدارس القصة من جهة الأم والطفل الرمز, وأجاد في رسم المعالم النفسية للأم في دراسته. وأجدني هنا أقتبس عبارة لازمة جدا لتوضيح دور الإبداع القصصي الومضي, في التعبير عن جيل ووطن:

"ولا يفوتني هنا الإشارة أن زكي العيلة برهن برهانا ناجحا على أن القصة القصيرة، ليست مجرد بواح مفتوح يجنح إلى الثرثرة والاستطراد، برهن بهذا التكثيف الغوي الآسر، الخالي من الاختصار الممل، فكل كلمة في بنائه جاءت لتؤدي دورها، ربما يصعب استبدالها بكلمة أخرى، أو يصعب تفسيرها لكثرة ما تحمل في ذاتها من معان دالة ووشائج قوية، عبرأسلوب
( تلغرافي) نجح الكاتب في جعل أم الطفل الشهيد أمنا جميعا، أو أختنا، وأن الطفل طفلنا، والحزن حزننا، و الأمل المحمل بحتمية الواجب أيضا أملنا..."

كما قلت أنت في هذه العبارة الوجيزة المنجزة, وقلته أنا في تعليقي, وأعود لأؤكد عليه؛ الطفل الشهيد هو رمز لوطن كامل وليس فرداً واحداً.

دمتما قاصا وناقدا.

د. نجلاء طمان

فكري داود
27-11-2007, 04:49 AM
د. نجلاء طمان
كل الشكر وكل التقدير لمشاركتك هذ.
ما هذه إلا محاولة بسيطة مني لإلقاء الضوء على أحد نصوص الصديق الغالي المبدع زكي العيلة، وهو يستحق منا الكثير...
شكرا لك مرة جديدة
وكل الدعوات للمبدع زكي العيلة بدوام الصحة ودوام الإبداع الجميل.
فكري داود
قاص وروائي مصري