فكري داود
12-10-2007, 05:39 PM
شيء من الأدب
جريدة (القاهرة) المصرية العدد160*الثلاثاء6مايو2003
كتاب في (كلمة) في كتاب
علاء الديب
صغير في شبك الغنم
(قصص) فكري داود
هيئة قصور الثقافة إصدارات الرواد/ دمياط (71)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
لو أن لحركة طابور العمال وصغار الموظفين المصريين والعرب الذي يتحرك بين البلدان العربية بحثا عن القوت، لو أن لهذا الطابور المزدحم الذي يشغي بالحركة والمآسي. لو أن له راصدا أمينا أو فنانا مبدعا ـ لما هاجمتنا النوائب وحطت علينا الكوارث والنكبات، هذه الحركة الدائبة التي تشبه خيوط النمل التي لا تتوقف ـ خاصة في اتجاه بلاد النفط ـ تحمل حقيقة الواقع العربي، فيها من الوقائع والحقائق والغرائب ما يغني عن الشعارات الجوفاء والأحكام المسبقة التي تتهاوى كما تهاوى نظام العراق، لا نكاد نعرف بعضنا، أو نعرف وننكر ونتغابى.
في حركة هؤلاء الناس الصغار حقيقة الواقع العربي لمن يريد أن يعرف، وليست الحقيقة في مؤتمرات القمة أو اجتماعات المصالحة.
في حركتهم، وقلقهم، وتمردهم، وبحثهم عن القوت والمال، وعن الهوية والانتماء ما يرسم صورة مذهلة لواقع عربي فريد في مآسيه .. وفي امكانياته.
الأديب فكري داود انشغل بهذا الرصد، وحاول في مجموعة قصص قصيرة بعنوان’’ صغير في شبك الغنم‘‘ أن يقدم صورة حارقة مركزة لهذا التداخل المرتبك بين المتغرب المُعار الرَّحَّال، وبين المجتمع الذي يؤويه، والمجتمع الذي خرج منه والدنيا التي ترفضه وتبخل عليه بلحظة سعادة أو هناء.
سجل في( 18) قصة قصيرة ارتباك الفقر والغنى، تداخُل التخلف مع حلم التمدن، الجذور المقتلعة، والبذور التي لا تنمو، صنع في صفحاته القليلة عالما شديد الغرابة شديد الواقعية، تتحرك فيه شخصيات بلا ملامح ولا خصوصية، أرقام أو أعداد في طابور المعارين( حسين، وإبراهيم، وصلاح)’’ لاتختلف حالنا كثيرا عن حال معظم المعارين، لذلك القطر العربي المترامي الأطراف‘‘.
إنهم يرحلون لا إلى المدن أو العواصم المذكورة في الخرائط والأخبار، ولكن إلى أطراف بعيدة.. القنفذة، وأبها، وخميس مشيط، وبيشة, مدرسين أو عمالا في مدارس من فصل واحد، وسط قرى من الخيام وسط جبال متعددة الرؤوس، يسكنها رعاة، ويهبط عليها قرود تسكن الجبال.
أغلب القصص رصد دقيق لتفاصيل هذا الواقع الغريب الذي تم اختياره بوعي ودقة لما يبعثه من دلالات وصور تبقى في الذهن ثابتة.
موضوع الكاتب عظيم الأهمية وبالغ الدلالة، ولكن اللافت للنظر والمميز في كتابة هذا الأديب هو حرصه من خلال أداء لغوي مختار بدقة وعناية، حرصه على بناء القصة القصيرة، ومحاولاته المتجددة في كل قصة العثور على شكل مختلف يُبقي القصَّ حيا ومتصاعدا لكي تجد أمامك قصصا قصيرة جدا محكمة وحسنة الصنعة.
فكري داود ـ كما نعرف من قصصه ـ من أهالي دمياط كما نعرف ـ طبعا ـ أنه عاش تجربة إعارة إلى السعودية، كي يعود بهذه المجموعة الفريدة عن الهجرة والبقاء، عن الجذور والاغتراب، دمياط حاضرة بالغة الأهمية، كما تلك البلاد الصفراء الرملية التي يذهب إليها من أجل النقود، كما يقول لابنته التي تسأل عن سر غيابه، فيعلمها أن تعد الشهور على أصابعها في انتظاره.
كلما استحكمت حولنا حلقات الأزمات السياسية والحضارية ازداد إيماننا بضرورة فن الأدب، هو الوحيد القادر وسط هذا الارتباك والضيق واللجاجة، على أن يقدم نوعا من المعرفة الإنسانية الحية التي تدفع للحركة والتغيير.
في صفحات قليلة وبلا شكوى أو مشاعر مبتذلة نقل لنا الأديب حقيقة الفقر الموجع الطارد، وجعلنا نعيش الرحلة المضنية الماحقة لكل ما هو إنساني وأصيل وبسيط، والعودة باليد الفارغة والروح التي أصابها الذهول.
استطاع ’’ فن الأدب ‘‘ عند فكري داود أن ينقل لي تجربة عريضة لملايين من صغار العرب الرُّحَّل الجدد الذين يتركون بلادهم وقراهم الصغيرة، ويعودون إليها بعد رحلات كرحلات’’ ألف ليلة‘‘ ليجدوا كل شيء كما كان، وأن الزمن مر والواقع لم يتغير.
أسمعه في آخر قصة ’’رحيل‘‘ يقدم تلخيصا لتاريخ حياة أسرة، فقدت عائلها وقامت الأم بتربية الأطفال:
’’ سنوات عمر لم تكن كافية لتمسح بيوت الرمل وجه أبي المنقوش في قلب عمرنا، وفوق صفحة الموج، وعلى أجنحة الهواء، كانت عيون قلوبنا عبر نافذتنا تطل على عمرنا المنقضي، سنوات مضت ولم يطرأ على المشهد أي تغيير يذكر، لم تزل أمي تخفي بورق التوت ملامح حبيسة عاشت في كنفها منذ الرحيل.. وعلى عهدها ظلت تعد لنا الأماني خبزا طازجا عند الصباح، وحين ينتصف المساء تعيد تسخين الفتات على مجامر روحها، وفي كل مرة كنا نمضغ خبز أمانيها مصدقين لكي نعيش‘‘.
***
إيقاع الجملة في قصص فكري داود يحاول أن يكون منغما، كأنك يجب أن تقرأ القصة بصوت مسموع، كما في قصص يحي الطاهر. كذلك عنايته’’ بتظليل‘‘ الصورة يفقده التلقائية أحيانا، لكنه دائما قادر على أن يعود بك إلى واقع القصة الغريب الذي يفلح أن يجعلك تصدقه وتتابعه في شغف.
’’ صغير في شبك الغنم ‘‘ بذرة أصيلة لأدب جميل ومختلف.
جريدة (القاهرة) المصرية العدد160*الثلاثاء6مايو2003
كتاب في (كلمة) في كتاب
علاء الديب
صغير في شبك الغنم
(قصص) فكري داود
هيئة قصور الثقافة إصدارات الرواد/ دمياط (71)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
لو أن لحركة طابور العمال وصغار الموظفين المصريين والعرب الذي يتحرك بين البلدان العربية بحثا عن القوت، لو أن لهذا الطابور المزدحم الذي يشغي بالحركة والمآسي. لو أن له راصدا أمينا أو فنانا مبدعا ـ لما هاجمتنا النوائب وحطت علينا الكوارث والنكبات، هذه الحركة الدائبة التي تشبه خيوط النمل التي لا تتوقف ـ خاصة في اتجاه بلاد النفط ـ تحمل حقيقة الواقع العربي، فيها من الوقائع والحقائق والغرائب ما يغني عن الشعارات الجوفاء والأحكام المسبقة التي تتهاوى كما تهاوى نظام العراق، لا نكاد نعرف بعضنا، أو نعرف وننكر ونتغابى.
في حركة هؤلاء الناس الصغار حقيقة الواقع العربي لمن يريد أن يعرف، وليست الحقيقة في مؤتمرات القمة أو اجتماعات المصالحة.
في حركتهم، وقلقهم، وتمردهم، وبحثهم عن القوت والمال، وعن الهوية والانتماء ما يرسم صورة مذهلة لواقع عربي فريد في مآسيه .. وفي امكانياته.
الأديب فكري داود انشغل بهذا الرصد، وحاول في مجموعة قصص قصيرة بعنوان’’ صغير في شبك الغنم‘‘ أن يقدم صورة حارقة مركزة لهذا التداخل المرتبك بين المتغرب المُعار الرَّحَّال، وبين المجتمع الذي يؤويه، والمجتمع الذي خرج منه والدنيا التي ترفضه وتبخل عليه بلحظة سعادة أو هناء.
سجل في( 18) قصة قصيرة ارتباك الفقر والغنى، تداخُل التخلف مع حلم التمدن، الجذور المقتلعة، والبذور التي لا تنمو، صنع في صفحاته القليلة عالما شديد الغرابة شديد الواقعية، تتحرك فيه شخصيات بلا ملامح ولا خصوصية، أرقام أو أعداد في طابور المعارين( حسين، وإبراهيم، وصلاح)’’ لاتختلف حالنا كثيرا عن حال معظم المعارين، لذلك القطر العربي المترامي الأطراف‘‘.
إنهم يرحلون لا إلى المدن أو العواصم المذكورة في الخرائط والأخبار، ولكن إلى أطراف بعيدة.. القنفذة، وأبها، وخميس مشيط، وبيشة, مدرسين أو عمالا في مدارس من فصل واحد، وسط قرى من الخيام وسط جبال متعددة الرؤوس، يسكنها رعاة، ويهبط عليها قرود تسكن الجبال.
أغلب القصص رصد دقيق لتفاصيل هذا الواقع الغريب الذي تم اختياره بوعي ودقة لما يبعثه من دلالات وصور تبقى في الذهن ثابتة.
موضوع الكاتب عظيم الأهمية وبالغ الدلالة، ولكن اللافت للنظر والمميز في كتابة هذا الأديب هو حرصه من خلال أداء لغوي مختار بدقة وعناية، حرصه على بناء القصة القصيرة، ومحاولاته المتجددة في كل قصة العثور على شكل مختلف يُبقي القصَّ حيا ومتصاعدا لكي تجد أمامك قصصا قصيرة جدا محكمة وحسنة الصنعة.
فكري داود ـ كما نعرف من قصصه ـ من أهالي دمياط كما نعرف ـ طبعا ـ أنه عاش تجربة إعارة إلى السعودية، كي يعود بهذه المجموعة الفريدة عن الهجرة والبقاء، عن الجذور والاغتراب، دمياط حاضرة بالغة الأهمية، كما تلك البلاد الصفراء الرملية التي يذهب إليها من أجل النقود، كما يقول لابنته التي تسأل عن سر غيابه، فيعلمها أن تعد الشهور على أصابعها في انتظاره.
كلما استحكمت حولنا حلقات الأزمات السياسية والحضارية ازداد إيماننا بضرورة فن الأدب، هو الوحيد القادر وسط هذا الارتباك والضيق واللجاجة، على أن يقدم نوعا من المعرفة الإنسانية الحية التي تدفع للحركة والتغيير.
في صفحات قليلة وبلا شكوى أو مشاعر مبتذلة نقل لنا الأديب حقيقة الفقر الموجع الطارد، وجعلنا نعيش الرحلة المضنية الماحقة لكل ما هو إنساني وأصيل وبسيط، والعودة باليد الفارغة والروح التي أصابها الذهول.
استطاع ’’ فن الأدب ‘‘ عند فكري داود أن ينقل لي تجربة عريضة لملايين من صغار العرب الرُّحَّل الجدد الذين يتركون بلادهم وقراهم الصغيرة، ويعودون إليها بعد رحلات كرحلات’’ ألف ليلة‘‘ ليجدوا كل شيء كما كان، وأن الزمن مر والواقع لم يتغير.
أسمعه في آخر قصة ’’رحيل‘‘ يقدم تلخيصا لتاريخ حياة أسرة، فقدت عائلها وقامت الأم بتربية الأطفال:
’’ سنوات عمر لم تكن كافية لتمسح بيوت الرمل وجه أبي المنقوش في قلب عمرنا، وفوق صفحة الموج، وعلى أجنحة الهواء، كانت عيون قلوبنا عبر نافذتنا تطل على عمرنا المنقضي، سنوات مضت ولم يطرأ على المشهد أي تغيير يذكر، لم تزل أمي تخفي بورق التوت ملامح حبيسة عاشت في كنفها منذ الرحيل.. وعلى عهدها ظلت تعد لنا الأماني خبزا طازجا عند الصباح، وحين ينتصف المساء تعيد تسخين الفتات على مجامر روحها، وفي كل مرة كنا نمضغ خبز أمانيها مصدقين لكي نعيش‘‘.
***
إيقاع الجملة في قصص فكري داود يحاول أن يكون منغما، كأنك يجب أن تقرأ القصة بصوت مسموع، كما في قصص يحي الطاهر. كذلك عنايته’’ بتظليل‘‘ الصورة يفقده التلقائية أحيانا، لكنه دائما قادر على أن يعود بك إلى واقع القصة الغريب الذي يفلح أن يجعلك تصدقه وتتابعه في شغف.
’’ صغير في شبك الغنم ‘‘ بذرة أصيلة لأدب جميل ومختلف.