مشاهدة النسخة كاملة : قراءة نقدية في قصيدة " زئبقية المنى "
عطاف سالم
13-02-2008, 03:31 AM
قراءة نقدية في قصيدة " زئبقية المنى "
" زئبقية المنى " للشاعر د. عمر جلال الدين هزاع
قراءة / عطاف سالم
عَبقريَّةُ الحرفِ , عَندليَّةُ الغِنَا=نَرجسيَّةُ الحِسِّ , زِئْبقيَّةُ المُنى
مَعدنيَّةُ القلبِ , جَلْمَديَّةُ البُكا=مخمليَّةُ الودِّ , مخلبيَّةُ القَنَا
ثَعلبيَّةُ المكرِ , عَلقميَّةُ الهوى=مرمريَّةُ الجِيْدِ , قُنْفُذِيَّةُ الجَنَى
سَرْمَدِيَّةُ القَتْلِ , مَجْدَلِيَّةُ الخُطَى=سَمْهَرِيَّةُ الطَّعْنِ , لَوْلَبِيَّةُ الدُّنَى
عَسجديَّةُ البَوْحِ , شَنْشَنِيَّةُ اللَّظى=قَمْقَمِيَّةُ الفِكْرِ , خَنْدَقِيَّةُ الثَّنَا
وَيْحَ خافِقي لمْ يَزَلْ عَلَى هُيَامِها=وَيحَ عِشقها , أَنْبَتَ الشَّقاءَ و العَنَا
ويحَ قلبها , ويحَ ثغرها , وَ وَيحَها=وَيحَ مُهجَتي , وَيحَ مُقْلَتَيَّ , يَا أَنَا
غَرَّرَتْ بِشِعْرِيْ فَكانَ قَاتِلي هَوا=ها , وَ أَوغلَ الغَدْرُ في الضُّلُوعِ وَ انْثَنى
دَمَّرَتْ جُنَيْنَاتِ عَاشِقٍ لَها , بِلا=رَحْمَةٍ , وَ أَفْنَتْ وُرُوْدَهُ وَ سَوْسَنا
لُعْبَةً تُريدُ الحَبيبَ عندَها , على=رَفِّ مَكْتَبَاتٍ مَكانُهُ , فَيُقْتَنَى
تعد هذه القصيدة من روائع الشاعر الكبير د. عمر جلال الدين هزاع
وهو شاعر أصبح معروفاً ببصمته المختلفة , وبشعره الثر الغزير , وبمعانيه وأفكاره الجديدة المخترعة , وإشتقاقاته الفريدة , وبصوره وخيالاته وقوالبه اللافتة والبديعة , وكذا بأسلوبه الذي يزاوج بين الفحولة والعذوبة من جهة وبين الرقة والجزالة من جهة أخرى في سبك متين وعال , وتركيب متلاحم الأجزاء منسجم الفقرفي أغلب قصائده ..
دفعني لهذه القصيدة بالذات الإختلاف حول بحرها وماغصت به من صور وفنون بلاغية كثيرة لافتة كما سأشير إلى ذلك في حينه .
................................................يت بع (1)
عطاف سالم
13-02-2008, 03:33 AM
العنوان يوحي بدلالات عدة
الزئبق ومكوناته , والمنى وظلاله , ثم نسبة هذا إلى ذاك , ونسبة النسبة إلى الحبيبة
ويمكن لي من خلال قراءتي لدلالة الزئبق في القصيدة التوصل إلى أكثر من تفسير
فقد جاء في الصحاح : " الزَّنْبَق دُهن اليَاسَمِين والزِئْبَق فارسيّ معرّب وقد عُرِّب الهمزة ومنهم من يقوله بكسر الباء " وكذا جاء في اللسان ..
ولما كان كذلك يمكن ان يكون المقصود قبل التعريب بالهمز أن مُنى الحبيبة عَطِرٌ زاكي وله تأثيره البعيد المؤثر وسيطرته , لكن يبقى المنى معلقاً في نحر القصيد ترى أي منى هو ؟!
أهو منى الحبيبة تجاه الشاعر أم مناها الصرف دون أي التصاق وإرتباط ؟!
وجاء في القاموس المحيط " الزِّئْبَقُ م، كدِرْهَمٍ وزِبْرِجٍ، مُعرَّبٌ، ومنه ما يُسْتَقَى مِنْ مَعْدِنِهِ، ومنه ما يُسْتَخْرَجُ مِنْ حِجارَةٍ مَعْدَنِيَّةٍ بالنارِ، ودُخَانُهُ يُهرِّبُ الحَيَّاتِ والعَقارِبَ مِنَ البَيْتِ " ويمكن من هنا أن يكون منى الحبيبة قادح كالجوهر وقوي له أثره أيضاً وجبروته وسلطانه أضف إلى هذا التأثير والصلابة والقوة أن : " الزاي من الحروف المجهورة والزاي والسين والصاد في حيز واحد وهي الحروف الأَسَلِيَّة لأَن مبدأَها من أَسَلَةِ اللسان " كما قال صاحب اللسان
والقاريء بتأمل للقصيدة يجد أن الشاعر كان موفقاً جدا في اختيار العنوان الذي أشاع بدلالاته وألقى بظلاله على كامل القصيدة حيث تجد هذا في المعاني القوية الشديدة التأثير مع غرابة واضحة تنم عن تعابير جد قوية ومباغتة ومثيرة كما سيأتي توضيح هذا من بعد ومما يضيف لهذه المعاني تأكيدا في القوة وتأكيدا آخر في حسن توفيق الشاعر للإختيار ودقته قول لابن خالويه يحضرني وهو : "
. قال ابنُ خالَوَيْهِ : ليسَ من كَلام العَرَبِ زَبَقَ إِلاّ في ثَلاثَةِ أَشياءَ
زَبَقْتُ فلاناً في الشَّيْءَ : أَدْخَلْتُه فيهِ . وزَبَقْتُه في البَيْتِ وانْزَبَقَ هو . وزَبقْتُ الشّاةَ والبَهْمَ مثل رَبَقْتُه بحَبْلٍ انتهى
وزَبَقَ الشَّيْءَ : كَسَرَه . والقُقلَ : فَتَحَه ومنه قَوْلُ الرّاجِزِ :
" ويَزْبِقُ الأقْفالَ والتّابُوتَا وقالَ ابنُ عَبّادٍ : المَرْأةُ الزَّبِقّانَةُ بكسرتينِ مع تَشْدِيدِ القافِ : الضَّيِّقَةُ الخُلُقِ ورَجُل زِبِقّانَةٌ : شِرِّيرٌ . وما أَغْنَى عنه زَبَقَةً أَي : شَيْئاً . ودِرْهَمٌ مُزَبِّقٌ كمُحَدِّب : مَطلي بالزِّئْبَقِ ونَسَبَهُ ثَعْلَبٌ إِلى العامًّةِ وقالَ الصّوابُ : مُزَأبِقٌ بكسرِ الباءِ " كماجاء في تاج العروس ..
ويمكن القول من بعد أن المرأة هنا شريرة وضيقة الخلق لكن على نحو آخر يتعلق بالمعاني العاطفية وحس الوجد وإلا لما بدا لنا أن الشاعر قد ارتضى هذا الخلق منها لأنه ربما يكون قد وافق في نفسه خُلقاً آخر ..
ويتضح أيضاً من العنوان أنه جزء لايتجزأ من القصيد , بل يبدو أنه إجمال للمعاني الواردة بالتفصيل في ثنايا الأبيات
وهو يدفع للقاريء إلى أن يتساءل : ومازئبقية المنى ؟
فيأتيه الجواب مفصلاً في النص
فإذا كانت أمنيات المحبوبة أخذت كل صفات الزئبق بكل دلالاته التي أشرتُ إليها من الصلابة والقوة والتأثير والغليان وهي في العادة أمنيات تأخذ سمت الهمس والخفاء والموارة ومخافة البوح وهفهفة التعايش بها فكيف ياترى يكون خلق صاحبة هذه الأمنيات ؟؟!!
.................................................ي تبع (2)
عطاف سالم
13-02-2008, 03:38 AM
إنها كما يقول الشاعر :
عبقرية الحرف عندلية الغنا = نرجسية الحس , زئبقية المنى
معدنية القلب , جلمدية البكا = مخملية الود , مخلبية القنا
ثعلبية المكر , علقمية الهوى = مرمرية الجيد , قُنفذية الجنى
سرمدية القتل , مجدلية الخطا = سمهرية الطَّعن , لولبية اللظى
عسجدية البوح , شنشنية اللظى = قمقمية الفكر , خندقية الثَّنا
هذا هو المقطع الأول من القصيد الذي بدا مندفعاً متدفقاً ومنصباً بقوة
بدا دفقةً حمراءَ الأثر , حرّاقة اللفح لا النفث , مُحَفِّزة ومُثَوِّرة لخيال القارىء بصورة مذهلة بهذا الإكتفاء النسبي والوقوف عنده دون أي تحليل أو تفصيل ثم الإنتقال إلى غيره بنفس الروح ونفس الصيغة والتعبير في تحدر متسلسل مترابط وقوي محكم ..
والمعهود عن الإيجاز أنه سر البلاغة العربية والحذف بعض أسراره وإيجاز الشاعرهنا يشي ببلاغة راقية ومحببة ومقبولة لدى المتلقي بحيث يترك مساحة واسعة أمامه لئن يتخيل المشهد أو الموقف وحده , وكل حسب مقدرته التخيُّلية .
ولو تم أخذ الكلمة الأولى من كل تركيب وهي على التوالي : ( عبقرية , عندلية , نرجسية , زئبقية , معدنية , جلمدية , مخملية , مخلبية , ثعلبية , علقمية , مرمرية , قُنفذية , سرمدية , مجدلية , سمهرية , لولبية , عسجدية , شنشنية , قمقمية , خندقية ) لتطرق إلى النفس منها إيحاءات وظلالات عدة أذكرعلى سبيل المثال منها :
1- جرس اللفظة نفسها الذي يوحي بمعناها الدقيق العميق ثم يؤكد هذا اللفظة الثانية التي أُضيفت إليها ..
2- شدة اللُّحمة الملحوظة بين تركيبين في كل شطر من كل بيت , ثم بين كل بيت وبيت من كل القصيدة وهذا يسمى مقابلة المعاني - ثم لا أدري هل كان هذا مقصوداً من الشاعر لذات القصد أم أتاه عفوا فتم بناء القصيد على أحسن مايكون ؟! –
فإن كانت الأولى فذاك كدح وكد يحمد له ويثنى به عليه , وإن كانت الثانية فهو الشعر المطبوع والشاعر المطبوع الذي يثني عليه أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان !
وللقاريء أن يتأمل كيف قابل الشاعر بين معدنية القلب وجلمدية البكا , ثم بين مخملية الود ومخلبية القنا وكذا فعل في البيت الثاني إذ قابل ثعلبية المكر بعلقمية الهوى , ومرمرية الجيد بقنفذية الجنى ......
فالواضح أن القلب المعدني البراق الرقيق الصافي يكون أكثر حساسية وأكثر تأثراً وبكاءً وقد يكون المقصود أن صاحبه كثير التجلد والتحمل , وواضح أيضاً أن محبوبته ذات ود مخملي بهاءً وعطاءً وتألقاً ووفاءً وإخلاصاً بينما هي في المقابل إن طعنتْ فذات مخلبٍ كالقنا !
وقس على ماسبق بقية الأبيات فيما يتعلق بهذه المقابلات البليغة البديعة الجميلة والتي أدت الغرض المقصود ووفت بالمعاني التي يريد الشاعر إيصالها فأخرجتها في أبهى حلة وأجمل لباس !
والمعاني كما يقول الجاحظ – يرحمه الله تعالى – مطروحة في الطريق , أي أن كل شخص يستطيع التعبير عن أي معنى يريده بينما صاحب اليد الطولى والباع الأطول هو من يستخدم التصوير والتمثيل ليخرج المعنى الذي يريده في أبدع صورة وأكملها وآكدها وأوقعها تأثيراً في نفس القاريء
.................................................. .......يتبع (3)
عطاف سالم
13-02-2008, 03:46 AM
3- اختيار الشاعر للمصدر دون الفعل ثم إضافة ياء النسب إليه المشددة يوحي بثبوت المعنى ولزومه .
4- وممايؤكد أيضاً على قوة المعاني وقوة تأثيرها على المتلقي هو قدرة الشاعر على اختيار ألفاظ قوية تكون قادرة على حمل قوة تلك المعاني لتؤديها خير آداء حتى ليتمثل أمام القاريء مدى تَلَوُّن هذه المحبوبة المسيطرة والمُتمرِّدة حُباً وقهراً في ذات الوقت ..
5 – يلاحظ أيضاً الارتباط الوثيق بين الكلمتين في التركيب الواحد فضلاً عما أشرتُ إليه من قبل عن من مدى الإرتباط بين التركيبين في الشطر الواحد.......... الخ
وليوجِد القاريء علاقة مشابهة مثلاً بين النرجس والحس أو بين العبقرية والحرف أو بين الثعلب والمكر أو ... أو ....
سيلمح بوضوح هذه العلاقة الحية الوثيقة بين الكلمتين بعلاقات من المجاز متفاوتة كالمشابهة أو المجاز المرسل وغيرهما .
ثم لو تم أخذ المفردات الثانية في التركيب الواحد وهي على التوالي : (عبقرية الحرف , الغنا , الحس , المنى , القلب , البكا , الود , القنا , المكر , الهوى , الجيد , الجنى , القتل , الخطا الطَّعن , اللظى , البوح , اللظى الفكر , الثَّنا )
يمكن بسهولة أن يطبق عليه كل ماسبق من النقاط الخمس السابقة إلا أن الجرس هنا أقل برغم دقته وعمقه وهذا مما يعمل شيئاً من الموازنة المعنوية في التركيب الواحد وهو مايعرف بتناسب الفقر ومراعاة النظير الذي يضفي جمالاً بديعيا يتمثل في الموسيقى الداخلية المشاعة في الأبيات ككل بسببها , وليس من شكٍ في أن للترصيع وكذا التصريع دورٌ كبيرٌ في ذلك هو أيضاً ..
.................................................. .....يتبع (4)
عطاف سالم
13-02-2008, 04:01 AM
وبالنظر إلى المقطع الثاني للقصيد وهو قوله :
وَيْحَ خافِقي لمْ يَـزَلْ عَلَـى هُيَامِهـا=وَيحَ عِشقها , أَنْبَتَ الشَّقاءَ و العَنَـا
ويحَ قلبها , ويحَ ثغرهـا , وَ وَيحَهـا=وَيحَ مُهجَتي , وَيحَ مُقْلَتَيَّ , يَـا أَنَـا
يلحظ أول ما يلحظة المتلقي لهذا المقطع التكرار في قوله "ويح "
والتكرار سمة بلاغية فنية لها سرها البلاغي وقيمتها الفنية في أي نص وهو :
وهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة لتأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد، فأما ما جاء منه للذم فكقول عبيد بن الأبرص كامل:
هلا سألت جموع كن؟ ... دة يوم ولوا أين أينا
وكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب في التهديد والوعيد مديد:
يا لبكر أنشروا لي كليباً ... يا لبكر أين أين الفرار
وأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير عزة في عمر بن عبد العزيز طويل:
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
وكقول أبي تمام خفيف:
بالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب
وقد يجيء التكرار بالأسماء المضمرات أو المبهمات، كما يجيء بالمظهرات كقول الهذلي طويل:
رفوني وقالوا يا خويلد لاترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وأما ما جاء منه للمدح منه للمدح في الكتاب العزيز فكقوله سبحانه: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " وأما ما جاء منه للتهويل والوعيد فكقوله تعالى: " الحاقة ما الحاقة " وقوله عز وجل: " القارعة ما القارعة " وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: " هيهات هيهات لما توعدون " ومما جاء في السنة من التكرار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن أم زرع: " أبو زرع وما أبو زرع " في معرض المدح.
وجاء هنا عند الشاعر باستخدام اسم الفعل " ويح "
وهو يؤكد الغرض ويقوي المعنى بشكل يبدو عفوياً وطلقاً لايشعر معه القاريء بأي ثقل أو تكلف ويلمح هنا أيضاً التصريع والترصيع معا (1)
.................................................. .....................يتبع (5)
******************************************
(1) جاء في كتاب التحرير لابن أبي الإصبع قوله :
الترصيع كالتسجيع في كونه يجزئ البيت إما ثلاثة أجزاء إن كان سداسياً، أو أربعة إن كان ثمانياً وسجع على ثاني العروضين دون الأول، وأكثر ما يقع الجزءان المسجع والمهمل في الترصيع مدمجين إلا أن أسجاع التسجيع على قافية البيت، والفرق بينه وبين التسميط المسمى تسمي التبعيض أن المسجع من قسمي التسميط معاً هي أجزاء عروضية، والمسجع من الترصيع أجزاء غير عروضية لوقوع السجع في بعض الأجزاء، ومثال الترصيع قول أبي صخر من أناشيد قدامة بسيط
وتلك هيكلة خود مبتلة ... صفراء رعبلة في منصب سنم
عذب مقبلها خدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخضوبة القدم
سود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على الكرم
سمح خلائقها، درم مرافقها ... يروي معانقها من بارد شبم
كأن معتقة، في الدن مغلقة ... صفراً مصفقة من رابئ ودم
شيبت بموهبة، من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة، في حالق شمم
خالط طعم ثناياها وريقتها ... إذا يكون توالي النجم كالنظم
فهذا القسم من الترصيع يحسن أن يسمى الترصيع المدمج، لا، كل جزء مسجع من أجزائه مدمج في الجزء الذي قبله فرقاً بينه وبين ما ليس كذلك من الترصيع، فإن من الترصيع ما أجزاؤه المسجعة غير مدمجة فيما قبلها، ومثاله قول مسلم بن الوليد بسيط
كأنه قمر، أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر، أو عارض هطل
أما التصريع على ضربين: عروضي، وبديعي، فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها لتلحق الضرب في زنته.
والبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب والتفقيه، ولا يعتبر بعد ذلك أمر آخر، وهو في الأشعار كثير، لا سما في أول القصائد، وكثير ما يأتي في أثناء قصائد القدماء؛ ويندر مجيئة في أثناء قصائد المحدثين، ووقوعه في الأعشار دليل على غزر مادة الشاعر، وحكمه في الكثرة والقلة حكمن بقية أنواع البديع، إذ كل ضرب من البديع متى كثر في شعر سمج، كما لا يحسن خلو الكلام منه غالباً، وكل ما جاء منه متوسطاً من غير تكلف فهو المستحسن، وقد يأتي بعض أوائل القصائد مصمتاً، ويأتي التصريع في أثنائها بعد ذلك. وقد قسمه أهل الصناعة قسمين: قسم سموه تصريع التكميل، وقسم سموه تصريع التشيطر، ورأيت منهم من جعل هذا القسم الثاني باباً مفرداً يسميه التشيطر من غير أن يضيف إليه لفظة التصريع
عطاف سالم
13-02-2008, 04:07 AM
ويبدو في قوله :
ويحَ قلبها , ويحَ ثغرهـا , وَ وَيحَهـا = وَيحَ مُهجَتي , وَيحَ مُقْلَتَيَّ , يَـا أَنَـا
فن بلاغي آخر هو التشطير(2)
الذي يضفي نوعاً محببا من الموسيقى الداخلية بتناسب تلك الفقر المتوازنة عروضيا والمنسجمة من حيث اللفظة والمعنى ..
وبالإنتقال إلى المقطع الثالث والاخير من القصيدة وهو قول الشاعر :
غَرَّرَتْ بِشِعْرِيْ فَكانَ قَاتِلـي هَـوا = ها , وَ أَوغلَ الغَدْرُ في الضُّلُوعِ وَ انْثَنى
دَمَّرَتْ جُنَيْنَاتِ عَاشِـقٍ لَهـا , بِـلا = َحْمَةٍ , وَ أَفْنَـتْ وُرُوْدَهُ وَ سَوْسَنـا
لُعْبَةً تُريدُ الحَبيـبَ عندَهـا , علـى = رَفِّ مَكْتَبَـاتٍ مَكانُـهُ , فَيُقْتَـنَـى
تطغى الاستعارة التي هي نوع من المجاز , له تأثيره في إخراج المعنى من صورته المجردة إلى صوره خيالية تساعد في تقديمه مُشرقًا بائنًا وأكثر إبداعاً وجمالاً وبهاءً يظهر هذا في قوله :
"غررت بشعري , وأوغل الغدر وانثنى , جنينات عاشق ووروده وسوسنا "
ثم التشبيه الذي ختم به قصيدته وهو قوله : " لُعْبَةً تُريدُ الحَبيـبَ عندَهـا ... "
والحق أن هذه القصيدة ضمت الكثير من الجماليات والفنون البلاغية المتنوعة منها على سبيل المثال لا الحصر - غير ماسبق إلالماع إليه من التشطير والتكرار والتصريع والترصيع - فن المساواة : وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهذا من البلاغة التي وصف بها بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه وقد طغى هذا الفن بشكل كبير جدا على القصيدة دون أي تكلف يستشعر مماجعلها مقبولة وتستسيغها الذائقة , لأن هذه المساواة أضافت إيقاعا داخليا بديعا ..
.................................................. ..................يتبع (6)
*****************************************
(2) التشطير : هو أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنه يأتي بكل شطر مخالفاً لقافية الآخر ليتميز من أخيه، فيوافق فيه الاسم المسمى، وذلك كقول مسلم بن الوليد بسيط
موف على مهج، في ويم ذي رهج ... كأنه أجل، يسعى إلى أمل
وكقول أبي تمام بسيط
تدبير معتصم، بالله منتقم ... لله مرتغب، في الله مرتقب
عطاف سالم
13-02-2008, 04:17 AM
ومن الفنون أيضا التي اشتملت عليها القصيدة فن الإئتلاف وهو هنا تمثل في ائتلاف اللفظ مع المعنى , ائتلاف اللفظ مع الوزن , ائتلاف المعنى مع الوزن , ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت
فالأول منه شرحه الآمدي في كتابه الموازنة إلا أنه لم يوفيه حقه كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعنى المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى ..
أما الإئتلاف الثاني : قال قدامة: هو أن تكون الأسماء والأفعال تامة، لم يضطر الشاعر الوزن إلى نقصها عن البقية، ولا إلى الزيادة فيها، ولا يقدم منها المؤخر، ولا يؤخر منها المقدم، ولا يدخل فيها ما يلتبس به المعنى...
أما ائتلاف الثالث وهو إئتلاف المعنى مع الوزن
وهو أن تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد وافر:
فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق
ويبقى الإئتلاف الأخير وهو ائتلاف القافية
مع ما يدل عليه سائر البيت
وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائداً بعد تمام معنى البيت (3)
.................................................. ....................يتبع (7)
****************************************
(3) انظر كتاب تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر لابن أبي الإصبع العدواني
عطاف سالم
13-02-2008, 06:17 AM
هذا وينبغي الإشارة مرة أخرى إلا أن القصيدة متزاحمة الفنون والجماليات لمن يتأملها ويدقق النظر فيها , وماذكرته كان أمراً يسيراً من وجهة نظري الخاصة في حقها ..
وتعد هذه القراءة النقدية موجزة وإن هي إلا لمحات خاطفة , وشيء من إلقاء الضوء بسيط على هذه الخريدة الفاتنة حسب ماسمح به وقتي وظرفي وليعذرني الشاعر القدير وأخي الفاضل د.عمر جلال الدين هزاع في ذلك ..
وله كل الشكر والتقدير ....
وخالص الدعاء له بالتوفيق والسداد في دربه الأدبي الطويل , وأن يبارك له في موهبته الكبيرة هذه , وإنني أتنبأ له أن يكون يوماً ما من أبرز وأكبر شعراء القرن الواحد والعشرين , ويعد شعره مدرسة كبيرة ومؤثرة يُحتذى بها .
ووصيتي له بكثرة الإطلاع والمذاكرة والتثقيف الذاتي المتواصل .
ولمن أراد الإطلاع على مادار حول القصيدة من نقاش بشأن بحرها إليه الرابط الآتي :
والسلام عليكم ورحمة الله .
زئـبـقـيـة الـمـنـى (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=23944)
د. عمر جلال الدين هزاع
15-02-2008, 03:42 AM
الله الله
ــــــ
وهل بقي من قول , بعد قولك أيتها المبدعة في كل فن من فنون الأدب ؟؟
عطاف ..
يعجز الحرف عن شكرك وتقديرك
فلله درك أيتها الفذة في أدبها شعرًا ونثرًا ونقدًا ونحوًا وصرفًا ..
سيكون لي عود متكرر هنا لحوار ماتع معك في جزئيات هذه الدراسة النقدية المباركة التي كان لك فيها الجهد المشكور
والإبداع منقطع النظير
تحيتي ومودتي وجليل شكري واعتزازي
د. عمر جلال الدين هزاع
16-02-2008, 06:14 PM
وقبل أن أبدأ الحوار
فلتسمحي لي بدعوة كبيرنا وأستاذنا في علم العروض
الأستاذ :
خشان خشان
لكي نستزيد من علمه
بخصوص بحر القصيدة
ولك التقدير
خشان خشان
17-02-2008, 01:41 AM
أخي د. عمر
الأخت الأستاذة عطاف
الله يعطيكما العافية
تناول هذا الوزن من المواضيع الممتعة عروضيا.
أتمنى أن يتاح لي ذلك قبل سفر وشيك وإلا فبعده بإذن الله.
أحمد حسن محمد
17-02-2008, 12:13 PM
وأنا أمر أطبع قبلة هذه الدراسة الملكية على جبيني، وصامتًا أتحرك ثانية! ولا يسعني إلا أن أقول: إنها فن رائع..
كنتِ على حق ناقدتنا الدارسة دراسة حقِ
وكان شاعرنا نبعاً -وما زال- من أصول الفن الأصيل، وعطاؤه في الرحلة يثبت!
دمتما القارئة والشاعر بخير وود وسلامة عبقرية رصد وتحليل
عطاف سالم
18-02-2008, 06:48 PM
الله الله
ــــــ
وهل بقي من قول , بعد قولك أيتها المبدعة في كل فن من فنون الأدب ؟؟
عطاف ..
يعجز الحرف عن شكرك وتقديرك
فلله درك أيتها الفذة في أدبها شعرًا ونثرًا ونقدًا ونحوًا وصرفًا ..
سيكون لي عود متكرر هنا لحوار ماتع معك في جزئيات هذه الدراسة النقدية المباركة التي كان لك فيها الجهد المشكور
والإبداع منقطع النظير
تحيتي ومودتي وجليل شكري واعتزازي
الشكر لك أخي عمر على ماتمتعنا به من قطع شعرية فاخرة اللباس فاخرة الجوهر ..
ودون مجاملة شعرك يستحق العديد من الدراسات والقراءات النقدية المفصلة لأني وجدت به العجيب من فنون الشعر , وهو يغص بالعديد من الفنون البلاغية البديعة فضلاً عن أشياء أخرى كثيرة تتعلق باللغة , وكما إن إبداعي كما قلت عنه منقطع النظير كذا كان إبداعك أيضاً ...
تقبل تحاياي الصادقة وقديري
وفقك الله تعالى لما يحبه ويرضاه
بانتظار عودتك لفتح باب الحوار إن ترد حول هذه الدراسة
والله يحفظك ويرعاك
د. عمر جلال الدين هزاع
19-02-2008, 04:44 PM
الأديبة و الناقدة و الشاعرة الكبيرة : عطاف
ـــــ
وإلى حين عودة أستاذنا الكريم : خشان , لمراجعة بحر القصيدة
- و الذي كان غايتي الأولى منها -
سأتجاوز الحديث عن الوزن و سأنتقل معك للحوار حول دراستك الرائعة و المميزة لهذا النص
ويسعدني أن أقول :
ـــــ
- بدءًا بوقوفك على عنوان القصيدة و ما أحسنت بها من إسقاطات معنوية و لغوية عليه
فإنني - ومن باب تخصصي العلمي - أستخدم الزئبق لمدلول أكثر عمقًا و بعدًا وهو التلون و التغير للموصوف
فزئبقية المنى تعبير عن حالة تصف فتاة ذات رغائب و أمان متلونة وتتراوح بين الحب حينًا و النفور حينًا آخرًا
وتتضح الصورة أكثر جلاء فيما باح به النص من صفات ذات نقيضين
- فالقصيدة و كما استطعت أن تدخلي إلى لجتها و تسبري أغوارها تشي بحالة نفسية ووجدانية
و تعبر عن شعور ذاتي بالدهشة حد الغرابة من تلك الفتاة
فهي برغم عبقرية حرفها و جمال صوتها و رقة ملامحها
إلا أنها
نرجسية الحب , شائكة المشاعر , ماكرة , غادرة
وقد اجتمعت فيها النقائض كما سلف ذكره
- أما اللافت حقًّا في أوليات مكونات دراستك النقدية هو الفهم الشديد و حسن الإدراك لمقابلات المعاني بين اللفظات المتكررة
والتي يحس بها المتلقي عفوًا
ويعيها الناقد بعين إجادته - كما فعلت مشكورة - فيقف عندها ليقول :
هنا فن بلاغي تعالوا نتحدث عنه
وقد فعلت ولك أجر الجهد و أجر الوصول بنا إلى عوالم من الفائدة
فجزيت خيرًا
ولي عودات وعودات متكررة لبقية حوار
ولك تحيتي
د. عمر جلال الدين هزاع
29-02-2008, 02:38 AM
أيتها المكرمة
وها أنا ذا أعود لبعض حوار حول ما جاء في دراستك الشيقة
وأعتذر لتأخري عنها قسرًا لأمور خارجة عن إرادتي :
ـــــــ
وإنه لمن الجدير بالذكر حول ما جئت به حول بلاغة الإيجاز في معاني مفردات القصيدة
أنك قد أجزلت بذات النوع من البلاغة في الوصف و الغاية
وفي وصولك للهدف
وهذا لأنك أديبة تعرف كيف تسوق الحرف ليتسق في أسلوب بلاغي فريد
و أما مرورك الجميل على مقابلة المعاني في قصيدتي
فقد كان في منتهى الإجادة لأنك حللت و تعمقت في تفسير الصور و أمثلتها
و زدت بفطنتك الأدبية ما زاد جمالها جمالًا
وهذا برأيي دور الناقد الفطن
وهو أن يفتح منافذ الجمال على النص
أمام القراء لكي يلج بهم إلى مساحات شاسعة من الأخيلة و معانيها و فنون اللغة و أساليبها
ولا يكون هذا إلا لمن هو مثلك
قامة أدبية يتشرف بها الأدب و يسعد أنه لقي على يديها خير ما يلقاه أدب من أديب
بعيدًا عن متسلقي الكلمة ومدعي الفهم
وهذا - والله - لهو من دواعي فخري واعتزازي بك
وبذائقتك
ولي عودة أخرى لمقاطع أخرى من دراستك المميزة
ولك تقديري
خشان خشان
19-03-2008, 01:22 AM
الأخت الأستاذة بل مدْرسة الأدب عطاف سالم
استمتعت وتعلمت ومثل هذا التعليق يليق بمثل هذا النص
--
أخي در عمر هزاع
إليك مع التحية
http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=3507
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub