ضحى بوترعة
08-02-2008, 11:16 PM
قراءة في قصيدة " أمي " للأديب والمفكر والشاعر جوتيار تمر
بقلم د. محمد حسن السمان
نص أمي, للأديب جوتيار تمر
أُمي
تهمس أُمي في أُذني كل مساء
بُنيّ لا تعبث بأشياء
مَن وَهبت لها السماء
سلطة الموت والحياة
تعِش بذلك بعيداً
عن الوباء،
أُمي تريد أن يطول
بقائي في حضنها
ولا تريد أن تفقد آخراً
فتظل كما كانت
تجهش بالبكاء
وتلملم بقاياها في كل مساء
على وسادة صنعتها في انتظار
من لن يعود
أُمي تريد أن أبقى بعيداً
عن رماح الأولياء
وحتى لعنة الأبرياء
كي أعيش بأمان
أُمي تريد..
و تنسى أن من يريد
معانقة الربيع عليه
أن يكافح الذبول
أن لا يغزل الكلمات
من ضباب الأوهام
وأن لايرضى بالخبز والماء
أُمي تكره أن أبوح لها
بأسرار ذاتي
وتوقها أن تعيش بلا قيد
لأنها تعلم بأني أُنحر بها
كما نُحر مِن قبلُ الآخر
أُمي تريدني أن أبقى فارسا
فقط في الأحلام
لذا هي لاتمل من ترديد
همساتها في أُذني كل مساء
الدراسة:
" أمي " قصيدة حقيقية من شعر الحداثة , تحمل جبالا من المعاناة , وتطرح قضية , وتلامس الاحاسيس , استعاضت عن غموض الحداثة والرمزية , بمنعكسات التخاطب مع مشاعر الأم , لتفسح المجال واسعا , أمام المتلقي أو القارئ , لتستقدمه ليعيش حالة أو قضية , في تعاطف وحميمية دافئة , فالأم حنو وحنان , والأم رمز الخصوبة والانجاب , وهي الأم والوطن والأمة والحياة , هي الانتماء والاستمرار , وعندما تهمس الأم في أذن ابنها , في كل مساء , أن يبتعد عن أشياء , أن لايعبث بأشياء , لم تسمها ولاتسمها , ولكن الشاعر عبّر عنها , بأنها أشياء وهبت لها السماء (والهبة هنا مجازية , أو ربما جاءت في تعبير تهكمي ) , سلطة الموت والحياة , وكأن الشاعر يشير الى واقع مخيف , بل هو يلخّص بمهارة , حالة الأمة , وكيف أصبح الأمر مثل وباء خطير معد , ينتقل من مكان الى آخر , وومن مجموعة الى أخرى , بل حتى من فرد لآخر , أرادت الأم لئن كانت الأم حقيقة , أم رمزا , أن يطول بقاء الأبن في احضانها , في اشارة الى البقاء واستمرار الحياة , لاتريد أن تفقد " آخرا " , وفي هذا تألق من الشاعر في الاشارة الى حالات الفقد والموت والتهجير للآخرين , لأن تعبير "الآخر " جاء شاملا غير محدد , والأم ( حقيقة أم رمزا ) ستبقى كما كانت , في إشارة الى مرحلة سابقة , يوم كانت الأم والعائلة والمدينة والبلد والأمة , تنظر الى من يخرج بأنه ربما لايعود , وفي لمحة ذكية , أورد الشاعر , تعبير " تلملم بقاياها " للدلالة على حجم وعدد الحالات الرهيب , يوم كان الفرد يخرج من بيته , وينتظر أن لايعود من جديد , ويستطرد الشاعر هواجس الأم , عندما يقول :
أُمي تريد أن أبقى بعيداً
عن رماح الأولياء
وحتى لعنة الأبرياء
كي أعيش بأمان
وأكاد المس هنا فلسفة الانسان في ظل الخوف والرهبة , عندما يكون الخوف ممن يفترض أن لايأتي منهم خوف ولاضر , فالأم تريد لابنها أن يبقى بعيدا عن رماح الأولياء , ومفهوم الأولياء شاسع يفتح المجال أمام أكثر من تفسير , ابتداء من الأولياء دينا , الى ولاة الأمر , عشيرة أو سياسة , بل لقد أمعن الشاعر في تصوير هول المشكلة , عندما يشير الى أن الانضمام , حتى للمحايدين الابرياء , هو لعنة بحد ذاتها , لأن آلة الجريمة , وآلة القتل , لاتستثني هؤلاء , ثم يصل الشاعر الى إكمال فلسفته , عندما يقول :
أُمي تريد..
و تنسى أن من يريد
معانقة الربيع عليه
أن يكافح الذبول
أن لا يغزل الكلمات
من ضباب الأوهام
وأن لايرضى بالخبز والماء
وكأن الشاعر بدأ شكلا إيجابيا في رسم الصورة , عندما يعبّر عن رغبة الأم وهواجسها , ليقول " أمي تريد " ويرد بنبرة تخرج من قلب المأساة " أمي تريد , وتنسى أن من يريد , معانقة الربيع , عليه أن يكافح الذبول ..." فيرى أن الحل لايكون بالموقف السلبي , وبالاستكانة ومحاولة الابتعاد عن الولوج في الحدث , بل إن الشاعر يبوح مستنكرا الحالة التي وصلت إليها الأمور , عندما أصبح البوح بما يختلج في الصدر , يجر الى التهلكة , ويودي الى الحتف , في إشارة الى ما قد جرى من عمليات قتل لمن سبق أن باحوا , بمكنونات أنفسهم ( كما نحر من قبل الآخر ) .
أُمي تكره أن أبوح لها
بأسرار ذاتي
وتوقها أن تعيش بلا قيد
لأنها تعلم بأني أُنحر بها
كما نُحر مِن قبلُ الآخر
ثم يسترسل بشكل لايخلو من التهكم والرفض , عندما يشير الى أن " الأم " تريد لابنها أن يبقى فارسا وهميا , والحقيقة , أكاد ألمس أن الشاعر اراد بكلمة الفارس هنا , هو الانسان المحافظ على بقائه , المستمر في الحياة , لانه عاد الى الفكرة المفتاح في القصيدة " لذا لاتمل من ترديد همساتها كل مساء " :
أُمي تريدني أن أبقى فارسا
فقط في الأحلام
لذا هي لاتمل من ترديد
همساتها في أُذني كل مساء
وفي النهاية , فإن الشاعر قدم لنا قصيدة حداثية راقية , ذات مضمون وفكر لافتين , وقد ابتعد الى حد كبير عن مسألة الاغراق في الرمز أو الاستعارات التاريخية أو الملحمية , أو الاستعراض الثقافي , بذكر أعلام ومسميات الفكر وعلم النفس والفلسفة والعلم , بل كانت القصيدة ترجمة لحالة وقضية , نجح الشاعر في التعبير عنها بشكل كبير , وقد نجح الشاعر باستخدام مفردات سهلة قوية جميلة , أعطت القصيدة جرسا داخليا متميّزا , وإن كنت لا اتفق مع الشاعر , في طريقة إعطاء الجرس الخارجي , باستخدام بعض المفردات التي أخذت شكل قوافي ملزمة , في بداية القصيدة , ثم عند ارتفاع التوتر في القصيدة , وجدنا الشاعر بفطرته الراقية , قد تخلى عنها دون تكلف بالانتقال .
بقلم د. محمد حسن السمان
نص أمي, للأديب جوتيار تمر
أُمي
تهمس أُمي في أُذني كل مساء
بُنيّ لا تعبث بأشياء
مَن وَهبت لها السماء
سلطة الموت والحياة
تعِش بذلك بعيداً
عن الوباء،
أُمي تريد أن يطول
بقائي في حضنها
ولا تريد أن تفقد آخراً
فتظل كما كانت
تجهش بالبكاء
وتلملم بقاياها في كل مساء
على وسادة صنعتها في انتظار
من لن يعود
أُمي تريد أن أبقى بعيداً
عن رماح الأولياء
وحتى لعنة الأبرياء
كي أعيش بأمان
أُمي تريد..
و تنسى أن من يريد
معانقة الربيع عليه
أن يكافح الذبول
أن لا يغزل الكلمات
من ضباب الأوهام
وأن لايرضى بالخبز والماء
أُمي تكره أن أبوح لها
بأسرار ذاتي
وتوقها أن تعيش بلا قيد
لأنها تعلم بأني أُنحر بها
كما نُحر مِن قبلُ الآخر
أُمي تريدني أن أبقى فارسا
فقط في الأحلام
لذا هي لاتمل من ترديد
همساتها في أُذني كل مساء
الدراسة:
" أمي " قصيدة حقيقية من شعر الحداثة , تحمل جبالا من المعاناة , وتطرح قضية , وتلامس الاحاسيس , استعاضت عن غموض الحداثة والرمزية , بمنعكسات التخاطب مع مشاعر الأم , لتفسح المجال واسعا , أمام المتلقي أو القارئ , لتستقدمه ليعيش حالة أو قضية , في تعاطف وحميمية دافئة , فالأم حنو وحنان , والأم رمز الخصوبة والانجاب , وهي الأم والوطن والأمة والحياة , هي الانتماء والاستمرار , وعندما تهمس الأم في أذن ابنها , في كل مساء , أن يبتعد عن أشياء , أن لايعبث بأشياء , لم تسمها ولاتسمها , ولكن الشاعر عبّر عنها , بأنها أشياء وهبت لها السماء (والهبة هنا مجازية , أو ربما جاءت في تعبير تهكمي ) , سلطة الموت والحياة , وكأن الشاعر يشير الى واقع مخيف , بل هو يلخّص بمهارة , حالة الأمة , وكيف أصبح الأمر مثل وباء خطير معد , ينتقل من مكان الى آخر , وومن مجموعة الى أخرى , بل حتى من فرد لآخر , أرادت الأم لئن كانت الأم حقيقة , أم رمزا , أن يطول بقاء الأبن في احضانها , في اشارة الى البقاء واستمرار الحياة , لاتريد أن تفقد " آخرا " , وفي هذا تألق من الشاعر في الاشارة الى حالات الفقد والموت والتهجير للآخرين , لأن تعبير "الآخر " جاء شاملا غير محدد , والأم ( حقيقة أم رمزا ) ستبقى كما كانت , في إشارة الى مرحلة سابقة , يوم كانت الأم والعائلة والمدينة والبلد والأمة , تنظر الى من يخرج بأنه ربما لايعود , وفي لمحة ذكية , أورد الشاعر , تعبير " تلملم بقاياها " للدلالة على حجم وعدد الحالات الرهيب , يوم كان الفرد يخرج من بيته , وينتظر أن لايعود من جديد , ويستطرد الشاعر هواجس الأم , عندما يقول :
أُمي تريد أن أبقى بعيداً
عن رماح الأولياء
وحتى لعنة الأبرياء
كي أعيش بأمان
وأكاد المس هنا فلسفة الانسان في ظل الخوف والرهبة , عندما يكون الخوف ممن يفترض أن لايأتي منهم خوف ولاضر , فالأم تريد لابنها أن يبقى بعيدا عن رماح الأولياء , ومفهوم الأولياء شاسع يفتح المجال أمام أكثر من تفسير , ابتداء من الأولياء دينا , الى ولاة الأمر , عشيرة أو سياسة , بل لقد أمعن الشاعر في تصوير هول المشكلة , عندما يشير الى أن الانضمام , حتى للمحايدين الابرياء , هو لعنة بحد ذاتها , لأن آلة الجريمة , وآلة القتل , لاتستثني هؤلاء , ثم يصل الشاعر الى إكمال فلسفته , عندما يقول :
أُمي تريد..
و تنسى أن من يريد
معانقة الربيع عليه
أن يكافح الذبول
أن لا يغزل الكلمات
من ضباب الأوهام
وأن لايرضى بالخبز والماء
وكأن الشاعر بدأ شكلا إيجابيا في رسم الصورة , عندما يعبّر عن رغبة الأم وهواجسها , ليقول " أمي تريد " ويرد بنبرة تخرج من قلب المأساة " أمي تريد , وتنسى أن من يريد , معانقة الربيع , عليه أن يكافح الذبول ..." فيرى أن الحل لايكون بالموقف السلبي , وبالاستكانة ومحاولة الابتعاد عن الولوج في الحدث , بل إن الشاعر يبوح مستنكرا الحالة التي وصلت إليها الأمور , عندما أصبح البوح بما يختلج في الصدر , يجر الى التهلكة , ويودي الى الحتف , في إشارة الى ما قد جرى من عمليات قتل لمن سبق أن باحوا , بمكنونات أنفسهم ( كما نحر من قبل الآخر ) .
أُمي تكره أن أبوح لها
بأسرار ذاتي
وتوقها أن تعيش بلا قيد
لأنها تعلم بأني أُنحر بها
كما نُحر مِن قبلُ الآخر
ثم يسترسل بشكل لايخلو من التهكم والرفض , عندما يشير الى أن " الأم " تريد لابنها أن يبقى فارسا وهميا , والحقيقة , أكاد ألمس أن الشاعر اراد بكلمة الفارس هنا , هو الانسان المحافظ على بقائه , المستمر في الحياة , لانه عاد الى الفكرة المفتاح في القصيدة " لذا لاتمل من ترديد همساتها كل مساء " :
أُمي تريدني أن أبقى فارسا
فقط في الأحلام
لذا هي لاتمل من ترديد
همساتها في أُذني كل مساء
وفي النهاية , فإن الشاعر قدم لنا قصيدة حداثية راقية , ذات مضمون وفكر لافتين , وقد ابتعد الى حد كبير عن مسألة الاغراق في الرمز أو الاستعارات التاريخية أو الملحمية , أو الاستعراض الثقافي , بذكر أعلام ومسميات الفكر وعلم النفس والفلسفة والعلم , بل كانت القصيدة ترجمة لحالة وقضية , نجح الشاعر في التعبير عنها بشكل كبير , وقد نجح الشاعر باستخدام مفردات سهلة قوية جميلة , أعطت القصيدة جرسا داخليا متميّزا , وإن كنت لا اتفق مع الشاعر , في طريقة إعطاء الجرس الخارجي , باستخدام بعض المفردات التي أخذت شكل قوافي ملزمة , في بداية القصيدة , ثم عند ارتفاع التوتر في القصيدة , وجدنا الشاعر بفطرته الراقية , قد تخلى عنها دون تكلف بالانتقال .