المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شهقة الغياب 000/ حسين الهنداوي - حاتم قاسم


حسين الهنداوي
08-02-2008, 10:50 PM
شهقة الغياب بانتظار الرجوع
ملحمة هابيلية تنتظر الثأر من الغياب الاغترابي
قراءة في مجموعة ( الغريب و أنا ) للشاعر ماهر رجا
بقلم : حسين الهنداوي - حاتم قاسم
تلك هي مأساة شعب فلسطين 0000 ( اطمأنوا إلى امتلاء الجوابي بالماء 000 تركوا أباريق الشاي و كراسي القش في ساحات البيوت 000 قبلوا ظلالهم على الجدران 000 ثم حملوا مفاتيح البيوت ، لأنهم ببساطة كانوا يظنون أنهم راجعون غداً ) بهذه الكلمات ملأ الشاعر خوابي الاغتراب بمخابئ الهواء راسماً من خلال غربته أفاقاً لا متناهية للحزن الذي لم يستطع أحد على هذه الأرض أن يفك رموزه 0
( الغريب 00و أنا ) قافلة من الحزن و الصمت الموجع تلف الروح الإنسانية و تتساءل كلما حل الظلام هل يمكن لفجر جديد أن يفجر هذا الحزن الذي تحول إلى أشجار زقومية يتجرع من ثمارها شعب ألقي به على أرصفة الطرقات و تقاذفته أحذية الزعماء و كأن الليل قد أطبق على روح الفجر 0
والشاعر في بوحه الشعري يعيش غربة الحرف ( الإجزميه 000 نسبة لقريته ) فتنطبع على ذاكرته معالم قاتلة يبني منها مفرداته الساخرة 000فقرية اجزم التي عاشت في ذاكرة الشـــــاعر كانت تراثا خصـــــبا لغربته التي تعنون بها ديوانه
( الغريب 00و أنا ) و التي يرسمها سكك قطار مختلفة تلقي بأعبائها على محطات مختلفة صنعتها الغربة التي عانى من ويلاتها الفلسطيني المشرد
و ديوان الشاعر الذي يتقلب بين مجموعات الغربة المتشظية ( غرباء – صور – إشارات الغائب – مطر – مخابئ الهواء – النهايات ) و بين أحلام العودة المأزومة
تنبثق من خلاله صور الأمومة التي تمثل الجذر الأول للاغتراب و التي ظل الشاعر يعيشها حتى في منامه و كأن الوطن قد توحد بها إنها تتمثل في مدن فلسطين التي عبرت الذاكرة دون أن تعبرها الأقدام و التي بدأ الشاعر بها محطة أولى في ديوانه
و كأن الأم و الوطن جناحا عصفور وحدا سيف واحد لا يمكن لأحدهما أن ينفصل عن الأخر أو أن يعيش دونه أمومة انطبعت بصورة الوطن و صورة وطن انطبعت بابتسامة أم و لكنها غريبة :

لأمي العجوز التي أخفقت في الرجوع إلى أهلها
هنالك بيت وراء التلال على سنبلات ثلاث
و شمس تنام كقط أليف ٍ
لأمي الغريبة في الذكريات
وقوف القرى ذاهلات
و هذا ما ترجمه الفعل ( أخفقت ) و جمع المؤنث السالم ( ذاهلات ) ليطير بصمت إلى وادي الحزن العربي الذي لف الروح الفلسطينية المشردة و كأن الزمان قد تحول من خلال ذلك إلى مشرحة من صمت تجزر فوقها الأمومة الفلسطينية التي يسيل دماء أطفالها دون أن يجد ولو مطالب واحد من أبناء العروبة بهذا الدم المطلوب
و ثمة غربة أخرى تنبثق من أحضان ( أنا 00 الشاعر ) التي دفن ذكرياتها في أعماقه و التي تلتهب قدراً من الحزن يغلي بصمت كما يغلي حصان امرئ القيس
و الذي ينتظر أن يحمل من فوقه سيفاً يعيد للروح معناها 0
ثمة أخر
يأخذ أحياناً صوتي
و ينادي أسماء لا أعرفها
و يغني بحنين عن بلد في أقصى الدنيا
ليس خيالاً
لكن 000 مثل خيال
ثمة أخر يمشي خلفي
يمشي فوق الخطوة قربي
يدلف في أوردتي
مثل حرير الطيف
إنها مخابئ هواء كما سماها الشاعر نفسه 000 دوامة من الصمت 00 دوي من الحروف المتناثرة 0000 أجوبة لأسئلة غير مطروحة 000 فالغربة تطرح أفاقاً لا أفق لها و تستدعي معاني لا سعة لها 00 و تسفه أحلاماً لا تخطر في بال مسافر أو مقامر 000 ينادي ليفتح بصوته ممر الغبار 000 فالنخل على سور بغداد أعمى 00
فقد فقأت العروبة كما يرى الشاعر عينيها ( الأوديبية ) :
هنا النخل أعمى
هنا الأفق أعمى
هنا الخيل عمياء
و نحن نسير معاُ في الجنازة
نحو مقابرنا في العماء
وهل تحول العماء عند الشاعر إلى أداة فاعلة تكون منه عرافة تبحث في فنجانها عن مستقبل خارطة الوطن التي بدت ممزقة بين أنياب و أظفار الذئاب البشرية و التي أدخلت الكثير من الشعوب في دهليز الغربة بحثا عن البداية 0
أخط على الرمل باباً
لأدخل منه إلى غربتي
أنادي ليفتح صوتي ممر الغبار
غداً في ذهول الحكاية
يأتي الرعاة من الغيم كي يحملوني
إلى شجر في الأعالي
فكما هي العيون مرايا الألم تجسد ملامح المتعبين 000 يكون المشهد موج يصفق للفاتحين 000 لغة تؤطر الذكيات في كينونتها التي تبحث عن بوابة في طريق طويل 000و يسقط الشاعر في نصه ( عند تمثال المتنبي ) صورة العروبة المبعثرة التي تمزقت في ليل مظلم هبت رياح عاتيه


قرب تمثال أبي الطيب المتنبي
العدو لجندية
هاهنا شاعر العرب الغابرين
وكان اللعين يظن الكلام نبيا
فتضحك أردافها في يديه
و تلوي الحروف
هذه هي صورة المجموعة الشعرية الوجدانية ( الأنوية ) التي بدت فيها ( أنا) 00الشاعر بصورتها العارية أمام كاميرا الغربة التي لونت عيون الشاعر بسواد الحزن الإنساني و لكن هذه المجموعة و إن كنا نقترح على الشاعر أن يحذف الواو قبل كلمة أنا من العنوان ليصبح ( الغريب 00 أنا ) و التي تبدو فيه الواو عقبة كأداء في مدخل الديوان الشعري 000 هذه المجموعة التي اعتمد فيها الشاعر على نظرية ( ترامح الحواس ) حيث تراشقت صور الشاعر المتلاطمة الأمواج برماح الغربة التي عاشها الشاعر في مفرداته 000 شعر نثري أو كما يحلو لمن يسميه قصيدة النثر و أفاق فنية لنصوص تحاول أن تقول ما لم تقوله أعماق الشاعر بلهجة كأنها تنحت في صخر من المفردات التي تتحول في النصوص لإلى ثمار ناضجة تلتقمها الأيدي الواعدة 0

د. نجلاء طمان
04-03-2008, 05:42 AM
ونحن قطفنا معك ثمار النص الناضجة, التي دلتنا عليها دراستك, واستمتعنا بتذوقها , ونكهتها أعجبتنا.

للناقد والشاعر المبدعين كل التحية

د. نجلاء طمان

أحمد حسن محمد
05-03-2008, 01:38 AM
أمر مرور تعلّم بين يديْ أستاذ قدير..

سعيد أنا بوجودك هنا يا أخي الغالي، وأنت ترسم بلهجة واثقة الفكرة تلك الصور النقدية، وتخطها في جنبات الأروقة..


شدني ما أنتجته يداك من ربط بين الصيغ والكلمات والتراكيب والشاعر، وإن كان بي رغبة إلى الغرق في مثلها لعلها تكشف أكثر..


دمت بخير وثقة..

د. سلطان الحريري
22-03-2008, 06:59 PM
الحبيب أبا مؤيد :
عندما أرى لك نصا ، أو نقدا فإنني أتذكر جلساتنا في رحاب الأدب والنقد ، وأتذكر إشاراتك المحلقة في النصوص، وأتذكر دائما أنك عندما تكتب فإنك تتحد فيما تكتب ، لتخرج لنا بمثل هذا النقد ، فتحية لك من أخ يشتاق إليك وإلى أدبك ، وتحية للحبيب الأستاذ حاتم شريكك في الحرف ، وشريك رحلتك الطويلة في البحث عن عوالم الجمال .
لكما حبي وتقديري