مجدي محمود جعفر
07-02-2008, 01:39 AM
رواية "أميرة البدو" لمجدي جعفر بين واقعية الرمز وانفتاح الدلالة
بقلم / أحمد رشاد حسانين
توطئة :
" أميرة البدو " هى التجربة الروائية الأولى للأديب مجدى جعفر ، أصدرها عام 2000 عن سلسلة " أصوات معاصرة " فى عددها الحادى والستين ، وقبلها صدر للكاتب المجموعة القصصية : " أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول " ، ثم تتابع إنتاجه فأصدر أيضاً مجموعته القصصية " أم دغش " عام 2003 م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، تلاها مجموعته الثالثة : " الزيارة وتحولات الرؤى " عام 2006 م ، ثم روايته الثانية " زمن نجوى وهدان " 2007 م ، وقد دخل الكاتب حلبة الكتابة الروائية بعد طول تمرس وحنكة فى كتابة القصة القصيرة، مما أفاده فى طرح جماليات وتقنيات شتى للقص وتجاربه 0
تتألف رواية " أميرة البدو " من مائة وست وخمسين صفحة من القطع المتوسط ، مكونة من ثلاثة وثلاثين مقطعاً كتابياً ، يتوافر لها توازن ملحوظ بين كل من السرد والحوار ، ويدور أكثر من ثلث هذه المقاطع مباشرة حول " بدوية " شخصية الراوية المحورية ، وتتوزع سائر المقاطع حول باقى شخصيات الرواية وإن لم تبتعد عن الشخصية المحورية فهى " القاسم المشترك الأعظم "(1) على حد تعبيرها فى الرواية وأما سائر الشخصيات فهم حسب الظهور على مسرح الأحداث : الفتوة ، فارس ، الشيخ ، بدوى ، وحول هؤلاء تتحرك شخصيات ثانوية ومعاونة كأولاد بدوية الكثيرين من أزواجها الثلاثة سالفى الذكر ، يمثلهم " فهد " من الفتوة ، و " على " من فارس ، و " سعد " من الشيخ ، ثم بعض المستشارين وكبار الحرس والقواد 0
ملخص أحداث الرواية :
تتلخص أحداث الرواية فى سرد وقائع " قيام وانهيار " ملك بدوية وطموحها الكبير ، فقد استطاعت هذه الفتاة الضعيفة الفقيرة بنت البدو الرحل ـ أن تكون أميرة ذات غنى بل ولها حضور وطموح شرع فى صياغة حياة جديدة لها ولأبنائها ، وقد أثار طموحها مخاوف الكثيرين ومنهم زوجيها السابقين " الفتوة وفارس " وأيضاً زوجها الأخير " الشيخ " بعد أن فترت علاقتها به ـ وكانوا جميعاً أصحاب ضيعات " مناطق نفوذ " مجاورة لضيعتها ، هذا ، فضلاً عن آخرين كانوا يرقبون منطقة الصراع ولهم مصالح وتحدوهم مطامح وتطلعات فى التواجد والتأمين والسيطرة 0
ولما كانت بدوية أصلاً جزءاً ـ من لعبة كبيرة ورقماً من أرقام الصراع فى تلك المعادلة ، لذا فقد تآمر عليها المتنافسون وأصحاب المصالح بالرغم ما بينهم من خلافات ومنازعات واتفقوا مرحلياً ـ على التخلص من نفوذها ووضع حد لطموحاتها المهددة لوجودهم ومصالحهم فتم ضربها وإجهاض مشروعها 0
والأحداث تروى بطريقة خطية ممتدة لا يعتريها " تقطيع " ، وإن كان هنالك بعض المقاطع وخاصة فى نصف الرواية الثانى تقوم بوظيفة " اختزال " أحداث كبيرة ومنها أحداث الفتن والحروب بين الفتوة وفارس ، والشيخ والفتوة ، ثم الفتوة وبدوية ، وكذلك اختزال فترة التحول الحضارى الذى قطعته بدوية وأولادها بين مرحلتى : ( البداوة ، الزراعة ) ـ ( الحداثة ) ـ وكلها جاءت ضمنية فى أقوال الشخصيات وحواراتها 0
والاختزال إحدى الصيغ التى يلجأ إليها الروائيون دفعاً لإيقاع السرد وطلباً للإيجاز 0
المعالجة وزاوية الرؤية :
يبدو المؤلف بوضوح مستقيلاً من وظيفة الراوى ، فهو يدع عملية القص تجرى على لسان شخصياته ، ولذلك تبدأ مقاطع الرواية بـ " قالت بدوية " ، " قال الشيخ " ، " قال الفتوة " 00 الخ 0
وهو يعتمد على الرمز للتعبير عن أحداث واقعية شهدتها ومرت بها منطقتنا العربية خاصة منطقة الخليج العربى وما حفلت به من أحداث جسام ، كان أبرزها التواجد الغربى فى المنطقة فى أعقاب غزو صدام للكويت عام 1991 م 0
ويحرص الكاتب على طرح رموزه وأحداثه فى إطار من رؤية حضارية أعم وأشمل ، يتعرض فيها دون تقريرية وبعيداً عن المباشرة ـ لعوامل قيام الدول والكيانات ومصادر القوة وأسباب الضعف ، كما يتعرض لقضية الصراع بين القديم والحديث ، الأصالة والمعاصرة واختلاف مواقف الأجيال الجديدة إزاء هذا الصراع خاصة فى ظل أطماع واضحة تحيق بالمنطقة بل تواجدت فيها بالفعل ويحرص أصحابها على هز الثوابت والعبث بالهوية 0
ويتعاطى الكاتب رموز الشخصيات والأحداث بصورة قريبة بعيداً عن التعقيد أو الغموض ، وهو بجانب المعالجة الرمزية الواقعية للرواية ، يستخدم فى بنية تكوينها أيضاً مادة أسطورية متمثلة فى " بدوى " ، كذلك يقوم بتوظيف تقنية " الحلم " وتأتى مرتبطة أيضاً بتلك الشخصية الأسطورية ، والاثنان معاً يندغمان فى نسيج بناء الرواية المتخذ من الواقعية منطلقاً ومعولاً 0
عنصرا الزمان والمكان :
من خلال معطيات الملامح المكانية التى دارت فيها الأحداث ، نستطيع القول ، بأن عنصر المكان يتبدى بوضوح بل يتعدى ذلك إلى مقدرة طبيعة المكان وتحولاته للدلالة على زمن الأحداث بصورة عامة ، حيث تعمد الكاتب ألا يحدد زمناً معيناً لأحداث روايته إنما ترك للمواقف وملامح المكان وسلوك الشخصيات ـ مهمة تحديد الحقب الزمنية ، وهى بصفة عامة تشير إلى مرحلة التطور الحضارى التى مرت بها الجزيرة العربية وخاصة بعد تدفق النفط 0
وقد نجح الكاتب برموزه وأحداثه إلى استخدامها وتطويعها بشكل طبيعى لمعالجة أحداث الغزو الصدامى للكويت ، وهو حادثة فارقة فى تاريخ المنطقة ـ ويرمز لها بالمشهد الأخير الذى تختم به الرواية أحداثها ، لكن دون أن تسدل ستائرها على المشهد العام لتظل كل الاحتمالات قائمة وكل الدلالات مطروحة إلى أن تمتلك إحدى قوى الصراع كل عوامل الثبات
والاستقرار :
" مذعورة كانت تجرى فى اتجاه ضيعة الشيخ ، لتجده فى انتظارها على الحدود ـ فاردا ذراعيه ـ ترتمى فى حضنه وتروح فى نوبة بكاء هستيرية ، بينما عيناها شاخصتان تنظران للرجل الأبيض !! " (2)0
00 إنه تقريباً مشهد الأمراء الكويتيين على الحدود وهم يرتمون فى أحضان السعوديين بعد أن نجحوا بأعجوبة فى الإفلات من أنياب صدام الدموى 0
وأزعم أن المؤلف كان موفقاً إلى حد كبير حين طرح العنصر الزمنى للرواية بصيغة العموم والشمول وهى صيغة تأتى متوافقة مع رؤيته الحضارية ودلالاته السياسية التى ينطوى عليها عمله 0
بقلم / أحمد رشاد حسانين
توطئة :
" أميرة البدو " هى التجربة الروائية الأولى للأديب مجدى جعفر ، أصدرها عام 2000 عن سلسلة " أصوات معاصرة " فى عددها الحادى والستين ، وقبلها صدر للكاتب المجموعة القصصية : " أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول " ، ثم تتابع إنتاجه فأصدر أيضاً مجموعته القصصية " أم دغش " عام 2003 م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، تلاها مجموعته الثالثة : " الزيارة وتحولات الرؤى " عام 2006 م ، ثم روايته الثانية " زمن نجوى وهدان " 2007 م ، وقد دخل الكاتب حلبة الكتابة الروائية بعد طول تمرس وحنكة فى كتابة القصة القصيرة، مما أفاده فى طرح جماليات وتقنيات شتى للقص وتجاربه 0
تتألف رواية " أميرة البدو " من مائة وست وخمسين صفحة من القطع المتوسط ، مكونة من ثلاثة وثلاثين مقطعاً كتابياً ، يتوافر لها توازن ملحوظ بين كل من السرد والحوار ، ويدور أكثر من ثلث هذه المقاطع مباشرة حول " بدوية " شخصية الراوية المحورية ، وتتوزع سائر المقاطع حول باقى شخصيات الرواية وإن لم تبتعد عن الشخصية المحورية فهى " القاسم المشترك الأعظم "(1) على حد تعبيرها فى الرواية وأما سائر الشخصيات فهم حسب الظهور على مسرح الأحداث : الفتوة ، فارس ، الشيخ ، بدوى ، وحول هؤلاء تتحرك شخصيات ثانوية ومعاونة كأولاد بدوية الكثيرين من أزواجها الثلاثة سالفى الذكر ، يمثلهم " فهد " من الفتوة ، و " على " من فارس ، و " سعد " من الشيخ ، ثم بعض المستشارين وكبار الحرس والقواد 0
ملخص أحداث الرواية :
تتلخص أحداث الرواية فى سرد وقائع " قيام وانهيار " ملك بدوية وطموحها الكبير ، فقد استطاعت هذه الفتاة الضعيفة الفقيرة بنت البدو الرحل ـ أن تكون أميرة ذات غنى بل ولها حضور وطموح شرع فى صياغة حياة جديدة لها ولأبنائها ، وقد أثار طموحها مخاوف الكثيرين ومنهم زوجيها السابقين " الفتوة وفارس " وأيضاً زوجها الأخير " الشيخ " بعد أن فترت علاقتها به ـ وكانوا جميعاً أصحاب ضيعات " مناطق نفوذ " مجاورة لضيعتها ، هذا ، فضلاً عن آخرين كانوا يرقبون منطقة الصراع ولهم مصالح وتحدوهم مطامح وتطلعات فى التواجد والتأمين والسيطرة 0
ولما كانت بدوية أصلاً جزءاً ـ من لعبة كبيرة ورقماً من أرقام الصراع فى تلك المعادلة ، لذا فقد تآمر عليها المتنافسون وأصحاب المصالح بالرغم ما بينهم من خلافات ومنازعات واتفقوا مرحلياً ـ على التخلص من نفوذها ووضع حد لطموحاتها المهددة لوجودهم ومصالحهم فتم ضربها وإجهاض مشروعها 0
والأحداث تروى بطريقة خطية ممتدة لا يعتريها " تقطيع " ، وإن كان هنالك بعض المقاطع وخاصة فى نصف الرواية الثانى تقوم بوظيفة " اختزال " أحداث كبيرة ومنها أحداث الفتن والحروب بين الفتوة وفارس ، والشيخ والفتوة ، ثم الفتوة وبدوية ، وكذلك اختزال فترة التحول الحضارى الذى قطعته بدوية وأولادها بين مرحلتى : ( البداوة ، الزراعة ) ـ ( الحداثة ) ـ وكلها جاءت ضمنية فى أقوال الشخصيات وحواراتها 0
والاختزال إحدى الصيغ التى يلجأ إليها الروائيون دفعاً لإيقاع السرد وطلباً للإيجاز 0
المعالجة وزاوية الرؤية :
يبدو المؤلف بوضوح مستقيلاً من وظيفة الراوى ، فهو يدع عملية القص تجرى على لسان شخصياته ، ولذلك تبدأ مقاطع الرواية بـ " قالت بدوية " ، " قال الشيخ " ، " قال الفتوة " 00 الخ 0
وهو يعتمد على الرمز للتعبير عن أحداث واقعية شهدتها ومرت بها منطقتنا العربية خاصة منطقة الخليج العربى وما حفلت به من أحداث جسام ، كان أبرزها التواجد الغربى فى المنطقة فى أعقاب غزو صدام للكويت عام 1991 م 0
ويحرص الكاتب على طرح رموزه وأحداثه فى إطار من رؤية حضارية أعم وأشمل ، يتعرض فيها دون تقريرية وبعيداً عن المباشرة ـ لعوامل قيام الدول والكيانات ومصادر القوة وأسباب الضعف ، كما يتعرض لقضية الصراع بين القديم والحديث ، الأصالة والمعاصرة واختلاف مواقف الأجيال الجديدة إزاء هذا الصراع خاصة فى ظل أطماع واضحة تحيق بالمنطقة بل تواجدت فيها بالفعل ويحرص أصحابها على هز الثوابت والعبث بالهوية 0
ويتعاطى الكاتب رموز الشخصيات والأحداث بصورة قريبة بعيداً عن التعقيد أو الغموض ، وهو بجانب المعالجة الرمزية الواقعية للرواية ، يستخدم فى بنية تكوينها أيضاً مادة أسطورية متمثلة فى " بدوى " ، كذلك يقوم بتوظيف تقنية " الحلم " وتأتى مرتبطة أيضاً بتلك الشخصية الأسطورية ، والاثنان معاً يندغمان فى نسيج بناء الرواية المتخذ من الواقعية منطلقاً ومعولاً 0
عنصرا الزمان والمكان :
من خلال معطيات الملامح المكانية التى دارت فيها الأحداث ، نستطيع القول ، بأن عنصر المكان يتبدى بوضوح بل يتعدى ذلك إلى مقدرة طبيعة المكان وتحولاته للدلالة على زمن الأحداث بصورة عامة ، حيث تعمد الكاتب ألا يحدد زمناً معيناً لأحداث روايته إنما ترك للمواقف وملامح المكان وسلوك الشخصيات ـ مهمة تحديد الحقب الزمنية ، وهى بصفة عامة تشير إلى مرحلة التطور الحضارى التى مرت بها الجزيرة العربية وخاصة بعد تدفق النفط 0
وقد نجح الكاتب برموزه وأحداثه إلى استخدامها وتطويعها بشكل طبيعى لمعالجة أحداث الغزو الصدامى للكويت ، وهو حادثة فارقة فى تاريخ المنطقة ـ ويرمز لها بالمشهد الأخير الذى تختم به الرواية أحداثها ، لكن دون أن تسدل ستائرها على المشهد العام لتظل كل الاحتمالات قائمة وكل الدلالات مطروحة إلى أن تمتلك إحدى قوى الصراع كل عوامل الثبات
والاستقرار :
" مذعورة كانت تجرى فى اتجاه ضيعة الشيخ ، لتجده فى انتظارها على الحدود ـ فاردا ذراعيه ـ ترتمى فى حضنه وتروح فى نوبة بكاء هستيرية ، بينما عيناها شاخصتان تنظران للرجل الأبيض !! " (2)0
00 إنه تقريباً مشهد الأمراء الكويتيين على الحدود وهم يرتمون فى أحضان السعوديين بعد أن نجحوا بأعجوبة فى الإفلات من أنياب صدام الدموى 0
وأزعم أن المؤلف كان موفقاً إلى حد كبير حين طرح العنصر الزمنى للرواية بصيغة العموم والشمول وهى صيغة تأتى متوافقة مع رؤيته الحضارية ودلالاته السياسية التى ينطوى عليها عمله 0