أميرة سعيد عزالدين
10-10-2007, 01:48 AM
الثالثة صباحاً
لازالت كعادتها مستيقظة , فهكذا هو يومها
ساعات النهار لنومها
ولا تغمض جفنيها إلا بعد الشروق , وغالباً بساعات طوال
لكن تلك الليلة تختلف
رغم تشابهها مع كل لياليها السابقة بشكل رتيب
فذلك نفس الليل الصامت , يحيط بها
ونفس صوت الساعات يعلن تسرب الدقائق والأيام , والعمر كله في طابور الانتظار ...
ونفس المشهد الوحيد لحجرة مكتبها البسيطة والرقيقة في ذات الوقت ..
لكن في تلك اللحظة ... لا رقة أو جمال تراه
تلمح عيناها لون الخشب الداكن على حافة مكتبها , حين تبعدها عن شاشة الإنترنت
وتتعلق بمربعات المحادثات التي تقضي ليلها بطوله فيها
تشعر أحياناً أنها تبقي ساهرة لتتحدث إليهم , وأحياناً أخري تتحدث معهم لتبقي ساهرة
هم !!!!
هم سلواها ... وأصدقائها الصغار - كما يسمون أنفسهم
لكنهم أبنائها كما تراهم
وهم بالفعل يلقبونها " ماما "
فـ (أحمد) مثلاً كاتب موهوب , لكنه أخذ من جهدها الكثير لتجعله يثق بموهبته ويعطيها حق قدرها
و ( كامل) كاتب مرهف الحس , يري القديم دائماً بمنظوره الأحدث
أما (منة) فهي الكاتبة المتوثبة دائماً , ثورية بطبعها
لكن أهم ما يميزها هو قدرتها على أن تستشف ما بنفسها , وتتميز أيضاً باسم التدليل الذي تصر على أن تطلقه عليها متخلية عن تلقيبها بـ " ماما "
كالباقين
ابتسمت حين تذكرت أنها يوماً كتبت تقول :
( عبر الشاشة وجهك المبتسم يطالعنى ، وقبلة مرسلة مع رسمة كارتونية لطفلة تقفز بكل قوتها، وتمر الأيام
هل كنت معي حقا؟ هل أنا معك الآن؟؟!
كل ما أدريه أنك تتجول بحجرات قلبي وتترك في كل ركن منه أثرا منك ,
وما الصبر إلا راية استسلام لأقدار غاشمة
هو الصبر دواء .. هو الصبر داء .. هو الصبر فناء
قد صار الصبر على البلاء كل البلاء ) *
فعلقت (منة) على سطورها قائلة :
( نحن نقنع أنفسنا أنه لا يأس ما دام هناك بقلوبنا نبض يتردد
ومن عدم اليأس يولد الأمل في الغد , عملاقاً ضخماً
وبمرور أيام أخر , يتضاءل ذاك العملاق ثانية بثانية
ونظل نبني له على شطوط العمر بيوتاً - حتى ليست قصوراً - من رمال
ونتخيل أن تمسكنا بذرات الرمل , تمسكاً بالأمل
وفى الحقيقة لا ندرى أما نحن فيه صبر أم استسلام !!!)
فلم تتمالك هي نفسها وأجابت تعليقها قائلة :
(حينما أقرأ تعليقك ينتابني الإحساس بأنك لم تقرأي النص فحسب ، بل قرأت معه أفكاري واطلعت على مكنون فؤادي )
كانت بالفعل تشعر بذلك , دائماً تشعر بأنها
[ لقد أرسل لك أحمد لتوه إشارة تنبيه! ]
هكذا طالعتها شاشة الكمبيوتر وقاطعتها , فابتسمت وهي تتطلع لساعة الحائط لتجدها تقترب من الرابعة
وأجابته كتابة : [ هاقوم أصلي وبعدين اعمل قهوة وآجي ]
(أحمد) : [ كل سنة وأنتِ طيبة الأول يا ماما ... ]
أرسلت وجه يحمر خجلاً وأجابت : [ وأنت طيب , أنت لسة فاكر ؟! .. ]
(أحمد) : [ وده يوم يتنسي !!! ... ]
أجابت : [ طيب , هاصلي وآجي ... ]
******************************
أمام الموقد وقفت تعد القهوة وهي تتمتم بأذكار الفجر وكلمات الاستغفار
كانت في حاجة إليها بشدة , كلمات الله
فهي تشعر بالخواء
تنظر حولها لتجد كل ما ألفته موحشاً
ورغم أنها كادت تعتاد وحشة المكان بدونه , إلا أن وحشته زادت تلك الليلة
دون طيفه حولها
كلماته الحانية في مثل ذاك اليوم
وجوده الذي هو معني الارتياح.
ووجدت نفسها تستغفر أكثر فأكثر وتتمتم بضع آيات من سورة التوبة ودمعها يملأ وعاء القهوة
ثم صمتت حين وجدت الكلمات تهرب منها وتركيزها يتبخر
ضحكت من نفسها وهي تصب قهوتها
لم تصر على أن تعدها على الموقد رغم أنها تشربها في الأساس مغلية ؟!!
فتستطيع إذن صنعها في الغلاية الكهربائية , لكن يبدو أن مراقبتها لـفوران ( كنكة البن ) على نار الموقد أصبح من مسلمات الأمور لديها
وكم من مسلمات بالحياة تتبدل بسرعة نندهش معها متسائلين , هل كانت حقاً مسلمات حياة !!!!!
ذهبت تفتش في ملفات الكمبيوتر عن سورة التوبة
وجلست تنصت إليها تاركة لعبراتها حرية الانفلات ووجدانها بأسره يردد الآيات مستغفرة ]**************************
الصمت الآن أصبح أكثر إطباقاً
لكنه أيضاً أكثر راحة
شعرت بشيء يثلج صدرها , رغم أن تاريخ اليوم لم يتبدل
ولم يزل هو سر وحدتها المضاعفة وسر رتابة الساعات الوحيدة
وأيضاً سر ملل الانتظار الذي أضحي داء مزمن.
وهو مازال لم يتغير
لازال اليوم هو اليوم
لازال حاضراً لم يمضي
لم يمر بعد يوم مولدها , وابتسمت وهي تدير أغنية لعبد الوهاب متذكرة مقولته الشهيرة حول ذكري الميلاد :
" المفروض الواحد يحزن لأن ثنة مرت من عمره "
لكنها أبداً لم تشعر بالمعني ذاك
فقد كان هو هنا دائماً
زوجها وحبيبها والذي يصر دائماً على الاحتفال بيوم ميلادها في أي ظرف كان
وضحكت من حلاوة الذكرى
كان بعد وقت إنجابها لولدها الثاني , قبل تاريخ ميلادها بأربع أيام !!!
ورغم أنه تشارك معها في نفس تاريخ الشهر
إلا أنه لم يهز من مكانة ذكري اليوم لدي زوجها
وظل بمرور الأعوام يحتفل به بنفس الحرارة والإخلاص
لكن
هذا العام .. الذكري باردة
بل في الحقيقة تشعر أن نبضها هو البارد
وفؤادها يكاد يرتعش حسرة
وتمتمت :
( ألا سحقاً لغربة وقودها القلوب العاشقة , وما التصبر إلا اغتيال لأيام - الوصل أولى بها ... ) *
غربته هو دون الأهل والوطن
أما هي فغربتها أكثر مضياً وسط الأبناء و الأحباء
كلهم من دونه ينقصهم شيء , وكل شيء
شيء لا يحس إلا في وجوده
ولا تشعر به إلا من خلاله
شيء أكثر دفئاً
أمناً
إن الصور حولها تنقصها ريشة من لون رعايته وحبه , وصبغة من حنانه
لكن
[ كل سنة وأنتِ طيبة يا حبي ... ]
طالعتها صورته وصوته الآتي من الميكروفون مبتسماً مرحاً كعادته
وبقبلة حارة الألوان قالت ضاحكة :
[ وأنت طيب يا حبيبي ... ربنا يخليك لية ... ]
[ ويخليكي لينا ... ]
وفي لحظة
ورغم أن الصوت عبر الميكروفون
والصورة إلكترونية
والبسمة مرسومة
إلا أنها وجدت لون اللحظات تبدل
وفرحة غامرة أضحت بها كعروس ليلة زفافها
وها هي لمحة من رعايته وحبه
وصبغة من حنانه
وها هو ذا الأمل يعود باسماً
كطفل تحبو مع خطوه الساعات والأيام
وفي توسل , التمست من الصبر الرفق بالقلوب العاشقة
كل القلوب العاشقة .
*****************************************
* من خاطرة / وجهك المبتسم للأستاذة – سامية أبو زيد
والقصة إهداء مني إليها
لازالت كعادتها مستيقظة , فهكذا هو يومها
ساعات النهار لنومها
ولا تغمض جفنيها إلا بعد الشروق , وغالباً بساعات طوال
لكن تلك الليلة تختلف
رغم تشابهها مع كل لياليها السابقة بشكل رتيب
فذلك نفس الليل الصامت , يحيط بها
ونفس صوت الساعات يعلن تسرب الدقائق والأيام , والعمر كله في طابور الانتظار ...
ونفس المشهد الوحيد لحجرة مكتبها البسيطة والرقيقة في ذات الوقت ..
لكن في تلك اللحظة ... لا رقة أو جمال تراه
تلمح عيناها لون الخشب الداكن على حافة مكتبها , حين تبعدها عن شاشة الإنترنت
وتتعلق بمربعات المحادثات التي تقضي ليلها بطوله فيها
تشعر أحياناً أنها تبقي ساهرة لتتحدث إليهم , وأحياناً أخري تتحدث معهم لتبقي ساهرة
هم !!!!
هم سلواها ... وأصدقائها الصغار - كما يسمون أنفسهم
لكنهم أبنائها كما تراهم
وهم بالفعل يلقبونها " ماما "
فـ (أحمد) مثلاً كاتب موهوب , لكنه أخذ من جهدها الكثير لتجعله يثق بموهبته ويعطيها حق قدرها
و ( كامل) كاتب مرهف الحس , يري القديم دائماً بمنظوره الأحدث
أما (منة) فهي الكاتبة المتوثبة دائماً , ثورية بطبعها
لكن أهم ما يميزها هو قدرتها على أن تستشف ما بنفسها , وتتميز أيضاً باسم التدليل الذي تصر على أن تطلقه عليها متخلية عن تلقيبها بـ " ماما "
كالباقين
ابتسمت حين تذكرت أنها يوماً كتبت تقول :
( عبر الشاشة وجهك المبتسم يطالعنى ، وقبلة مرسلة مع رسمة كارتونية لطفلة تقفز بكل قوتها، وتمر الأيام
هل كنت معي حقا؟ هل أنا معك الآن؟؟!
كل ما أدريه أنك تتجول بحجرات قلبي وتترك في كل ركن منه أثرا منك ,
وما الصبر إلا راية استسلام لأقدار غاشمة
هو الصبر دواء .. هو الصبر داء .. هو الصبر فناء
قد صار الصبر على البلاء كل البلاء ) *
فعلقت (منة) على سطورها قائلة :
( نحن نقنع أنفسنا أنه لا يأس ما دام هناك بقلوبنا نبض يتردد
ومن عدم اليأس يولد الأمل في الغد , عملاقاً ضخماً
وبمرور أيام أخر , يتضاءل ذاك العملاق ثانية بثانية
ونظل نبني له على شطوط العمر بيوتاً - حتى ليست قصوراً - من رمال
ونتخيل أن تمسكنا بذرات الرمل , تمسكاً بالأمل
وفى الحقيقة لا ندرى أما نحن فيه صبر أم استسلام !!!)
فلم تتمالك هي نفسها وأجابت تعليقها قائلة :
(حينما أقرأ تعليقك ينتابني الإحساس بأنك لم تقرأي النص فحسب ، بل قرأت معه أفكاري واطلعت على مكنون فؤادي )
كانت بالفعل تشعر بذلك , دائماً تشعر بأنها
[ لقد أرسل لك أحمد لتوه إشارة تنبيه! ]
هكذا طالعتها شاشة الكمبيوتر وقاطعتها , فابتسمت وهي تتطلع لساعة الحائط لتجدها تقترب من الرابعة
وأجابته كتابة : [ هاقوم أصلي وبعدين اعمل قهوة وآجي ]
(أحمد) : [ كل سنة وأنتِ طيبة الأول يا ماما ... ]
أرسلت وجه يحمر خجلاً وأجابت : [ وأنت طيب , أنت لسة فاكر ؟! .. ]
(أحمد) : [ وده يوم يتنسي !!! ... ]
أجابت : [ طيب , هاصلي وآجي ... ]
******************************
أمام الموقد وقفت تعد القهوة وهي تتمتم بأذكار الفجر وكلمات الاستغفار
كانت في حاجة إليها بشدة , كلمات الله
فهي تشعر بالخواء
تنظر حولها لتجد كل ما ألفته موحشاً
ورغم أنها كادت تعتاد وحشة المكان بدونه , إلا أن وحشته زادت تلك الليلة
دون طيفه حولها
كلماته الحانية في مثل ذاك اليوم
وجوده الذي هو معني الارتياح.
ووجدت نفسها تستغفر أكثر فأكثر وتتمتم بضع آيات من سورة التوبة ودمعها يملأ وعاء القهوة
ثم صمتت حين وجدت الكلمات تهرب منها وتركيزها يتبخر
ضحكت من نفسها وهي تصب قهوتها
لم تصر على أن تعدها على الموقد رغم أنها تشربها في الأساس مغلية ؟!!
فتستطيع إذن صنعها في الغلاية الكهربائية , لكن يبدو أن مراقبتها لـفوران ( كنكة البن ) على نار الموقد أصبح من مسلمات الأمور لديها
وكم من مسلمات بالحياة تتبدل بسرعة نندهش معها متسائلين , هل كانت حقاً مسلمات حياة !!!!!
ذهبت تفتش في ملفات الكمبيوتر عن سورة التوبة
وجلست تنصت إليها تاركة لعبراتها حرية الانفلات ووجدانها بأسره يردد الآيات مستغفرة ]**************************
الصمت الآن أصبح أكثر إطباقاً
لكنه أيضاً أكثر راحة
شعرت بشيء يثلج صدرها , رغم أن تاريخ اليوم لم يتبدل
ولم يزل هو سر وحدتها المضاعفة وسر رتابة الساعات الوحيدة
وأيضاً سر ملل الانتظار الذي أضحي داء مزمن.
وهو مازال لم يتغير
لازال اليوم هو اليوم
لازال حاضراً لم يمضي
لم يمر بعد يوم مولدها , وابتسمت وهي تدير أغنية لعبد الوهاب متذكرة مقولته الشهيرة حول ذكري الميلاد :
" المفروض الواحد يحزن لأن ثنة مرت من عمره "
لكنها أبداً لم تشعر بالمعني ذاك
فقد كان هو هنا دائماً
زوجها وحبيبها والذي يصر دائماً على الاحتفال بيوم ميلادها في أي ظرف كان
وضحكت من حلاوة الذكرى
كان بعد وقت إنجابها لولدها الثاني , قبل تاريخ ميلادها بأربع أيام !!!
ورغم أنه تشارك معها في نفس تاريخ الشهر
إلا أنه لم يهز من مكانة ذكري اليوم لدي زوجها
وظل بمرور الأعوام يحتفل به بنفس الحرارة والإخلاص
لكن
هذا العام .. الذكري باردة
بل في الحقيقة تشعر أن نبضها هو البارد
وفؤادها يكاد يرتعش حسرة
وتمتمت :
( ألا سحقاً لغربة وقودها القلوب العاشقة , وما التصبر إلا اغتيال لأيام - الوصل أولى بها ... ) *
غربته هو دون الأهل والوطن
أما هي فغربتها أكثر مضياً وسط الأبناء و الأحباء
كلهم من دونه ينقصهم شيء , وكل شيء
شيء لا يحس إلا في وجوده
ولا تشعر به إلا من خلاله
شيء أكثر دفئاً
أمناً
إن الصور حولها تنقصها ريشة من لون رعايته وحبه , وصبغة من حنانه
لكن
[ كل سنة وأنتِ طيبة يا حبي ... ]
طالعتها صورته وصوته الآتي من الميكروفون مبتسماً مرحاً كعادته
وبقبلة حارة الألوان قالت ضاحكة :
[ وأنت طيب يا حبيبي ... ربنا يخليك لية ... ]
[ ويخليكي لينا ... ]
وفي لحظة
ورغم أن الصوت عبر الميكروفون
والصورة إلكترونية
والبسمة مرسومة
إلا أنها وجدت لون اللحظات تبدل
وفرحة غامرة أضحت بها كعروس ليلة زفافها
وها هي لمحة من رعايته وحبه
وصبغة من حنانه
وها هو ذا الأمل يعود باسماً
كطفل تحبو مع خطوه الساعات والأيام
وفي توسل , التمست من الصبر الرفق بالقلوب العاشقة
كل القلوب العاشقة .
*****************************************
* من خاطرة / وجهك المبتسم للأستاذة – سامية أبو زيد
والقصة إهداء مني إليها