مشاهدة النسخة كاملة : من ليـالـي الأُنـس
عطاف سالم
15-01-2008, 03:50 PM
((من ليـــالي الأُنــس ))
ماسأنشره هنا أجمل وأبلغ , وأجل وأبهى , وأنقى وأزكى من ألف ليلة وليلة
ستعيشون معي ........ ومعه
ليالي من الأنس والمتعة
سأطلعكم كل ليلة
على ليلة !!
فانتظروني
........ وانتظروه معي
شقائق الـ نعمان
15-01-2008, 05:33 PM
..
..
شهرزاد الـ ليالي
سـ أنتظرك كل ليلة وبـِ كثيرٍ من شوق
..
.
د.محمد إياد العكاري
15-01-2008, 06:50 PM
آهٍ وألف آهٍ أيتها المتلألئة في فضاءات ليل الإبداع
كم تنيرين من ليالٍ بألق أدبك ،
وكم تجعلينها مضيئةً بسناء نبضك
وبروق أدبك لننتظر بعد ها الهطول والغيث
ننتظرالإضاءات إلا الابتلال في ليالي القر:eek:
وسأنتظر ماحييت
تقديري وإكباري والسلام
عطاف سالم
16-01-2008, 03:46 PM
..
..
شهرزاد الـ ليالي
سـ أنتظرك كل ليلة وبـِ كثيرٍ من شوق
..
.
وياشقائق النعمان أنت ...
أمتأكدة أنت أنك غيرها ؟؟!!
أظن أن ماتنثرينه من جمال في الأروقة يجعلني أشك أنك غيرها
بل أنت حقا وفعلا شقائق النعمان ................................
فيا زهرة الود والجمال لك الود كله.............. وزياده !
عطاف سالم
16-01-2008, 03:51 PM
آهٍ وألف آهٍ أيتها المتلألئة في فضاءات ليل الإبداع
كم تنيرين من ليالٍ بألق أدبك ،
وكم تجعلينها مضيئةً بسناء نبضك
وبروق أدبك لننتظر بعد ها الهطول والغيث
ننتظرالإضاءات إلا الابتلال في ليالي القر:eek:
وسأنتظر ماحييت
تقديري وإكباري والسلام
ويا أيها العكاري العظيم حضوره , البهي طلوله ووقع حروفه
أولستَ شمس الأروقة أنت بشعاع نبلك وتألق حرفك وبديع طبعك ؟!
وأنا هنا بالكاد شيءٌ من خيوط الشمس ..
اطمئن لن يكون هناك إبتلال إلا بالضوء الذي تعرفه..
ضوء لغتنا الساطعة البهية الناضرة ..
لك التحية كلها وبك -كعادتي التي تتجدد - اعتزازي وافتخاري .
عطاف سالم
21-01-2008, 02:48 AM
تعالوا الليلة للتعرف على سميري في الليالي الآتية
إليكم هنا ..................على هذا الرابط
مرحباً بكم (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%A8%D9%88_%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D8%A7 %D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF%D9%8A)
أظنكم عرفتموه الآن !!
سنقضي معه أنا وأنتم كل يوم ليلة من ليالي الأنس
تقبلوا محبتنا معاً
محمد إبراهيم الحريري
21-01-2008, 10:36 AM
مازادني الانتظار إلا شرودا مع السمر ، به خلعت على الليل عيون الأنس ، وتنسمت عبر كليمات النور عطر البيان .
حالة من اللاشعور تطفو على سطح الذهن فتجعله يهيم فضاء في ملكوت الخيال .
جناحان على محطتين من الانتظار يخفقان ولعل الليل يوظف النجوم في مسيرة اللقاء .
أحييك أيتها المبدعة ، وتقبلي شكري ، وغابة من تحايا سأجمع منها وريقات النور لك
عطاف سالم
22-01-2008, 02:18 AM
مازادني الانتظار إلا شرودا مع السمر ، به خلعت على الليل عيون الأنس ، وتنسمت عبر كليمات النور عطر البيان .
حالة من اللاشعور تطفو على سطح الذهن فتجعله يهيم فضاء في ملكوت الخيال .
جناحان على محطتين من الانتظار يخفقان ولعل الليل يوظف النجوم في مسيرة اللقاء .
أحييك أيتها المبدعة ، وتقبلي شكري ، وغابة من تحايا سأجمع منها وريقات النور لك
لله در حرفك المحلق روعة عندما يكتب أو يعلق أو يرد أو..........!
شرفٌ كبير أن تمن علي ببعض جماله وبهائه , أتنسم منه بليغ القول وحسن الرد !
أشكرك أيها الحريري الباذخ .
إن لبعض الشخوص أوفر الحظ والنصيب من أسمائها حقا ..!
بوركت أخي الفاضل وبارك لك في قلبك وبيانك المعبر الفصيح
كل التحايا دائمة تقبلها لاتنضب أبدا , ولا تجف
يرعاك الله
عطاف سالم
22-01-2008, 02:26 AM
رحمك الله يا أبا حيان التوحيدي , وجزاكَ الله عن اللغة الكريمة والدين القويم خير الجزاء وأكمله وأجله وأوفاه ......
قبل أن أنثر بين يديكم الليلة الأولى وجدتُ أنه من باب الولاء والوفاء لهذا العَلَم أن أنشر مقدمة كتابه " الإمتاع والمؤانسة " فلمقدمات الكتب أسرارٌ تشي بالبيان وبليغ العبارة وتُفصح عن روح صاحبها أيما إفصاح ......................
فهيا بنا إليها تلك الجميلة
.................................................. .....................................
(( بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو حيان التوحيدي: نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه وعلى آله الطاهرين.
أما بعد، فإني أقول منبهاً لنفسي، ولمن كان من أبناء جنسي: من لم يطع ناصحه بقبول ما يسمع منه، ولم يملك صديقه كله فيما يمثله له، ولم ينقد لبيانه فيما يريغه إليه ويطلعه عليه؛ ولم ير أن عقل العالم الرشيد، فوق عقل المتعلم البليد؛ وأن رأى المجرب البصير، مقدمٌ على رأي الغمر الغرير فقد خسر حظه في العاجل، ولعله أيضاً يخسر حظه في الآجل؛ فإن مصالح الدنيا معقودةٌ بمراشد الآخرة، وكليات الحس في هذا العالم، في مقابلة موجودات العقل في ذلك العالم؛ وظاهر ما يرى بالعيان مفضٍ إلى باطن ما يصدق عنه الخبر؛ وبالجملة، الداران متفقتان في الخير المغتبط به، والشر المندوم عليه؛ وإنما يختلفان بالعمل المتقدم في إحداهما، والجزاء المتأخر في الأخرى؛ وأنا أعوذ بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم الماجد أن أجهل حظي، وأعمى عن رشدي، وألقي بيدي إلى التهلكة، وأتجانف إلى ما يسوءني أولاً ولا يسرني آخراً؛ هذا وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما سلف من أيامه، في حالي سفره ومقامه؛ وفقره وغنائه، وشدته ورخائه، وسارئه وضرائه، وخيفته ورجائه؛ فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه؛ فإلى الله أفزع من كل ريثٍ وعجل وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل، وإياه أستعين في كل قول وعمل.
قد فهمت أيها الشيخ - حفظ الله روحك، ووكل السلامة بك، وأفرغ الكرامة عليك، وعصب كل خير بحالك، وحشد كل نعمةٍ في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة - من أبناء الرجاء والأمل - بعنايتك، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم، ولا ثنى طرفك عن الرقة لهم، ولا زهدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم، ولا رغب بك عن قبول حقهم لبعض باطلهم، ولا ثقل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم، وإنالة مستحقهم وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم، من بشرٍ تبديه، وجاهٍ تبذله، ووعدٍ تقدمه، وضمانٍ تؤكده، وهشاشةٍ تمزجها ببشاشة، وتبسمٍ تخلطه بفكاهة فإن هذه كلها زكاة المروءة، ورباط النعمة، وشهادةٌ بالمحتد الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود، والعادة المرضية؛ وهي مؤذنةٌ بأن المنحة راهنة، والموهبة قاطنة، والشكر مكسوب، والأجر مذخور، ورضوان الله واقع؛ وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك، ولا يزل قدمي في خدمتك ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك، بمنه ولطفه.
فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهماً بليغاً، ووعيته وعياً تاماً؛ وبان لي الرشد في جملته وتفصيله، والصلاح في طرفيه ووسطه، والغنيمة في ظاهره وباطنه، والشفقة من أوله إلى آخره. وأنا أعيده ههنا بالقلم، وأرسمه بالخط وأقيده باللفظ، حتى يكون اعترافي به أرسى واثبت، وشهادتي على نفسي أقوى وأوكد، ونكولي عنه أبعد وأصعب، وحكمك به لي وعلي أمضى وأنفذ.
قلت لي - أدام الله تعالى توفيقك في كل قولٍ وفعل، وفي كل رأيٍ ونظر - : إنك تعلم يا أبا حيان أنك انكفأت من الري إلى بغداد في آخر سنة سبعين بعد فوت مأمولك من ذي الكفايتين - نضر الله وجهه - عابساً على ابن عباد مغيظاً منه، مقروح الكبد، لما نالك به من الحرمان المر، والصد القبيح، واللقاء الكريه، والجفاء الفاحش، والقدع المؤلم والمعاملة السيئة، والتغافل عن الثواب على الخدمة، وحبس الأجرة على النسخ والوراقة، والتهجم المتوالي عند كل لحظةٍ ولفظة )) .
عطاف سالم
23-01-2008, 02:24 AM
الليلة الأولى
وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بالعصمة والتوفيق أزره - فأمرني بالجلوس، وبسط لي وجهه الذي ما اعتراه منذ خلق العبوس؛ ولطف كلامه الذي ما تبدل منذ كان لا في الهزل ولا في الجد، ولا في الغضب ولا في الرضا.
ثم قال بلسانه الذليق، ولفظه الأنيق: قد سألت عنك مراتٍ شيخنا أبا الوفاء، فذكر أنك مراعٍ لأمر البيمارستان من جهته، وأنا أربأ بك عن ذلك، ولعلي أعرضك لشيء أنبه من هذا وأجدى، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس، ولأتعرف منك أشياء كثيرةً مختلفة تردد في نفسي على مر الزمان، لا أحصيها لك في هذا الوقت، لكني أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض، فأجبني عن ذلك كله باسترسال وسكون بال؛ بملء فيك، وجم خاطرك، وحاضر علمك؛ ودع عنك تفنن البغداديين مع عفو لفظك، وزائد رأيك، وربح ذهنك؛ ولا تجبن جبن الضعفاء، ولا تتأطر تأطر الأغبياء؛ واجزم إذا قلت، وبالغ إذا وصفت؛ واصدق إذا أسندت، وافصل إذا حكمت، إلا إذا عرض لك ما يوجب توقفاً أو تهادياً؛ وما أحسن ما قال الأول:
لا تقدح الظنة في حكمه ... شيمته عدلٌ وإنصاف
يمضي إذا لم تلقه شبهةٌ ... وفي اعتراض الشك وقاف
وقد قال الأول:
أبالي البلاء وإني امرؤٌ ... إذا ما تبينت لم أرتب
وكن على بصيرة أني سأستدل مما أسمعه منك في جوابك عما أسألك عنه على صدقك وخلافه، وعلى تحريفك وقرافه.
فقلت قبل: كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد مني فإني إن منعته نكلت، وإن نكلت قل إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد، وقد طمعت بالنفاق وانقلبت بالخيبة، وقد عقدت خنصري على المسألة. فقال - حرس الله روحه - : قل - عافاك الله - ما بدا لك، فأنت مجاب إليه ما دمت ضامناً لبلوغ إرادتنا منك، وإصابة غرضنا بك.
عطاف سالم
23-01-2008, 11:24 PM
الليلة الثانية
ثم حضرت ليلة أخرى، فقال: أول ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقي كيف كان كلامه فينا، وكيف كان رضاه عنا ورجاؤه بنا، فقد بلغني أنك جاره ومعاشره، ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره، وحافظ غاية خبره.
فقلت: والله أيها الوزير، ما أعرف اليوم ببغداد - وهي الرقعة الفسيحة الجامعة، والعرصة العريضة الغاصة - إنساناً أشكر لك، وأحسن ثناءً عليك، وأذهب في طريق العبودية معك، منه؛ ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء الصالح، رفعه الله إليه، والثناء الطيب أشاعه الله؛ وقد عمل رسالةً في وصفك ذكر فيها ما آتاك الله وفضلك به من شرف أعراقك، وكرم أخلاقك وعلو همتك، وصدق حدسك وصواب رأيك، وبركة نظرك، وظهور غنائك، وخصب فنائك، ومحبة أوليائك، وكمد أعدائك، وصباحة وجهك، وفصاحة لسانك، ونبل حسبك، وطهارة غيبك، ويمن نقيبتك، ومحمود شيمتك، ودقيق ما أودع الله فيك، وجليل ما نشر الله عنك، وغريب ما يرى منك، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العلية، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده - إن شاء الله - وكان هذا منه قياماً بالواجب، فإنك نعشت روحه وكان خفت، وبصرته وكان عشي؛ وأنبت جناحه وكان قد حص، بالرسم الذي وصل إليه لأنه كن قنط منه وهو قنوطٌ، وسمعته مراراً: من يذكرني وقد مضى الملك - رضوان الله عليه - ومن يخلفه في مصلحتي، ويجري على عادته معي؟ ومن يسأل عني، ويهتم بحالي؟ هيهات، فقد والله بالأمس من يطول تلفتنا إليه ويدوم تلهفنا عليه إن الزمان بمثله لبخيل كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال، وملقتى القفال، ومحقق الأقوال والأفعال، ومجرى لجم الأحوال على غاية الكمال؛ كان والله فوق المتمنى، وأعلى من أن يلحق به نظير، أو يوجد له مماثل؛ لذته لمحٌ في تهذيب الأمور، وهواه وقفٌ على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير؛ ولولا أن عمر الفتى الأريحي قصير، لكنا لا نبتلى بفقده، ولا نتحرق على فوت ما كان لنا بحياته؛ الدنيا ظلوم، والإنسان فيها مظلوم.
فلما وصل إليه ذلك الرسم - وهو مائة دينار - وحاجته ماسة إلى رغيف، وحوله وقوته قد عجزا عن أجرة مسكنه، وعن وجه غدائه وعشائه عاش.
ومما زاد في حديث الرسم أنه وصل إليه مع العذر الجميل، والوعد العريض الطويل؛ ولو رأيته وهو يترفل ويتحنك لعجبت. فقال: سررتني لسروره بما كان مني، وإن عشت كففت الزمان عن ضيمه، وفللت عنه حد نابه، ولولا الضمانة مانعةٌ عن نفسه، وتمنع معها بنفسه؛ لغشي هذا المجلس فيكم فاستأنس وآنس، ولكنه على حال لا محتمل له عليها، ولا صبر عليه معها؛ أتحفظ ما قال البديهي فيه؟ قلت: نعم، قال: أنشدنيه، فرويت:
أبو سليمان عالمٌ فطن ... ما هو في علم بمنتقص
عطاف سالم
25-01-2008, 05:35 AM
الليلة الثالثة
قال لي ليلة أخرى: حدثني أبو الوفاء عنك حديث الخراساني، فأريد أن أسمعه منك. قال: كنت قائماً علشية على زنبرية الجسر في الجانب الشرقي والحاج يدخلون، وجمالهم قد سدت عرض الجسر - أنتظر جوازها وخفة الطريق منها، فرأيت شيخاً من أهل خراسان ذكر لي أنه من أهل سنجان واقفاً خلف الجمال يسوقها، ويحفظ الرحال التي عليها، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى الجذع عليه ابن بقية - وكان وزيراً صلبه الملك لذنوب كانت له - فقال: لا إله إلا الله، ما أعجب أمور الدنيا وما أقل المفكر في عبرها وغيرها، عضد الدولة تحت الأرض وعدوه فوق الأرض!.
قال: هكذا حدثني أبو الوفاء، ولذلك استأذنت في دفنه، وكان كلام الشيخ سبباً في ذلك.
*****
إذا كنت يوماً طالب القوم فاطرح ... مقالتهم واذهب بهم كل مذهب
وقارب بذي حلم وباعد بجاهل ... جلوب عليك الشر من كل مجلب
فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ... ليستمسكوا مما يريدون فاحدب
وإن حلبوا خلقين فاحلب ثلاثة ... وإن ركبوا يوماً لك الشر فاركب
وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد - وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء والزكانة - لو أخذت من الناس مائة ألف، كان أرضى عني من أن أفرق فيهم مائة ألف. كان الناس بالأمس مزمومين مخطومين، يقوم كل واحد بنفسه على نفسه، ويتهم غده لما جناه في أمسه؛ لأن الملك السعيد ساسهم، وقوم زيغهم، وقلم أظافرهم؛ وشغلهم بالحاجة عن البطر والأشر، وبالكفاية عن القلق والضجر؛ وتقدم إليهم بترك الخوض فيما لا مرجوع له بخير؛ وكانوا لا يشكرون الله على نعمته عليهم به، وإحسانه إليهم بمكانه، فسلبوه فتنفس خناقهم، واتسع نطاقهم، فامتطى كل واحد هواه، ويوشك أن يقع في مهواه.
قال: وههنا أشياء أخرى غير هذه، ولكن من يسمع ويقبل؟ ومع هذا فالأمور صائرةٌ إلى مصايرها، كما أنها صادرة عن مصادرها.
فقال له ابن جبلة: ما عندي إلا أن الوزير - أبقاه الله - عارفٌ بهم ومستبطن لأمرهم؛ مع العشرة القديمة، والملابسة المتصلة، والخبرة الواقعة؛ ولكن لابد لمن كان في محله ورقعته من جماعةٍ يقربهم، ويرجع إليهم ويسمع منهم، وينظر بأعينهم، ويصغي بآذانهم، ويتناول بأيديهم. فقال له مجاوباً: إن كان عارفاً بهم، ومستبطناً لأمرهم، وخبيراً بشأنهم؛ فلم سلطهم وبسطهم، وحدد أنيابهم، وقوى أسنانهم، وفتح أشداقهم، وطول أعناقهم، وقطع أرباقهم؛ وأبطرهم فأسكرهم، حتى صاروا يجهلون أقدارهم، وينسون ما كانوا فيه من القلة والذلة؟ هلا رتب كل واحد منهم فيما تظهر به كفايته ولا يرفعه إلى ما يظن معه الظن الفاسد، ولم يضحك في وجوههم، ويغضي على جنايتهم؟ أما بلغه أن ابن يوسف قال: تشبثه بابن شاهويه لأنه قد أعده للهرب إلى القرامطة إن دهمه أمر؟ وأنسه ببهرام إنما هو لاستمداد الفساد منه وتقديمه لابن الحجاج للسخف، ولهجه بابن هرون للهزء واللعب.
قال له ابن جبلة: من أراد أن يحسن القبيح عند رضاه، ويقبح الحسن عند سخطه فعل، ولا يخلو أحد تهب ريحه، ويعلو شأنه، وينفذ أمره ونهيه من حاسد وقارف، ومدخل ومرجف، على هذه الأمور بنيت الدار، وعليها جرت الأقدار، إن كنت تنكر هذا الرهط، فاعرف له الرهط الآخر؛ فإنك تعرف بذلك حسن اختياره وجميل انتقائه ومحمود رأيه.
قال: من هم؟. قال: أبو الوفاء المهندس، وابن زرعة المتفلسف، وابن عبيد الكاتب، ومسكويه، والأهوازي والعسجدي فأين هؤلاء الغامطة؟ قومٌ همهم أن يأكلوا رغيفاً ويشربوا قدحاً، لا هم ممن يقتبس من علمهم ولا هم يتكلفون له نصحاً، وهيبته تعوقهم عن ذكر شيء في الدولة من تلقائهم إلا أن يكون شيء يتعلق بهم على معنى خاص؛ فهو ينود هكذا وهكذا حتى يبلغ منهم ما قدر عليه.
فلما سمع الوزير هذا كله قال: سألقي إليك في جواب هذه المسألة ما تخدمني به إن لاقيتهم في مجلس آخر على وجه يخفي أنك له ملقن محمل كأنك ساهٍ عنه غير حافل به؛ وقد تقطع الليل، ويحتاج في هذا الحديث إلى استئناف زمان، بعد استيفاء حمام؛ ثم أنشدت قول الشاعر:
إني لأصفح عن قومي وألبسهم ... على الضغائن حتى تبرأ المثر
ثم قال: ما المئر؟ قلت: هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت، واحدها مئرةٌ، كأنه أراد وألبسهم على الضغائن حتى تبرأ الضغائن فرجع من لفظ إلى لفظ ضرورة القافية لما كان معناهما واحداً؛ قال: لمن هذا البيت؟ قلت: لا أحفظ اسم شاعره، ولكن أحفظ معه أبياتاً. قال: هاتها؛ فأنشدت أول ذلك:
يا أيها الرجل المزجى أذيته ... هل أنت عن قولك العوراء مزدجر
إني إذا عد مبطاءٌ إلى أمد ... لا يستطيع حضاري المقرف البطر
لاقى قناتي مصراراً عشوزنةً ... لا قادح قد تبغاها ولا خور
إني لأصفح عن قومي وألبسهم ... على الضغائن حتى تبرأ المئر
قال: اكتبها. قلت: أفعل، وانصرفت، فما أعاد علي بعد ذلك شيئاً مما كان.
عطاف سالم
26-01-2008, 01:36 AM
الليلة الرابعة
وقال أحمد بن محمد: إذا أنصفنا التزمنا مزية العراقيين علينا بالطبع اللطيف والمأخذ القريب، والسجع الملائم، واللفظ المونق، والتأليف الحلو، والسبوطة الغالبة، والموالاة المقبولة في السمع، الخالبة للقلب العابثة بالروح، الزائدة في العقل، المشعلة للقريحة، الموقوفة على فضل الأدب، الدالة على غزارة المغترف، النائية عن عادة كثير من السلف والخلف؛ وابن عباد بلي في هذه الصناعة بأشياء كلها عليه لا له، وخاذلته لا ناصرته، ومسلمته لا منقذته؛ فأول ما بلي به أنه فقد الطبع، وهو العمود؛ والثاني العادة وهي المؤاتية؛ والثالث الشغف الجاسي من اللفظ وهو الاختيار الرديء؛ والرابع تتبع الوحشي، وهو الضلال المبين؛ والخامس الذهاب مع اللفظ دون المعنى؛ والسادس استكراه المقصود من المعنى، واللفظ على النبوة؛ والسابع التعاظل المجهول بالاعتراض؛ والثامن إلف الرسوم الفاسدة من غير تصفح ولا فحص؛ والتاسع قلة الاتعاظ بما كان - للثقة الواقعة في النفس - من الفائت، والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العز، وهذه كلها سبل الضلالة، وطرق الجهالة. قال: وليس شيء أنفع للمنشىء من سوء الظن بنفسه، والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تثقيف، والمستعين أحزم من المستبد، ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص، وقد يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ، ويشرد اللفظ كما يند المعنى، وينتثر النظم كما ينتظم النثر وينحل المعقد كما يعقد المنحل.
والمدار على اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع، واجتناب النبوة الممجوجة بالسمع؛ والقريحة الصافية قد تكدر، والقريحة الكدرة قد تصفو، وشر آفات البلاغة الاستكراه، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو. وقال: كان ابن المقفع يقف قلمه كثيراً؛ فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لأتخيره.
والكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب، لأن الكاتب مختار والمخاطب مضطر؛ ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنما ينظر أصبت فيه أم أخطأت، وأحسنت أم أسأت؛ فإبطاؤك غير إصابتك كما أن إسراعك غير معفٍ على غلطك.
قال: هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا؟ قلت: في الجملة هو أبلغ من ابن يوسف، وأغزر وأحفظ وأروى وأجم ركية، وأعذب مورداً، وأبعد من التفاوت؛ وليس ابن يوسف من ابن عباد في شيء.
فأما ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل يقول: سمعت ابن ثوابة يقول: أول من أفسد الكلام أبو الفضل، لأنه تخيل مذهب الجاحظ وظن أنه إن تبعه لحقه، وإن تلاه أدركه، فوقع بعيداً من الجاحظ، قريباً من نفسه؛ ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد: بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ؛ وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد.
وأما ابنه ذو الكفايتين، فلو عاش كان أبلغ من أبيه، كما كان أشعر منه؛ ولقد تشبه بالجاحظ فافتضح في مكاتبته لإخوانه، ومجانته في كلامه ومسائله لمعلمه التي دلتنا على سرقته وغارته وسوء تأتيه، في تستره وتغطيه؛ ومن شاء حمق نفسه؛ وكان مع هذا أشد الناس ادعاء لكل غريبة، وأبعد الناس من كل قريبة؛ وهو نزر المعاني، شديد الكلف باللفظ؛ وكان أحسد الناس لمن خط بالقلم، أو بلغ باللسان، أو فلج في المناظرة، أو فكه بالنادرة، أو أغرب في جواب، أو اتسع في خطاب؛ ولقد لقي الناس منه الدواهي لهذه الأخلاق الخبيثة؛ وقد ذكرت ذلك في الرسالة، وإذا بيضت وقفت عليها من أولها إلى آخرها إن شاء الله؛ وانصرفت.
عطاف سالم
27-01-2008, 12:11 AM
الليلة الخامسة
قال لي ليلة أخرى: ألا تتمم ما كنا به بدأنا. قلت: بلى.
قأما أبو إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقمية، وأمضاهم على المحجة الوسطى، وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو؛ وليس ابن عباد في النحو بذاك؛ ولا كان أيضاً ابن العميد إلا ضعيفاً؛ وكان يذهب عنه الشيء اليسير. وأبو إسحاق معانيه فلسفية، وطباعه عراقية، وعادته محمودة؛ لا يثب ولا يرسب، ولا يكل ولا يكهم، ولا يلتفت وهو متوجه، ولا يتوجه وهو ملتفت. وقال لنا: إمام ابن عبدكان، وهو قد أوفى عليه، وإن كان احتذى على مثاله؛ وفنونه أكثر، ومأخذه أخفى، وخاطره أوقد، وناظره أنقد، وروضه أنضر، وسراجه أزهر، ويزيد على كل من تقدم بالكتاب التاجي، فإنها أبان عن أمور وكنى في مواضع، وشن الغارة في الصبح المنير مع الرعيل الأول، ودل على التفلسف، وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في الخطابة، وأعرق الكتاب في الكتابة، هذا ونظمه منثوره، ومنثوره منظومه؛ إنما هو ذهبٌ إبريزٌ كيفما سبك فهو واحد، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكل عليه؛ هذا مع الظرف الناصع والتواضع الحسن، واللهجة اللطيفة، والخلق الدمث، والمعرفة بالزمان، والخبرة بأصناف الناس؛ وله فنونٌ من الكلام ما سبقه إليها أحد، وما ماثله فيها إنسان. وإني لأرحم من لا يسلم له هذا الوصف، لأنه إما أن يكون جاهلاً، وإما عالماً فإن كان جاهلاً فهو معذور، وإن كان عالماً فهو ملوم، لأنه يدل من نفسه - بدافع ما يعلمه - على حسده، والحاسد مهين.
قال: هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم، ويدخل في زمرتهم؟ قلت: نعم، أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ملك الديلم بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل، فحسده وطرده، وعض بعد ذلك على ناجذه ندماً على سوء فعله، ولقي منه ابن ببأأبي طالب الأمرين؛ ورسائله مبثوثة.
وأبو الحسن الفلكي، وكان من أهل البصرة، ووقع إلى المراغة ونواحيها وهو حسن الديباجة، رقيق حواشي اللفظ؛ وهو أحدهم غرباً، وأغزرهم سكباً، وأبعدهم مناحاً وأعذبهم نقاخاً، وأعطفهم للأول على الآخر وأنشرهم للباطن من الظاهر. وقرأت له: فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطف، إلى نادم متلهف؛ ويجعل العفو عن فرطته وكفرانه، صدقةً عن بسطته وسلطانه؛ فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار؛ فعل - إن شاء الله تعالى - .
وله مكاتبات واسعة بينه وبين رجل من أهل المراغة يقال له: محمد بن إبراهيم، من أهل سر من رأى وفي الجملة، الفضل في الناس مبثوث، وهم منه على جدود؛ والمرذول هو العاري من لبوسه، المتردد بين تخلفه ونقصه.
قال: فكيف يتم له ما هو فيه مع هذه الصفات التي تذكرها؟ قلت: والله لو أن عجوزاً بلهاء، أو أمةً ورهاء أقيمت مقامه، لكانت الأمور على هذا السياق. قال: وكيف ذاك؟ قلت: قد أمن أن يقال له: لم فعلت، ولم لم تفعل؟ وهذا باب لا يتفق لأحدٍ من خدم الملوك إلا بجد سعيد، ولقد نصح صاحبه الهروي في أموال تاوية، وأمورٍ من النظر عارية؛ فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها، ثم قتل الراقع خنقاً. هذا وهو يدين بالوعيد، وله نظائر، ولنظائره نظائر، ولكن ليس له ناظر، ولا فيه مناظر. وقال لي الثقة من أصحابه: ربما شرع في أمر يحكم فيه بالخطأ فيلقبه جده صواباً، حتى كأنه عن وحي؛ وأسرار الله في خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفيةٌ في أستار الغيب، لا يهتدي إليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي مهذب؛ ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضية العقل، لكان معلماً في مصطبة على شاعر، أو في دار؛ فإنه يخرج الإنسان بتفيهقه وتشادقه، واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان ولا تنفرهم من المعلمين، ويكون فرحهم بها سبباً للملازمة والحرص على التعلم والحفظ والرواية والدراسة.
قال: هذا قدرٌ كافٍ إلى أن تبيض الرسالة؛ هات ملحة الوداع. قلت: قال أبو العيناء: قال أبو دعلج: قال المهدي: بايع؛ قلت: أبايعكم علام؟ قال: على ما بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صفين. قال كريز أبو سيار المسمعي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدرك صفين، إنما كانت صفين بين علي ومعاوية. فقال دوست بن رباط الفقيمي أبو شعيب: قد علم الأمير هذا، ولكن أحب التسهيل على الناس، وانصرفت.
عطاف سالم
29-01-2008, 10:51 PM
الليلة السادسة
قال أبو الحسن الأنصاري - وكان حاضراً - الهند أوضح عذراً في هذا الحديث لأنهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة، ولم ينسبوا إلى الله شيئاً منه، ولا استجازوا الكذب عليه، ولا علقوه أيضاً على نبي من عند الله، بل رأوه صواباً بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل بالمران والعادة. وبعد؛ فعقولهم مدخولة، والبارع منهم قليل، وهم إلى الإفك والوهم والسحر أميل، وفي أبوابها أدخل؛ ثم قال أبو الحسن: انظر إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ضعف عقول الفرس في قبولهم منه هذا الفعل، وخير بينها وبين عقول العرب، فإنهم قالوا: اغتربوا لا تضووا.
واستفاض هذا منهم حتى سمع من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن الضوى مكروه؛ والعرب قالت هذا بالإلهام، لقرائحهم الصافية، وأذهانهم الواقدة، وطينتهم الحرة، وأعراقهم الكريمة، وعاداتهم السليمة: وإنما شعروا بهذا لأن الضوى الواصل إلى الأبدان هو سارٍ في العقول، ولكن الفرس عن هذا السر غافلون، ولا يفطن لهذا وأمثاله إلا الألمعيون الأحوذيون؛ ثم قال: أنشد الأصمعي عن العرب قول قائلهم في مدح صاحب له:
فتىً لم تلده بنت عمٍ قريبةٌ ... فيضوى وقد يضوى رديد الأقارب
قال: وقالت العرب: أضواه حقه: إذا نقصه. قال: وقال آخر لولده: والله لقد كفيتك الضؤولة، واخترت لك الخؤولة.
وقال أيضاً: العرب تقول: ليس أضوى من القرائب، ولا أنجب من الغرائب. وقال الشاعر:
أنذرت من كان بعيد الهم ... تزويج أولاد بنات العم
ليس بناجٍ من ضوى أو سقم ... وأنت إن أطعمته لا ينمى
وقال الأسدي يفتخر:
ولست بضاويٍ تموج عظامه ... ولادته في خالد بعد خالد
تردد حتى عمه خال أمه ... إلى نسب أدنى من السر واحد
ثم قال: والعرب لم ترد بهذا إلا نقص الذهن والعقل، لأنها لو أرادت نقصان الجسم لكانت مخطئة، لأنهم يريدون سمانة الجسم مع السلامة والصلابة.
ثم قال: وعلى هذا طباع الأرض، ولذلك يقال: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض، لأن الرياح إذا اختلفت حولت تراب أرضٍ إلى أرض، وإذا كان الاغتراب يؤثر من التراب إلى التراب، فبالحري أن يؤثر الإنسان في الإنسان بالاغتراب، لأن الإنسان أيضاً من التراب.
قال أبو حامد: فما ظنك بقوم يجهلون آثار الطبيعة، وأسرار الشريعة؟ ما أذلهم الله باطلاً، ولا سلبهم ملكهم ظالماً، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلا جزاءً على سيرتهم القبيحة، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة، وما الله بظلام للعبيد.
فلما بلغ القول مداه قال: لله در هذا النفس الطويل والنفث الغزير! لقد كنت قرماً إلى هذا النوع من الكلام، ففرغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر فيه، وأشرب النفس حلاوته، وأستنتج العقيم منه؛ فإن الكلام إذا مر بالسمع حلق، وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسف؛ والمحلق بعيد المنال، والمسف حاضر العين، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكر منه الشيء بعد الشي بالوهم الذي لا انعقاد له، والخيال الذي لا معرج عليه. فقلت: أفعل سامعاً مطيعاً - إن شاء الله - .
سحر الليالي
31-01-2008, 03:18 AM
الغ ــالية "عطاف"
لله ما أجمل مجالس حرفك ..!!
إني هنا من المتابع ــين والماكثين...
تابعي ...
لك حبي وتراتيل ورد
عطاف سالم
31-01-2008, 04:48 AM
الليلة السابعة
ولما عدت إليه في مجلس آخر، قال: سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن عبيد، ففيم كنتما؟ قلت: كان يذكر أن كتابه الحساب أنفع وأفضل وأعلق بالملك، والسلطان إليه أحوج، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء والتحرير، فإذا الكتابة الأولى جد، والأخرى هزل؛ ألا ترى أن التشادق والتفهيق والكذب والخداع فيها أكثر؛ وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك والتفصيل. قال: وبعد هذا فتلك صناعةٌ معروفة بالمبدأ، موصولةٌ بالغاية، حاضرة الجدوى، سريعة المنفعة؛ والبلاغة زخرفة وحيلة، وهي شبيهة بالسراب، كما أن الأخرى شبيهة بالماء. قال: ومن خساسة البلاغة أن أصحابها يسترقعون ويستحمقون؛ وكان الكتاب قديماً في دور الخلفاء ومجالس الوزراء يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين، وحماقة المعلمين، وركاكة النحويين، والمنشىء والمعلم والنحوي إخوة وإن كانوا لعلات؛ والآفة تشملهم والعادة تجمعهم، والنقص يغمرهم، وإن اختلفت منازلهم، وتباينت أحوالهم.
وأما قولك: من عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف وأفهم غيره فقد كفى فكيف يصح هذا الحكم ويقبل هذا الرأي؟ والكلام يتغير المراد فيه باختلاف الإعراب، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء، وكما يتغير المفهوم باختلاف الأفعال؛ وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف؛ ولقد قال رجل بالري كان نبيلاً في حاله جليلاً في مرتبته عظيماً عند نفسه: اقعد حتى تتغذى بنا. وهو يريد: حتى نتغذى معنا؛ فانظر إلى هذا المحال الذي ركبه بلفظه وإلى المراد الذي جانبه بجهله؛ ولهذا نظائر غير خافية عليك ولا ساقطةٍ دونك وكفى بالبلاغة شرفاً أنك لم تستطع تهجينها إلا بالبلاغة، ولم تهتد إلى الكلام عليها إلا بوتها؛ فانظر كيف وجدت في استقلالها بنفسها ما يقلها ويقل غيرها؛ وهذا أمر بديع وشأنٌ عجيب.
وأما قولك: ومن آفاتها أن أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب فهذا ما لا يستحق الجواب، وما يضر الشمس نباح الكلاب؛ وصيانة اللسان عن هذا النوع أحسن؛ قال الله تعالى: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " ؛ وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لو كان المرء أقوم من قدحٍ لوجد له غامر. وآل ابن وهب وابن ثوابة كانوا أنبل وأفضل وأعقل من أن يظن بهم ما لا يظن بخساس العبيد وسفهاء الناس وداصة الرعية وسفلة العامة؛ على أنا ما سمعنا هذا إلا في مجلس ابن عباد، منه وممن كان يخبط في هواه، ويتحرى بمثل هذه الأحاديث رضاه؛ وحسده لهم في صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم؛ فالعجب أنه يظن أن كذبه إلى غيره ينفي الصدق عن نفسه؛ ولو نزه لسانه ومجلسه ومذهبه أبوته لكان أولى به وأزين له، ولكن النعمة والقدرة إذا عدمتا عقلاً سائساً وحزماً حارساً وديناً متيناً وطريقاً قويماً أوردتا ولم تصدرا وخذلتا ولم تنصرا؛ ونعوذ بالله من نعمة تحوز بلاءً، ومرحباً ببلاءٍ يورث يقظة ويكون تمحيصاً لما نقص من التقصير؛ ولكن من هذا الذي يشرب فلا يسكر ولا يثمل؟ ومن هذا الذي إذا سكر عقل؟ ومن هذا الذي إذا صحا لا يعتقب من رابه خماراً يصدع الرأس ويمكن الوسواس؟ فقال: هذه جملة قامعة لمن ادعى دعواه أو نحا منحاه؛ وأنى لك هذا؟ لم لا تداخل صاحب ديوان ولم ترضى لنفسك بهذا اللبوس؟ فقلت: أنا رجلٌ حب السلامة غالبٌ علي، والقناعة بالطفيف محبوبة عندي. فقال: كنيت عن الكسل بحب السلامة، وعن الفسولة بالرضا باليسير، قلت: إذا كنت لا أصل إلى السلامة إلا بالفسولة، ولا أتطعم الراحة إلا بالكسل، فمرحباً بهما.
فقال: لكل إنسان رأيٌ واختيار وعادة ومنشأ ومألوف وقرناء متى زحزح عنها قلق، ومتى أريغ على سواها فرق؛ أظن أنه قد نصف الليل. قلت: لعله. قال: في الدعة؛ قد خبأت لك مسألة، وسألقيها عليك بعدها - إن شاء الله تعالى - وانصرفت.
عطاف سالم
31-01-2008, 04:53 AM
الغ ــالية "عطاف"
لله ما أجمل مجالس حرفك ..!!
إني هنا من المتابع ــين والماكثين...
تابعي ...
لك حبي وتراتيل ورد
سحر الليالي
حبيبتي الغالية
أنتِ وربك من أسباب أنسي
كوني هنا فأنا معك وأسأل عنك
يحفظك لي ربي ويرعاك ياغالية
صدقاً أحبك
أنتِ بعض نبضي
دمت بألف خير وسلام دائما وأبدا
عطاف سالم
01-02-2008, 07:22 AM
الليلة الثامنة
وقال لي مرة أخرى: أوصل وهب بن يعيش الرقي اليهودي رسالةً يقول في عرضها بعد التقريظ الطويل العريض: إن هنا طريقاً في إدراك الفلسفة مذللةً مسلوكةً مختصرة فسيحة، ليس على سالكها كد ولا شق في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة؛ وإن أصحابنا طولوا وهولوا وطرحوا الشوك في الطريق، ومنعوا من الجواز عليه غشاً منهم وبخلاً ولؤم طباع وقلة نصح وإتعاباً للطالب وحسداً للراغب، وذلك أنهم اتخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشةً ومكسبة، ومأكلة ومشربة، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبين للحقيقة والمتصفحين لأثناء العالم وكلاماً هذا معناه، وإلى هذا يرجع مغزاه.
فكان من الجواب: قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب، وهو جاري، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين، وتقرب بها، ونفعته بالمسألة والتفقد له، فإنه شديد الفقر، ظاهر الخصاصة، لاصق بالدقعاء؛ وللذي قاله وادعاه، وقصده وانتحاه، وجه واضح وحجة ظاهرة؛ وللذي قاله أصحابنا - أعني مخالفيه - وجهٌ أيضاً وتأويل وللقولين أنصار وحماة، وحفظة ورعاة.
وأما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة، وهو يأكل الدنيا بالدين، ويغلب عليه اللواط، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة؛ ولقد تهتك بنيسابور قديماً، وببغداد حديثاً؛ هذا مع الفدامة والوخامة؛ ولقد ند بجعل غلام، وهو اليوم قاضي الري. وابن عباد يكنفه ويقربه ليكون داعية له ونائباً عنه، وليس له أصل وهو من سواد همذان، وأبوه كان فلاحاً، ولقد رأيته، إلا أنه يأتي لابن عباد في سمته ولزوم ناموسه حتى خف عليه، وهو اليوم قارون؛ وقد علت رتبته في الكلام حتى لا مزيد عليها، إلا أنه مع ذلك نغل الباطن، خبيث الخبء، قليل اليقين؛ وذلك أن الطريقة التي قد لزموها وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك والارتياب، لأن الدين لم يأت بكمٍ وكيفٍ في كل باب، ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصار الأثر، مزية على أصحاب الكلام وأهل النظر؛ والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر المحشو بالشك والريبة، ولم يأت الجدل بخير قط. وقد قيل: من طلب الدين بالكلام ألحد، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر. وما شاعت هذه الوصية جزافاً، بل بعد تجربة كررها الزمان، وتطاولت عليها الأيام؛ يتكلم أحدهم في مائة مسألة ويورد مائة حجة ثم لا ترى عنده خشوعاً ولا رقة، ولا تقوى ولا دمعة؛ وإن كثيراً من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجون ولا يناظرون ولا يكرمون ولا يفضلون خيرٌ من هذه الطائفة وألين جانباً، وأخشع قلباً، وأتقى لله عز وجل، وأذكر للمعاد، وأيقن بالثواب والعقاب، وأقلق من الهفوة، وألوذ بالله من صغير الذنب، وأرجع إلى الله بالتوبة؛ ولم أر متكلماً في مدة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه خوفاً، أو أقلع عن كبيرة رغبة؛ يتناظرون مستهزئين ويتحاسدون متعصبين، ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين؛ جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح العباد والبلاد منهم؛ فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفتهم على صغار الناس وكبارهم؛ ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضغضعاً، وساكنه متجعجعاً.
قال: فما تقول في ابن الباقلاني؟. قلت:
فما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
يزعم أنه ينصر السنة ويفحم المعتزلة وينشر الرواية؛ وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة. قال: والله إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن الغلاظ، والأمراض التي ليس لها علاج.
ثم قال: إن الليل قد ولى، والنعاس قد طرق العين عابثاً؛ والرأي أن نستجم لننشط، ونستريح لنتعب؛ وإذا حضرت في الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق والخلق - إن شاء الله - وأنا أزودك هذا الإعلام ليكون باعثاً لك على أخذ العتاد بعد اختماره في صدرك، وتحيل الحال به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن الضعفاء، ولكن قل واتسع مجاهراً بما عندك، منفقاً مما معك.
وانصرفت.
يُمنى سالم
01-02-2008, 03:57 PM
أستاذة عِطاف
مازلتِ قدوة جميلة لإنتقاء الحرف الراقي ومجالس الروعة والجمال
متابعة هنا وبشغف
محبتي
عطاف سالم
01-02-2008, 09:50 PM
أستاذة عِطاف
مازلتِ قدوة جميلة لإنتقاء الحرف الراقي ومجالس الروعة والجمال
متابعة هنا وبشغف
محبتي
أشكرك غاليتي ..
وثقي أن مثلك فقط هو من يقدر الجمال والقيمة
لك القلب ونبضة حب تتردد فيه ولا تتأخر
كوني بخير
يسعدني تواجدك ومتابعتك
متألقة أنت كالعادة ........وزيادة
عطاف سالم
04-02-2008, 10:18 PM
الليلة التاسعة
وعدت ليلة أخرى فقال: فاتحة الحديث معك، فهات ما عندك. فكان من الجواب: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفةٌ في نوع الإنسان، وذلك أن الإنسان صفو الجنس الذي هو الحيوان، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع، وما كان صفواً ومصاصاً بهذا النظر انتظم فيه من كل ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر، وظهر ذلك عليه وبطن أيضاً بالأقل والأكثر والأغلب والأضعف، كالكمون الذي في طباع السبع والفأرة، والثبات الذي في طباع الذئب، والتحرز الذي في طباع الجاموس من بنات الليل، والحذر الذي في طباع الخنزير، والتقدم الذي في طباع الفيل أمام قطيعه تمثلاً بصاحب المقدمة.
وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثلاً بصاحب الساقة، وكالحراسة التي في طباع الكلب، وكاوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدغل والأشب والغياض.
ولهذا قال بعض الحكماء: خذ من الخنزير بكوره في الحوائج، ومن الكلب نصحه لأهله، ومن الهرة لطف نفسها عند المسألة.
وقالت الترك: ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عسشر خصال من ضروب الحيوان: سخاء الديك، وتحنن الدجاجة، ونجدة الأسد، وحملة الخنزير وروغان الثعلب، وصبر الكلب، وحراسة الكركي، وحذر الغراب، وغارة الذئب، وسمن بعروا، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء.
وههنا زيادةٌ في شرح الخلق يتم بها الكلام؛ فليس من الرأي أن يقع الإخلال بذكرها، لأنها مكشوفة ظاهرة، وهي أن الإنسان إذا غلبت الحرارة عليه في مزاج القلب يكون شجاعاً بذالاً ملتهباً، سريع الحركة والغضب قليل الحقد، زكي الخاطر، حسن الإدراك.
وإذا غلبت عليه البرودة يكون بليداً، غليظ الطباع، ثقيل الروح.
وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب، سمح النفس، سهل التقبل كثير النسيان.
وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابراً، ثابت الرأي، صعب القبول يضبط ويحتد، ويمسك ويبخل؛ وهذا النعت على هذا التنزيل - وإن كان مفهوماً - فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة وخفية، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي، وعجائب لا تنقضي؛ وقد قال الأول:
كل امرىء راجعٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
وقال آخر:
ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه ... إن التخلق يأتي دون الخلق
ولولا أن النزوع عن الخلق شاقٌ لما قالوا: تخلق فلان.
وقد قيل أيضاً: " وخالق الناس بخلق حسن " ، وعلى هذا يجري أمر الضريبة والطبيعة والنحيتة والغريزة والنحيزة والسجية والشيمة، وربما قيل: الطبيعة أيضاً، ثم العادة تاليةٌ لهذه كلها، أو زائدة فيما نقص فيها، وموقدة لما خمد منها.
عطاف سالم
12-02-2008, 04:11 PM
الليلة العاشرة
ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة، تفضل وقال: ما في العلم شيءٌ إلا إذا بدىء بالكلام فيه اتصل وتسلسل حتى لا يوجد له مقطع ولا منفذ ثم قرأت عليه نوادر الحيوان، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته، فزاد عجباً وأنا أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرةً وفائدة - إن شاء الله تعالى.
يقال: إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سناً.
وأسنان المرأة ثلاثون سناً.
وأسنان الخصى ثمانٌ وعشرون سناً.
وأسنان البقر أربعٌ وعشرون سناً.
وأسنان الشاة إحدى وعشرون سناً.
وأسنان التيس ثلاث وعشرون.
وأسنان العنز تسع عشرة سناً.
الذي ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلاً: البومة والوطواط.
ومن الحيوان الوحشي ما يستأنس سريعاً: الفيل.
ويحكى أن الحيوان الذي أسنانه قليلة عمره قصير، والذي أسنانه كثيرة عمره طويل.
الفيل إذا ولد نبتت أسنانه في الحال، فأما أسنانه الكبار وأنيابه الكبار فتظهر إذا شب وكبر.
قلب جميع الحيوان موضوعٌ في الوسط من الصدر ما خلا الإنسان، فإن قلبه مائل إلى الجانب الأيسر.
الأفعى تبيض في رحمها، ثم يصير هناك حيواناً.
الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار والحاجبين.
وأول ما ينبت بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية: إن خصي الإنسان قبل احتلامه لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخر نباته، وإن خصي بعد احتلامه فإن ذلك الشعر يزول، ما خلا شعر العانة فإنه يبقى.
شعر الحاجبين ربما طال عند الكبر.
وشعر الأشفار لا يطول.
للأرانب في داخل أشداقها شعر، وكذلك تحت أرجلها.
القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه.
والبرية منها تسفد قائمة وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر.
الرجال يشتاقون إلى الجماع في الشتاء، والنساء في الصيف.
الخنزير إذا تمت له من ولادته ثمانية أشهر ينزو على الأنثى.
الكلبة تحمل وتبقى ستين يوماً ويوماً، وهذا أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن يتم حملها ستين يوماً، فإن وضعت قبل ذلك فإنها لا تربي ولا يبقى لها ولد.
الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين، وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع والأنثى تحمل سنتين، ولا تضع إلا واحداً.
إذا باض الطائر وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق بعد ذلك.
كل ما كان من البيض مستطيلاً محدد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان مستديراً عريض الأطراف يفرخ الذكور.
وجرب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس على البيض تمرض.
القبج إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر، وهبت الريح من ناحية الذكر مقبلة إلى ناحيتها حملت من ساعتها.
الحمامة إذا نتفت ريشة من ريشها احتبس بيضها أكثر مما لها بالطبع.
مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة، وغذاؤه من الصفرة، فإذا خرج فرخان كان أحدهما أكبر جثةً من الآخر، والذكر منهما من البيضة الأولى ومن الثانية الأنثى.
الفاختة تعيش أربعين عاماً.
والحجل يعيش عشرين عاماً.
عطاف سالم
13-02-2008, 06:16 PM
تبرئة ذمة
كل ما أنشره هنا هو من المكتبة الإلكترونية الموجودة لدي , وقد رأيت أنه يعتريها الكثير من النقص في بعض المؤلفات , لذا لزم التنويه بذلك في حال ملاحظة وجود نقص بين الجمل أو الفقر
عطاف سالم
17-02-2008, 01:53 AM
ونظراً لفقدان الليالي الحادية عشرة والثانية عشرة أبدا معكم من ..........
الليلة الثالثة عشرة
فلما حضرت ليلةً أخرى قال: هات. قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح.
قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئاً فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية.
وقد تعرف النفس أيضاً الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس، ففعل النفسي إذن يفارق البدن، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن، مثل التصور بالعقل، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة.
وقال أيضاً: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر؛ ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم.
وقال أيضاً: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان يدبر البدن ويرأسه.
والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس.
وقال أيضاً: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر.
وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلةً للعظم، فليست النفس إذاً بهيولى.
وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم؛ ولا هيولى، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة.
وقال آخر: حركة كل متحرك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة، كحركة النار ما دامت ناراً، وقسمٌ هو كحركة النفس تهيج أحياناً وتسكن أحياناً، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة.
والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعاً كما يدفع السهم ويطلق عن القوس، والآخر يجر جراً كما تجر العجلة والجيفة.
وقال: فنقول: ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعاً دفعاً ولا مجروراً جراً ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركاً لا محالة من داخل، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطراراً.
/
/
/
/
ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس؟ هذا ظاهر.
وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن، لأ،ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى، ووجد الإنسان بها، لأن النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، بل الإنسان بهما إنسان، فإذاً الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه.
وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة.
فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ، فهو في قطيع النعم، وإن كان متقلباً في أصناف النعم.
وكان يقول كثيراً: الناس أصناف في عقولهم: فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر.
وصنف عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرضون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيراً، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة.
وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة، لكنها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حق عندهم الحق اليقين؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة.
وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي، والاصطفاء السني، والاجتنباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة؛ فتراهم حضوراً وهم غيب، واشياعاً وهم متباينون.
وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ.
وهذا كما تقول: الملوك ساسةٌ، ولكل واحد منهم خاصة؛ وكما يقولون: هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول: علماء، ولكل واحد منهم مذهب.
وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره بالحكمة، وفيض صوابه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة.
وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفاً لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: لا عقول لهم كنت صادقاً، وإن قلت: لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقاً؛ إلا أنهم في العدد، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها: ولذلك قال بعض الحكماء: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق.
فضحك - أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره - فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطى بصلبه، وناء بكلكله؛ وانصرفت .
عطاف سالم
19-02-2008, 02:21 AM
الليلة الرابعة عشرة
ومر بعد ذلك في عرض السمر: ما تقلد امرؤ قلادةً أفضل من سكينة.
فقال: ذكرتني شيئاً كنت مهتماً به قديماً، والآن قرعت إلى بابه؛ ما السكينة؟ فإني أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه. فكان من الجواب: سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي؟ فقال: السكائن كثيرة: طبيعية، ونفسية وعقلية، وإلهية. ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة، ومقادير متفاوتة ومتباعدة.
والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات، تحدث به لصاحبه شارةٌ تسمى الوقار، ويكون للعقل فيها أثر باد، وهو زينة الرواء المقبول.
/
/
/
/
فكان من الجواب: قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقي. لم طرب الإنسان على الغناء والضر؟ فقال: لأن نفسه مشغولةٌ بتدبير الزمان من داخل ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص مآلها.
فإذا سمعت الغناء انكشف عنها بعض ذلك الحجاب، فحنت إلى خاص ما لها من المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم، لأن ذلك وطنها بالحق.
فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه، والإنسان تابع لنفسه، وليست النفس تابعة للإنسان، لأن الإنسان بالنفس إنسان، وليست النفس نفساً بالإنسان، فإذا طربت النفس - أعني حنت ولحظت الروح الذي لها - تحركت وخفت فارتاحت واهتزت.
ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربما مزقه كأنه يريد أن ينسل من إهابه الذي لصق به، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه، ويهرول إلى حبيبه الذي قد تجلى له وبرز إليه.
إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما.
وأما غيرهم فطربهم شبيهٌ بما يعتري الطير وغيرها، وانصرفت.
عطاف سالم
26-02-2008, 05:29 AM
الليلة الخامسة عشرة
وجرى مرة كلامٌ من الممكن، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلاً سمعته يقوله، لابأس برسمه في هذا الموضع، فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي لنا أن نبحث عنه بكل زحف وحبو، وبكل كد وعفو.
قال: الممكن شبيهٌ بالرؤيا لا بدن له يستقل به، ولا طبيعة يتحيز فيها.
ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على الأكثر والأقل والتساوي، وكما أن الرؤيا ظل من ظلال اليقظة، والظل ينقص ويزيد إذا قيس إلى الشخص؛ كذلك الممكن ظل من ظلال الواجب، فطوراً يزيد تشابهاً للواجب، وطوراً ينقص تشاكها للمتنع، وطوراً يتساوى بالوسط.
قال: والواجب لا عرض له، لأنه حد واحد، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا تغير له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا بالوهم ولا بالعقل، بل العقل ينقاد له، والطبيعة تسلم إليه، والوهم يفرق منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن، ولا يتحكم فيها تجويز، ولا يتسلط عليها دامغ ولا ناسخ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع، لأنه في مقابلته على الضد، أعني أنه لا بدن له، فيكون له عرض، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من الكثرة والقلة والمساواة.
ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادىء الأمر وعارض الشان، واستولى الوجود عليه بباطن الحال وخفي الأمر وراتب الشان، لكن هذا الفصل الذي اشتمل على الظاهر والباطن ليس ينكشف للحس كما ينكشف للعقل.
ولما كنا بالحس أكثر - وإن كنا لا نخلو في هذه الكثرة من آثار العقل - لزمنا الاعتراف بعوائد الممكن وعلائقه، والعمل عليه، والرجوع إليه إذا أمرنا أو نهينا أو ائتمرنا أو انتهينا.
ولما ظهر لنا بإزاء هذا الذي كنا به أكثر أن لنا شبحاً آخر نحن به أقل وهو العقل يشهد لنا بأن صورة الوجوب استولت من مبدأ الأمر إلى منقطعه الذي هو في عرض الواجب إلى الآخر الممتنع.
وكما لزمنا الاعتراف الأول لكون به عاملين ومستعملين، ورافعين وواضعين، ولائمين وملومين، ونادمين ومندمين؛ كذلك لزمنا الاعتراف بسلطان الواجب الذي لا سبيل إلى عزله، ولا محيص عن الإقرار به، ولا فكاك من اطراده بغير دافع أو مانع.
واتصل كلام ابن يعيش على تقطعٍ في عبارته التي ما كانت أداته تواتيه فيها، مع تدفق خواطره عليها؛ فقال: الرؤيا ظل اليقظة، وهي واسطةٌ بين اليقظة والنوم، أعني بين ظهور الحس بالحركة، وبين خفائه بالسكون.
قال: والنوم واسطة بين الحياة والموت، والموت واسطةٌ بين البقاء الذي يتصل بالشهود وبين البقاء الذي يتصل بالخلود.
قال: وهذا نعتٌ على تسهيل اللفظ وتقريب المراد والتصور؛ والثقة شوك القتاد، وازدراد العلقم والصاب، للحواجز القائمة والموانع المعترضة من الإلف والمنشأ وغير ذلك مما يطول تعديده ويشق استقصاؤه.
فقال: هذا كلامٌ ظريف، وما خلت أن ابن يعيش مع فدامته، ووخامته يسحب ذيله في هذا المكان، ويجري جواده بهذا العنان.
قلت له: إن له مع هذه الحال مرامي بعيدة، ومقاصد عالية، وأطرافاً من المعاني إذا اعتلقها دل عليها، إما بالبيان الشافي، وإما بما يكون طريقاً إلى الوهم الصافي.
وقلت: لقد مر له اليوم شيءٌ جرى بينه وبين أبي الخير اليهودي أستفيد منه.
/
/
/
/
قال: بردت غليلي، فإن الحجة في مثل هذا متى لم تكن بأهلها كانت متلجلجة.
قال: أنشدني شيئاً نختم به المجلس، فقد مرت طرائف.
فأنشدته لعمارة بن عقيل في بنت له:
حبك يا ذات الأنيف الأكشم ... حب تساقاه مشاس أعظمي
ودب بين كبدي ومحزمي ... وساطه الله بلحمي ودمي
فليس بالمذق ولا المكتم ... ولا الذي إن يتقادم يسأم
لقد نزلت من فؤادي فاعلمي منزلة الشيء المحب المكرم
وانصرفت.
عطاف سالم
29-02-2008, 03:00 AM
الليلة السادسة عشرة
ثم عدت وقتاً آخر فقال: كنت حكيت لي أن العامري صنف كتاباً عنونه بإنقاذ البشر من الجبر والقدر، فكيف هذا الكتاب؟ فقلت: هذا الكتاب رأيته بخطه عند صديقه وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم أقرأه على العامري، ولكن سمعت أبا حاتم الرازي يقرؤه عليه، وهو كتاب نفيس، وطريقة الرجل قوية، ولكنه ما أنقذ البشر من الجبر والقدر، لأن الجبر والقدر اقتسما جميع الباحثين عنهما والناظرين فيهما.
قال: لم قيل الجبر والقدر ولم يقل الإجبار.
فكان الجواب: أن الإجبار لغة قوم، والجبر لغة تميم، يقال: جبر الله الخلق وأجبر الخلق، وجبر بمعنى جبل؛ واللام تعاقب الراء كثيراً.
قال: فتكلم في هذا الباب بشيء يكون غير ما قاله العامري، وانقد له إن كان الحق فيما ذهب غليه ودل عليه.
فكان من الجواب: أن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر والأواتي من معدن الإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف، لأن هذه وإن كانت ناشئةً من ناحية البشر، فإن منشأها الأول إنما هو من الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق؛ فهذا هذا.
فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين، فإنه يعلقها بهم ويلصقها برقابهم، ويرى أن أحداً ما أتي إلا من قبل نفسه وبسوء اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه؛ والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان، لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف، لأنه ليس لكل أحد الوصول إلى هذه الغاية، ولا لكل إنسان اطلاع إلى هذه النهاية.
فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصفة، فهذا هذا.
قال - أطال الله بقاءه - فما الفرق بين القضاء والقدر؟ فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال: إن القضاء مصدره من العلم السابق، والقدر مورده بالأجزاء الحادثة.
فقال: لم ورد في الأثر: لا تخوضوا في القدر فإنه سر الله الأكبر.
فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال لنا في هذه الأيام. إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عام، ليكون النفع به شائعاً في سكون النفس وطيب القلب وروح الصدور.
فإن كان هذا هكذا فقد وضح أن حكمة هذا السر طيه، لأن عجز الناظرين يفضي بهم إلى الحيرة، والحيرة مضلة، والمضلة هلكة. وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء، كان التعب في العلم بالشيء، وكم علمٍ لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا، وكم جهل لو ارتفع منا لكان فيه هلاكنا؛ والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كل واحد منا للذي سبق إليه وعلق به، ألا ترى أن علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو البلاء؟ لكان ذلك مفسدةً لنا، ومحنةً شديدةً علينا.
فانظر كيف زوى الله الحكيم هذا العلم عنا، وجعل الخيرة فيه لنا.
ألا ترى أيضاً أن جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم الفساد الأول، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدم، فمن هذا الذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسر المخزون فيغفل عن الشكر الخالص، والاستسلام الحسن، والبراءة من كل حول وقوة.
فالاستمداد ممن له الخلق والأمر، أعني الإبداء والتكليف، والإظهار والتشريف، والتقدير والتصريف.
قال: هذا فن حسن، وأظنك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع لكان لك حظ وافر من السامعين العاملين، والخاضعين والمحافظين.
فكان من الجواب: أن التصدي للعامة خلوقة، وطلب الرفعة بينهم ضعة، والتشبه بهم نقيصة؛ وما تعرض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم.
وليس يقف على القاص إلا أحد ثلاثة.
/
/
/
إما رجل أبله، فهو لا يدري ما يخرج من أم دماغه.
وإما رجل عاقلٌ فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال، وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه، وإلى العامة من وجه، فهو بتذبذب عليه من الإنكار الجانب للهجر، والاعتراف الجالب للوصل، فالقاص حينئذ ينظر إلى تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف، وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية، ولذاته العقلية، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة، إما مقتبساً منهم، وإما قابساً لهم؛ وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلا درهماً وإلا ديناراً أو ثوباً؛ ومناصبةً شديدةً لمماثليه وعداته.
قال: إن الليل قد دنا من فجره، هات ملحة الوداع.
قلت: قال يعقوب صاحب إصلاح المنطق: دخل أعرابي الحمام فزلق فانشج، فأنشأ يقول:
وقالوا تطهر إنه يوم جمعةٍ ... فرحت من الحمام غير مطهر
ترديت منه شارياً شج مفرقي ... بفلسين إني بئس ما كان متجري
وما يحسن الأعراب في السوق مشيةً ... فكيف ببيتٍ من رخامٍ ومرمر
يقول لي الأنباط إذ أنا نازل ... به لا بظبيٍ بالصريمة أعفر
وقال - حرس الله نفسه - كنت أروي قافية هذا البيت أعفرا، وهذه فائدة كنت عنها في ناحية؛ وانصرفت.
قد رأيت أيها الشيخ - حاطك الله - عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأول بما أنتهي غليه، وأشفعه بالجزء الثاني على سياج ما سلف نظمه ونثره، غير عائج على ترتيبٍ يحفظ صورة التصنيف على العادة الجارية لأهله، وعذري في هذا واضح لمن طلبه، لأن الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السانح والداعي.
وهذا الفن لا ينتظم أبداً، لأن الإنسان لا يملك ما هو به وفيه، وإنما يملك ما هو له وإليه.
وهذا فصل يحتاج إلى نفسٍ مديد، ورأيٍ يصدر عن تأييد وتسديد؛ والسلام، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
.....................
موعدنا مع الجزء الثاني إن كان في العمر بقية من هذه الليالي لاحقا
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub