الجوهري
01-01-2008, 12:36 AM
مفارقة التخييل للكتابة النَسَوَية في الشعر العربي
.. رؤية للعلاقات البيانية
عبد الناصر الجوهري
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الأنترنت العرب
--------------------------------
* مدخل :
ليس لزامتَ أن نتفق أننا ابتعدنا كثيرا عن إنتاج شاعرية تطمح بالعبور نحو الآخر وإقناعه بثرائنا اللغوي والثقافي هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ألا تكون حداثتنا المستنسخة .. مقابل التفريط فى منجزنا وموروثنا الشعري والأدبي.
وإن كان الآخر يراهن على فرس إنما يراهن على تقويض الكتابة النسوية في تحويل خطابها الأدبي , والشعري إلى خطاب يسيطر عليه حمأة الجسد والعيش في حدود الحواس ويعطله عن قضاياها الحقيقية وتطلعاتها التي لا تبتعد كثيرا عن هويتها .. علّه يورط نصها الشعري من خلال التشدق بقضايا الحرية وحقوق الإنسان .. وهو حق يراد به باطل بإقحامها في إشكالية الحداثة والتي تطالب بالقطعية المعرفية مع التراث حتى ندخل في ترهات .. حظيرة العولمة أو الهيمنة .
ومن يستدعي ذاكرة التاريخ يجد أن المرأة الشاعرة تمتعت بحقوق التعبير منذ العصر الجاهلي فمثلا عند المعتقدات البدائية لدى العرب أنثوا الآلهة المقدسة فقد حملت بعض آلهتهم في الجاهلية أسماء مؤنثة مثل (اللات ) و(العزى) و (مناة) فلا يخفي على أحد أن بعض القبائل العربية كانت تنسب للأم مثل (خِندَف) و ( طُهية) , (بجيلة) كما أن بعض الشعراء نسبوا إلى أمهاتهم مثل (ابن الدمينة) و (ابن ميادة) , ( خفاف بن ندبة) و (سليك بن سلكة) و (ابن الطثرية) ومن ظواهر اتجاه اللغة للأنوثة من تأنيث المدن والقرى يقول ابن عربي (المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه) وفي صدر الإسلام جاءت العربية لتعظيم بعض الأشياء فلإنها كانت تميل إلى تأنيثه فالفاتحة (ام الكتاب) ومكة (أم القرى) والرأس (أم الدماغ) والمجرة (أم النجوم) وحتى أن القرآن جاء أحيانا على غير قاعدة التغليب التي تسمح للمتكلم أن يتناول جماعة الإناث بصيغة المذكر إذا كان بينهن ذكر واحد ففي سورة الحجرات آية 14 يقول المولى عز وجل (قالت الأعراب آمنا) فأنث الفعل مع أن الفاعل جماعة الأعراب بما فيهم ذكور وإناث(1) . والقرآن نفسه هو الذي أنصف وجود المرأة العربية قديماً يقول المولى عز وجل في سورة التكوير آية 9 (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت؟) فقد منع الله عز وجل دفن الإناث أحياء تكريما للأنثى هذا الكائن الحي الذي بدونه لن تستقيم دورة الحياة الطبيعية .. ويقول المتنبي : (وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ / ولا التذكير فخرٌ للهلالِ)
وإذا كنا عرفنا المرأة العربية كشريك أساسي بالحياة والمجتمع ولكننا لم نقترب منها كثيرا كشاعرة كفل لها مجتمعنا حق التعبير وليس أنسب لدى العرب من ديوانها كي تسجل النسوة أشجانها هي الآخرى عبر إيقاعه الشفيف فالشعر ديوان العرب كان وما زال.
وإذا كانت اللغة في علاقتها بالشعر في ظل مفاهيم الحداثة قد نفخ في شكلها اللغوي حتى أصبح ورما وسحق تحته جوانب الشعر الأخرى . تحت شعار تنشيط اللغة الشعرية.. ولا شك أن تنشيطها في غاية الأهمية ولكن.. بموازنة وتساوق وتناغم مع الجوانب الأخرى والحداثة بتأكيدها على اللغة كعامل حاسم في العملية الشعرية أعطت الفرصة لتضخيم الوهم اللغوي والذي طمس تحته العوالم الأخرى وهكذا أصبح الشعر عبر الكثير من نصوص الحداثة مهارة لغوية وشكلا لغوياً تسلطياً يذكرنا بعنف التقنيات الذي هو عنف عقلي تم على حساب العفوية والبساطة والجمال والروح في الشعر (2).
والدكتور محمد مندور قد نفى حتى مقولة ابن قتيبة بأن اللفظ في خدمة المعنى.. وفرق بين أدب الفكرة (الأسلوب العقلي) الذي يقصده ابن قتيبة وبين الأسلوب الفني .. فمن اليسير القول (إن وقت الظهيرة قد حان) فتؤدي المعنى الذي نريد نقله إلى السامع.. هذا من ناحية الفكرة أما من الناحية الفنية كقول الأعشى (إذا انتعل المطي ظلالها) للتعبير عن نفس المعنى فنحس أنها عبارة فنية قصد منها خلق صورة رائعة لا إلى أداء فكرة .. وذهب الدكتور مندور أيضاً إلى أبعد مما قاله ابن قتيبة بأن المعنى الواحد يمكن أن يعبر عنه بألفاظ مختلفة.. فقد ذهب إلى أن المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه إلا بلفظ واحد .. حيث برر ذلك بأن اللغات لا تعرف ولا يجب أن تعرف الترادف وأمر الألفاظ كأمر الجمل والكتاب الحقيقي هو الذي لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة .. التي تحمل ما في نفسه حملا أميناً(3).
* لماذا الارتباك عند طرح النسوية؟
مفهوم الكتابة النسوية الذي أقصده جاءت من مفردة النسوي أو النسائي بمعنى محايد ولم تأت بمعنى المفاضلة بين (الذكورة والأنوثة) فقد جاءت محايدة حتى لا تثير أي نعرة شعوبية كما يزعم البعض أن هناك انحياز للثقافة العربية واللغة خصوصاً للذكورة على حساب الأنوثة..
لا يصلح القول أن الشعر أنوثي أو الشعر ذكوري لأن ( المؤنث والمذكر) صفتان لغويتان لا ترتبطان بحقيقة الانتماء الجنسي فهناك المؤنث الحقيقي مثل (فاطمة وهند) وهناك أيضاً المؤنث المجازي مثل ( شمس, أذن) وهناك مذكر لحقت به علامة التأنيث مثل (طلحة ومعاوية) ويسمى المؤنث اللفظي (4) .
إذن فالمؤنث والأنثوي لا يؤديان معنى النسوية الذي أقصده هنا .. وحتى لا يكون طرح النسوية حصان طروادة الذي يسمح لبعض الحركات السياسية .. التي تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة بالدخول إلى قلعة الانتماء الجنسي ومحاولة السطو على دلالة النسوية.
* من يثأر للبسوس؟
لقد فشل فريق الحداثيين الجدد في التحريض على خروج المرأة من جناح الحريم – كما يزعمون – (الموروث الأخلاقي) فانتقلوا إلى التحريض في إنتاج نصوص تنتقم من شهريار. وما زاد الطين بلة تقسيم الأدب إلى (أنثوي - ذكوري) .. حتى المرأة المتلقية لم تنجُ من فخ التحريض .. لكي تصبح أكثر شعوبية. ولأن آلة التحريض لا تهدأ أبدا.. فلقد قسموا المرأة الأدبية إلى ثلاث مناطق :
الأولى : الأنثى المتمرد .. على السلطة الذكورية
الثانية: الأنثى المحايدة .. وتحول الجسد إلى أبجدية
الثالثة: الأنثى الثقافية .. بمخزونها التراكمية من تهميش وإقصاء(5)
وهذه الآلة لا تهدأ للتربص بالمنجز النقدي العربي .. فأحسن التشبيه (هو ما أوقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها حتى يدني بها إلى حال الاتحاد) ومن التشبيهات الجيدة عند العرب يقول أوْس بن حَجَر (لها صرخةٌ ثم استكانةٌ .. كما طرَّقتْ بنفاسٍ بكرُ)(6) حيث شبهارتفاع أصواتهم في الحرب تارةًَ وانقطاعها تارة ً أخرى كالمرأة التي تجاهد عند الولادة فهل التشبيه يؤجج ألسنة المفارقة؟!
هل هي مفارقة الاختلاف والتضاد أم الإنسان وبيئته ؟! ولابد للمفارقة الجيدة من طرفين وبين كل طرف والأخر قدر من الاتفاق .. والاختلاف وكذلك قدر من العلم وقدر من الجهل بالطرف الأخر والمفارقة تختلف في درجاتها وعمقها (7).
وعلى الرغم من المفارقة بين ما تنتجه نصوص الحداثة من مهارة لغوية تحت مسمى (التخييل) للبلاغة الجديدة وبين ما تنتجه النصوص التفعيلية من تشبيه واستعارة وكناية مسمى (البيان) للبلاغة القديمة إلا أن الاستمرارية للذي يملك القدرة على مزج اللون والصوت والحركة دون نفي الطرف الأخر . وحتى يتجلى الخيال الجزئي لا الكلي .
ومن منطلق مفهوم (الشاعر يولد .. ولا يصنع) نستطيع أن نؤسس لمرحلتين هامتين : ففي المرحلة الشعر البيتي : ظهرت صورة شعرية مرتبطة بالبيئة العربية آنذاك عبر ألفاظ (الصحراء – العير – الخيام – النخيل – القوافل وغيرها ) وبان ذلك جليا في أشعار الخنساء ( تماضر بنت الشريد) وفي أشعار سلمى بنت المهلهل وسعدى بنت الشمردل وليلى الأخيلية وصفية بنت المطلب والولادة بنت المستكفى وعلية بنت المهدي وعائشة التيمورية و روحية القليني وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
عندما انتقل الشعر العربي إلى مرحلة الشعر التفعيلي (الحر) تأثرت الشاعرة العربية بمفردات يومية وحياتية معاصرة .. حتى استطاعت أن تخلق عبر صورها الخصبة في آفاق جديدة مثل ( أحمر الشفاه – الحقيبة) وغيرها من الألفاظ .
وكذلك ظهرت نبرات الخطابة نظرا ً لوقوع الوطن العربي تحت نير الاحتلال .. للتطلع نحو الحرية والاستقلال .. وعلى الرغم من أن غالبية تلك الشواعر كتبن الشعر الكلاسيكي أيضا ً ويتضح من ذلك أن المرأة العربية الشاعرة هي أيضا ً استطاعت أن تماهي المتغيرات التي طرأت على النص الشعري الحديث والآني. مثل نازك الملائكة وملك عبد العزيز وسلمى خضراء الجيوسي وفدوى طوقان وسعاد الصباح.. وغيرهن .. وللوقوف على ما أنتجته الصورة البلاغية القديمة .. بالتباين مع الصورة البلاغية الجديدة .. نطرح سؤالاً.. هل الحداثة الأدبية .. بضاعتنا التي ردت إلينا أم هي تشتهي فقط القطعية المعرفية مع المنجز النقدي والموروث الشعري أم هي تسمح بالتوافق .. وأخذ ما يوافقنا وترك ما لا نحتاجه.
* المنهج :
لقد قامت البلاغة القديمة على ثلاث أركان :
1. البيان 2. المعاني 3. البديع
أ- البلاغة القديمة (البيان)
لقد ظلت العلاقات اللغوية تتأرجح بين المشبه (الشيء المراد تشبيهه) والمشبه به (الشيء الذي يشبه به) وبين وجه الشبه (الوجه المشترك بين الطرفين ويجب أن يكون أقوى وأشهر في المشبه به منه في المشبه) وبين أداة التشبيه(8).
وظهر أيضاً التشبيه المقلوب : وهو جعل المشبه .. مشبهاً به بإدعاء أن وجه الشبه فيه أقوى وأظهر كقول الشاعر (أحن لهم ودونهم فلاة .. كأن فسيحها صدر الحليم)
فبلاغة الكناية كانت في أنها تصنع لك لمعاني في صور المحسّات وتجعلك ترى ما كنت تعجز في التعبير عنه واضحاً ملموساً كقول الخنساء في أخيها صخر : (طويل النجاد .. رفيع المعاد .. كثير الرماد إذا ما شتا)(9).
أما سر بلاغة التشبيه كانت في تأليف ألفاظه وابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان وربط المعاني وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيد لا يكاد ينتهي .. كقول المتنبي (من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ).
أما سر بلاغة الأستعارة .. تدل من ناحية اللفظ على تناسي التشبيه ويحيلك عمداً على تخيل صورة جديدة ينسيك روعتها ما تضمنه الكلام من تشبيه خفى مستور كقول دعبل (لا تعجبي يا سلم من رجل .. ضحك المشيب برأسه فبكى)(10).
لقد نزع الشاعر العربي إلى إخفاء التشبيه لأن التشبيه كلما دق وخفى كان أبلغ في إنتاج صورة البلاغية القديمة.. أما المجاز الذي يصور المعنى باطلاق الكل على الجزء مثل اطلاق العين على الجاسوس والحافر على الخير وأحيانا يسند الشاعر الفعل إلى المصدر فيصبح المجاز مجازاً عقلياً مثل قول أبي تمام
تكاد عطاياه يجل جنودها .. إذا لم يعوذها برقية طالب
.. رؤية للعلاقات البيانية
عبد الناصر الجوهري
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الأنترنت العرب
--------------------------------
* مدخل :
ليس لزامتَ أن نتفق أننا ابتعدنا كثيرا عن إنتاج شاعرية تطمح بالعبور نحو الآخر وإقناعه بثرائنا اللغوي والثقافي هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ألا تكون حداثتنا المستنسخة .. مقابل التفريط فى منجزنا وموروثنا الشعري والأدبي.
وإن كان الآخر يراهن على فرس إنما يراهن على تقويض الكتابة النسوية في تحويل خطابها الأدبي , والشعري إلى خطاب يسيطر عليه حمأة الجسد والعيش في حدود الحواس ويعطله عن قضاياها الحقيقية وتطلعاتها التي لا تبتعد كثيرا عن هويتها .. علّه يورط نصها الشعري من خلال التشدق بقضايا الحرية وحقوق الإنسان .. وهو حق يراد به باطل بإقحامها في إشكالية الحداثة والتي تطالب بالقطعية المعرفية مع التراث حتى ندخل في ترهات .. حظيرة العولمة أو الهيمنة .
ومن يستدعي ذاكرة التاريخ يجد أن المرأة الشاعرة تمتعت بحقوق التعبير منذ العصر الجاهلي فمثلا عند المعتقدات البدائية لدى العرب أنثوا الآلهة المقدسة فقد حملت بعض آلهتهم في الجاهلية أسماء مؤنثة مثل (اللات ) و(العزى) و (مناة) فلا يخفي على أحد أن بعض القبائل العربية كانت تنسب للأم مثل (خِندَف) و ( طُهية) , (بجيلة) كما أن بعض الشعراء نسبوا إلى أمهاتهم مثل (ابن الدمينة) و (ابن ميادة) , ( خفاف بن ندبة) و (سليك بن سلكة) و (ابن الطثرية) ومن ظواهر اتجاه اللغة للأنوثة من تأنيث المدن والقرى يقول ابن عربي (المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه) وفي صدر الإسلام جاءت العربية لتعظيم بعض الأشياء فلإنها كانت تميل إلى تأنيثه فالفاتحة (ام الكتاب) ومكة (أم القرى) والرأس (أم الدماغ) والمجرة (أم النجوم) وحتى أن القرآن جاء أحيانا على غير قاعدة التغليب التي تسمح للمتكلم أن يتناول جماعة الإناث بصيغة المذكر إذا كان بينهن ذكر واحد ففي سورة الحجرات آية 14 يقول المولى عز وجل (قالت الأعراب آمنا) فأنث الفعل مع أن الفاعل جماعة الأعراب بما فيهم ذكور وإناث(1) . والقرآن نفسه هو الذي أنصف وجود المرأة العربية قديماً يقول المولى عز وجل في سورة التكوير آية 9 (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت؟) فقد منع الله عز وجل دفن الإناث أحياء تكريما للأنثى هذا الكائن الحي الذي بدونه لن تستقيم دورة الحياة الطبيعية .. ويقول المتنبي : (وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ / ولا التذكير فخرٌ للهلالِ)
وإذا كنا عرفنا المرأة العربية كشريك أساسي بالحياة والمجتمع ولكننا لم نقترب منها كثيرا كشاعرة كفل لها مجتمعنا حق التعبير وليس أنسب لدى العرب من ديوانها كي تسجل النسوة أشجانها هي الآخرى عبر إيقاعه الشفيف فالشعر ديوان العرب كان وما زال.
وإذا كانت اللغة في علاقتها بالشعر في ظل مفاهيم الحداثة قد نفخ في شكلها اللغوي حتى أصبح ورما وسحق تحته جوانب الشعر الأخرى . تحت شعار تنشيط اللغة الشعرية.. ولا شك أن تنشيطها في غاية الأهمية ولكن.. بموازنة وتساوق وتناغم مع الجوانب الأخرى والحداثة بتأكيدها على اللغة كعامل حاسم في العملية الشعرية أعطت الفرصة لتضخيم الوهم اللغوي والذي طمس تحته العوالم الأخرى وهكذا أصبح الشعر عبر الكثير من نصوص الحداثة مهارة لغوية وشكلا لغوياً تسلطياً يذكرنا بعنف التقنيات الذي هو عنف عقلي تم على حساب العفوية والبساطة والجمال والروح في الشعر (2).
والدكتور محمد مندور قد نفى حتى مقولة ابن قتيبة بأن اللفظ في خدمة المعنى.. وفرق بين أدب الفكرة (الأسلوب العقلي) الذي يقصده ابن قتيبة وبين الأسلوب الفني .. فمن اليسير القول (إن وقت الظهيرة قد حان) فتؤدي المعنى الذي نريد نقله إلى السامع.. هذا من ناحية الفكرة أما من الناحية الفنية كقول الأعشى (إذا انتعل المطي ظلالها) للتعبير عن نفس المعنى فنحس أنها عبارة فنية قصد منها خلق صورة رائعة لا إلى أداء فكرة .. وذهب الدكتور مندور أيضاً إلى أبعد مما قاله ابن قتيبة بأن المعنى الواحد يمكن أن يعبر عنه بألفاظ مختلفة.. فقد ذهب إلى أن المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه إلا بلفظ واحد .. حيث برر ذلك بأن اللغات لا تعرف ولا يجب أن تعرف الترادف وأمر الألفاظ كأمر الجمل والكتاب الحقيقي هو الذي لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة .. التي تحمل ما في نفسه حملا أميناً(3).
* لماذا الارتباك عند طرح النسوية؟
مفهوم الكتابة النسوية الذي أقصده جاءت من مفردة النسوي أو النسائي بمعنى محايد ولم تأت بمعنى المفاضلة بين (الذكورة والأنوثة) فقد جاءت محايدة حتى لا تثير أي نعرة شعوبية كما يزعم البعض أن هناك انحياز للثقافة العربية واللغة خصوصاً للذكورة على حساب الأنوثة..
لا يصلح القول أن الشعر أنوثي أو الشعر ذكوري لأن ( المؤنث والمذكر) صفتان لغويتان لا ترتبطان بحقيقة الانتماء الجنسي فهناك المؤنث الحقيقي مثل (فاطمة وهند) وهناك أيضاً المؤنث المجازي مثل ( شمس, أذن) وهناك مذكر لحقت به علامة التأنيث مثل (طلحة ومعاوية) ويسمى المؤنث اللفظي (4) .
إذن فالمؤنث والأنثوي لا يؤديان معنى النسوية الذي أقصده هنا .. وحتى لا يكون طرح النسوية حصان طروادة الذي يسمح لبعض الحركات السياسية .. التي تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة بالدخول إلى قلعة الانتماء الجنسي ومحاولة السطو على دلالة النسوية.
* من يثأر للبسوس؟
لقد فشل فريق الحداثيين الجدد في التحريض على خروج المرأة من جناح الحريم – كما يزعمون – (الموروث الأخلاقي) فانتقلوا إلى التحريض في إنتاج نصوص تنتقم من شهريار. وما زاد الطين بلة تقسيم الأدب إلى (أنثوي - ذكوري) .. حتى المرأة المتلقية لم تنجُ من فخ التحريض .. لكي تصبح أكثر شعوبية. ولأن آلة التحريض لا تهدأ أبدا.. فلقد قسموا المرأة الأدبية إلى ثلاث مناطق :
الأولى : الأنثى المتمرد .. على السلطة الذكورية
الثانية: الأنثى المحايدة .. وتحول الجسد إلى أبجدية
الثالثة: الأنثى الثقافية .. بمخزونها التراكمية من تهميش وإقصاء(5)
وهذه الآلة لا تهدأ للتربص بالمنجز النقدي العربي .. فأحسن التشبيه (هو ما أوقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها حتى يدني بها إلى حال الاتحاد) ومن التشبيهات الجيدة عند العرب يقول أوْس بن حَجَر (لها صرخةٌ ثم استكانةٌ .. كما طرَّقتْ بنفاسٍ بكرُ)(6) حيث شبهارتفاع أصواتهم في الحرب تارةًَ وانقطاعها تارة ً أخرى كالمرأة التي تجاهد عند الولادة فهل التشبيه يؤجج ألسنة المفارقة؟!
هل هي مفارقة الاختلاف والتضاد أم الإنسان وبيئته ؟! ولابد للمفارقة الجيدة من طرفين وبين كل طرف والأخر قدر من الاتفاق .. والاختلاف وكذلك قدر من العلم وقدر من الجهل بالطرف الأخر والمفارقة تختلف في درجاتها وعمقها (7).
وعلى الرغم من المفارقة بين ما تنتجه نصوص الحداثة من مهارة لغوية تحت مسمى (التخييل) للبلاغة الجديدة وبين ما تنتجه النصوص التفعيلية من تشبيه واستعارة وكناية مسمى (البيان) للبلاغة القديمة إلا أن الاستمرارية للذي يملك القدرة على مزج اللون والصوت والحركة دون نفي الطرف الأخر . وحتى يتجلى الخيال الجزئي لا الكلي .
ومن منطلق مفهوم (الشاعر يولد .. ولا يصنع) نستطيع أن نؤسس لمرحلتين هامتين : ففي المرحلة الشعر البيتي : ظهرت صورة شعرية مرتبطة بالبيئة العربية آنذاك عبر ألفاظ (الصحراء – العير – الخيام – النخيل – القوافل وغيرها ) وبان ذلك جليا في أشعار الخنساء ( تماضر بنت الشريد) وفي أشعار سلمى بنت المهلهل وسعدى بنت الشمردل وليلى الأخيلية وصفية بنت المطلب والولادة بنت المستكفى وعلية بنت المهدي وعائشة التيمورية و روحية القليني وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
عندما انتقل الشعر العربي إلى مرحلة الشعر التفعيلي (الحر) تأثرت الشاعرة العربية بمفردات يومية وحياتية معاصرة .. حتى استطاعت أن تخلق عبر صورها الخصبة في آفاق جديدة مثل ( أحمر الشفاه – الحقيبة) وغيرها من الألفاظ .
وكذلك ظهرت نبرات الخطابة نظرا ً لوقوع الوطن العربي تحت نير الاحتلال .. للتطلع نحو الحرية والاستقلال .. وعلى الرغم من أن غالبية تلك الشواعر كتبن الشعر الكلاسيكي أيضا ً ويتضح من ذلك أن المرأة العربية الشاعرة هي أيضا ً استطاعت أن تماهي المتغيرات التي طرأت على النص الشعري الحديث والآني. مثل نازك الملائكة وملك عبد العزيز وسلمى خضراء الجيوسي وفدوى طوقان وسعاد الصباح.. وغيرهن .. وللوقوف على ما أنتجته الصورة البلاغية القديمة .. بالتباين مع الصورة البلاغية الجديدة .. نطرح سؤالاً.. هل الحداثة الأدبية .. بضاعتنا التي ردت إلينا أم هي تشتهي فقط القطعية المعرفية مع المنجز النقدي والموروث الشعري أم هي تسمح بالتوافق .. وأخذ ما يوافقنا وترك ما لا نحتاجه.
* المنهج :
لقد قامت البلاغة القديمة على ثلاث أركان :
1. البيان 2. المعاني 3. البديع
أ- البلاغة القديمة (البيان)
لقد ظلت العلاقات اللغوية تتأرجح بين المشبه (الشيء المراد تشبيهه) والمشبه به (الشيء الذي يشبه به) وبين وجه الشبه (الوجه المشترك بين الطرفين ويجب أن يكون أقوى وأشهر في المشبه به منه في المشبه) وبين أداة التشبيه(8).
وظهر أيضاً التشبيه المقلوب : وهو جعل المشبه .. مشبهاً به بإدعاء أن وجه الشبه فيه أقوى وأظهر كقول الشاعر (أحن لهم ودونهم فلاة .. كأن فسيحها صدر الحليم)
فبلاغة الكناية كانت في أنها تصنع لك لمعاني في صور المحسّات وتجعلك ترى ما كنت تعجز في التعبير عنه واضحاً ملموساً كقول الخنساء في أخيها صخر : (طويل النجاد .. رفيع المعاد .. كثير الرماد إذا ما شتا)(9).
أما سر بلاغة التشبيه كانت في تأليف ألفاظه وابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان وربط المعاني وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيد لا يكاد ينتهي .. كقول المتنبي (من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ).
أما سر بلاغة الأستعارة .. تدل من ناحية اللفظ على تناسي التشبيه ويحيلك عمداً على تخيل صورة جديدة ينسيك روعتها ما تضمنه الكلام من تشبيه خفى مستور كقول دعبل (لا تعجبي يا سلم من رجل .. ضحك المشيب برأسه فبكى)(10).
لقد نزع الشاعر العربي إلى إخفاء التشبيه لأن التشبيه كلما دق وخفى كان أبلغ في إنتاج صورة البلاغية القديمة.. أما المجاز الذي يصور المعنى باطلاق الكل على الجزء مثل اطلاق العين على الجاسوس والحافر على الخير وأحيانا يسند الشاعر الفعل إلى المصدر فيصبح المجاز مجازاً عقلياً مثل قول أبي تمام
تكاد عطاياه يجل جنودها .. إذا لم يعوذها برقية طالب