المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفارقة التخييل للكتابة النَسَوَية في الشعر العرب


الجوهري
01-01-2008, 12:36 AM
مفارقة التخييل للكتابة النَسَوَية في الشعر العربي
.. رؤية للعلاقات البيانية

عبد الناصر الجوهري
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الأنترنت العرب
--------------------------------
* مدخل :

ليس لزامتَ أن نتفق أننا ابتعدنا كثيرا عن إنتاج شاعرية تطمح بالعبور نحو الآخر وإقناعه بثرائنا اللغوي والثقافي هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ألا تكون حداثتنا المستنسخة .. مقابل التفريط فى منجزنا وموروثنا الشعري والأدبي.
وإن كان الآخر يراهن على فرس إنما يراهن على تقويض الكتابة النسوية في تحويل خطابها الأدبي , والشعري إلى خطاب يسيطر عليه حمأة الجسد والعيش في حدود الحواس ويعطله عن قضاياها الحقيقية وتطلعاتها التي لا تبتعد كثيرا عن هويتها .. علّه يورط نصها الشعري من خلال التشدق بقضايا الحرية وحقوق الإنسان .. وهو حق يراد به باطل بإقحامها في إشكالية الحداثة والتي تطالب بالقطعية المعرفية مع التراث حتى ندخل في ترهات .. حظيرة العولمة أو الهيمنة .
ومن يستدعي ذاكرة التاريخ يجد أن المرأة الشاعرة تمتعت بحقوق التعبير منذ العصر الجاهلي فمثلا عند المعتقدات البدائية لدى العرب أنثوا الآلهة المقدسة فقد حملت بعض آلهتهم في الجاهلية أسماء مؤنثة مثل (اللات ) و(العزى) و (مناة) فلا يخفي على أحد أن بعض القبائل العربية كانت تنسب للأم مثل (خِندَف) و ( طُهية) , (بجيلة) كما أن بعض الشعراء نسبوا إلى أمهاتهم مثل (ابن الدمينة) و (ابن ميادة) , ( خفاف بن ندبة) و (سليك بن سلكة) و (ابن الطثرية) ومن ظواهر اتجاه اللغة للأنوثة من تأنيث المدن والقرى يقول ابن عربي (المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه) وفي صدر الإسلام جاءت العربية لتعظيم بعض الأشياء فلإنها كانت تميل إلى تأنيثه فالفاتحة (ام الكتاب) ومكة (أم القرى) والرأس (أم الدماغ) والمجرة (أم النجوم) وحتى أن القرآن جاء أحيانا على غير قاعدة التغليب التي تسمح للمتكلم أن يتناول جماعة الإناث بصيغة المذكر إذا كان بينهن ذكر واحد ففي سورة الحجرات آية 14 يقول المولى عز وجل (قالت الأعراب آمنا) فأنث الفعل مع أن الفاعل جماعة الأعراب بما فيهم ذكور وإناث(1) . والقرآن نفسه هو الذي أنصف وجود المرأة العربية قديماً يقول المولى عز وجل في سورة التكوير آية 9 (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت؟) فقد منع الله عز وجل دفن الإناث أحياء تكريما للأنثى هذا الكائن الحي الذي بدونه لن تستقيم دورة الحياة الطبيعية .. ويقول المتنبي : (وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ / ولا التذكير فخرٌ للهلالِ)
وإذا كنا عرفنا المرأة العربية كشريك أساسي بالحياة والمجتمع ولكننا لم نقترب منها كثيرا كشاعرة كفل لها مجتمعنا حق التعبير وليس أنسب لدى العرب من ديوانها كي تسجل النسوة أشجانها هي الآخرى عبر إيقاعه الشفيف فالشعر ديوان العرب كان وما زال.
وإذا كانت اللغة في علاقتها بالشعر في ظل مفاهيم الحداثة قد نفخ في شكلها اللغوي حتى أصبح ورما وسحق تحته جوانب الشعر الأخرى . تحت شعار تنشيط اللغة الشعرية.. ولا شك أن تنشيطها في غاية الأهمية ولكن.. بموازنة وتساوق وتناغم مع الجوانب الأخرى والحداثة بتأكيدها على اللغة كعامل حاسم في العملية الشعرية أعطت الفرصة لتضخيم الوهم اللغوي والذي طمس تحته العوالم الأخرى وهكذا أصبح الشعر عبر الكثير من نصوص الحداثة مهارة لغوية وشكلا لغوياً تسلطياً يذكرنا بعنف التقنيات الذي هو عنف عقلي تم على حساب العفوية والبساطة والجمال والروح في الشعر (2).
والدكتور محمد مندور قد نفى حتى مقولة ابن قتيبة بأن اللفظ في خدمة المعنى.. وفرق بين أدب الفكرة (الأسلوب العقلي) الذي يقصده ابن قتيبة وبين الأسلوب الفني .. فمن اليسير القول (إن وقت الظهيرة قد حان) فتؤدي المعنى الذي نريد نقله إلى السامع.. هذا من ناحية الفكرة أما من الناحية الفنية كقول الأعشى (إذا انتعل المطي ظلالها) للتعبير عن نفس المعنى فنحس أنها عبارة فنية قصد منها خلق صورة رائعة لا إلى أداء فكرة .. وذهب الدكتور مندور أيضاً إلى أبعد مما قاله ابن قتيبة بأن المعنى الواحد يمكن أن يعبر عنه بألفاظ مختلفة.. فقد ذهب إلى أن المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه إلا بلفظ واحد .. حيث برر ذلك بأن اللغات لا تعرف ولا يجب أن تعرف الترادف وأمر الألفاظ كأمر الجمل والكتاب الحقيقي هو الذي لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة .. التي تحمل ما في نفسه حملا أميناً(3).
* لماذا الارتباك عند طرح النسوية؟
مفهوم الكتابة النسوية الذي أقصده جاءت من مفردة النسوي أو النسائي بمعنى محايد ولم تأت بمعنى المفاضلة بين (الذكورة والأنوثة) فقد جاءت محايدة حتى لا تثير أي نعرة شعوبية كما يزعم البعض أن هناك انحياز للثقافة العربية واللغة خصوصاً للذكورة على حساب الأنوثة..
لا يصلح القول أن الشعر أنوثي أو الشعر ذكوري لأن ( المؤنث والمذكر) صفتان لغويتان لا ترتبطان بحقيقة الانتماء الجنسي فهناك المؤنث الحقيقي مثل (فاطمة وهند) وهناك أيضاً المؤنث المجازي مثل ( شمس, أذن) وهناك مذكر لحقت به علامة التأنيث مثل (طلحة ومعاوية) ويسمى المؤنث اللفظي (4) .
إذن فالمؤنث والأنثوي لا يؤديان معنى النسوية الذي أقصده هنا .. وحتى لا يكون طرح النسوية حصان طروادة الذي يسمح لبعض الحركات السياسية .. التي تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة بالدخول إلى قلعة الانتماء الجنسي ومحاولة السطو على دلالة النسوية.
* من يثأر للبسوس؟
لقد فشل فريق الحداثيين الجدد في التحريض على خروج المرأة من جناح الحريم – كما يزعمون – (الموروث الأخلاقي) فانتقلوا إلى التحريض في إنتاج نصوص تنتقم من شهريار. وما زاد الطين بلة تقسيم الأدب إلى (أنثوي - ذكوري) .. حتى المرأة المتلقية لم تنجُ من فخ التحريض .. لكي تصبح أكثر شعوبية. ولأن آلة التحريض لا تهدأ أبدا.. فلقد قسموا المرأة الأدبية إلى ثلاث مناطق :
الأولى : الأنثى المتمرد .. على السلطة الذكورية
الثانية: الأنثى المحايدة .. وتحول الجسد إلى أبجدية
الثالثة: الأنثى الثقافية .. بمخزونها التراكمية من تهميش وإقصاء(5)
وهذه الآلة لا تهدأ للتربص بالمنجز النقدي العربي .. فأحسن التشبيه (هو ما أوقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها حتى يدني بها إلى حال الاتحاد) ومن التشبيهات الجيدة عند العرب يقول أوْس بن حَجَر (لها صرخةٌ ثم استكانةٌ .. كما طرَّقتْ بنفاسٍ بكرُ)(6) حيث شبهارتفاع أصواتهم في الحرب تارةًَ وانقطاعها تارة ً أخرى كالمرأة التي تجاهد عند الولادة فهل التشبيه يؤجج ألسنة المفارقة؟!
هل هي مفارقة الاختلاف والتضاد أم الإنسان وبيئته ؟! ولابد للمفارقة الجيدة من طرفين وبين كل طرف والأخر قدر من الاتفاق .. والاختلاف وكذلك قدر من العلم وقدر من الجهل بالطرف الأخر والمفارقة تختلف في درجاتها وعمقها (7).
وعلى الرغم من المفارقة بين ما تنتجه نصوص الحداثة من مهارة لغوية تحت مسمى (التخييل) للبلاغة الجديدة وبين ما تنتجه النصوص التفعيلية من تشبيه واستعارة وكناية مسمى (البيان) للبلاغة القديمة إلا أن الاستمرارية للذي يملك القدرة على مزج اللون والصوت والحركة دون نفي الطرف الأخر . وحتى يتجلى الخيال الجزئي لا الكلي .
ومن منطلق مفهوم (الشاعر يولد .. ولا يصنع) نستطيع أن نؤسس لمرحلتين هامتين : ففي المرحلة الشعر البيتي : ظهرت صورة شعرية مرتبطة بالبيئة العربية آنذاك عبر ألفاظ (الصحراء – العير – الخيام – النخيل – القوافل وغيرها ) وبان ذلك جليا في أشعار الخنساء ( تماضر بنت الشريد) وفي أشعار سلمى بنت المهلهل وسعدى بنت الشمردل وليلى الأخيلية وصفية بنت المطلب والولادة بنت المستكفى وعلية بنت المهدي وعائشة التيمورية و روحية القليني وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
عندما انتقل الشعر العربي إلى مرحلة الشعر التفعيلي (الحر) تأثرت الشاعرة العربية بمفردات يومية وحياتية معاصرة .. حتى استطاعت أن تخلق عبر صورها الخصبة في آفاق جديدة مثل ( أحمر الشفاه – الحقيبة) وغيرها من الألفاظ .
وكذلك ظهرت نبرات الخطابة نظرا ً لوقوع الوطن العربي تحت نير الاحتلال .. للتطلع نحو الحرية والاستقلال .. وعلى الرغم من أن غالبية تلك الشواعر كتبن الشعر الكلاسيكي أيضا ً ويتضح من ذلك أن المرأة العربية الشاعرة هي أيضا ً استطاعت أن تماهي المتغيرات التي طرأت على النص الشعري الحديث والآني. مثل نازك الملائكة وملك عبد العزيز وسلمى خضراء الجيوسي وفدوى طوقان وسعاد الصباح.. وغيرهن .. وللوقوف على ما أنتجته الصورة البلاغية القديمة .. بالتباين مع الصورة البلاغية الجديدة .. نطرح سؤالاً.. هل الحداثة الأدبية .. بضاعتنا التي ردت إلينا أم هي تشتهي فقط القطعية المعرفية مع المنجز النقدي والموروث الشعري أم هي تسمح بالتوافق .. وأخذ ما يوافقنا وترك ما لا نحتاجه.
* المنهج :
لقد قامت البلاغة القديمة على ثلاث أركان :
1. البيان 2. المعاني 3. البديع
أ- البلاغة القديمة (البيان)
لقد ظلت العلاقات اللغوية تتأرجح بين المشبه (الشيء المراد تشبيهه) والمشبه به (الشيء الذي يشبه به) وبين وجه الشبه (الوجه المشترك بين الطرفين ويجب أن يكون أقوى وأشهر في المشبه به منه في المشبه) وبين أداة التشبيه(8).
وظهر أيضاً التشبيه المقلوب : وهو جعل المشبه .. مشبهاً به بإدعاء أن وجه الشبه فيه أقوى وأظهر كقول الشاعر (أحن لهم ودونهم فلاة .. كأن فسيحها صدر الحليم)
فبلاغة الكناية كانت في أنها تصنع لك لمعاني في صور المحسّات وتجعلك ترى ما كنت تعجز في التعبير عنه واضحاً ملموساً كقول الخنساء في أخيها صخر : (طويل النجاد .. رفيع المعاد .. كثير الرماد إذا ما شتا)(9).
أما سر بلاغة التشبيه كانت في تأليف ألفاظه وابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان وربط المعاني وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيد لا يكاد ينتهي .. كقول المتنبي (من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ).
أما سر بلاغة الأستعارة .. تدل من ناحية اللفظ على تناسي التشبيه ويحيلك عمداً على تخيل صورة جديدة ينسيك روعتها ما تضمنه الكلام من تشبيه خفى مستور كقول دعبل (لا تعجبي يا سلم من رجل .. ضحك المشيب برأسه فبكى)(10).
لقد نزع الشاعر العربي إلى إخفاء التشبيه لأن التشبيه كلما دق وخفى كان أبلغ في إنتاج صورة البلاغية القديمة.. أما المجاز الذي يصور المعنى باطلاق الكل على الجزء مثل اطلاق العين على الجاسوس والحافر على الخير وأحيانا يسند الشاعر الفعل إلى المصدر فيصبح المجاز مجازاً عقلياً مثل قول أبي تمام
تكاد عطاياه يجل جنودها .. إذا لم يعوذها برقية طالب

الجوهري
01-01-2008, 12:37 AM
تابع
ب- البلاغة الجديدة (الانزياح):
وفي إطار العصرنة نجد التفكيك كما يقدمه (دريدا) أكثر مشاريع الحداثة وما بعد الحداثة ارتباطاً بالمزاج الثقافي الأمريكي خاصة من كونه امتداد لفلسفة (كانط) الذي يقطع التفكيكيون معه شوطاً كبيراً في تأكيده للذات ثم يتخطونه حينما يدخلون مرحلة الشك في حالة فشل كل من الذات والعلم في تحقيق المعرفة اليقينية .. لقد وجد الأمريكيون ضالتهم في مبادئ التفكيك عن الصراعات غير المنتهية والمراوغة الدائمة والدلالات اللانهائية بعد أن استوردها من أوروبا(11) واستوردناها نحن رغم أن أرضنا ليست أرضاً خصبة لفرض مانفستو حداثي وإكسابه صك الشرعية .. مانفستو قد أجهض أصلاً على أيدي عرّابية.
على الرغم من أن قصيدة النثر تحاول أن تكتسب شرعية .. ورغم أنها أيضاً في مرحلة التجريب وتسرعت في تحديد اسم لها قبل التوصل لنتائج هذه التجارب .. لكن لابد أن نعترف أنها واجهت الشعر العربي التفعيلي بهناته .. وغفواته ومن منطلق الشراكة .. نستطيع .. أن نقول أننا شركاء سواء التفعيليين أو الحداثيين العرب .. في النهوض .. بالأخطار المحدقة.. بالكيان الثقافي العربي .. فلن ينجو أحد من السفينة لو ثقبت .. وتسللت مياه المد والهيمنة إليها .. ولا أستطيع أن أجزم أن تعريف ابن خلدون هو التعريف النهائي للشعر .. عندما قال (الشعر هو كلام المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن) لأن السكاكي أضاف بأنه (كلام موزون مقفى يشترط فيه نية القصد)(12) ويقول الجحمي .. يضرب حجراً في الماء الآسن.. (للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات)(13)
أما الحداثيون العرب يحددون المكون النووي الشعري من خلال عدة محاور :
• المحور الأول : العلاقة اللغوية التي يهيمن عليها غياب المرجع (التخييل) وهو محور مهم بالنسبة للتفكيكين ونظرتهم لما بعد الحداثة وأنا أسمّيها البلاغة الجديدة (الانزياح)
• المحور الثاني: التفتيت الزمني
• المحور الثالث : الإيقاع النغمي ( النبر التنغيمي) ..الذي تم إقصاء الوزن والقافية واعتبارهما من العناصر الجمالية للنص .
وسينصب اهتمامي بالعنصر الأول لدى الحداثيين العرب .. الذي اشترطوا وجوده في النص الشعري كي يصبح شعراً وهو عنصر العلاقة اللغوية التي يهيمن عليها التخييل وغياب المرجع والانتقال من عالم واقعي إلى عالم خيالي ولم يشترطوا عدم توافره في كل سطر شعري داخل القصيدة بل أجازوا تحقق التخييل ولو مرة واحدة بالنص الشعري.
ويبرهنون على ذلك عندما تدخل الكلمة في جملة يسيطر على مدلولها بعض التغييرات وربما اكتسبت معنة جديداً بفعل علقتها السياقية مع مفردات أخرى وهنا تكون الإحالة المرجعية إلى المعجم أو التركيب النحوي مع مفردات أخرى..
ولكن حين تدخل هذه الجملة في سياق تركيب أدبي وبخاصة في تلك التراكيب التي لا تكون فيها منطقية أو مرجعية إلى عالم واقعي وهذا النوع الذي يغلب استخدامه في التراكيب الشعرية ويتكئون أيضاً على أن المرجعية هنا لا يكفيها ولا يحددها المعجم والسياق (النحوي) والمعرفة بالعالم الخارجي . و إنما تحتاج إلى امكانية حدوثها في عالم ما والانتقال من عالم واقعي إلى عالم خيالي. وبذلك يكون المرجع بهذا المعنى قد ضم كل البني والتراكيب البلاغية.. للصورة الحديثة والتي تمثل الانزياح أو الانحراف الدلالي للغة مثل : (سماء تبكي .. وأرض تستحم بحزنها) .. فالعنصر المشترك بينها هو غياب المرجع .
وإذا سلمنا وجهة نظرهم فهل نستطيع تطبيق هذا الشرط لتحقيق شاعرية النص البيتي والتفعيلي (الحر).. رغم حتمية نسوية النص الشعري آنفاً على الرغم من الاختلاف والتنوع الزماني والجغرافي ومتغيرات البيئة الماضوية والآنية .. في الخطاب الشعري لدى المرأة العربية الشاعرة فهل ينجح ذلك.. وهل تجتاز الفخ الحداثي ولا تقع نصوصها الشعرية وصورها في شركة ونظل كالمتفرج في السيرك هم يأتون بأطروحات وحركات بهلوانية الغرض منها المتعة فقط ليس إلا ناهيك عن (كسر التابو) ونحن ننقسم إما أن ننساق وراء مصطلحات النقد المستوردة كي نجاريهم في ترهاتهم وإما التقوقع داخل النص وترك فراغات يرتعون فيها .. لماذا هذا الالتفاف حول التراث الشعري الذي لم يكن للعرب علم أعلم منه ومأزق الشاعر العربي .. قديماً كما يرون هو : " إذا وجدت علاقة لغوية لها مرجع حقيقي في ثقافة ما (بيئة ثقافية بعينها) ولكن هذه الصورة أو العلاقة اللغوية نفسها تتخذ سمة غياب المرجع في ثقافة أخرى ( احتمي في بيتي الثلجي) .. العلاقة هنا بالنسبة لمتلقي الإسكيمو مثلا علاقة حقيقية .. تحقق فيها وجود المرجع. لكن إذا استقبلها متلقي آخر يحيا في بيئة أخرى غير الإسكيمو (في الصحراء مثلا) هذه العلاقة اللغوية فإنها ستكون له مجازاً .. تتحول إلى علاقة لغوية يسيطر عليها غياب المرجع.
ربما العلاقة اللغوية التي يسيطر عليها غياب المرجع تكتسب بفعل الزمن حضوراً للمرجع فتحول العلاقة من دائرة المجازية إلى دائرة الحقيقة مثل (رجل نعامة) فإن المدلولات قد تعددت فهل المقصود (الجبن – أم الخجل – أم الضعف ) .
أما إذا دخلت العلاقة اللغوية سياق الاستخدامات اليومية العادية مثل (رجل فيل) فالمرجع فيها غير غائب لأنها أصبحت تدل على السمنة المفرطة" . (14)
وأنا هنا لست مبرراً لذبح شياه التراكيب اللغوية على أعتاب معبد الحداثة .. ولايستطيع أحد أن يصادر صورة شعرية مهما كانت لا تفي بالمعيار التفكيكي فالغوص في بحار التخييل النسوي يعد دلالة من دلالات حداثة الشاعرة العربية التي سبقت حداثتهم بقرون .
فمن رصد ظواهر الكتابة النسوية للشعر البيتي :
تقول (الخنساء) ترثي أخاها صخراً (إن صخراً لتأتم الهداة به .. كأنه علم في رأسه نار)(15).
لقد بلغت الخنساء بهذا البيت الشعري بما لم تبلغه شاعرة من شواعر بلاغتهم الجديدة فقد تحقق التخييل وغاب المرجع حيث شبهت أخاها صخراً بأنه علم تشتعل النار في رأسه لتأتم الهداة وأصحاب البطولات والشجاعة به هذه الصورة أليست كفيلة بإقناع هؤلاء بحداثة الشعر العربي البيتي.
- أما (ولادة بت المستكفي) فتقول مخاطبة الشاعر الأندلسي ابن زيدون :
( تمر الليالي لا أرى البين ينقضي .. ولا الصبر في رق التشوّق معتقي)(16).
ففي هذا البيت يتضح جلياً مدى براعة وتجانس المفردات .. التي ألفت صورة شعرية متفردة وغير مستهلكة .. حيث شبهت أن حتى الصبر لن يعتقها من رق التشوق والحب كأن التشوق عبودية وإذلال لقلب المرأة العربية المرهف.
-أما (ليلى الأخيلية).. التي عرفت بعشقها لتوبة.. تقول :
( تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا .. جزعاً وتلقانا الرفاق بحورا)(17).
وتفتخر بأن السيوف تبقي لو فارقت أيدي قومها كأن السيوف طفلاً يبكي إذا فارق الأم (يدا الفارس) .. لاحظ قوة العاطفة والتحامها مع البيئة
- وها هي الشاعرة (عائشة التيمورية) تقول
دعاني المشيب إلى حانه .. فعجبت لأملا وفاض السغب
فولى الشباب كنفح الصبا.. وفر .. وقر بوادي الريب (18)
فهي تشتكي الأيام وما فعلت بها وصورت أن الشيب دعاها إلى حانته فانحنت لكي تملأ وفاض الجوع فانتقلت في البيت الأول من عالم واقعي إلى عالم خيالي وأن الشباب أيضا كالصبا واستكان بوادي الشكوك .
ومن رصد ظواهر الكتابة النسوية للشعر التفعيلي:
تقول الشاعرة الفلسطينية (سلمى خضراء الجيوسي) تقول في إحدى قصائدها
أنت جميلٌ وميت..
تغربت عني وأمعنت في الموت..
تعريت من قبلاتي ..
تخلصت من جلدك النفجيّ..
تفيّأت ظلاً مقيماً (19)
لاحظ المفارقة بين الجمال والموت .. قد تحقق عنصر التخييل .. عندما قالت في السطر الخامس (تفيّأت ظلاً مقيماً) ورؤية الذات في نظرتها للعالم
- أما مواطنتها الشاعرة (فدوى طوقان) التي عاشت بالأردن عندما تقول ..
الصمت والظل وأفكارها
رفاقها
والسرحة الحانية
ماذا؟!
تموتين؟!
فوا حسرتاه
على عروس الروض بنت الربيع
أهكذا في فوران الصبا
يطويكِ إعصار الفناء المريع
وحيدة لا شيعتكِ الربى
ولا بكى الروض بقلب صديع(20)
لاحظ المفردات وكيف استطاعت أن تنسج نسجاً غير مألوف كيف استطاعت أن ترثي تلك الصبية التي تموت وحيدة في فوران الصبا بلا رفيق إلا الصمت والظل والأفكار الصبيانية .. إن هذه المقطوعة مليئة بالصور الخصبة المتلألئة .. لتحقيق التخييل البكر في معية الطبيعة
- أما الشاعرة العراقية (نازك الملائكة) في إحدى قصائدها تقول :
وجهك أخفاه ضباب السنين
وضمّه الماضي إلى صدره
ألقى عليه من شبابي الحزين
أحزان قلب في ذهره(21)
لاحظ السطر الشعري الثاني (وضمّه الماضي إلى صدره) استطاعت الشاعرة أن تنتقل من عالمها الواقعي إلى عالم التخييل (الممكن) وتقول الشاعرة ملك عبد العزيز في إحدى قصائدها:
بثوب الصبح صافحني نسيم شذاك
بثوب الصبح عطرك شاع في الآفاق
أتيت الأمس لم نلقاك
ولم نهزج نبض هواك
بقلب الكهف كنا نشرب الظلمات
عناكب يومنا سدت علينا الباب (22)
لاحظ (صافحني نسيم شذاك) وكذلك (كنا نشرب الظلمات) تستطيع أن تقول أن ملك عبد العزيز أميرة التخييل العربي المعاصر.
- وكذلك تقول الشاعرة (سعاد الصباح):
أيها المحتلني
من غير إنذار وخيل وجنود
أيها الساقط فوقي كالرعود
كان لي قبلك أرض وحدود
وأضعت الأرض في الحب
وضيعت الحدود (23).
إن سعاد الصباح .. قد تمرددت حتى على التخييل المعتاد .. وتجاوزت حتى سقف التخييل للحداثيين العرب
لاحظ في .. ( أيها المحتلني) أن هذا الاحتلال من غير إنذار وخيل وجنود وأيضاً لاحظ كيف ضاعت أرضها وحدودها من سطوة المستعمرين من هذا كله .. يتضح لنا .. أن القانون في الشعر الجيد أن يكون الإيهام فيه ظاهرياً وحسب فإذا تأمله الناقد أو القارئ والمتذوق وجده واضحاً بحالة في دلالة إنسانية عامة .. وإنما أخطأ هؤلاء الشعر في فهم مذهب الغموض على عادتهم بسبب أنهم مطلعون على الأدب الغربي إطلاعاً عابراً ودونما دراسة جيدة له وبذلك تحول الإيهام الجميل الذي هو سر الشعراء والشاعرات وأصل فتنة إلى تعقيد مصطنع سببه ضعف الموضوع وفوضى الصور وركاكة الروابط وقلة المحصول اللغوي وليتهم يتلقون دروساً في بلاغة الإبهام من شاعرتنا وشعراء العرب القدامى ..(كالمعري وابن الفارض وبشّار وابو نوّاس والشهروزي مثلاً) وإذا أصروا على الاستقاء من الغربيين فمالهم لا يتعلمون الإيهام الرائع التعقيد حيث الغموض الجميل في التفاصيل العابرة دون الهيكل العام وحيث يبدو التعقيد وكأنه منقول من الحياة الكبيرة ليكون درساً للفكر الإنساني وإشارة إلى المجهول والخفي والعميق الذي يبهر الخيال ويفتن الذهن (24).. فما زال عالقاً في الذهن .. بيت ابن حجة الذي عاب على قول الشاعر في وصف الروض
( كأن شقائق النعمان فيه .. ثياب قد روين من الدماء)
لأن الشاعر قد شبه شيئاً ترتاح له النفس وتلذه (شقائق النعمان) وهو من الزهور بشيء تنفر منه وتستبشعه (الدماء)(25) رغم التشبيه المضيء..وهذا يدل على حرص الناقد العربي قديماً .. على الاهتمام بالتخييل دون حاجة إلى فخ حداثي.. قد اجتازته شاعرات القصيدة العربية من العصر الجاهلي حتى العصر الآني بإنتاج بلاغة جديدة وأنا أتفق مع الرأي القائل أن الشعر هو اللاحقيقة واللاواقع وأنه ليس ضد الواقع والحقيقة وإنما هو هروب من الحضور إلى الغياب ومن العقل إلى الخيال (26) . ولكن إذا كان ذلك لا يسحق الجوانب الأخرى للشعر وربما حتمية التخييل هي التي أجبرتني على الدخول إلى سرداب الشعر لكشف أغوار الكتابة النسوية في شعرنا العربي المفترى عليه.. قاصداً الدلالة التخييلية .. بلا مفاضلة فهل يتعلم الحداثيون من شاعراتنا العربيات .. ماهية التخييل التي ليست مهارات لغوية ؟!

الجوهري
01-01-2008, 12:39 AM
تابع
* المصادر والهوامش:
1. د. محمد عبد المطلب / بلاغة السرد النسوي / كتابات نقدية الهيئة العامة لقصور الثقافة/ 2007 ص 21-22
2. د. نبيل عبد العزيز عيد / أوهام الحداثة/ مجلة الثقافة الجديدة / عدد 149/ ديسمبر 2002 ص 193
3. د. محمد مندور / النقد المنهجي عند العرب/ مكتبة الأسرة / الهيئة العامة للكتاب /2007 ص 32-33
4. د. محمد عبد المطلب/ بلاغة السير والنسوي/ ص 18-19 .. نفس المصدر رقم 1
5. نفس المصدر رقم 4 ص 27-39
6. أبو الفرج قدامة بن جعفر – نقد الشعر- لبنان – المكتبة البولسية 1958 ص 78
7. صابر فرج – نقد على نقد – مجلة الثقافة الجديدة – القاهرة عدد 156 مايو 2005 ص 101 المصدر رشاد رشدي نظرية الدراما
8. علي الجارم ومصطفى أمين – البلاغة الواضحة – القاهرة – دار المعارف 1996 – ص 19
9. المصدر نفسه ... ص 131
10. المصدر نفسه ...ص 105
11. د. عبد العزيز حمودة – المرايا المحدبة – المجلس الأعلى للثقافة والآداب – الكويت 1998م – ص 166,ص 167
12. قصيدة النثر- د. محمود الضبع – الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلكه كتابات نقدية عدد (138) القاهرة – سبتمبر 2003 ص 29, الشركة الدولية للطباعة
13. المصدر نفسه ... ص 27
14. المصدر نفسه .. ص 185 , ص 188, ص 254, ص 255
15. شاكر النابلسي – فدوى طوقان والشعر الأردني المعاصر – الدار القومية للطبع والنشر . عدد (143) 1966 ص 48.
16. د. محمد عناني – أشعار المرأة العربية في الجاهلية والإسلام – الهيئة المصرية للكتاب – القاهرة . 1997 ط 1 ص 125
17. المصدر نفسه ص 106
18. ديوان عائشة التيمورية تحقيق محمد أبو المجد – الأمل للطباعة والنشر – القاهرة – 2004 – ص 110
19. مختارات الشعر الفلسطيني – كتاب في جريدة – مؤسسة الأهرام . 1998 ص 15
20. شاكر النابلسي – فدوى طوقان والشعر المعاصر - - الدار القومية للطباة والنشر العدد (143) 1966 ص 9
21. المختار من شعر نازك الملائكة – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة 1999 ص 35
22. ملك عبد العزيز الأعمال الكاملة – ديوان بحر الصمت – مكتبة مدبولي – القاهرة 1990 ص 385.
23. المختار من شعر سعاد الصباح – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – تقديم د. محمد عناني 2001 ص 90
24. نازك الملائكة – سيكولوجية الشعر – الأمل للطباعة والنشر – الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلسلة كتابات نقدية عدد (98) القاهرة – يناير 2000 ص 2 , ص 203
25. ابن رشيق القيرواني – العمدة – دار الجيل – بيروت 1981 ص 300
26. صابر فرج – نقد على نقد – مجلة الثقافة الجديدة – القاهرة – عدد 156 مايو 2005 , ص 102

عطاف سالم
01-01-2008, 12:48 AM
سلام الله عليك ..
دخلت هنا مرحبة بكَ .. قلماً أريباً وأديباً بين فيافي الأروقة الزرقاء ..
نعم المسكوب هنا ..
أشكرك كثيرا
ولك التحية وكامل التوقير والتقدير
سأعود للقراءة مرة أخرى

محمد إبراهيم الحريري
02-01-2008, 12:51 AM
أخي الجوهري
تحية طيبة
مشرق قلمك بلغة عالية التموسق ، ناهضة بالفكر إلى مقام السمو .
شكرا لك على ما نثرت من رؤى تخلق لدينا فكرة تتمحور بها أخيلة بيانية التصور قائمة على إشراقة قلمك .
تقبل تحياتي
لي قراءة ثانية لما أكرمتنا به

الشربينى خطاب
01-05-2008, 01:02 AM
الشاعر عبد الناصر الجوهري
مرحباً بك في الأروقة
خالص تحياتي

د. سلطان الحريري
02-05-2008, 03:03 PM
يبدو أنه لن يشفع لي قول الشاعر : ( لآت بما لم تستطعه الأوائل ) ، ولكنني أعترف بالتقصير في الوصول إلى منابع الألق هنا ، فقد قرأت لك نقدا يضع النقاط على حروف الكتابة النسوية .
كثيرا ما فكرت بالسمات الفارقة لأدب الجنسين ، وذهبت إلى كثير مما ذهبت إليه في دراستك هذه ، وأعترف بأنني لم أقرأ منذ فترة دراسة نقدية سامية الفكرة ، وواعية الطرح كهذه الدارسة .
سعيد بالقراءة لك
ودم مبدعا