مأمون المغازي
09-10-2007, 05:19 AM
.
تأمل في نص ( اعتذار )
للأديبة الأستاذة : حوراء آل بورنو
بداية نحن أمام أديبة تقدر قيمة الكلمة ، وتحترمها احترامها لذاتها ، هي أديبة منحها قلمها قوة تميزها على الكثيرين ، فالقلم الحورائي قلم سلطاني يحمل رسالة الفكر والقلم ، فإذا اجتمع هذان العنصران فالفاتحة تكون الإيمان واليقين . من هنا تستمد حوراء آل بورنو مدادها لتعالجه ببعض من روحها وتجاربها وتجارب الآخرين ، فالحرة لا تتعامل مع الفكر المجرد وحده ، وإنما تتعامل مع نفسها أولاً فتغزل منها ولها ديباج الكلمة التي لا يستطيع الزمن إعطابها ، وتتعامل مع الحقائق والأوهام فتعالج الأخرى بالأولى وفق منهج فكري وأدبي وكتابي له طابعه الخاص ، هذا الطابع المعتمد على الجزالة ، والدقة في التعبير واعتماد البيان كأهم وسيلة للتعبير البلاغي ، وحوراء آل بورنو لا تتعمد خلق الصور ؛ فهي لا تفضل ابتداع صورة لا محل لها من القول وإنما يبقى اللفظ سيدًا بذاته فإذا تناسب الخيال مع حال الكتابة أتت الصورة الطبيعية البكر ، حتى لو أن هذه الصورة أتت تقليدية أحيانًا فيحسب لها أنها غير متكلفة وهي جديدة وفق النسق العام للموضوع وخادمة لفكره .
سأتناول في هذه الصفحة نصًا قديمًا من نصوص أديبتنا حوراء آل بورنو ، ولنعتبر هذه المصافحة الأولى مع أعمال الحرة .
النص :
اعتذار
رفيقة طفولتي .. أنيسة غربتي .. بل شقيقة روحي ..
أعلم أني قد أسأت إليك .. وبيديّ هاتين نزعتك من أرضك .. وسقتك إلى حتفك ..
لقد كنت لي .. مستودع أسراري .. و نافذة أحلامي .. بل كنت لي مرآة أرى فيها نفسي ..
لقد حفظتك سنوات بين أهدابي .. ورعيتك أعواما بين حنايا قلبي .. عزيزة .. غالية ..
كلما نظرت إليك .. أرى مغناي القديم .. وساحاتي التليدة .. فتطوف بي رؤى جمال لا يغيب .. وسعادة لا تموت .. فتزورني ابتسامة طال غيابها .. ودمعة شوق لربوع بعدت شقتها ..
إني لأشم رائحتك .. وكأنك هنا .. بين يدي .. فتحملني نسائمك إلى تلك التلال .. وتلك السفوح .. و أعود طفلة صغيرة .. أذهلها جلال الله ..
رفيقتي .. ما عرفتك إلا قوية .. عزيزة النفس .. نسيجة وحدك .. فما بالكِ تحنين رأسك .. وتثنين جسدكِ .. أتحقدين عليّ !!
لقد دارت علي الدوائر .. وأنبت لي الزمان أشواكا .. و قلب لي الدهر ظهر المجن ..
فزلت قدمي .. وكبا جوادي .. وطاش سهمي .. أفلا أجد لي عذرا عندك!!
كنت أظن أن خيوط الفجر بدأت تنسج لي ثوبا .. فما أحببت أن تشرق الشمس على أرضي .. إلا وأنت مغروسة فيها .. ترسمين فوق أديمها أعراسا .. تبهج القادم من أيامي .. كما كنت بهجة الماضي ..
فإذا الفجر كاذب .. وأرضي مقيم ليلها .. فلا زهرا جنيتُ .. ولا عليكِ أبقيتُ ..
فعذرا ..
اعتذار خجول لزهوري .. شقائق النعمان ..
يوم أن جمعتها .. وبيديّ وهبتها .. وعلى قارعة الطريق .. وجدتها ..
العنوان : اعتذار
رائع أن الكاتبة لم تضف الكلمة أو تنسبها أو توجهها ، فقد اتت على الإطلاق ، وقد أدى هذا إلى توافق دلالة العنوان مع الحالات التي تضمنها النص ، كما أن هذا الإطلاق بالتنكير لافت للمتلقي ليدخل إلى النص بفكر المتسائل الذي تتوالد فيه الأسئلة من أسئلة .
المتن :
تراوح النص بين الرسالة لخاص ، والرسالة في المطلق ، وهذا دليل التوافق بين الكاتب والحالة الخاصة من ناحية ، وحالة الكل من ناحية أخرى ؛ فالكاتبة تضع القارئ أمام نفسه مرة ليكون هو المتحدث الباعث للرسالة مرة ، وتفتح باب النقاش مع النفس على العموم مرة أخرى ، والكاتبة ترسل رساة للغائب بالفعل الحاضر بالقوة ، فأزهارها ليست أمامها لتخاطبها وإنما أزهارها في ذاتها ، وهنا نبدأ في التعامل مع هذا التجسيد والاستحضار للغائب وتعقيله فالزهور هنا تحولت للعاقل النابه والذي دعم كل هذا تلك المتواليات من الصور .
الدخول :
اعتمدت الكاتبة هنا على دخول حالم هامس لا يخلو من الانكسار والشعور بالذنب يبدو كأنه مصورٌ في هذا الخطاب المباشر :( رفيقة طفولتي .. أنيسة غربتي .. بل شقيقة روحي .. ) المعتمد على تفصيل سريع أتبعه إجمال حميمي في قولها : شقيقة روحي الذي سيزاوج الغرض من الرسالة ؛ فالزهور هي شقائق النعمان ، هذا التلاقي الذي يلقي بظلال الجراح والتمزق وبه طيف تماسك .
أعلم أني قد أسأت إليك .. وبيديّ هاتين نزعتك من أرضك .. وسقتك إلى حتفك ..
لقد كنت لي .. مستودع أسراري .. و نافذة أحلامي .. بل كنت لي مرآة أرى فيها نفسي ..
لقد حفظتك سنوات بين أهدابي .. ورعيتك أعواما بين حنايا قلبي .. عزيزة .. غالية ..
كلما نظرت إليك .. أرى مغناي القديم .. وساحاتي التليدة .. فتطوف بي رؤى جمال لا يغيب .. وسعادة لا تموت .. فتزورني ابتسامة طال غيابها .. ودمعة شوق لربوع بعدت شقتها ..
لو تأملنا الفقرة السابقة بعد الدخول نجد الكاتبة تزاوج بين العلم والرؤية ، فالعلم هنا قارب اليقين والإقرار بالذنب وقد اقترن هذا بالتوكيد اليقيني ( لقد ) ، وهذا كله في معرض استحضار للذات الودود الحريصة على هذه الأزهار لما لها من علاقات متداخلة مع المتحدث ذاته ومن خلال هذا السياق بأسلوبه التقريري يأتي دور الأسلوب الخبري هنا في استعراض تاريخ المتحدث من خلال تاريخ العلاقة بالمخاطب ، وتعتمد الكاتبة هنا كثيرًا على الالتفات ؛ فهي مرة تستخدم الخطاب ، وتلتفت إلى التكلم عائدة مرة إلى الأول ومراوحة بالآخر ، وقد أضفى هذا على هذه الفقرة روح التقرير والإقرار وهذا محسوب للكاتبة ؛ فقد زاوجت هنا بين حال المخاطب والمتكلم في نسق ينطوي على شاعرية رقيقة ناسبت الحالة .
إني لأشم رائحتك .. وكأنك هنا .. بين يدي .. فتحملني نسائمك إلى تلك التلال .. وتلك السفوح .. و أعود طفلة صغيرة .. أذهلها جلال الله ..
رفيقتي .. ما عرفتك إلا قوية .. عزيزة النفس .. نسيجة وحدك .. فما بالكِ تحنين رأسك .. وتثنين جسدكِ .. أتحقدين عليّ !!
لقد دارت علي الدوائر .. وأنبت لي الزمان أشواكا .. و قلب لي الدهر ظهر المجن ..
فزلت قدمي .. وكبا جوادي .. وطاش سهمي .. أفلا أجد لي عذرا عندك!!
ما زلنا أمام حالة من الاستدعاء ؛ فالكاتة هنا تستدعي الماضي من خلال العلاقة مع المخاطب معتمدة على الصور المتلاحقة في مشهد واحد محدثة نقلة نفسية وشعورية جميلة حين تخاطب الأزهار مخاطبة النفس حين تعدد خصال زهورها ، والذي قوى هذه العلاقة بين المتكلم والمخاطب قول الكاتبة ( نسيجة وحدك ) وكأنها سكبت نفسها في الزهور أو سكبت الزهور فيها ، وفي لحظة من التوحد تلتفت من الخطاب إلى التكلم مستعيرة الكنى من الأزهار لنفسها في حالة من التبرير ، لتطلع علينا بالسؤال المفاجئ الرائع ( أفلا أجد لي عذرًا عندكِ ؟! ) لتضعنا أمام حالة التماس لترفع مقام الأزهار في أسلوب امتزجت فيه الصور التخييلية بالواقع فكانت أقوى أثرًا .
كنت أظن أن خيوط الفجر بدأت تنسج لي ثوبا .. فما أحببت أن تشرق الشمس على أرضي .. إلا وأنت مغروسة فيها .. ترسمين فوق أديمها أعراسا .. تبهج القادم من أيامي .. كما كنت بهجة الماضي ..
فإذا الفجر كاذب .. وأرضي مقيم ليلها .. فلا زهرا جنيتُ .. ولا عليكِ أبقيتُ ..
فعذرا ..
هنا مع ترشيح التبرير دعم لالتماس العفو والصفح ، فالكاتبة تفصح عن آمالها في مستقبل لم يتحقق في مقابل ذكرياتها في الماضي الذي لم يدم ، وقد خدم الأسلوب الحكائي الغرض من الرسالة ، مؤكدة سلامة نيتها فهي لم تهدي الأزهار وإنما أرسلت بها لتنموا في البيئة الجديدة لتستقبلها فتربط حياتها الماضية بالمستقبلية ، مستخدمةً مبررًا جديدًا وهو متانة العلاقة بينها وبين الأزهار ، فقد غلبتها ثقتها في الآخر وسيطر عليها حبها لأزهارها ، واستشرقت المستقبل ، وعزمت ربطه بالماضي ، فالأمكنة لا تنتقل إلى أمكنة ولكن بعض ننقلها من أمكنتها تربطنا بأمكنة أخرى رباطًا يقارب الحقيقة ، وعلى الرغم من أن السياق كله يحمل الإشعار بالاعتذار إلا أن الكاتبة تختم بقولها ( فعذرًا ) قالتها ولم تقل اعذريني ، أو أعتذر لكِ ، أو ما إلى ذلك ، وهذا يعيدنا إلى تصورنا للتوحد بين المتكلم والمخاطب ، فنحن أمام عرض تجربة ذاتية في رسالة نصها متين ، لغته راقية ، وإحساسه دافق ، زاوجت فيه الأديبة بين فنون البلاغة والأسلوبية تفتيتًا وبناءً دعمًا لهذه الصور الجزئية التي اجتمعت في حزمة من التخييل الكلي في حالة من البوح الحقيقي المبني على التخييل الراقي .
اعتذار خجول لزهوري .. شقائق النعمان ..
يوم أن جمعتها .. وبيديّ وهبتها .. وعلى قارعة الطريق .. وجدتها ..
تذيل الأدية نصها بالعبارة السابقة التي تلخص فيها اتجربة بلغة رصينة وكأنها تمزج بين قديم اللغة وحديثها ، وكانت منطقية في البناء والعرض حين والتقسيم وهذا التدرج الذي نتجت عنه الحالة النفسية والشعورية المبدعة للنص .
سأعتبر هذه التأملات فاتحة لمحاورة نصوص أديبتنا الحرة .
محبتي واحترامي
مأمون المغازي
الكويت ، في التاسع من أكتوبر 2007
.
تأمل في نص ( اعتذار )
للأديبة الأستاذة : حوراء آل بورنو
بداية نحن أمام أديبة تقدر قيمة الكلمة ، وتحترمها احترامها لذاتها ، هي أديبة منحها قلمها قوة تميزها على الكثيرين ، فالقلم الحورائي قلم سلطاني يحمل رسالة الفكر والقلم ، فإذا اجتمع هذان العنصران فالفاتحة تكون الإيمان واليقين . من هنا تستمد حوراء آل بورنو مدادها لتعالجه ببعض من روحها وتجاربها وتجارب الآخرين ، فالحرة لا تتعامل مع الفكر المجرد وحده ، وإنما تتعامل مع نفسها أولاً فتغزل منها ولها ديباج الكلمة التي لا يستطيع الزمن إعطابها ، وتتعامل مع الحقائق والأوهام فتعالج الأخرى بالأولى وفق منهج فكري وأدبي وكتابي له طابعه الخاص ، هذا الطابع المعتمد على الجزالة ، والدقة في التعبير واعتماد البيان كأهم وسيلة للتعبير البلاغي ، وحوراء آل بورنو لا تتعمد خلق الصور ؛ فهي لا تفضل ابتداع صورة لا محل لها من القول وإنما يبقى اللفظ سيدًا بذاته فإذا تناسب الخيال مع حال الكتابة أتت الصورة الطبيعية البكر ، حتى لو أن هذه الصورة أتت تقليدية أحيانًا فيحسب لها أنها غير متكلفة وهي جديدة وفق النسق العام للموضوع وخادمة لفكره .
سأتناول في هذه الصفحة نصًا قديمًا من نصوص أديبتنا حوراء آل بورنو ، ولنعتبر هذه المصافحة الأولى مع أعمال الحرة .
النص :
اعتذار
رفيقة طفولتي .. أنيسة غربتي .. بل شقيقة روحي ..
أعلم أني قد أسأت إليك .. وبيديّ هاتين نزعتك من أرضك .. وسقتك إلى حتفك ..
لقد كنت لي .. مستودع أسراري .. و نافذة أحلامي .. بل كنت لي مرآة أرى فيها نفسي ..
لقد حفظتك سنوات بين أهدابي .. ورعيتك أعواما بين حنايا قلبي .. عزيزة .. غالية ..
كلما نظرت إليك .. أرى مغناي القديم .. وساحاتي التليدة .. فتطوف بي رؤى جمال لا يغيب .. وسعادة لا تموت .. فتزورني ابتسامة طال غيابها .. ودمعة شوق لربوع بعدت شقتها ..
إني لأشم رائحتك .. وكأنك هنا .. بين يدي .. فتحملني نسائمك إلى تلك التلال .. وتلك السفوح .. و أعود طفلة صغيرة .. أذهلها جلال الله ..
رفيقتي .. ما عرفتك إلا قوية .. عزيزة النفس .. نسيجة وحدك .. فما بالكِ تحنين رأسك .. وتثنين جسدكِ .. أتحقدين عليّ !!
لقد دارت علي الدوائر .. وأنبت لي الزمان أشواكا .. و قلب لي الدهر ظهر المجن ..
فزلت قدمي .. وكبا جوادي .. وطاش سهمي .. أفلا أجد لي عذرا عندك!!
كنت أظن أن خيوط الفجر بدأت تنسج لي ثوبا .. فما أحببت أن تشرق الشمس على أرضي .. إلا وأنت مغروسة فيها .. ترسمين فوق أديمها أعراسا .. تبهج القادم من أيامي .. كما كنت بهجة الماضي ..
فإذا الفجر كاذب .. وأرضي مقيم ليلها .. فلا زهرا جنيتُ .. ولا عليكِ أبقيتُ ..
فعذرا ..
اعتذار خجول لزهوري .. شقائق النعمان ..
يوم أن جمعتها .. وبيديّ وهبتها .. وعلى قارعة الطريق .. وجدتها ..
العنوان : اعتذار
رائع أن الكاتبة لم تضف الكلمة أو تنسبها أو توجهها ، فقد اتت على الإطلاق ، وقد أدى هذا إلى توافق دلالة العنوان مع الحالات التي تضمنها النص ، كما أن هذا الإطلاق بالتنكير لافت للمتلقي ليدخل إلى النص بفكر المتسائل الذي تتوالد فيه الأسئلة من أسئلة .
المتن :
تراوح النص بين الرسالة لخاص ، والرسالة في المطلق ، وهذا دليل التوافق بين الكاتب والحالة الخاصة من ناحية ، وحالة الكل من ناحية أخرى ؛ فالكاتبة تضع القارئ أمام نفسه مرة ليكون هو المتحدث الباعث للرسالة مرة ، وتفتح باب النقاش مع النفس على العموم مرة أخرى ، والكاتبة ترسل رساة للغائب بالفعل الحاضر بالقوة ، فأزهارها ليست أمامها لتخاطبها وإنما أزهارها في ذاتها ، وهنا نبدأ في التعامل مع هذا التجسيد والاستحضار للغائب وتعقيله فالزهور هنا تحولت للعاقل النابه والذي دعم كل هذا تلك المتواليات من الصور .
الدخول :
اعتمدت الكاتبة هنا على دخول حالم هامس لا يخلو من الانكسار والشعور بالذنب يبدو كأنه مصورٌ في هذا الخطاب المباشر :( رفيقة طفولتي .. أنيسة غربتي .. بل شقيقة روحي .. ) المعتمد على تفصيل سريع أتبعه إجمال حميمي في قولها : شقيقة روحي الذي سيزاوج الغرض من الرسالة ؛ فالزهور هي شقائق النعمان ، هذا التلاقي الذي يلقي بظلال الجراح والتمزق وبه طيف تماسك .
أعلم أني قد أسأت إليك .. وبيديّ هاتين نزعتك من أرضك .. وسقتك إلى حتفك ..
لقد كنت لي .. مستودع أسراري .. و نافذة أحلامي .. بل كنت لي مرآة أرى فيها نفسي ..
لقد حفظتك سنوات بين أهدابي .. ورعيتك أعواما بين حنايا قلبي .. عزيزة .. غالية ..
كلما نظرت إليك .. أرى مغناي القديم .. وساحاتي التليدة .. فتطوف بي رؤى جمال لا يغيب .. وسعادة لا تموت .. فتزورني ابتسامة طال غيابها .. ودمعة شوق لربوع بعدت شقتها ..
لو تأملنا الفقرة السابقة بعد الدخول نجد الكاتبة تزاوج بين العلم والرؤية ، فالعلم هنا قارب اليقين والإقرار بالذنب وقد اقترن هذا بالتوكيد اليقيني ( لقد ) ، وهذا كله في معرض استحضار للذات الودود الحريصة على هذه الأزهار لما لها من علاقات متداخلة مع المتحدث ذاته ومن خلال هذا السياق بأسلوبه التقريري يأتي دور الأسلوب الخبري هنا في استعراض تاريخ المتحدث من خلال تاريخ العلاقة بالمخاطب ، وتعتمد الكاتبة هنا كثيرًا على الالتفات ؛ فهي مرة تستخدم الخطاب ، وتلتفت إلى التكلم عائدة مرة إلى الأول ومراوحة بالآخر ، وقد أضفى هذا على هذه الفقرة روح التقرير والإقرار وهذا محسوب للكاتبة ؛ فقد زاوجت هنا بين حال المخاطب والمتكلم في نسق ينطوي على شاعرية رقيقة ناسبت الحالة .
إني لأشم رائحتك .. وكأنك هنا .. بين يدي .. فتحملني نسائمك إلى تلك التلال .. وتلك السفوح .. و أعود طفلة صغيرة .. أذهلها جلال الله ..
رفيقتي .. ما عرفتك إلا قوية .. عزيزة النفس .. نسيجة وحدك .. فما بالكِ تحنين رأسك .. وتثنين جسدكِ .. أتحقدين عليّ !!
لقد دارت علي الدوائر .. وأنبت لي الزمان أشواكا .. و قلب لي الدهر ظهر المجن ..
فزلت قدمي .. وكبا جوادي .. وطاش سهمي .. أفلا أجد لي عذرا عندك!!
ما زلنا أمام حالة من الاستدعاء ؛ فالكاتة هنا تستدعي الماضي من خلال العلاقة مع المخاطب معتمدة على الصور المتلاحقة في مشهد واحد محدثة نقلة نفسية وشعورية جميلة حين تخاطب الأزهار مخاطبة النفس حين تعدد خصال زهورها ، والذي قوى هذه العلاقة بين المتكلم والمخاطب قول الكاتبة ( نسيجة وحدك ) وكأنها سكبت نفسها في الزهور أو سكبت الزهور فيها ، وفي لحظة من التوحد تلتفت من الخطاب إلى التكلم مستعيرة الكنى من الأزهار لنفسها في حالة من التبرير ، لتطلع علينا بالسؤال المفاجئ الرائع ( أفلا أجد لي عذرًا عندكِ ؟! ) لتضعنا أمام حالة التماس لترفع مقام الأزهار في أسلوب امتزجت فيه الصور التخييلية بالواقع فكانت أقوى أثرًا .
كنت أظن أن خيوط الفجر بدأت تنسج لي ثوبا .. فما أحببت أن تشرق الشمس على أرضي .. إلا وأنت مغروسة فيها .. ترسمين فوق أديمها أعراسا .. تبهج القادم من أيامي .. كما كنت بهجة الماضي ..
فإذا الفجر كاذب .. وأرضي مقيم ليلها .. فلا زهرا جنيتُ .. ولا عليكِ أبقيتُ ..
فعذرا ..
هنا مع ترشيح التبرير دعم لالتماس العفو والصفح ، فالكاتبة تفصح عن آمالها في مستقبل لم يتحقق في مقابل ذكرياتها في الماضي الذي لم يدم ، وقد خدم الأسلوب الحكائي الغرض من الرسالة ، مؤكدة سلامة نيتها فهي لم تهدي الأزهار وإنما أرسلت بها لتنموا في البيئة الجديدة لتستقبلها فتربط حياتها الماضية بالمستقبلية ، مستخدمةً مبررًا جديدًا وهو متانة العلاقة بينها وبين الأزهار ، فقد غلبتها ثقتها في الآخر وسيطر عليها حبها لأزهارها ، واستشرقت المستقبل ، وعزمت ربطه بالماضي ، فالأمكنة لا تنتقل إلى أمكنة ولكن بعض ننقلها من أمكنتها تربطنا بأمكنة أخرى رباطًا يقارب الحقيقة ، وعلى الرغم من أن السياق كله يحمل الإشعار بالاعتذار إلا أن الكاتبة تختم بقولها ( فعذرًا ) قالتها ولم تقل اعذريني ، أو أعتذر لكِ ، أو ما إلى ذلك ، وهذا يعيدنا إلى تصورنا للتوحد بين المتكلم والمخاطب ، فنحن أمام عرض تجربة ذاتية في رسالة نصها متين ، لغته راقية ، وإحساسه دافق ، زاوجت فيه الأديبة بين فنون البلاغة والأسلوبية تفتيتًا وبناءً دعمًا لهذه الصور الجزئية التي اجتمعت في حزمة من التخييل الكلي في حالة من البوح الحقيقي المبني على التخييل الراقي .
اعتذار خجول لزهوري .. شقائق النعمان ..
يوم أن جمعتها .. وبيديّ وهبتها .. وعلى قارعة الطريق .. وجدتها ..
تذيل الأدية نصها بالعبارة السابقة التي تلخص فيها اتجربة بلغة رصينة وكأنها تمزج بين قديم اللغة وحديثها ، وكانت منطقية في البناء والعرض حين والتقسيم وهذا التدرج الذي نتجت عنه الحالة النفسية والشعورية المبدعة للنص .
سأعتبر هذه التأملات فاتحة لمحاورة نصوص أديبتنا الحرة .
محبتي واحترامي
مأمون المغازي
الكويت ، في التاسع من أكتوبر 2007
.