المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البند الرابع من اتفاقية الجرجاني ود. حسن السمان


أحمد حسن محمد
03-12-2007, 06:22 PM
يمكنك حضور أول الاتفاقية على هذا الرابط



http://arweqat-adb.com/vb/showthread.php?t=1545





وإليكم

البند الرابع:



ربط بالجزء الأخير

(في البند الثالث الذي كان فيه :

ونجد أن علاقات الاستئناف الذي يحتمل أنه ينزل منزلة الإجابة على سؤال تمتد على طول القصيدة متجاوبة مع إيقاع فكري منتظم في طرح الأمر وتوضيحه فنجد في البيت الثاني شطريه: "في الصبح أصحو على أنباء مجزرة/ في الليل أمسي على أنباء مرتهن"، وكيف أن ما كان بعدُ كان كالذي يؤتى به إجابة سؤال السامع أو القارئ أو لنجعل الأمر أكثر صراحة ونقول النفس الناقدة في الكاتب التي تحاول أن تستفتيها النفس الشاعرة وقت الكتابة.. فكأنها سألت: وكيف تتم هذه المجزرة؟ فتجيبها مستأنفة حديثها في البيت الثالث والرابع والخامس موضحة المجزرة وآثارها وتنويع مرتكبيها..


))

أحمد حسن محمد
03-12-2007, 06:27 PM
أم الربيعين قد صار الربيـع بهـا=أشلاء طفـل ومدفـون بـلا كفـن
عنـد التقاطـع أطـراف مقطّعـة=في القرب منها بقايا الجسم والبـدن
سرادق الموت والتقتيل قد نصبـت=عند المساجد , في الأحياء في المدن
والقاتلون صنـوف فـي مشاربهـم=مابيـن مرتـزق للقتـل ممتـهـن

ثم ينتقل في محاولة الإجابة عن سؤال النفس الناقدة في معنى الشطر الثاني من البيت الثاني فيعدد من دوافع الارتهان في البيت السادس والسابع:

أو طائفي مريـض القلـب تحكمـه=أضغانه السود , مازالت مع الزمن
أو جاهل بأمور الديـن مجتـرئ=قد كفّر الناس مـن بغـداد لليمـن



ثم نأتي إلى شاعرنا الحكيم، وكأن سؤالاً ثالثا قد أثيرت لواعج ذكراه هنا: وكأني به: وهل ترضى عن تلك المذاهب، وما هي الحقيقة الواجبة التصديق؟
فيجيب بالبيت الثامن والتاسع:

من كانت القبلـة الغـرّاء وجهتـه=عند الصلاة , أخ في الشرع والسنن
من يقتـل النفـس مقتـول بفعلتـه=لايغفـر الله ذنـب القتـل والفتـن




داعياً عليهم بعدم المغفرة..
أو البيتان هناك بالنسبة لما ذكرناه قبلهما مثل بيت الشاعر مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبيسي :

زعمتم أن إخوتكم قريش=لهم إلف وليس لكم إلاف



فكانت (من كانت القبلة ....) تكذيبا وإنكاراً للمعتقدات التي دفعت أولئك المرتهنين ومن شابههم إلى ما يفعلونه ويؤمنون به..

إنها نفس أساليب الربط عند شعرائنا القدامى، وإن
اختلفت مساحة الربط ما بين أجزاء البيت قديما (وكتاب شيخنا الجرجاني حافل بالأمثلة)
وبين أجزاء القصيدة هنا بشكل متكامل..



أم الربيعين قد صار الربيـع بهـا=أشلاء طفـل ومدفـون بـلا كفـن




إنه أرسى جمال البيت ومزيته في أن جعل أولاً (أم الربيعين مبتدأ ثم قرر (الربيع الحالّ في أم الربيعين) على صفة انتهت إليها حياة الأطفال العرب من التمزق واللامبالاة بجثثهم.. وفي ما في (العمر يمضي) من التوطئة للشيء والتنبيه إليه والتقدمة له قبل الإعلام به ، وإن زاد حسناً بأن بتعدد فروع الخبرونواحيه وأركانه..
وهذه الصورة القاسية التي حاول الشاعر أن ينقلها لنا من خلال "الواو" تلك التي أسميها –وليعذرني أهل اللغة وعلماؤها في جرأتي- واو "أيضا" ، أو التي تعطي معناها في كثير من التراكيب وصراحة هي قامت هنا بأكثر من دور، ودور مهم جدا..
فمن حيث المعنى فقد دعمت في نفوسنا ما ثبت من إحساس الشاعر بمدى فداحة الجريمة وانتفاء الأخلاقيات والرحمة وأدنى الحقوق، و استكثار الأمر فهو طفل أشلاء، وليس هذا فقط بل هو مدفون بغير كفن..
وكذلك روح التركيب العامي المعروف بمثل هذه الواو.. أو لنقل الشائع في الاستخدام في أي لغة من اللغات العامية وبكثرة..
وفي ظل النظم والمساحة اللغوية الموجودة في (و) لا سبيل إلى الصدق غير شهادة بأن المستخدم لمثل هذه "الواو" بمثل هذا المعنى هو المتحكم في لغته جيدا وليست هي التي تسوق قلمه وتصب أحباره كيفما شاءت.. فلا يمكن اللعب بالحروف واحدة البناء بهذه الحرفية إلا لمتذوق لغة محترف، وشاعر قدير..
إن الطفل ليس أشلاء وحسب ولكنه (أيضاً) مدفون بلا كفن، وحسب قواعد استنتاج الكناية من الكلمة فإني أرى أن "بلا كفن" هنا أدت معاني: آخرها بدا في "كسرة النون" تلك النون التي تناسب مواطن الوجع والحزن، والكسرة التي تحتوي معاني الانكسار. وقد أجاد الشاعر إلى درجة كبيرة في استنطاق عملية الإعراب والتشكيل في حرف رويِّه وكذلك في ذات الحرف نفسه بأن كان "النون" ..
أما معاني الكلمة فـ: إما أن يكون الشاعر قصد الفقر أو الحالة المادية المزرية التي وصل إليها أهل الطفل، أو أن أهله ماتوا قبله فلم يجد من يكفنه، أو أنه لم يكن هناك من الجسد ما يمكن تكفينه أصلاً وذلك له تعلق أو صلة بأحد معاني كلمة "أشلاء"، أو أنه تعبير عن نوع من الاتصال بين الإنسان والأرض..
- لم أتيت بالأرض هنا ؟ وكيف؟
-الربيع.. كيف يجمل الربيع في عينيك كيف تحس به؟
- من جمال الجو والأرض في اخضرارها..
- هكذا أراد الشاعر أن يقول حين أصر على "الربيع" فلم يذكر نباتاً ولكن ذكر "أشلاء"! أكان يقصد أن يقول هكذا صار الأمر من نبات وأشجار إلى أشلاء.. هل حدثت هذه التوحدية بين كلمتين كالتي ذكرها "أشــــ/ـــلاء" وكلمة "أشـــ/ـــجار" من بداية "الهمزة والشين" وجل ما يروقنا في اخضرار الربا هو اخضرار الأشجار.. شجرة كذا وشجرة كذا و شجرة كذا... تلك الشين التي تعطي في نطقها معاني الانتشار والتفرع فــ"الأشــ"ـجار تكون أروع حين تكون كثيرة ومنتشرة هنا وهناك، وكذلك "الأشـ"ــــلاء تكون أروع وأفظع حين تكون هنا وهناك... العلاقة بين الإنسان والأرض التي هنا لا أقصد أن وعي الشاعر الكتابي قصدها، ولكني أقول إن سياقه النفسي والانفعالي ممزوجاً بذاكرته قبل اللاشعور طرحها في الكلمات.. كيف أخذت طينة الإنسان من الأرض.. حسب ما تقول الرواية عند ابن كثير فقد أخذ من أمكنة كثيرة، وكيف تجد الطفل الآن في البيت؟ إنه أشلاء بما في الشين من التفشي والانتشار وبما في الموازن من الكلمة التي فرضها المعنى الذي قالته كلمة "الربيع= أشجار" في البيت.. أي في أكثر من مكان.. هذا طرح للعلاقة بين الإنسان والأرض من جانب وقد يكون فيه من الموعظة التي يسجلها العقل الباطن ما فيه..
وساقني إلى أن أعيد قراءة هذه المقطوعة عند شاعرنا الكبير محمد عفيفي مطر:
غدا .. سأخرج آخر الليل
لأرجع طينة وأذوق طعم تحولي، وأصير جميزة
أرى الغيطان تشرب زرقة الأفق
وأملاً أفرعي من طيرها الليلي والأثمار
أمد يدي أحضن أوجه الريح
وأنتظر الصغار السمر في الصبح
أعلمهم غناء الأرض والأشجار

إنه إناءٌ رحلته العمرية أقصر ما يمكن ولكن هنا طفل تحمل أشلاؤه نفس الرغبة فيما أحسب، ولكن ما شدني اكثر ذلك الالتحام الرائع الذي صادفته مع عفيفي مطر في:
دفنا في جذور التوت موتانا
وعدنا نملأ الأفران دخانا
...
....
...
إلى أن يقول
:
"ويلتفون حول جنينة التوت
تسلق واضرب الفرعين بالأقدام
فهذا توتنا الأبيض
يمد جذوره ويمص ما بصدور موتانا
ويشرب ما بأثداء النساء السمر من لبن
وهذا توتنا الأحمر
يمص دماء قتلانا
وهذا توتنا الأخضر
يمد جذوره بسواعد الأطفال

صدق عفيفي/ السمان حين مزجا بين "الربيع/ أشلاء طفل" //// "التوت
/ الجميزة/ سواعد الأطفال"..
كان عفيفي أكثر تصريحاً والشاعر هنا كعادته يذوب ويترك روحه ونبضه وفكره يسجلون شيئا ما يحس به.. شيئا ما تهتز به الكلمات كما حدث في بيت واحد من الشعر في أن يحقق أو يثبت تلك العلاقات الكثيرة التي أثبتناها سلفا.. ولا ننسى أن لنكولن لم يبعث إلى ميدي برسالته..
بقي التفرع الغريب الذي ألمحه بين عفيفي وشاعرنا السمان وهو أن عفيفي كانت سواعد الأطفال تمد شجرة التوت أو تمد شجرة التوت بالغذاء، فسواعد الأطفال أصل للشجرة، وهنا "أشلاء طفل" أنا أراها "أصلا" أو "مركزاً" تتفرع منه مساحات وفروع مع أول البيت وآخره..
إنها بالتأكيد عبقرية نفسية جمعت تلك المفارقة بين "أم" التي ابتدأ بها الشاعر بيته وبين كلمة "طفل"/ بين " الربيعين" بما في الربيع من أشجار وبين "طفل" صار إلى "أشلاء".
الشاعر هنا رغم أن أول لقاء بيني وبين قصيدته أحسست أنه حين يريد أن يعبر عن انهدام السور فإنه يقول: "انهدم السور" وحسبت أن هذا كل شيء أمكنه، ولكن فوجئت أنه لا يكتفي بهذا، ووراء الجملة الواضحة التي يطلق لها العنان لترمح في ساحة البيت الشعري يوجد أسلوب لا أحسبه يتوفر عند أكثر الشعراء.. وهو أنه يقول "اختنقت أنفاس الولد تحت السور"..
أما تطبيق المثل السالف هنا فهو جلي جدا في كيفية تعبير العبقري عن إحساسه بالفقد وتناقص الأشياء من حوله حين صار الربيعان إلى ربيع واحد، والطفل صار أشلاء فالأم الأولى بالتأكيد ثكلت والطفل بلا كفن ولا يكون الميت بلا كفن إلا إذا كان هناك ما يمنع تكفينه ويكون مانعاً قهرياً..
أم الربيعين قيل هي بغداد، وهذا ما أخبرنا به الشاعر، ومن هذا أبدأ، حتى ولو كانت في الواقع غير بغداد..
ولن أقول هنا التفات من المخاطب إلى الغائب، ولكني أتحدث عما كان من إمكانيات وجوده في ثلاثة أبيات مثل هذه.
أن يخاطب بغداد ثم يتحدث عنها.. هل يكون ذلك تعبيرا عن إحساسه بوجود "بغداد" فعلا؟ هي تتسرب من أمام أعيننا شيئا فشيئا فكنا نحدثها بالخطاب ثم صارت في حكم الغياب؟ هل أراد الشاعر أن يقول هذا؟ أم أراد مجرد إشراك القارئ أو الصاحب في القصيدة كما هي العادة في شعر العرب وخاصة أشعار الشكوى؟
كل هذه التجليات في هذا البيت الذي تفجر في عيني أم الربيعين –يجعلنا –على اعتبار القائل بتشابه المعنى بين "يحزنني" ودائم الحزن" نرى مبررا واضحا لهذا التشابه على أحد الاحتمالات وهو احتمال وجوده أصلا.. فالبيت طرح علاقة خاصة ببغداد وما يحدث فيه، وطرح علاقة عامة كونية بين الإنسان والأرض.. فما طرحه كلمات النص من علاقة أنا عن نفسي نسبتها لذوبان الشاعر وقدرته الغريبة أن يدع ما يمكنه أن يخرج أن يخرج بما يمكنه أن يخرج به، طبعاً بعد حياة غنية من الخبرة والسفر والدراسات المختلفة..

عبدالوهاب موسى
15-12-2007, 04:39 PM
أدعو لنفسى ولكل من شارك فى هذه القصيدةولمن لم يشارك
فى هذه الأيام المباركة ألا يحرمنا من زيارة بيته الشريف قبل الممات.
وللمؤتمـِرين بالنجاح السياسى.
آمين آمين آمين يارب العالمين.
وكل عام والحميع بألف خير.

أحمد حسن محمد
17-12-2007, 03:10 AM
آمين أخي الفاضل الشاعر الكبير الأستاذ عبد الوهاب

آمين