مشاهدة النسخة كاملة : اتفاقيةبين الدكتورالجرجاني والشيخ السمان في سرادق.
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:26 PM
لقد شهد توقيع اتفاقية بين العالم الكبير الدكتور السمان والشيخ عبد القاهرة الجرجاني، فكان أن رأيت حين ذلك أن الجرجاني يعالج اللغة بمقاير كيميائية دقيقة، وبدأ يكتب أبو القلب الدكتور محمد حسن السمان شعره ببلاغة الجرجاني..
لا أقول هذا من فراغ:
إليكم بنود الاتفاقية والإثباتات .... والعالمان بريئان حتى تثبت إدانتهما بالبراعة فيما يلي
القصيدة
سرادق الموت
مازال وجهـك يابغـداد يحزننـي=والعمر يمضي وقلبي دائم الحـزن
في الصبح اصحو على أنباء مجزرة=في الليل امسي على أنباء مرتهـن
أم الربيعين قد صار الربيـع بهـا=أشلاء طفـل ومدفـون بـلا كفـن
عنـد التقاطـع أطـراف مقطّعـة=في القرب منها بقايا الجسم والبـدن
سرادق الموت والتقتيل قد نصبـت=عند المساجد , في الأحياء في المدن
والقاتلون صنـوف فـي مشاربهـم=مابيـن مرتـزق للقتـل ممتـهـن
أو طائفي مريـض القلـب تحكمـه=أضغانه السود , مازالت مع الزمن
أو جاهل بأمور الديـن مجتـرئ=قد كفّر الناس مـن بغـداد لليمـن
من كانت القبلـة الغـرّاء وجهتـه=عند الصلاة , أخ في الشرع والسنن
من يقتـل النفـس مقتـول بفعلتـه=لايغفـر الله ذنـب القتـل والفتـن
بالله اسأل يـا بغـداد , أيـن هـم=أين الذين همُ الفرسان فـي المحـن
من يحقنون دماء المسلميـن , فمـا=يسعـون إلا لوجـه الله والـوطـن
****** استدراك***********
العذر في أني لن يمكنني نقل هوامش الدراسة (المراجع)، فعملية النقل ستأخذ مني وقتا، ولكن إذا أحب أحد فيكم السؤال عن هامش ما ومرجع نقلته
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:27 PM
البنود
بند 1
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:30 PM
مازال وجهـك يابغـداد يحزننـي= والعمر يمضي وقلبي دائم الحـزن
"ما زال" ونفي النفي هنا استمرار .إنه شيء مستمر.. وإن كان وجودها شيئا معتاداً إلا أن تكون بداية قصيدة فشيء مختلف.. والبداية بها تثبت مساحة قبلها من المناقشة أو الشعور توافق ما يثبته لنا الشاعر من معانٍ في كلماته بعدُ، معاني المؤثر المحزن الذي كان له كينونته المعترف بها قبل النص، كينونة نحسبها دفعت إلى الكتابة، والكتابة بالفعل المضارع (يحزنني) تدرجاً إلى الاسم المشتق (دائم/الحزن) وفي هذا ما يوحي أن الشاعر لا يكتب لمجرد الممارسة الفنية، ولكن بإحساس حاول مجاهدته من قبل حتى اضطر إلى إخفاء دمع الرجولة على حد تعبير الشاعر العراقي يحيى السماوي في أحد مشاركاته عبر الإنترنت..
في كلمة "وجهك" عنّ لنا بريق من المجازية التي لم تخرج عن زيها المألوف المعتاد في التعبير.. لكن يأتي النداء بذكر "بغداد" بما يحمله هذا المنادى من وجع تراثي وحضاري .. جملة نداء وقعت اعتراضية بين الفعل الناقص وبين خبره.. ولا محل لها من الإعراب ومن ثم فقد أثار وجهها ويثير حزن الشاعر!!
إن اعتراض جملة النداء هنا ما بين امخبر عنه وبين الخبر، قد أريد به –باعتبار ما أثبتناه من ترجمة للحركة النفسية والفكرية والجسدية- شيءٌ ما/ معادلة الحياة بالكتابة: أن وجع الأمة المتمثل في حالة بغداد دوما يتغلغل في أي عمل يقوم به مهما كان عملاً بسيطاً بساطة الجملة الاسمية الكائنة..
وكذلك لما كان الفعل الناقص ينصب الخبر وهنا تأخر الخبر بسبب جملة النداء الاعتراضية، والجملة معادل موضوعي لأي عمل مهما كان يقوم به الشاعر خاصة أو الرجل العربي عامة والصرخة التي أو الزفرة التي يحملها النداء تتخلل أركان الجملة وكذلك الألم من واقع الأمة يتخلل تفاصيل ووقت العمل المقوم به..
هل أراد الشاعر أن يخبرنا أن أعمالنا مهما كانت بساطتها فهي في ظل ظروفنا وتقاعسنا وانهيارنا المعنوي الحالي تصاب بأمرين:
أولا: النقص، فقلة الحيلة واضحة في كينونة الفعل الذي يكون لا يدل على حدث في ذاته وإنما مجرد تقرير اسمه على صفة خبره.
ثانيا: العمل الذي كان من الممكن أن ينتهي في مساحة زمنية معينة صار ينتهي في أكبر من المساحة المعيَّنة، فهناك وقت تنزفه ذكرى الألم والحسرة المتمثلة في نداء بغداد كجملة اعتراضية وسعت جملة الفعل الناقص المستمر..
والجملة هنا اعتراضية من النوع الذي يكون بين شرطتين لا بين قوسين .. ولهذا دلالة ثالثة أخرج بها ألا وهي:
ثالثا: مدى التلازم بين العمل المقوم به أيا كان وبين الحاضر والتراث المتوجع في دواخلنا..
آتي إلى جملة الخبر.. فبالإضافة إلى مضارعيتها ومدى الانسجام بين استمرارية المضارع هنا وبين استمرارية نفي النفي من قبل، أراها جملة فعلية وعلامة الإعراب التي أثر بها العامل الإعرابي "لا زال" تكون على المحل لا على اللفظ..
فهل يمكن أن نخرج بنتيجة رابعة:
رابعاً: نقص وطول الوقت عن المعدل الطبعي وملازمة تلك الصفة للموقف، وفوق هذا وذاك فلا يبدو لمن يرى أي تقدم على مستوى ظاهريّ أو لأجعلها أنا من عندي حسب ما أرى على مستوى عالمي.
وإن وسوس لي فكري بهذه النكتة في كلمة "ما زال" وما فيها من نفي للنفي.. إذ أَثْبَتها متداخلة بشكل ما مع واقع الحكام العرب في قراراتهم، فإن استمرارهم صار في نفي الآخر، ومن زاوية مقابلة رغبة الشاعر في الحضور مع اعترافه طبعا بوجود مرحلة النفي...
ولعل في مضي العمر ما يثبت كثيراً مما قلت؛ فقد اختار كلمة "العمر" يعني حياة كاملة ولكن في ظل هذه المؤثرات المزعجة التي تقطع انتباهنا وتشتت تركيزنا فسوف ينتبه كل ذي بصر إلى مضيّ العمر ذلك الذي لن يكفي ما كان يجب أن يكفيه من أعمال..
والجملة الأخيرة اسمية ناسبت التدرج من وجود الفعل المضارع إلى الاسم المشتق الدال على هيئة ثابتة (دائم الحزن) فيما بعد، وفيما بعد يأتي تفصيله..
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:33 PM
بند....... 2
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:35 PM
اتسعت أول جملة في مساحة شطر كامل " ما زال وجهك يا بغداد يحزنني"، وحتى لو كانت الواو الواقعة بين جمل البيت بعدُ " والعمر يمضي وقلبي دائم الحزنِ" للحالية، فلا شك أن وجودها في حد ذاته برهان على أن الشاعر عمد إلى الفعل أو الحدث الواقع فاستأنفه بـ"الواو" خبراً، وغير قاصد إلى أن يضمها إلى الحدث الأول في إثبات واحد. ومن ثم نرى الجملة الأولى في شطر كامل هو الشطر الأول، والشطر الثاني يحتوي جملتين أولهما (العمر يمضي) وهي أصغر جمل البيت حجماً وأقلها تكلفة في البناء، رغم ما حفلت به من إيحاءات الألم الشامل في الربط ب"ال" عوضاً عن ضمير ياء المتكلم، إلا أنها تنقلنا إلى المعادلة الدائمة التي يتناولها حتى صغارنا الآن في البلاد العربية وفي حياتنا العامية فنسمعهم يقولون: "لو كان العمر يقاس بالسعادة فاكتبوا على قبري مات قبل الولادة" وقولهم الآخر: "يوم الحزن بسنة" فهل كانت الجملتان اللتان ذكرتا مادة "ح ز ن" قد اتسعتا بإيحاء من الذاكرة الحافظة –كما يقول الدكتور زهران البدراوي- للمثل الثاني الذي أوردناه، بينما كانت مساحة جملة (العمر يمضي) استدعاء لفكرة المثل الأول، ، باستخدام المضارع الذي يثبت حدثه في تجدد شيئاً فشيئاً مناسباً لاستمرار حدث الحزن في مضارعية (يحزنني).. فكلاهما عن حركة وتجدد في الحدوث ، إلى أن يأتي (دائم الحزن) مثبتاً لصفة اتسم بها الموقف الحياتي الذي يعيشه الشاعر، حتى وجب تأديتها باسم الفاعل (دائم) إثباتاً لهيئة الموقف الذي تجدد فيه من قبل حدثا الحزنِ والمضيِّ.. بالضبط كما تقول (عمرو طويل) أو من باب قوله تعالى "وكلبهم باسط ذراعيه" ..
ولعل تلك الفكرة في نظم البيت ما بين اسم الفاعل المشتق وبين الفعل يؤكد شرف ذكر لفظ "الحزن" للمرة الثانية في نفس البيت، مع اختلاف المراد من كيفية الأداء اللغوي لجملتي الحزن.. فكما نقول إن زيداً يموت.. يموت.. ثم نقول بعد موته إنه ميت. فقد قال الشاعر: ما زال يحزنني .. وختمها -باعتبار ثبوت الحزن صفة طبعية في نفسه- بقوله "دائم الحزن" تأدية لهيئة أو حالة الموقف دون تجدد أو تجزؤ في صفة الحزن أو ديمومته.
ولعل المساحة الكبيرة للجملة الأولى يرجع إلى أنها بداية محاولة التعبير فيكون الضبط فيها أقل مما يأتي بعدها، أو يكون بسبب أنها تخبرنا وكأن جراح بغداد هي التي بعثت القديم والجديد من الحزن واستشعار مضيّ العمر، فأكدت ديمومة الحزن، وأنه لم ينقطع، وفي ذلك كذلك مزية لتكرار مادة "حزن" في آخر البيت تأكيداً أن جرح بغداد الذي يحزن قد قلّب حقيقة الحزن الدائمة في قلب الشاعر. فكان في غير تكرارنفس المادة ما يفقدنا إحساسنا باتصال الخيط بين نسيج الأفكار والمعاني والمشاعر في البيت، مما يتوهمه ذوو الهمة في الاهتمام بتنويع مواد البيت اللفظية حفاظاً على اللاحشو، وما أولئك إلا –بعد ما أوضحنا- كمن يبدل أسلوب ملابسه بآخر لا لحكمة إلا لأن الموضة العصرية غير المبررة افترضت سيادة ذلك الأسلوب الآخر، أو أن أباءنا علمونا ألا أن هذا عيب وكفى، وما درى أن للإيقاع النفسي أبعاده التي ما زال علماء النفس يبحثون فيها حتى الآن.
لقد كانت حادثة بغداد وحدها هي المثير لهذه الرجعة الشعورية لمواد الحزن الكامنة في نفس الشاعر، ونحن نعرف كيف كان الملك يقتل رسول الملك المعادي إليه، وكأن ذلك الرسول هو سبب التهديد، ومن ثم فقد حملت الجملة الأولى في بغداد عبء كبر المساحة التعبيرية، لأنها الرسول من تلك الديمومة ورجعة الإحساس بها، ديمومة الحزن بمنطقه العام عموم أيام العمر وكانت بداية تذكره حوادث بغداد..
وباعتبار أن اللغة كما قال الزمخشري هي –كلها- مجاز .. فما أجد بإمكان أحد أن يجزم بمعنى واحد لهذه الكلمة أو لغيرها، حين يرى تقلب الكلمة بين المجازية وتلميحات الحقيقة في محاولة تقديرها بين أساس البلاغة ولسان العرب .
وما نجده من اختلاف في تفسير الحزن في (وقالوا الحمدُ لله الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن) أو بمعنى آخر تعديد وتنويع كل حسب زاوية فهمه وقدرته على البحث في ظلال الكلمة والظروف التي قيلت فيها.. فمن المحتمل جدا أيضا أن يكون الشاعر قصد التعديد أو ذكر أكثر من نوع من الحزن فهناك حزن الغداء والعشاء وهناك حزن عذاب وهناك حزن موت.. هذا لا أقطع به.. ولكني أحاول التفاهم مع النص بقدر إمكاني –وبالذات أن الفاعل في مادة الحزن ظاهر في الشطر الأول، بينما هو في الشطر الثاني ليس عليه دليل محدِّد: فهل يكون القلب حزِن أم القلب حُزن أو أو أُحزنَ، وعلى كل حال فلغير ذكره تأكيد لمدى ثقل هذا الحزن الذي لم يعد الشاعر يهتم بذكر سببه؛ إذ شغله المسبَّب عن السبب، أو يكون لما اثبتناه من عموم هذا الحزن بطول العمر فأسبابه أكثر من أن تذكر /أو/ تُحدَّد، وهذا برهان على حضور المفارقة والاختلاف بين معنى الحزن في الشطر الأول ومعناه في الشطر الثاني، وغير ذلك فإن الإضافة المفهومة من "ال" الحالّة عوضاً عن ضمير عائد إلى (قلبي)، لها ما لها من تأثير في إثبات الحزن كياناً تكوّن بديمومته غير مشار إلى أنه هنا ما زال يتكون ومن ثم فهو للثبوت والاستواء أقرب ، غير الحزن الذي ما زال يمارس الاستمرار في تكوّنه جزءاً فجزءاً، دلالة السكوت عما يجد في أمر لكفايتنا بما نحن فيه من ذلك الأمر الثابت وجوده ككتلة محددة، بينما نتحدث فيما لا زال يوجعنا ولا تقوى أحاسيسنا على التكيف معه أو تقبله بكامل كينونته الفعل لا زال يتحدد شيئا فشيئا في (يحزنني)....
ويجوز أن يكون الشاعر قصد في كلمته الأخيرة لفظ "الحزْن" بتسكين الزاي ثم حركها –وذلك جائز بالطبع- بسبب ///ه كيانا للتفعيلة الأخيرة في البيت..
وحينئذ يكون قد أضاف صورة لا تتشابه إطلاقا مع الفعل ومعناه إلا ببعض المقدمات والنتائج..
ثم إن هناك في البيت وجهاً آخر وهو أن يكون الشاعر قصد معادلة كتابية تامة بين ما يحدث في الواقع وقت الشكوى أوالتعبير عما يجيش بالصدر من ألم ووجع وحزن .. الشاعر هنا يبدأ طوفان شكواه بالجملة الأولى "ما زال وجهك يا بغداد يحزنني" ويستأنف بجملة ثانية "والعمر يمضي" ويستأنف بجملة ثالثة "وقلبي دائم الحزن" وأنا أكثر ما أعرفه عن الرجل يشكو ظرفا أو الشاكي عامة رجلا كان أم امرأة حين يشكو ظرفا معينا ولنجعله مثلا "ضياع مال" ونعادله هنا بالجملة الأولى في البيت، أليس يقول على سبيلل المثال.. "ضاع مني اليوم مال كثير يا حسرتي لقد ضاع المال.. آه إن مال ضاع وانتهى.. ".
طيب أليس من المحتمل أن يأتي في نهاية الكلام ويقول "أنا عارف نفسي أنا دايما ما يحتفظ جيبي بقرش، وإنما كله يضيع"..
أليس الفن ذوبانا ومحاكاة للواقع وبالذات إن كان محاكاة لحالة شعورية تهز الوجدان وقت متابعتها..
طيب وبغير احتمال أن يقول تلك الجملة "أنا عارف نفسي... " وإنما اكتفى بالجمل التي قبلها، أفلم يتكرر المعنى واللفظ "ضاع من اليوم مال كثير" و "لقد ضاع المال" نعم تكرر وفي هذا أشد مبرر إقناعا إن كان الشاعر كرر نفس المعنى فالموقف حال الشكوى والتعبير عن الحزن يكون التكرار من أهم سماته كما رأينا،ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن ساحة قيس بن خارجة [بن سنان] حين سأله حاملا حمالة داحس والغبراء عما عنده، فقال:عندي قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيهابالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع" فقال إسحاق بن حسان بن قوهيّ الخريمي لما سئل في ذلك: "أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف" هذا على احتمال التكرار أو التشابه أو التطابق بين المعنيين.. ونفينا ذلك التشابه بما سلف ويأتي من براهين وأدلة تتضح لمن يتفهم وتنغلق على معجب بقواعده، وإنما استشهدنا بقول قيس وتوضيح شيخنا إسحاق لنؤكد إنعام شاعرنا في أمر التكشيف والإفصاح من خلال التأكيد الحاصل من تكرار حرفي الحاء والزاي بمؤثراتهما الصوتية الملائمة لمعنى الحزن فضلا عن اختلاف التركيب الذي أثبتناه. ومن نفس الباب نرى أي إمكانية تأكيدية وبلاغية في قوله تعالى: "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" وما بلغته من الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما لا يخفى موضعه على بصير ، لا من حيث إظهار الحق الثانية دون إضمارها، ولكن من حيث تكرار المواد اللفظية للحدث. ولا ننسى الإحالة إلى قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) في موت سيدنا إبراهيم.
وأنا أعجب من أن يرى ناقدٌ التشابهَ الحاصل في الاستمرارية بين "يحزنني" وبين "دائم الحزن" ويعتبرها حشواً، ولكنه يمر على نفي النفي الأول في "لا زال" ولا يضمه إلى قائمة المشابهات ألا يجدر لو كان هذا ديدن البلاغة العربية أن تحذف "ما زال" هي الأخرى ويبقى الفعل المضارع وحده، وهو كفيل بالاستمرارية المطلوبة؟!؟
أما اقتراح كلمة "الشجن" "بالحزن" كما اقترحه أحد القراء في أحد المنتديات أثناء عرض هذه القصيدة، فمن وجهة نظري أنا أرى أن في تكرار حرف الحاء ما يبرر نظرة الشاعر واختياره ومهما كان من قيمة الشين الصوتية والجيم المجاهرة بالوجع فإن للحاء مذاق الحرقة واللذوعة ولكلٍ الحرية التامة أن يكتب بما يحسه أو يكتب ما يسمعه ويراه داخل نفسه من أحاسيس ومشاعر ورؤى تصر أن تخرج بحالة صوتية تحددها أحاسيس الشاعر لا غيره. ولا شك أننا نختلف في انفعالاتنا ووسائل التعبير عنها، ومهما كانت كلمة كـ"الشجن" صالحة في نظم البيت، إلا أنه ما أقسى وأشد فجاجة أن تفرض على غيرك أن يقتدي بك في أسلوبك التعبيري عن مشاعرك، وأكثر من ذلك أن يكون الاقتراح في معرض نص شعري، وصل الأمر فيه إلى أن قال علماء النفس أن الشاعر غير مطالب بمطابقة صوره العقلية مع الواقع .
واستمراراً في جلاء المفارقات فما أثبتناه من أن الجملة الفعلية خبر كان نصبها على المحل.. وبين الاسم الذي من نفس لفظ الفعل وهو يأتي واضح حركة الإعراب (الكسرة).. وبعيدا عن مدى ما توحي به هذه الحركة الإعرابية من انطفاء وانكسار؛ فأنا أسأل هل إذا غيرت كلمة "الحزن" بكلمة أخرى كان سيكون لها نفس المذاق الفكري الحاصل من كون اللفظين "الفعل والاسم" من مادة واحدة مع اختلاف في الإعراب محلاً أو لفظاً ومعنى بالاشتقاق..
.
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:36 PM
ولندخل مرحلة أخرى في التشابه والاختلاف..
((يحزنني)) لفظ وحده يفيد الاستمرار ..واتصل بضمير المتكلم وكان الشاعر مفعولا به.. وليس عليه أي تشكيل فلا أحد يدري هل هو ثلاثي أو رباعي..
((دائم الحزن)).. وهناك خلاف أرجو من الشاعر ألا يقطع فيه في نوع الحزن هنا إن كانت الكلمة بفتح الزاي أصلا، أو يذكر لنا أنه قصدها مثلا بتسكين "الحزْن" واضطر للتحريك للوزن..
لو قلنا وقعت كلمة "دائم" اسم فاعل يثبت بمعناه المعجمي قوة الاستمرار أكثر من ظلال المضارعية..
ولنقل إنها اسم فاعل أو صفة مشبهة فالفعل لها "ثلاثي" قطعاً وليس -رباعياً ترجيحا- كما في "يحزنني" فهل يمكن أن نقول إن المرأة التي سئلت عن حبها لأولادها فقالت أحبهم كلهم قطعاً، ولكن يزيد حبي للغائب والمريض، وكذلك نستذكر ما قلناه عن انشغالنا بالسبب عن المسبَّب بما يتماشى مع القشة التي قصمت ظهر البعير، فأي روعة تبدو من كون الفعل "يُحزنني" رباعياً والزيادة في المبنى زيادة في المعنى.. وأي روعة أكثر في احتمالية ثلاثيته إذا كان الشاعر أراد أن يقول إن حزن عمره الدائم في آخر البيت يفجره حزنه على بغداد هنا وهو حزن لا يختلف وهنا يشهد وجه الشبه "الثلاثية" بغربة الشاعر ووجعه الشامل على كافة الأصعدة وتساويه وليس مثل الأم التي لديها أحد الأبناء غائب ولكن هناك آخر إلى جانبها قد اطمأنت عليه..!!!
وعلى كل فالفعل الرباعي يمثل حالة نفسية وإنسانية موجودة، والفعل الثلاثي له مبرره وبلاغيته في حياتنا كذلك.
وفي ذكر ٍ للفاعل والمفعول في البدء كان فاعل الحزن هو وجه بغداد بحذف المضاف وإقامة "وجه" مقامه، والمفعول به هو ياء المتكلم. وإن جئنا لأن يكون الشاعر مفعولا به ففي هذا ما يثبت العجز عن التصرف العملي أو المنقذ لبغداد.. أفلا يكون وقتها التشابه على فرض وجوده مبرَّراً مبررا مبررا..!!
ولكن نأتي لفاعل دائم وهو "الحزن" فهل هو نفس الفاعل القديم.. إضافة إلى أن الفاعل القديم مضاف وليس مضافا إليه .. هناك أضيف حزن إلى "وجه بغداد/ الفاعل" وحذف المضاف كمحاولة لغوية قبل كل شيء ولكن هي محاولة نفسية في الثبوت والصمود وتأكيد احتماله أو محاولة نفسية للتخفيف وطرد الإحساس بالمكروه ومن ثم التعبير عن ذلك المكروه.. ولكن هل يدوم كتمان الوجع وبالذات إن كان أشد ما يكون؟ لم يمكن الشاعر هنا أن يخبئ الألم فذكر الفاعل/المضاف المحذوف سابقاً –ذكره في آخر الكلام ولكنه فاعل هنا مضاف إليه، في نفس الوقت الذي هو فيه مضاف إلى ضمير غائب ذكرناه من قبل..
الشاعر الذي كان كلاً كاملا (في ظل ياء المتكلم التي تعبر عن الشخص بكامله) ثم صار جزءاً من الكل (وقلبي/ قلبه ) فلم يعد يذكر إلا قلبه مما يذكرني بالحديث الشريف "فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ، ثم غاب ضميره تماماً حالّة محله "ال" الجنسية النسبية!! هل هناك تشابه بين تركيب الجملتين بما يؤذي النص.. أم وجوه الشبه بما خدم النص وأغناه إلى درجة الترف الفكري الممتع الموجع وكل التناقضات الشعورية والفكرية الممكنة في تركيب غني فريد ثري كهذا التركيب الرائع الوجيز الذي يشهد للشاعر محمد حسن السمان بنحو فطري وقدرة لغوية وبلاغية (واعية/أو / غير واعية) راائعة.. وأكثر روعتها في أنها لم تتنازل عن طعم المعتاد المألوف ليكون بين يديه بهذه جدة والغنى.
حسناً، لابد أن نتذكر هنا ما قاله الدكتور إبراهيم أنيس في معرض تعليقه على اعتراض الأصمعي على أحد أوصاف ذي الرمة في بيته:
نفار إذا ما الروع أبدى عن الورى
وقري عبيط الشحم والماء جامس
ونعتبر الدلالة هنا –في ظل التركيب- نوعاً من دلالة الهامشية التي تعد مسألة فردية في التصور والاختيار التي لا تحكمها مجرد المعاني المعجمية الواحدة الثابتة المحصورة في تقديم الدلالة المركزية، وإنما المتحركة في نظام أفقي يصطبغ بعمليات التكثيف والإزاحة الفكرية الخاصة ، ومن ثم لا نحكم على هذه التصورات بإطلاق حكم التخطئة أو ماشابه.
ومن أحد ما أوجب المزية في إفادة معنى الإضافة من غير إضافة هو تعريف (العمر) بالألف واللام، فالمعنى على إرادة (عمري) ولكنها أطلقها إطلاق (ال) الجنسية، ولكنها الجنسية النسبية حيث (العمر) صار إحدى الكليات المنطقية دون شك عند الشاعر، فهو يصدق على كل "عمر"، ولكنه ينتمي إلى قسم من الأجناس لا يستقل بالوجود المطلق ، وإنما يكون فهمه بالإضافة إلى صاحب هذا العمر، ولو كان الشاعر صرح بالإضافة بدلاً مما جرت به فطرته لذهب بعض الحسن فيه، كما يعن لنا ضوء رباني من قوله تعالى: "واشتعل الرأس شيبا" . ولا يخفى أن الربط الحادث بـ"ال" التي حلت محل ضمير المتكلم يوحي بمدى سوداوية الإحساس بالواقع العربي حتى نطق العمر بغير إضافة إليه مما أوحى بعمومية وشمولية كأنها لمست الحياة كاملة بأفرادها وحيواتها جميعاً.. ولا يكتفي بجنسية العمر، وإنما تبقى حالة التماهي في عمومية الكينونة التي بداخله مستمرة في (دائم الحزن) وما استجد فيها الشاعر من ربط ب"ال" حالّاً محل ضمير الغائب العائد على (قلبي) ولا شك فهذه حالة تنتاب الكثيرين حين يعانون من لحظة انفعال بموقف لا يطيقونه فيرون الدنيا كلها بنفس المشاعر وكأنما الدنيا كلها انحصرت في ذلك الموقف، وتوحدت بسيئاته واصطبغت بأصباغه والتي لن تكون آثارها –في الواقع- أبعد من حدود ذلك الموقف الحزين أو حزن ذلك الموقف الذي قد يراه صاحبه أنه يمثل جنس الحزن الموجود.. غير أن فجيعة الشاعر في قومه ليست لتؤديها ديمومة حزن قلبه بقدر ما يؤكد ذكراها ذوبان خصوصيته في عموم إحساس جنس العرب بحزن دام في قلبه.
فهل كان لنظم حديث القلب مع جنسية الحزن باعتبار ما أثبتناه فوقُ من سبب - ما يستلهمه من موقف الضعف الذي حدثنا به الرسول في: ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"...
وليس بفائتنا تلك المساحة من النظم وحسنه في أن يناسب الأسلوب ما أثبتناه سلفا من الشاعر يتصرف كحكيم أو أب، فنجده –وعلى مدار غالبية أبيات القصيدة- أنه يعتمد وصية شيخنا الجرجاني في أن ليس إعلامك الشيء بغتة غفلاً، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام .. فهو حين يذكر (العمر- قلبي- أم الربيعين- سرادق الموت....) بدايات لجمل معراةً من العوامل فما ذلك إلا لحديث قد نويَ إسناده إليها حيث يرسي في قلب القارئ المسند إليه الذي يود الإخبار عنه فإن وقع بعده فعل وما شابه فقد كانت توطئةٌ تدخل المبتدأ على القلب دخول المأنوس به، فيقبله القارئ قبول المهيأ له المطمئن إليه، وذلك لا محالة أشد لثبوته ، وأنفى للشبهة وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق.
وآخر ما نراه في البيت الأول ما يعن لنا من علاقة الاستئناف اللطيفة التي تكونت من مساحة البيت الثاني فيما بعد ما بين فصل ووصل من باب تنزيل الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالاً منزلته إذا صرح بذلك السؤال ، وعدَّها شيخُنا الجرجاني من النادر في لطيف الاستئناف، فكأن سائلاً استفهم عن ماهية وأسباب ذلك الحزن الدائم، أو ما الحدث الذي استحق به وجه بغداد أن يساهم في حزنك؟ وكيف كان فأجابه قائلا:
في الصبح أصحو على أنباء مجزرة ..
جوابا شافيا ً لذلك الاستفهام.. غير مغفلين ما ثبت لنا في البيت المشهور غير المنسوب:
قال لي كيف أنت قلت: عليلُ
سهر دائم وحزن طويل
خربشات جنونية:
إن المسافة بين كاف الخطاب (وجهُك) وبين هاء الغائب (يحزنني هو) رحلة نفسية يقوم بها الكاتب شاعرا أو ناثراً راضيا أو إباءً.
"يا" (يا بغداد)؛ إنها تكون للنائي أو كالنائي في حكم الغافل أو النائم! وما لها من مدلولات في لهجاتنا العامية لا تختلف عن دلولاتها الفصحى.
نحن نحاول أن نرسم لأنفسنا بعض المقدمات التي نحاول الدخول من خلالها إلى أعماق النص:
أداة النداء الراسخة في سقف البيت ((يا بغداد)) لها ترتيبان:
النائي: ولعله يشبه ما نراه ضميرا للغائب!
كالنائي: ولعله يشبه ما يمكن أن نقول إنه مخاطب! ولكنه يحمل في طياته حكم الغائب "الغافل" أو النائم" أو "الجريح المريض الحاضر غير الواعي من شدة ما به"؛ فالمحتمل هنا أنه "المخاطب" قد يكون موجوداً أمامنا، ولكن فكره ووعيه وروحه المتآلفة -كل ذلك غائب عن الحضور! فيكون من الممكن أن نبذل له "ضمير الغائب كذلك المستتر في "يحزنني هو".
إن الرحلة النفسية التي تعاني من شراسة الواقع المرسوم في وجوه الكلمات تكاد تكون واضحة في أذهاننا، تكتمل في أعيننا عند حدود "يا بغداد // وجهك". حدود ترسم البعيد والقريب والغائب والمخاطب في آن واحد. لكنه يكون مخاطبًا ناقصاً! مخاطبًا غير كامل! مخاطبًا غائبا أو غائبا مخاطبًا!
إن مقاييس الفن لا تتوقف عند حد معين، ولذا فقد أحلوا للمبدع الأول ما نسميه بالضرورات الشعرية، لأنه قبل أن ينقل معنى فكريّا فإنه يصور مشهدا نفسيا ورحلة يمتزج فيها الوعي باللاوعي! وهذا المشهد يكون متعدد الأبعاد، ليس له ثوب محدد في الخارج اللغويّ ذي التشكيلات المحدودة، وإنما أبعاد لها كيانها الجديد جدّة الإحساس الإنساني مهما تشابه بين الأشخاص في جانب من الجوانب.
إن الوجه محل الرؤية علمية أو بصرية!
والسؤال موجه لبغداد البلد المخاطب النائي (بعيدة) أو كالنائي (موجودة غير واعية للحاضر أو شاهدة العينين لمدى المأساة: هل ماتت؟!)!
فالوجه هنا مرئي بالبصيرة (ذلك ألمحه في قول الشاعر "وجهك" بكاف الخطاب)؛ فيكون الخطاب (في "يا بغداد) للبعيد مكاناً القريب روحًا وفكرةً! وإما حاضر في عينيْ الشاعر؛ فيكون الخطاب للقريب مكانًا البعيد روحًا (حيث بغداد الحاضرة أرضًا غاب عنها تاريخها ورفعتها وعزتها التاريخية على أيدي المحتلين) (أي: ذلك الإحساس بنبوغ التاريخ والإحساس العربي الحر الشديد في وجه الذي تتدفق به أرض بغداد دوما عاد كأنه ليس هناك، وأرض العزة والروعة والدهشة والجمال والتاريخ العظيم –كل ذلك عاد شيئا غير ذي بال حين ننظر إليه؛ يكون الحديث هنا عن (الوجه/ بغداد) عن الروح، وليس عن (الوجه/ بغداد) نفسها بملامحها وذاتها الشكلية وجه الأرض وكينونتها الطينية الظاهرة التي لا تختلف عن غيرها).
إن حالة ما يحاولها البيت! ونحن معه نحاول الثبوت على فكرة كاملة نحاول الولوج فيها كأننا نقرأ أفكار الشاعر على سبيل الاحتمالات ولو قليلاً!
حالة يزيد فيها وقت التفكر والتأمل والتدبر والحزن والآهة في حروف اللين والعين والنون والجيم والهاء التي نجدها في ( ما زا وجهـ يا داد ني ضي بي دا والنون مقطعة عند التقاطع ).. التفكر والتأمل والتدبر والحزن والآهة والعواء الذي تنتجه المعارك.. معان أكدتها حروف لينة وزافرة ونونية وعينية حزينة تنقل صوت معارك.
وفيما بعد نرى كلمة "عند التقاطع" وهذه كلمات صريحة في التعبير عن موقف الشاعر الباحث في صمت وسكون! بحثًا عينيًا وعقلياً، وهنا ما زلنا نتأرجح على حبلي الخطاب والغيبة والموقف يؤكدهما في شدة وصمت وموعظة وامتزاج بحال رائعة مثيرة من حالات الشاعر!
- كاف الخطاب (وجهك):
في الوقت الذي يتلاشى فيه وجود فاعلية للشاعر ينبث إحساسه باللاحركة والتحقق في أرجاء حروف اللين ثم محاولة الزفر في الهاء (وجهـــ)، ثم التلاشي في الوجود المفعول به ياء المتكلم الفعل " يحزنني" ! في ذلك الوقت الطرف الآخر -حين ينادى بما ينادي به النائي أو شبه النائي- اسمًا ظاهرًا واضحا جلياً يؤكد الحضور الطاغي لفظاً في نفس الشاعر، ولعلنا نعرف أن اللفظ هو المقابل الكتابي للرسم (ومن ثم لنقل إن الوجه (وجه بغداد) كان مرسوما في عينيه رسماً له أصل من عمقه). الاسم الظاهر المنادى ب"يا" تأتي كاف الخطاب مؤكدة لحضوره رغم كل شيء! هل كان الأمر محاولة لفظية لا واعية لطمأنة الذات الكاتبة!
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:40 PM
لم يملْ شاعرنا د.السمان أن يصرح بالحضور الكامل أو الغياب الكامل، فالوجه مضاف إلى كاف الخطاب مرة، ومرة معبر عنه بضمير الغائب(يحزنني)! تعبيراً عن أنه ما زالت هناك رغبة واضحة تحتاج إلى التحقق في الكاف! طبعًا هي رغبة الوجود ! وجود الوجه بما كان يحمله فعلا. وإلا فلماذا الحزن على وجه إن لم يكن فقد شيئا من بريقه.
تنقلنا الكاف إلى خطاب حقيقي خطاب (حقيقيته من نوع إحساس رائع وفريد) يؤكد أن النداء كان "لشبه النائي" وشبه النائي يكون للغافل أو النائم الجريح! (وكأنه يخاطب كل فئات العرب غافلا ونائما ووجه بلد جريح فاقد الوعي من كثرة العذاب)! فهو الآن مخاطب حاضر أمام عيني الشاعر بلحمه وشحمه شعبا عربيا يتناثر أفراده في كل مكان، ولكن فقدَ توهّجه التاريخي وعزته ورفعته التي كان يحترمه التاريخ بأجمُعه.. تماما كما يكون الأمر إلى نفس العاشق الذي يرى وجه حبيبه ولا يحس فيه بما كان فيه! فصار موجودًا وغير موجودٍ! حاضرًا وما كان فيه لم يعد فيه!
كان من المستحيل كتابةً أن يأتي الدكتور السمان بهاء الغيبة بدل كاف الخطاب هنا، ولكنه لم يهدأ له بال فيما بعد، وأتى بهاء الغيبة فعلا! ولكن محاولة رجل عربي لإثبات حلم لم يتحقق أمام الجمع!فيختم البيت بنون مكسورة.
- هاء الغيبة:
تكون تأكيدًا لكل معاني الفقد والبعد والنأي واللاوجود، وتشديدًا في لفظ الآه، وإمكان الوجع! وزيادة البحث والتفتيش!
فما بالك حين يكون هذا كله مستترا في نفس شاعر عظيم وحكيم وذي خبرة بطبقات الكلام (بغض النظر عن الجنس فصيحا أو عاميًا ، وإنما حديثي في الأسلوب فقط) كالشاعر الدكتور السمان .
البند الثالث
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:42 PM
في الصبح اصحو على أنباء مجزرة=في الليل امسي على أنباء مرتهـن
في الصبح بما يتضمنه تقديم الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال مستمرة -ما في أساليب القصر من الاختصاص والاهتمام بالمقدم -كما ذكر صاحب الكتاب، وهو يذكر الفاعل والمفعول: "كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم" وبيان مدى التفجع إذ يكون الصحو صبحاً بأنباء المجزرة، وليس في تأخير (على أنباء مجزرة) ما يوحي بإهمال مثل ذلك الحدث، ولكن إن دل التأخير على شيء فعلى ما صار معروفاً حدوثه، واعتيد شأنه، فكان أن أسقط الاهتمام على وقت الحدوث ألا وهو الصبح/أول اليوم وما يكون له من أسوأ الأثر النفسي إذ نبدأ يوماً بمجزرة، أو يكون أول ما نسمعه: أنه كانت مجزرة.. إنه من السيئ أن نحمل عبء نبإ مثل هذا، ولكن أسوأ منه أو زيادة في السوء أن نحمل عبء التوقيت وما يعبئ تلك الكلمة في نفوسنا بهذا الإحساس الأسود.. كلمة الصبح رغم كل ما تحمله من معاني النور والضياء.. متى تمت هذه المجزرة؟ إنها كانت ليلاً، وماذا كان في الشطر الثاني في وقت الليل؟ لقد كانت أنباء مرتهنين . ما أراد الشاعر بالقلب أو العكس أو ذكر ثاني المرحلتين (المجزرة ) قبل أولهما (الارتهان) مع أني أرى أنه كان من العادي في التركيب أن يقول: في الليل مرتهن يصير عندما يأتي الصبح أثراً من مجزرة كائنة في أحد أوقات الليل؟ ما حكمة الشاعر في إيراد كلمتي الليل والصبح؟ لا أقصد الطباق فيهما، ولكن من المعروف جدا أن الليل والصبح يتعاقبان بلا توقف فهل أراد الشاعر أن يقول إن الليل يُرتهن فيه أناس يقتلون حتى يكون الصبح فنسمع أخبار مجزرة؟ ولا يكف العدو الغاصب فيرتهن صبحاً لتأتي الأنباء ليلاً، ووقت مجيء الأنباء لنا تكون المجزرة معتملة في المرتهنين؟ حتى إذا أصبحنا أتتنا أخبار المجزرة ووقت مجيء أخبار المجزرة لنا يكون هناك حوداث خطف واعتقال من جديد، ووقت أن تأتينا أخبار هذه الحوادث تكون هناك مجزرة أخرى ليلا تأتينا أخبارها صبحا.. إن هذا يؤكده "ال" الجنسية المطلقة الواردة في شأن الصبح والليل .
في ظل الإمكانيات التكنولوجية العالية في التصوير والإذاعة وغيرهما من وسائل الإعلام.. هل أراد الشاعر أن يقول من خلال ما استنتجنا شيئا..
مثلا: هل هو قصور إعلام عربي؟
أم سيطرة إعلام يهودي؟
أم هو يشير من بعيد إلى تزييف وتعمد واضح إلى حد كبير في وسائل الإعلام التي تخجل من نشر الحقائق في وقتها؟
وفي تأخير المرحلة الأولى "أنباء مرتهن" عن المرحلة الثانية -والترتيب من حيث احتمال وقوع الحدث- هل أراد أن يثبت نية العدو المغتصب، ومدى فشل الحكمة العربية القائلة بالمفاوضات؟ حيث إنه المرتهن يقتل في مجزرة من قبل أن تأتي أنباء ارتهانه أصلا.. بمعنى آخر هناك خطة مرسومة فالمرتهن محكوم عليه بالمجزرة وذلك واضح جلي في تقديم خبر المجزرة على خبر الارتهان.
وفي كلمة "أنباء" أخذة الدهشة –رغم ألفة الكلمة لمستوى الاعتياد -فقد أرى أن الشاعر أبدع في توليف –على رأي جاكبسون- مثل هذه الكلمة على المحور النظمي، وإليكم الدليل في أن تجيبوا على سؤالي: هل صاحب القرار في أن نفاوض أو نحارب هو الشعب العربي؟ أم حكام الشعب العربي؟ بالطبع الحكام! أليس كذلك؟ وما دام كذلك فقد قصر الشاعر مشاركته -معبراً عن الحال الواقعة- على سماع الأنباء..
إنها كلمة ولكنه نقلت –باعتبار السياق- في جعبة معناها واقع أمة مريرا وما أشد مرارته!!
هذا على اعتبار المرتهِن هو العدو المحتل مثلاً، ولكن ألا يمكن أن يكون هنا تعبير واضح عن الإرهاب الداخلي باحتمال المرتهِن من أهل الأرض العربية.. ووقتها كذلك لم يختلف الأمرعن كونه تسجيلاً لحالة حياتية واقعية تلازم كثيراً من مواطني البلاد العربية.
إن البيت جمع في احتمالات المعنى فيه وبشكل غير مباشر ولا صريح -جمع أكبر مشكلتين يزعجان الشعب العربي هما العدو المحتل والإرهاب الداخلي..
....=(في الصبح /في الليل/ شبه جملة) ..رغم أن لكل اصطلاح في أي علم التحديد العلمي الذي يعينه بدقه، ويجعل له معنى واضحاً قد يختلف عن إيحاءات الكلمة بالنسبة لنا، إلا أن الفطرة التي جبلنا عليها أن الكلمة مهما كانت معانيها فإن لها ظلالاً أخرى تثيرها في نفوسنا بيئية أو نفسية.. ولكلمة (شبه جملة) قد يكون مثل هذه الإثارة كما يأتي بيانه فيما بعدُ.
نجد هذا البيت عامراً بالطاقات الصوتية المعبرة عن الحالة والموقف تعبيرا فذا كما يقول بالي- حيث تتوافق طاقات الأصوات مع الدلالة والظلال العاطفية فتنطلق طاقة الأصوات التعبيرية الفذة من عقالها وتنتقل إلى طور الظهور والفعالية حيث لا توجد لغة تخلو من العناصر المسببة مهما كان من تعسفية الرمز واعتباطيته ، ولعل أمر الاعتباطية وعدم القدرة على تواجد المحاكاة الصوتية راجع إلى التوسع في المجاز اللغوي الذي حكته نظرية الزمخشري في أن اللغة كلها مجاز. حيث تلعب الصورة في نقل اللفظ للدلالة على معنى آخر غير معناه -الأول بين المعنيين علاقة مشابهة أو غيرها. ولعلني أميل إلى أن ذلك التوسع قد يكون ذا حدين فمن ناحية من الممكن أن نطمس علاقات المحاكاة الصوتية في الرمز حيث ننتبه إلى علاقات أخرى في المعنى بعيدا عن الدلالات الصوتية، ومن ناحية أخرى قد يكون التركيز على الطاقات الصوتية كبيرا فيكون مساعداً للسببية المتمثلة في "محاكاة الصورة السمعية لحركة التصور أو المدلول" في اللغة.
وهنا عبقرية حرف الفاء في مثل هذا لموقف/ البيت.. فمن دراسة للأستاذ حسن عباس ومحاولة رصده لمعاني بعض الحروف ألفى الفاء معبّرة عن معاني الشق والانفراج.. و"في" أصلا ظرفية -كما نعلم- فهي وجود أو مكان لوجود معيشي يثبته الشاعر في استهلال البيت بالفاء وبالـ"في" حرف الفاء وحده أثبت أو لنقل أوحى بانشقاق واتساع تجده حين أسمع كلمة "فأس"..
وقد يحتج أحد بقوله أنني أحمِّل الكلمة فوق طاقتها وإن كانت الفاء للشق والانفراج فهناك المعنى الناعم لها ألا وهو الظرفية مثلا أو ما شابه، وهنا يفصل بالحكم شيخنا عبد القاهر الجرجاني "الكناية" فديدن الشعر أن ما كان في معرض مدح فهو كناية عن المدح، وما كان في معرض ذم فهو كناية عن الذم، وهنا ما كان في معرض إحساس بالحيرة حال كتابة الفاء فهو إحساس بالانقسام أو انشقاق الزمان المتمثل في الصبح المتصدع بهذه الأنباء إلى شقوق..
وانظر ما يحكيه علم النفس عن حالات الخوف من الأماكن الواسعة. (على احتمال)، ولعل مستدعيَ تلك الخاطرة إلى الذهن هو تكرار (في)!!
وقد أصابني -برهبة ما يأتي- حرف العين وما يعادله من عواء وعويل وقت الاستنجاد جثم في وقت نبأ المجزرة فما بالك بوقت المجزرة نفسها! وجثم في وقت نبأ الارتهان فما بالك بالمرتهن وقتها أو بأسرته أو أو!
وما يوحي به حرف الراء في "مجزرة" من معاني الضخامة والتجمع من معان مطابقة لما يحدث بالفعل..
يا أللـه!!
إن الكلمة هنا صارت تحكي حادثة كاملها بأصواتها وأعداد أفرادها! بداية من الميم التي تدل معانيها على التمدد والتوسع والانفتاح كما جاء عند الأستاذ عباس، وأهمية ووظيفة ذلك في التعبير عن موقف "مجزرة" وبعدها الجيم الشديدة المجهورة –حسب بعض اللهجات الأولى، المهموسة حسب الحجاز- الانفجارية ،
وانتهاء الموقف إلى حرف التاء الذي يسمع صوته عن قرع الكف بالإصبع قرعاً بقوة كما يقول ابن سينا.. معادلاً ومعبراً عن انتهاء الأمر بإشارة كهذه أو يدل على أن هذه إشارة لبدء آخر؟ إنها تصور لي ما أحس به العدو المنتصر أو الذي أثبت قوته في هذه المجزرة فقرع بإصبعيه ، وعلى احتمال آخر فالتاء مصنف من الحروف الضعيفة الشخصية..
ونجد أن علاقات الاستئناف الذي يحتمل أنه ينزل منزلة الإجابة على سؤال تمتد على طول القصيدة متجاوبة مع إيقاع فكري منتظم في طرح الأمر وتوضيحه فنجد في البيت الثاني شطريه: "في الصبح أصحو على أنباء مجزرة/ في الليل أمسي على أنباء مرتهن"، وكيف أن ما كان بعدُ كان كالذي يؤتى به إجابة سؤال السامع أو القارئ أو لنجعل الأمر أكثر صراحة ونقول النفس الناقدة في الكاتب التي تحاول أن تستفتيها النفس الشاعرة وقت الكتابة.. فكأنها سألت: وكيف تتم هذه المجزرة؟ فتجيبها مستأنفة حديثها في البيت الثالث والرابع والخامس موضحة المجزرة وآثارها وتنويع مرتكبيها..
أحمد حسن محمد
03-12-2007, 03:44 PM
أنتظر آراءكم في البنود الثلاث وبعدها سوف أنزل البنود الباقية هنا أو في صفحة أخرى
ما زالت الاتفاقية كبي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
يرة
وكذلك هناك اتفاقيات بين بيكاسو والدكتور السمان
وبينه وبين آخرين فيما يمكن أن يكون له علاقة بالأدب..
وبالذات بعلم النفس
سأنزلهم تباعا
أحمد حسن محمد
05-12-2007, 07:57 PM
.................................................. ........
عبدالله حسين كراز
26-01-2008, 03:38 AM
أنتظر آراءكم في البنود الثلاث وبعدها سوف أنزل البنود الباقية هنا أو في صفحة أخرى
ما زالت الاتفاقية كبي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
ي
يرة
وكذلك هناك اتفاقيات بين بيكاسو والدكتور السمان
وبينه وبين آخرين فيما يمكن أن يكون له علاقة بالأدب..
وبالذات بعلم النفس
سأنزلهم تباعا
ماذا أقول لك يا أحمد وأنت تبدع نقداً بوعي مطلق وعين بصيرة متقدة تنهل من بحور النقد على تداخلها وترابطها المعرفي والفلسفي والعلمي والبنائي.. كم أنت رائع ومعلم حين تزودنا في وعي منك برؤية نقدية لا يمتهنها إلا صاحب قلم مجرب وخبير ولا يكبو... قدمت لنا دراسة واعية فيها نقد نفسي يتمازج مع اللغوي والبنيوي والشكلي والثيماتي، في نقدية متداخلة علمية وأكاديمية متفردة ولها حق السبق... وأني لأراك ترفرف بجناحي متمرس وناقد بين هذا وذاك ممن تكتب عن نصوصهم الخلاقة والمبدعة...
كن بخير وبارك الله فيك وفي علمك
د. عبدالله حسين كراز
ضحى بوترعة
08-02-2008, 11:05 PM
أخي الغالي أحمد
نحن في انتظار البنود الباقية أيها الناقد والمبدع الرائع
تتوغل بدون حدود في بحور النقد
لي عودة يا أحمد
محبتي لك
أحمد حسن محمد
09-02-2008, 03:48 PM
ماذا أقول لك يا أحمد وأنت تبدع نقداً بوعي مطلق وعين بصيرة متقدة تنهل من بحور النقد على تداخلها وترابطها المعرفي والفلسفي والعلمي والبنائي.. كم أنت رائع ومعلم حين تزودنا في وعي منك برؤية نقدية لا يمتهنها إلا صاحب قلم مجرب وخبير ولا يكبو... قدمت لنا دراسة واعية فيها نقد نفسي يتمازج مع اللغوي والبنيوي والشكلي والثيماتي، في نقدية متداخلة علمية وأكاديمية متفردة ولها حق السبق... وأني لأراك ترفرف بجناحي متمرس وناقد بين هذا وذاك ممن تكتب عن نصوصهم الخلاقة والمبدعة...
كن بخير وبارك الله فيك وفي علمك
لن أجيب الآن..
كلما أتيت لقراءة كلمة من كلمات محبتك لي دهشت ورجعت
صممت الآن أن أكتب ولكن في أعمالك ستكون الكتابة الكبرى
أيها الروح التي تسكنني وتسكن هناك
متى تأتي إلى هنا
د. عبدالله حسين كراز
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Kuwaithub