المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سفر/ قصة لفكري داود


فكري داود
07-10-2007, 06:34 PM
سَفَر




متقوقعة كانت في حجر جلبابه، هكذا لا يحلو للنوم أن يزور جفنيها إلاَّ وهي على تلك الحال.
قالت وهي فيما يشبه الحلم:ـ
أبي: لا أحب البرد، البرد يؤلم عظامي..
تأكّدتْ يدُ الأب من بسط طرف فستانها الصغير فوق ساقيها النحيلتين، ربَتَتْ اليد الأخرى ظهرها، قال:
نحن في عِزِّ الصيف يا منى.
قالت: عندما يأتي البرد تكون أنت في السفر..
أضافت: ولم السفر يا أبي؟!
أجاب: لأشتري لكِ لعبا كثيرة وفساتين و...
قاطعته في حسم: عندي لعب كثيرة و فساتين.. أنا لا أريد!
قال: لآتي لكم بفلوس كثيرة..
ارتفعتْ رأسها قليلا عن فخذه الدافيء ، استولى
عليها صمتٌ غريب!
راحتْ تنفرد بحجرتها أوقاتا أكثر على مدى عدة أيام، كانت تُسمع بالداخل أصداءٌ لمحاولات لم يُعرف سببها في ذات الحين..
ذات مساء:
تقدمتْ إحدى قدميها وتأخرتْ الأخرى..
لمعَتْ حبتان من دمعٍ لؤلؤي على وجنتيها ..
قالت عيناها:ـ
أبي: ها هي الفلوس الكثيرة..ماذا تريد؟!
ومن بين أصابعها المرتجفة تسرَّبتْ شلناتها الفضية التي كانت تسكن حصالتها الصغيرة!


السعودية 16/9/1999م
ــــــــــ
القصة من مجموعة قصصية للكاتب بعنوان(صغير في شبك الغنم)/ صادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة/ ديسمبر 2001م

مأمون المغازي
07-10-2007, 07:45 PM
حجر الأب مستودع وقتي ، حفنة الشلنات ثروة تغني عن السفر .

أرى أديبنا فكري داود يختزل حكاية أسة في عبارات ، ويختزل حكاية شعب في قصة .

هنا اعتمد القاص على الهجوم للدخول والإدخال إى القصة فقد هجم على الحدث مباشرة دون الاعتماد على أي فرشة قصية أو تمهيد دخول ، لكن الهجوم هنا كان بارعًا من براعة مستخدمه ، حيث استحض القارئ مباشرة إلى هذه الحالة الحميمية بين الأب وابنه ، أو بالأحرى بين الابنة والأب ، أقول بينهما معًا .

القاص هنا بارع بالطبع ليستعمل هذا المستوى اللغوي الفاخر مستعينًا بالتصوير البسيط السهل اليسير الذي يطعن فكر المتلقي لينزف نفس الحالة ويشعر لزوجتها وحرارتها وهي تنثال على مخيلته فتوقظها ، وعلى تصوره فيرى حاله أو حال غيره ممن يعرفهم أو لا يعرفهم .

نحن في عِزِّ الصيف يا منى.
قالت: عندما يأتي البرد تكون أنت في السفر..

نحن أمام تعبير مكثف استدعائي بالقوة والفعل ، فنحن أمام الأحاسيس المدخرة ، ومحاولة ادخار الشعور بالحنو والدفء ولو كان الصيف حارًا وكأن البنت تستعد لبياتها الشتوي الذي يستدعي المشاعر والحميمية تسحب منهما شتاءً ما تحتاجه للتذكرة واستحضار الأب الغائب ، والذي دعم هذه الصورة هذا التقرير من البنت التابع لتقريرها الشعور بالبرد ، هي الحالة الإنسانية إذًا يستمد الكاتب من مداد أوجاع الغربة والاغتراب ، وتأتي لمحة ذكية لا يجب أن نفوتها ونحن في رحاب هذا العمل ( غنها الساقان النحيلتان ) القاص هنا اختصر مساحات واسعة من الوصف فالنحول لا يسقط هنا على الساقين وحدهما ، وإنما ينسحب إى شمولية العيش وكأن الحياة الأسرية كائن يتغذى على لم الشمل ، كما يلقي هذا بظلاله على عدم قدرة الفتاة فعل شيء في مواجهة الظروف .

التبرير :

مقابل التقرير يأتي تبرير الأب لترك أسرته معتمدًا على شهوة الطفولة ، لكن الحب هنا يطغى على شهوة الملابس والألعاب ، بيد ان حجة الفتاة كانت قوية بالنسبة لعمرها وحالها ، ومتفقة تمامًا مع مشاعرها ورغبتها الأكبر والأقوى مما يضطر الأب لاستخدام آخر أسلحته ( المزعومة / الواقعية ) الفوس ( هي اللسان لمن اراد فصاحة ، وهي السلاح لمن أراد قتالاً ) .

التوتر الزمني

هنا كان القاص مضطرًا لإحداث هذه الهدنة القصي التي يذهب بها بعقل المتلقي إلى مساحات التصور والتوقع ، ويخرج غلى النقاش مع طرف غير البنت ليستعد للهجوم الأخير .

البنت في حجرتها ن ترتب نفسها لهجوم يتناسب وقواتها ( إنها الحصالة ) الثروة الكنز بما يتفق ورؤيتها ، مواجهة من نفس الجنس ، غنها تملك الثروة التي تعوض بها الأب تركه لأسرته ، وتمحق حجته بحجة مماثلة .

الدمع / الشلنات
بريق المال وبريق الدمع يجتمعان في مشهد تصويري محكم الإخراج وكاميرا ( كلوز ) تتراجع حتى نرى الكل في ( توتالة ) ربما سمعنا معها الموسيقا التصويرية الداعمة لمشهد الختام مع رنين الشلنات على الأرض ، لكن أي رنين هذا ؟! إن الشلنات تتسرب ( رائع أنت أستاذنا بهذا التعبير ) فكل شيئ يتسرب إلا الفناء إلا المشاعر .

الإغلاق

جاء الإغلاق هنا بمفاجأة غير مفتعلة بل انسجمت مع السرد في نسيج مين على الرغم من إحداثها المعتمد على المفارقة والتشويق ، أما استخدام البنت بالتحديد دون الولد ففيه قول طويل لا أراه خافيًا على أحد وهذا محسوب للقاص بالتأكيد .

أديبنا الكبير ،

هنا عايشت عملاً قصيًا فاخرًا من العيار الثقيل ، حمل رسالة نقدية لاذعة لو تأملناه ، هذه الرسالة القائمة على المبررات والأدلة والمعايشة الصادقة لواقع المرير .

بقي أن أكتفي بهذه الخربشات التي ربما لا تليق بالعمل .

محبتي واحترامي

مأمون


.

سحر الليالي
07-10-2007, 10:11 PM
الفاضل " فكري داوود"

قصة باذخة الجمال..!!!

بـ حق رائع ــة ..!!!
سعدت بــ معانقتها...

سلمتـ ودمت بـ بهاء
لك خالص تقديري وتراتيل ورد

فكري داود
08-10-2007, 04:48 AM
الأخ الأستاذ/ مأمون المغازي
لا أراك إلا مبدعا بحق
تمتلك أدوات التنقيب عن رؤية النص بعناية.
لقد أثريت القصة بقراءتك الفنية هذه.
ولسوف أحتفظ بتلك القراءة مع عشرات من القراءات لأعمالي، من كتاب كبار من العيار الثقيل مثلك...
لا أملك أخيرا سوى أن أشكرك على هذا الجهد الرائع والنبيل.
مع خالص الود
فكري

فكري داود
08-10-2007, 04:50 AM
إلى / سحر الليالي
مرحبا بحلولك هنا
أثمن كلماتك الراقية عن القصة.
وأتنى دوما أن تكون نصوصي على مستوى الموقع، ورواده الكرام.
تحياتي

محمد سامي البوهي
08-10-2007, 05:59 PM
ربما الجرح أتى هنا لتمر عليه كلماتك يا أستاذي ... جرح الغربة الملفوف بالحاجة للقمة العيش ..

دارت القصة بإحساس مرهف ، وقد نجحت إلى حد المهارة الاحترافية ، في نقل احساس الطفلة الينا قبل كتابته على الورق .. وكانت النهاية هي الذروة لهذا الاحساس الذي يبطن داخله متغايرات لا حدود لها ...

الأستاذ فكري دادود

ثق تماما أنني أت هنا لأتعلم فقط ..

فكري داود
08-10-2007, 07:08 PM
ربما الجرح أتى هنا لتمر عليه كلماتك يا أستاذي ... جرح الغربة الملفوف بالحاجة للقمة العيش ..

دارت القصة بإحساس مرهف ، وقد نجحت إلى حد المهارة الاحترافية ، في نقل احساس الطفلة الينا قبل كتابته على الورق .. وكانت النهاية هي الذروة لهذا الاحساس الذي يبطن داخله متغايرات لا حدود لها ...

الأستاذ فكري دادود

ثق تماما أنني أت هنا لأتعلم فقط ..

أخي العزيز الأستاذ/ محمد سامي البوهي
شكرا لك من جديد على دعوتك لي بالحضور هنا وسط أناس كرام يعرفون للكلمة الصضادقة حقها...، وشكرا لك على قراءتك لقصتي هذه، وتعليقك الشفيف والجميل...
أنت كاتب مثابر ولديك تصميم على أن تكون شيئا مهما، وأنا أثق تماما في قدراتك، وفي قدرتك على الإفادة من كل ما تقرأ...
فقط أقول لك أننا جميعا نتعلم، ونحاول دون كلل أن نصل إلى النص الذي يقترب من أنفسنا، ويرضي غرورنا الصحي جزئيا، فالنص الكامل ليس موجودا بعد، وعندما يظن الكاتب أنه كتب النص الكامل، فهذا معناه أنه سوف يتوقف تماما.. وماذا سيكتب بعد؟؟؟
كلنا هذا الرجل يا (حمام) الباحث دوما عن الأفضل...
أردت أن أفضفض مع أخي الأصغر الذي أعتز به.
تحياتي، وفي انتظارك في أجازة العيد.

د. نجلاء طمان
09-10-2007, 02:30 AM
أفاض أستاذي المغازي في القول والتعليق, فسد علي الباب في ثقة, لكن
أقول أنني سعدت جدا هنا واكتشفت موهبة قصية, حتما سأتابعها, كنت أتمنى لو كان العنوان"حفنة شلنات فضية" لتكتمل تحفتك

تقبل مرور لا يفيك حقك

دمت والإبداع

د. نجلاء طمان

فكري داود
09-10-2007, 03:52 PM
أفاض أستاذي المغازي في القول والتعليق, فسد علي الباب في ثقة, لكن
أقول أنني سعدت جدا هنا واكتشفت موهبة قصية, حتما سأتابعها, كنت أتمنى لو كان العنوان"حفنة شلنات فضية" لتكتمل تحفتك

تقبل مرور لا يفيك حقك

دمت والإبداع

د. نجلاء طمان

شكرا جزيلا لهذا المرور الكريم
السفر هو الذي صتع الموقف، ويصتع دائما كل موقف، والشلنات جائت خاتمة للموقف الآتي أساسا بسبب السفر، لذا رأيت (سفر) عنوانا أشمل، ولا يقف فقط عند مجرد التجربة بين الرجل وابنته، بل يتخطاها لقضايا جديرة بالاهتمام...، ومع ذلك أثمن ملحوظتك.
ويكفيني مرورك هذا، فهو يفيني حقي وربما زيادة.
وطبعا لا أنسى أن أعيد الشكر للأستاذ المغازي.
مع خالص التقدير