أحمد حسن محمد
07-10-2007, 01:35 AM
قال الشاعر الدكتور محمد حسن السمان
سرادق الموت والتقتيل قد نصبت=عند المساجد في الأحياء في المدن
لقد وقعت هنا على محاولة جادة بذلها الشاعر لتغير إحدى الصور العقلية تقليلا من قسوتها، وهي أقرب إلى آليات تكوين الحلم (نوم يقظة) الذي يظهر فيه الأب الضعيف قوياً، والأم السكيرة نقية، ويظل الميت حياً حيث يتحتم في مثل هذه المواقف محاولة تغيير الصورة رغم أنه من الصعب أن يحدث هذا التغيير، مما يسبب إحساساً بالإرهاق الشديد .(26)
وفي بيت الشاعر :
سرادق الموت والتقتيل قد نصبت= عند المساجد، في الأحياء في المدنِ
رغم أن البيت كان بمثابة بعض الأحجار التي نعدل وضعها في قمة هرم (27)الوضع المأساوي الذي عشناه –عرباً- في أبيات الشاعر الأولى، إلا أن هناك "سرادق الموت والتقتيل.." تمثل صورة عقلية أو محاولة تغيير لصورة عقلية تحتفظ بها ذاكرة كل إنسان عربي ولا سيما إن كان شاعراً منذ سنة 1998م / العام الأخير في حياة نزار قباني الذي أعلن تلك الصورة في جملته المنثورة "إن سرادق الموت العربي منصوب في كل مكان، والقرآن يتلى، والمعزون يجلسون في صمت". (28)
ويدخل أهل الأدب فعل ذلك الاستدعاء التراثي تحت مسمى "ثنائية التكرار" (29)كما يسميها صلاح فضل، أو "الظاهرة التركيبية التي مبعثها الذاكرة الحافظة" كما يقترحها الدكتور البدراوي زهران .(30)
وإن ما يهمنا الآن دراسة هذه الظاهرة من ناحية نفسية تحليلية: فالعرب قد ماتوا ، والسرادق منصوب منذ 1998 النزارية، ويبذل الشاعر الدكتور السمان هنا جهداً واضحاً ي محاولته تغيير تلك الصورة العقلية المتمثلة في سرادق نزار قباني الذي أصبح واقعاً ينافي الصورة التي تربى عليها كل عربي ومسلم، والجهد المبذول –هنا من قبل شاعرنا- كبير بحجم قدرته على التخزين لـ(صور الذكريات/المشاعر). ومن ثم يمكننا الإحساس بحجم المعاناة التي تكبدها الشاعر، إلى درجة من التعب أدت إلى إرهاق شديد وشبه فقدان للوزن (31)، ذلك التعب الذي يحتمل أنه أثر على قدرة الشاعر على التحكم والمراجعة في قوانين اللغة، فساق إلينا (الفعل نُصِبتْ) مسنداً إلى ضمير المؤنثة في حين ذكرت لنا المعاجم العربية –بما لا يجهله الشاعر- أن "سرادق" مذكر (32)، وكذلك في اختلاف مستوى الأبيات اللاحقة في ثبوت الخبرة اللغوية كسوالفها من أبيات القصيدة، حتى يسترجع الشاعر طاقته الضابطة في البيت قبل الأخير إلا أن سخونة انفعاله وإرهاقه الفكري من جراء محاولة تغيير تلك الصورة –بما سنوضحه بعدُ- قد أفلتت منه فرصة الوقوف على ساكن في عروض ذلك البيت.
إن الشاعر حاول إلغاء التأكيد بـ"إن" من صورة نزار قباني -التي ألقاها في وجه التاريخ، وحذف كلمة "العربي"، وحاول تعديل "الثبوت في اسم المفعول وبنائه للمجهول الذي أوحى بالغموض والرهبة والفزع- وتنازل عن ذكر عبارة ("في كل مكان" النزارية) في مكانها بعد (سرادق الموت)..
ولكن ..
الصورة التي سجلها نزار ظلت راسخة بواقعيتها: فإن التوكيد رجع في آخر شطر البيت بازدواجٍ واضح في (قد + الفعل الماضي)، وحذف كلمة العربي، فأناب "التقتيل عنها، واسم المفعول النزاري "منصوب" لا زال على بنائه للمجهول في الفعل "نُصِبَتْ"وزاد ثبوتاً بكونه فعلاً ماضياً يرسخ حادث الوقوع في النفس أكثر، و"في كل مكان" ذكرها الشاعر بتفصيل أكثر إيلاماً "عند المساجد، في الأحياء، في المدن".
إن الشاعر قضى ليالي هذه الأعوام يعدل في تلك الصورة العقلية التي سجلها نزار قباني كتغيّر لغوي تابع لواقع صورة العرب، وتعديل الشاعر كان محاولة لتوفيق الصورة اللغوية مع صورة العرب التي خزنها شاعرنا في عقله، ولكن تقلصت محاولته إلى نتيجة واحدة يؤكد لنا فيها:
- مقولته عن "محاولة ضبط حمى التفجر".
- مقولة إريك برن عن القدرة على تخزين صور الذكريات والمشاعر.
حتى هنا وبعد محاولة عقلية مجهدة تماماً لم يمكن للشاعر إلا أن يقول الواقع بإداراك يعود إلى تمامه فيثير دهشة الشاعر والقارئ.
-----------------------------------------------------------------
26 الطب النفسي والتحليل النفسي صـ43.
27 دلالة الهرم في التاريخ الفرعوني.
28 مقال "كلمات لا تعرف الرحمة " باسم صلاح الدين .
29 أسلوب طه حسين في ضوء الدرس اللغوي الحديث صـ16
30 المرجع السابق صـ51.
31 الطب النفسي والتحليل النفسي صـ 43.
32 لسان العرب.
سرادق الموت والتقتيل قد نصبت=عند المساجد في الأحياء في المدن
لقد وقعت هنا على محاولة جادة بذلها الشاعر لتغير إحدى الصور العقلية تقليلا من قسوتها، وهي أقرب إلى آليات تكوين الحلم (نوم يقظة) الذي يظهر فيه الأب الضعيف قوياً، والأم السكيرة نقية، ويظل الميت حياً حيث يتحتم في مثل هذه المواقف محاولة تغيير الصورة رغم أنه من الصعب أن يحدث هذا التغيير، مما يسبب إحساساً بالإرهاق الشديد .(26)
وفي بيت الشاعر :
سرادق الموت والتقتيل قد نصبت= عند المساجد، في الأحياء في المدنِ
رغم أن البيت كان بمثابة بعض الأحجار التي نعدل وضعها في قمة هرم (27)الوضع المأساوي الذي عشناه –عرباً- في أبيات الشاعر الأولى، إلا أن هناك "سرادق الموت والتقتيل.." تمثل صورة عقلية أو محاولة تغيير لصورة عقلية تحتفظ بها ذاكرة كل إنسان عربي ولا سيما إن كان شاعراً منذ سنة 1998م / العام الأخير في حياة نزار قباني الذي أعلن تلك الصورة في جملته المنثورة "إن سرادق الموت العربي منصوب في كل مكان، والقرآن يتلى، والمعزون يجلسون في صمت". (28)
ويدخل أهل الأدب فعل ذلك الاستدعاء التراثي تحت مسمى "ثنائية التكرار" (29)كما يسميها صلاح فضل، أو "الظاهرة التركيبية التي مبعثها الذاكرة الحافظة" كما يقترحها الدكتور البدراوي زهران .(30)
وإن ما يهمنا الآن دراسة هذه الظاهرة من ناحية نفسية تحليلية: فالعرب قد ماتوا ، والسرادق منصوب منذ 1998 النزارية، ويبذل الشاعر الدكتور السمان هنا جهداً واضحاً ي محاولته تغيير تلك الصورة العقلية المتمثلة في سرادق نزار قباني الذي أصبح واقعاً ينافي الصورة التي تربى عليها كل عربي ومسلم، والجهد المبذول –هنا من قبل شاعرنا- كبير بحجم قدرته على التخزين لـ(صور الذكريات/المشاعر). ومن ثم يمكننا الإحساس بحجم المعاناة التي تكبدها الشاعر، إلى درجة من التعب أدت إلى إرهاق شديد وشبه فقدان للوزن (31)، ذلك التعب الذي يحتمل أنه أثر على قدرة الشاعر على التحكم والمراجعة في قوانين اللغة، فساق إلينا (الفعل نُصِبتْ) مسنداً إلى ضمير المؤنثة في حين ذكرت لنا المعاجم العربية –بما لا يجهله الشاعر- أن "سرادق" مذكر (32)، وكذلك في اختلاف مستوى الأبيات اللاحقة في ثبوت الخبرة اللغوية كسوالفها من أبيات القصيدة، حتى يسترجع الشاعر طاقته الضابطة في البيت قبل الأخير إلا أن سخونة انفعاله وإرهاقه الفكري من جراء محاولة تغيير تلك الصورة –بما سنوضحه بعدُ- قد أفلتت منه فرصة الوقوف على ساكن في عروض ذلك البيت.
إن الشاعر حاول إلغاء التأكيد بـ"إن" من صورة نزار قباني -التي ألقاها في وجه التاريخ، وحذف كلمة "العربي"، وحاول تعديل "الثبوت في اسم المفعول وبنائه للمجهول الذي أوحى بالغموض والرهبة والفزع- وتنازل عن ذكر عبارة ("في كل مكان" النزارية) في مكانها بعد (سرادق الموت)..
ولكن ..
الصورة التي سجلها نزار ظلت راسخة بواقعيتها: فإن التوكيد رجع في آخر شطر البيت بازدواجٍ واضح في (قد + الفعل الماضي)، وحذف كلمة العربي، فأناب "التقتيل عنها، واسم المفعول النزاري "منصوب" لا زال على بنائه للمجهول في الفعل "نُصِبَتْ"وزاد ثبوتاً بكونه فعلاً ماضياً يرسخ حادث الوقوع في النفس أكثر، و"في كل مكان" ذكرها الشاعر بتفصيل أكثر إيلاماً "عند المساجد، في الأحياء، في المدن".
إن الشاعر قضى ليالي هذه الأعوام يعدل في تلك الصورة العقلية التي سجلها نزار قباني كتغيّر لغوي تابع لواقع صورة العرب، وتعديل الشاعر كان محاولة لتوفيق الصورة اللغوية مع صورة العرب التي خزنها شاعرنا في عقله، ولكن تقلصت محاولته إلى نتيجة واحدة يؤكد لنا فيها:
- مقولته عن "محاولة ضبط حمى التفجر".
- مقولة إريك برن عن القدرة على تخزين صور الذكريات والمشاعر.
حتى هنا وبعد محاولة عقلية مجهدة تماماً لم يمكن للشاعر إلا أن يقول الواقع بإداراك يعود إلى تمامه فيثير دهشة الشاعر والقارئ.
-----------------------------------------------------------------
26 الطب النفسي والتحليل النفسي صـ43.
27 دلالة الهرم في التاريخ الفرعوني.
28 مقال "كلمات لا تعرف الرحمة " باسم صلاح الدين .
29 أسلوب طه حسين في ضوء الدرس اللغوي الحديث صـ16
30 المرجع السابق صـ51.
31 الطب النفسي والتحليل النفسي صـ 43.
32 لسان العرب.