المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زيارة مريضة


ماكة عسال
19-11-2007, 05:31 PM
زيارة مريضة

شدتني من تلابيبي برفق قائلة

- من هنا من هنا.
دلفت نحو باب هشيم مفتوح ،وضعت رجلي على أول السلم سائلة:
- في أي دور؟
أجابت:
- في السطح في السطح ، ليس في الدور ...

فهمت...تابعت الصعود ..انغمست في ظلام ..أخذت أتحسس الجدار مخافة الكبو..أشياء مثل الفتات تتساقط، ..أخرى كالعلك تلتصق بيدي خدوش ،أو شقوق أو ربما حفرة تستفز قدمي ساخرة من خطواتي البطيئة .. واصلت السير بوقع هامس حتى لا يتطفل على البيوت المجاورة..
- استسمح ياخالة أتعبتك. فاهت الصغيرة بحرج.
- لا عليك كم بقي من دور؟
- ثلاثة لأننا في الدور الثاني .
.انقطع الحوار.. تلاه صمت مؤقت.. ترادفت الخطوات ، تلاحقت النبضات جف الحلق .إذا مخيلتي تعرض صورة أحد السلالم الرخامية المتلألئة العاكسة لطيفك تحت خيوط الإنارة . وكأنك تسير على لجة ماء ...رائحة المنظف المنعش تشظف أنفك، الجدران ترد الصدى .نُمقَت جنباتها بأصيص الأزهار...
أمسكت بناصية المسكن المقذوف في السطح. مساحته تقل عن أربعة أمتار سقفه قصديري به ثقوب .لا ماء ، لا كهرباء محط أنواع هزات فصل الشتاء .كما هو مستودع عفوا قمامة لذرى زوابع الفصول .بابه تخلى عن مصراعيه، ستار مطلي بسخافة الأيام ،...وقفت مشدوهة أمام هذا الصندوق العجيب الذي يسكنه ألإنسان في حجم وصيده كلب لحراسة حديقة .وعادة الكلاب يكرهها الأطفال .يتضايقون منها .تراهم يتحاملون عليها رميا بالحجارة حتى تتوارى .بينما يداعبون القطط والكتاكيت برفق ... مرة سألت طفلا :
- لم تهاجم هذا الكلب يا بني ، هذا حيوان أليف عليك اللطف به ؟
- رد الطفل وعيناه جاحظتان ملاحقا الكلب :
- إن الكلب حيوان غادر
- الكلب حيوان أمين يحرس بيتنا .
لا..الكلب مفترس إذا أمسك بك ينهش لحمك ،يمتص غضاريفك في تلذذ.لا تتقي فيه ،فالكلب كلب ولا شيء غير أنه كلب ....
- ا دخلي يا خالة ادخلي ...قالت الطفلة.
عند مقربة الباب لطمتني رائحة ما ...رفعت الستار ، أحكمت تعليقه جانبا . سرير مشلول وسط الغرفة .عُوضَت ساقه المبتورة بحجر، بجواره ر صندوق خشبي يحتضن أواني لقيطة . في الركن الآخر كلكل من الأسمال الممزقة ، وسطل تجرد عروته .ربما وضع للتبول والتغوط .المريضة على شواردها تلعق مواجعها القاسيةن بين الفينة والأخرى تداريها بأنات عليلة متواصلة .قربت الابنة منها هاتفة :
- - أمي أنظري هذه زائرة جاءت تخبثر أحوالك استيقظي .طالما شكوت انعدام الزيارة والزائرين.
- التفتت المرأة ،رأسها الملفوف .يعكس حفريات السنين الأليمة ..وجه شاحب يحمل عينين يابستين ،شفتاها الذابلتان يعلو جانبيها زبد ...أخرجتْ يدها النحيلة لجذب الغطاء ، قالت ترتعش:
- مرحبا بك بنيتي..
- عبارة من بين الأسنان تسربت مرتجفة .
- - هذا واجب .قولي يا خالة ما الذي تحسين به
- - ألمْ تخبرك الطفلة يا بنيتي قالت والحروف تتلكأ .
- لا أبدا .
أزاحت الغطاء ،أخرجت ثديا ينز قيحا عليه ما يشبه الوحل مرجاني اللون :
- أريتك الرحمة يا بنيتي، ثديي مريض بالمرض القبيح حفظك الله منه
- وما هذا الطلاء ألأحمر؟ قلت متعجبة
- إنه تراب الولي الصالح سيدي المهدي الظاهر ممزوجا بالماء يشفي هذا النوع منا ألأمراض على حد نصائح بعض السيدات .
- يا خالة هذه أوساخ، الجرح يلزمه التطهير ، أدوية طبية لا هذه الأشياء. قلت بقلب يمتعض حسرة
- من أين لي بثمن الأدوية والفحوصات الطبية . قالت بعينين دامعتين
- المستشفى العمومي .ألم تفكري فيه ؟
- هل المستشفى العمومي مجاني؟
- تدفعين ورقة الاحتياج .أليس كذالك ؟
- هل الحصول على ورقة الاحتياج أمر سهل ؟
جوابها مقنع حقا؟ فكم ورقة لغرض ما .لا تتسلمها إلا بالمقابل ، حتى إن كنت حذقا . على دراية بمجرى ألأمور الإدارية ،ونطقت بما يشبه التنبيه .فتحتَ عليك باب التسويف لا خروج منه إلا بحركة عنيفة ..
شرد ذهني ثانية، فاستعرضت المخيلة صورة زيارتي لزميلة لي في الفصل، أصيبت بنزلة برد خفيفة ،
دخلتُ من الباب إلى حضن حديقة تزهو بأشجار الفواكه ،فناء الدار مكسو بأنفس الطنافس، وصلتُ الغرفة ، المريضة على سرير أفرشته حريرية ، مسنده على وسادتين صوفيتين .خصلات ناعمة تتدلى على وجه تضيئه لمسات راحة البال، تداعب مجلة نسائية .. في الجهة اليمنى مائدة تزينها مزهريات الورد الطبيعي، في الناحية الأخرى طبق بصنوف الفواكه ، الأدوية على مقربة منها ، ممرضة تراقب حركاها وسكناتها . تكفكف رذاذها بمنديل إن عطست...جلستُ هنيهة ..انتقلت إلى غرفة الضيافة خلف جدرانها الزجاجي الشفاف أرض خضراء، تتوسطها نافورة يحيط بها سرب طاووس..مجمعات الزهور...
تخيل معي المرض والمرض، الدواء والدواء، سرب الطاووس وسرب الصراصير..
أدخلت يدي إلى حافظة نقودي ، ناولتها ما يحتمه الواجب.. ودعتها..ثم خرجت بتوأدة..

بتاريخ

14/04/2004

د. محمد حسن السمان
19-11-2007, 08:10 PM
سلام الـلـه عليكم
الأخت الفاضلة الأديبة القاصة مالكة العسّال

قبل قراءة النص الجميل , لابد لي أن أعلن عن فرحتي وسعادتي , بتلبيتك دعوتنا
للانضمام إلى ملتقى الأدباء والشعراء العرب , ومشاركتنا مسيرة الخير , في
الأروقة الأدبية , ويشرفنب أن ارحب بك , بين النخبة المتميّزة , من الأعلام الكبار ,
فأهلا بك .

رؤية في قصة " زيارة مريضة "

" زيارة مريضة "
نص قصي متفوق , استخدمت فيه الأديبة العسّال , تقنية التسلل الصاعق للحدث , بشكل سهل وحرفي , يتوّج ذلك مشهد حركي , ذو مدلولات عميقة , تصعق ذهن القارئ , وتلامس حواسه البصرية والسمعية واللمسية :

" شدتني من تلابيبي برفق قائلة

- من هنا من هنا.
دلفت نحو باب هشيم مفتوح ، وضعت رجلي على أول السلم سائلة:
- في أي دور؟
أجابت:
- في السطح في السطح ، ليس في الدور ... "
ثم يبدأ البناء السردي , بلغة عالية الرصانة , في توظيف موفق للمفردات , والعبارات ورسم ملامح المسرح , في براعة ومهارة , لتوضيب حالة القارئ , وتمكين دخوله لجو القصة ومراميها :
" فهمت...تابعت الصعود ..انغمست في ظلام ..أخذت أتحسس الجدار مخافة الكبو..أشياء مثل الفتات تتساقط، ..أخرى كالعلك تلتصق بيدي خدوش ،أو شقوق أو ربما حفرة تستفز قدمي ساخرة من خطواتي البطيئة .. واصلت السير بوقع هامس حتى لا يتطفل على البيوت المجاورة.. "
وفي حلكة المشهد , وظلمته المحزنة , ينسل إلى المشهد , استدعاء لمشهد آخر , من عالم آخر , لتحل الصورة عوضا عن الصورة , في عملية مقارنة تباينية , ومثل هذا يحدث بشكل عفوي , يقود إليه التأثر بمشهد حياتي محزن :
" .انقطع الحوار.. تلاه صمت مؤقت.. ترادفت الخطوات ، تلاحقت النبضات جف الحلق .إذا مخيلتي تعرض صورة أحد السلالم الرخامية المتلألئة العاكسة لطيفك تحت خيوط الإنارة . وكأنك تسير على لجة ماء ...رائحة المنظف المنعش تشظف أنفك، الجدران ترد الصدى .نُمقَت جنباتها بأصيص الأزهار..."
ثم تختفي الصورة الجميلة , بكل البهاء والجمال والنور , لتعود بنا القاصة من جديد , إلى المشهد الأصلي في المسرح المكاني , مكرسة تأثرها بالحالة , ومستكملة المشوار , باتجاه السطوح , لترسم لنا بشكل لافت صورة تعبيرية , للبيت الفقير المدقع , وهي تسميه صندوقا , يشبه الصندوق الذي يصنع لإيواء الكلاب :
" أمسكت بناصية المسكن المقذوف في السطح. مساحته تقل عن أربعة أمتار سقفه قصديري به ثقوب .لا ماء ، لا كهرباء محط أنواع هزات فصل الشتاء .كما هو مستودع عفوا قمامة لذرى زوابع الفصول .بابه تخلى عن مصراعيه، ستار مطلي بسخافة الأيام ،...وقفت مشدوهة أمام هذا الصندوق العجيب "
وفي رشاقة أدبية , تأخذنا الأديبة معها في عملية تداع خاطفة , قادت إليها صورة الصندوق , المسمى سكنا , والذي يشبه صندوق الكلاب , تظهر على شكل حوارية بسيطة شكلا , ولكنها تحوي مضامين فكرية وظيفية :
" وعادة الكلاب يكرهها الأطفال .يتضايقون منها .تراهم يتحاملون عليها رميا بالحجارة حتى تتوارى .بينما يداعبون القطط والكتاكيت برفق ... مرة سألت طفلا :
- لم تهاجم هذا الكلب يا بني ، هذا حيوان أليف عليك اللطف به ؟
- رد الطفل وعيناه جاحظتان ملاحقا الكلب :
- إن الكلب حيوان غادر
- الكلب حيوان أمين يحرس بيتنا .
لا..الكلب مفترس إذا أمسك بك ينهش لحمك ،يمتص غضاريفك في تلذذ.لا تتقي فيه ،فالكلب كلب ولا شيء غير أنه كلب ...."
ثم يزداد السرد توترا وحدة , عندما تعود القاصة بنا , من رحلة الاستدعاء , ليزداد الغوص في الصورة السوداء القاتمة , ونبش المشهد الداخلي للصنوق المسمى سكنا , في تفصيلية مذهلة :
" - ا دخلي يا خالة ادخلي ...قالت الطفلة.
عند مقربة الباب لطمتني رائحة ما ...رفعت الستار ، أحكمت تعليقه جانبا . سرير مشلول وسط الغرفة .عُوضَت ساقه المبتورة بحجر، بجواره ر صندوق خشبي يحتضن أواني لقيطة . في الركن الآخر كلكل من الأسمال الممزقة ، وسطل تجرد عروته .ربما وضع للتبول والتغوط .المريضة على شواردها تلعق مواجعها القاسية بين الفينة والأخرى تداريها بأنات عليلة متواصلة "

يتبع....

يُمنى سالم
19-11-2007, 08:54 PM
الأديبة الراقية مالكة عسّال

أهلاً بكِ سيدتي أنرت شموع الفرح بهذا التواجد الرائع
أتمنى لكِ طيب المقام في أروقتنا الجميلة

لكِ اطيب المُنى

محبتي

د. نجلاء طمان
22-11-2007, 01:23 AM
القاصة الرائعة

بغض النظر عن هنات كيبوردية تسببت فيها لوحة المفاتيح, إلا أن قصة " زيارة مريضة" هي صفعة على وجه الطبقية. والقصة اعتمدت على تقنية القطع المتوازي, بين أزمنة مختلفة في خيال القاصة واستعراض تخيلات للمقارنة بين أحوال وأماكن, أردات منها القاصة أن تقدم للقاريء أوجه عديدة للمقارنة بين طبقات اجتماعية ومجتمعية. تمنيت أن أطيل ولكن مر قبلي أستاذ في النقد, تهيبت بعده التلميذة.

أشيد بقراءة أستاذي د. محمد حسن السمان وأتابع عودته سالما.

دمت مبدعة

د. نجلاء طمان

محمد سامي البوهي
18-12-2007, 01:16 PM
أسجل اعجابي بالنص ، ولي عودة بالشرح والتفصيل

مرحباً بك معنا استاذتي مالكة

أم إيمان
21-10-2009, 02:53 AM
احببت اعادته للسطح عل صاحبته تتفاعل و لا تكتفي بالظهور في لائحة الحضور
اختي الكريمة مالكة عسال قرات عنك الكثير مما يسجله الاعضاء في بعض المنتديات فرحة ببزوغ فجرك في منتداهم ....هذا اول نص اقراه لك و لي اليه عودة ان شاء الله و اتمنى عودتك بفاعلية
تحيتي و احترامي